Абу Хайян · Тафсир · на арабском
Худ 11:91–99
11:91–95Страница 232
قَالُواْ يَٰشُعَيۡبُ مَا نَفۡقَهُ كَثِيرٗا مِّمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَىٰكَ فِينَا ضَعِيفٗاۖ وَلَوۡلَا رَهۡطُكَ لَرَجَمۡنَٰكَۖ وَمَآ أَنتَ عَلَيۡنَا بِعَزِيزٖ ٩١
Они сказали: «О Шуейб! Многое из того, что ты говоришь, нам непонятно. Мы считаем тебя слабым среди нас. Если бы не твой род, мы побили бы тебя камнями. Ты нисколько не дорог нам».
قَالَ يَٰقَوۡمِ أَرَهۡطِيٓ أَعَزُّ عَلَيۡكُم مِّنَ ٱللَّهِ وَٱتَّخَذۡتُمُوهُ وَرَآءَكُمۡ ظِهۡرِيًّاۖ إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعۡمَلُونَ مُحِيطٞ ٩٢
Он сказал: «О мой народ! Неужели мой род дороже для вас, чем Аллах? Вы оставили Его за спиной, а ведь мой Господь объемлет то, что вы совершаете.
وَيَٰقَوۡمِ ٱعۡمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمۡ إِنِّي عَٰمِلٞۖ سَوۡفَ تَعۡلَمُونَ مَن يَأۡتِيهِ عَذَابٞ يُخۡزِيهِ وَمَنۡ هُوَ كَٰذِبٞۖ وَٱرۡتَقِبُوٓاْ إِنِّي مَعَكُمۡ رَقِيبٞ ٩٣
О мой народ! Действуйте по своему усмотрению, и я тоже буду действовать. Вы скоро узнаете, кого постигнут унизительные мучения и кто является лжецом. Ждите, и я подожду вместе с вами».
وَلَمَّا جَآءَ أَمۡرُنَا نَجَّيۡنَا شُعَيۡبٗا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُۥ بِرَحۡمَةٖ مِّنَّا وَأَخَذَتِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ ٱلصَّيۡحَةُ فَأَصۡبَحُواْ فِي دِيَٰرِهِمۡ جَٰثِمِينَ ٩٤
Когда же явилось Наше веление, Мы по Своей милости спасли Шуейба и тех, кто уверовал вместе с ним. А беззаконников поразил ужасный вопль, и они оказались повергнуты ниц в своих домах,
كَأَن لَّمۡ يَغۡنَوۡاْ فِيهَآۗ أَلَا بُعۡدٗا لِّمَدۡيَنَ كَمَا بَعِدَتۡ ثَمُودُ ٩٥
словно они никогда не жили там. Да сгинут мадьяниты, как сгинули самудяне!
﴿قالُوا يا شُعَيْبُ ما نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمّا تَقُولُ وإنّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفًا ولَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْناكَ وما أنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ﴾ ﴿قالَ ياقَوْمِ أرَهْطِي أعَزُّ عَلَيْكم مِنَ اللَّهِ واتَّخَذْتُمُوهُ وراءَكم ظِهْرِيًّا إنَّ رَبِّي بِما تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ ﴿ويا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكم إنِّي عامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ ومَن هو كاذِبٌ وارْتَقِبُوا إنِّي مَعَكم رَقِيبٌ﴾ ﴿ولَمّا جاءَ أمْرُنا نَجَّيْنا شُعَيْبًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا وأخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأصْبَحُوا في دِيارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ ﴿كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها ألا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾: (p-٢٥٦)كانُوا لا يُلْقُونَ إلَيْهِ أذْهانَهم، ولا يُصْغُونَ لِكَلامِهِ رَغْبَةً عَنْهُ وكَراهَةً لَهُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ﴾ [الأنعام: ٢٥] أوْ كانُوا يَفْهَمُونَهُ ولَكِنَّهم لَمْ يَقْبَلُوهُ، فَكَأنَّهم لَمْ يَفْقَهُوهُ، أوْ قالُوا ذَلِكَ عَلى وجْهِ الِاسْتِهانَةِ بِهِ كَما يَقُولُ الرَّجُلُ لِصاحِبِهِ إذا لَمْ يَعْبَأْ بِحَدِيثِهِ: ما أدْرِي ما تَقُولُ، أوْ جَعَلُوا كَلامَهُ هَذَيانًا وتَخْلِيطًا لا يُتَفَهَّمُ كَثِيرٌ مِنهُ، وكَيْفَ لا يُتَفَهَّمُ كَلامُهُ وهو خَطِيبُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
ثُمَّ الَّذِي حاوَرَهم بِهِ مِنَ الكَلامِ وخاطَبَهم بِهِ هو مِن أفْصَحِ الكَلامِ وأجَلِّهِ وأدَلِّهِ عَلى مَعانِيهِ بِحَيْثُ يَفْقَهُهُ مَن كانَ بَعِيدَ الفَهْمِ، فَضْلًا عَنِ الأذْكِياءِ العُقَلاءِ، ولَكِنَّ اللَّهَ تَعالى أرادَ خِذْلانَهم. ومَعْنى ضَعِيفًا: لا قُوَّةَ لَكَ ولا عِزَّ فِيما بَيْنَنا، فَلا تَقْدِرُ عَلى الِامْتِناعِ مِنهُ إنْ أرَدْناكَ بِمَكْرُوهٍ، وعَنِ الحَسَنِ: ضَعِيفًا مَهِينًا. وقِيلَ: كانَ ناحِلَ البَدَنِ زَمِنَهُ لا يَقَعُ في القَلْبِ مِنهُ هَيْبَةٌ ولا في العَيْنِ مِنهُ امْتِلاءٌ، والعَرَبُ تُعَظِّمُ بِكِبَرِ الأجْسامِ، وتَذُمُّ بِدَمامَتِها.
وقالَ الباقِرُ: مَهْجُورًا لا تُجالَسُ ولا تُعاشَرُ. وقالَ مُقاتِلٌ: ضَعِيفًا، أيْ: لَمْ يُؤْمِن بِكَ رَهْطُكَ. وقالَ السُّدِّيُّ: وحِيدًا في مَذْهَبِكَ واعْتِقادِكَ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ وشَرِيكٌ القاضِي: (ضَعِيفًا): ضَرِيرَ البَصَرِ أعْمى.
وحَكى الزَّهْراوِيُّ والزَّمَخْشَرِيُّ: أنَّ حِمْيَرَ تُسَمِّي الأعْمى: ضَعِيفًا، ويُبْعِدُهُ تَفْسِيرُهُ هُنا بِأعْمى أوْ بِناحِلِ البَدَنِ، أوْ بِضَعِيفِ البَصَرِ كَما قالَهُ الثَّوْرِيُّ. وزَعَمَ أبُو رَوْقٍ: أنَّ اللَّهَ لَمْ يَبْعَثْ نَبِيًّا أعْمى، ولا نَبِيًّا بِهِ زَمانَةٌ، بَلِ الظّاهِرُ أنَّهُ ضَعِيفُ الِانْتِصارِ والقُدْرَةِ.
﴿ولَوْلا رَهْطُكَ﴾: احْتَرَمُوهُ لِرَهْطِهِ إذْ كانُوا كُفّارًا مِثْلَهم، أوْ كانَ في عِزَّةٍ ومَنَعَةٍ مِنهم.
﴿لَرَجَمْناكَ﴾ . ظاهِرُهُ القَتْلُ بِالحِجارَةِ، وهي مِن شَرِّ القِتْلاتِ، وبِهِ قالَ ابْنُ زَيْدٍ، وقالَ الطَّبَرِيُّ: رَجَمْناكَ بِالسَّبِّ، وهَذا أيْضًا تَسْتَعْمِلُهُ العَرَبُ ومِنهُ: ﴿لَأرْجُمَنَّكَ واهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ [مريم: ٤٦] وقِيلَ: لَأبْعَدْناكَ وأخْرَجْناكَ مِن أرْضِنا.
﴿وما أنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ﴾، أيْ: لا تُعَزُّ ولا تُكْرَمُ حَتّى نُكْرِمَكَ مِنَ القَتْلِ، ونَرْفَعَكَ عَنِ الرَّجْمِ.
وإنَّما يَعِزُّ عَلَيْنا رَهْطُكُ لِأنَّهم مِن أهْلِ دِينِنا لَمْ يَحْتاجُّوكَ عَلَيْنا. وقِيلَ: بِعَزِيزٍ بِذِي مَنَعَةٍ وعِزَّةِ مَنزِلَةِ في نُفُوسِنا. وقِيلَ: بِذِي غَلَبَةٍ. وقِيلَ: بِمُلْكٍ، وكانُوا يُسَمُّونَ المَلِكَ عَزِيزًا. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقَدْ دَلَّ إيلاءُ ضَمِيرِهِ حَرْفَ النَّفْيِ عَلى أنَّ الكَلامَ واقِعٌ في الفاعِلِ لا في الفِعْلِ، كَأنَّهُ قِيلَ: وما أنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ بَلْ رَهْطُكَ هُمُ الأعِزَّةُ عَلَيْنا، ولِذَلِكَ قالَ في جَوابِهِمْ: ﴿أرَهْطِي أعَزُّ عَلَيْكم مِنَ اللَّهِ﴾ ؟ ولَوْ قِيلَ: وما عَزَزْتَ عَلَيْنا لَمْ يَصِحَّ هَذا الجَوابُ. (فَإنْ قُلْتَ): فالكَلامُ واقِعٌ فِيهِ وفي رَهْطِهِ وأنَّهُمُ الأعِزَّةُ عَلَيْهِمْ دُونَهُ، فَكَيْفَ صَحَّ قَوْلُهُ: ﴿أرَهْطِي أعَزُّ عَلَيْكم مِنَ اللَّهِ﴾ (قُلْتُ): تَهاوُنُهم بِهِ وهو نَبِيُّ اللَّهِ تَهاوُنٌ بِاللَّهِ فَحِينَ عَزَّ عَلَيْهِمْ رَهْطُهُ دُونَهُ، كانَ رَهْطُهُ أعَزَّ عَلَيْهِمْ مِنَ اللَّهِ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أطاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠]، انْتَهى.
والظّاهِرُ في قَوْلِهِ: ﴿واتَّخَذْتُمُوهُ﴾: أنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ عَلى اللَّهِ تَعالى، أيْ: ونَسِيتُمُوهُ وجَعَلْتُمُوهُ كالشَّيْءِ المَنبُوذِ وراءَ الظَّهْرِ لا يُعْبَأُ بِهِ. والظِّهْرِيُّ بِكَسْرِ الظّاءِ: مَنسُوبٌ إلى الظَّهْرِ مِن تَغْيِيراتِ النَّسَبِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهم في النَّسَبِ إلى الأمْسِ: إمْسِيٌّ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، ولَمّا خاطَبُوهُ خِطابَ الإهانَةِ والجَفاءِ جَرْيًا عَلى عادَةِ الكُفّارِ مَعَ أنْبِيائِهِمْ، خاطَبَهم خِطابَ الِاسْتِعْطافِ والتَّلَطُّفِ جَرْيًا عَلى عادَتِهِ في إلانَةِ القَوْلِ لَهم، والمَعْنى: أعَزُّ عَلَيْكم مِنَ اللَّهِ حَتّى جَعَلْتُمْ مُراعاتِي مِن أجْلِهِمْ ولَمْ تُسْنِدُوها إلى اللَّهِ، وأنا أوْلى وأحَقُّ أنْ أُراعى مِن أجْلِهِ، فالمُراعاةُ لِأجْلِ الخالِقِ أعْظَمُ مِنَ المُراعاةِ لِأجْلِ المَخْلُوقِ، والظِّهْرِيُّ: المَنسِيُّ المَتْرُوكُ الَّذِي جُعِلَ كَأنَّهُ خَلْفُ الظَّهْرِ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في ﴿واتَّخَذْتُمُوهُ﴾ عائِدٌ عَلى الشَّرْعِ الَّذِي جاءَ شُعَيْبٌ عَلَيْهِ السَّلامُ بِهِ.
وقِيلَ: الظِّهْرِيُّ العَوْنُ وما يُتَقَوّى بِهِ. قالَ المُبَرِّدُ: فالمَعْنى: واتَّخَذْتُمُ العِصْيانَ عِنْدَهُ لِدَفْعِي، انْتَهى. فَيَكُونُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: واتَّخَذْتُمُوهُ، أيْ: عِصْيانَهُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقالَتْ فِرْقَةٌ: واتَّخَذْتُمُوهُ، أيْ: (p-٢٥٧)وأنْتُمْ مُتَّخِذُونَ اللَّهَ سَنَدَ ظُهُورِكم وعِمادَ آمالِكم. فَقَوْلُ الجُمْهُورِ: عَلى أنَّ كُفْرَ قَوْمِ شُعَيْبٍ كانَ جَحْدًا بِاللَّهِ وجَهْلًا بِهِ، وهَذا القَوْلُ الثّانِي عَلى أنَّهم كانُوا يُقِرُّونَ بِالخالِقِ الرّازِقِ ويَعْتَقِدُونَ الأصْنامَ وسائِطَ ووَسائِلَ، ومِنَ اللَّفْظَةِ الِاسْتِظْهارُ بِالبَيِّنَةِ.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الظِّهْرِيُّ: الفَضْلُ، مِثْلَ الحَمّالِ يَخْرُجُ مَعَهُ بِإبِلٍ ظِهارِيَّةٍ يَعُدُّها إنِ احْتاجَ إلَيْها، وإلّا فَهي فَضْلَةٌ. (مُحِيطٌ): أحاطَ بِأعْمالِكم فَلا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنها، وفي ضِمْنِهِ تَوَعُّدٌ وتَهْدِيدٌ، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرِ قَوْلِهِ: ﴿ويا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ﴾ وخِلافُ القُرّاءِ في مَكانَتِكم. وجَوَّزَ الفَرّاءُ والزَّمَخْشَرِيُّ: في ﴿مَن يَأْتِيهِ﴾ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً مَفْعُولَةً بِقَوْلِهِ: تَعْلَمُونَ، أيْ: تَعْلَمُونَ الشَّقِيَّ الَّذِي يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ والَّذِي هو كاذِبٌ، واسْتِفْهامِيَّةً في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ، و(تَعْلَمُونَ): مُعَلَّقٌ كَأنَّهُ قِيلَ: أيُّنا يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ، وأيُّنا هو كاذِبٌ ؟ . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والأوَّلُ أحْسَنُ، يَعْنِي كَوْنَها مَفْعُولَةً قالَ: لِأنَّها مَوْصُولَةٌ، ولا يُوصَلُ في الِاسْتِفْهامِ، ويَقْضِي بِصِلَتِها أنَّ المَعْطُوفَةَ عَلَيْها مَوْصُولَةٌ لا مَحالَةَ، انْتَهى.
وقَوْلُهُ: ويَقْضِي بِصِلَتِها إلَخْ، لا يَقْضِي بِصِلَتِها، إذْ لا يَتَعَيَّنُ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً لا مَحالَةَ كَما قالَ، بَلْ تَكُونُ اسْتِفْهامِيَّةً إذا قَدَّرْتَها مَعْطُوفَةً عَلى مَن الِاسْتِفْهامِيَّةِ، كَما قَدَّرْناهُ: وأيُّنا هو كاذِبٌ ؟ .
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): أيُّ فَرْقٍ بَيْنَ إدْخالِ الفاءِ ونَزْعِها في سَوْفَ تَعْلَمُونَ ؟ (قُلْتُ): إدْخالُ الفاءِ وصْلٌ ظاهِرٌ بِحَرْفٍ مَوْضُوعٍ لِلْوَصْلِ، ونَزْعُها وصْلٌ خَفِيٌّ تَقْدِيرِيُّ بِالِاسْتِئْنافِ الَّذِي هو جَوابٌ لِسُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهم قالُوا: فَماذا يَكُونُ إذا عَمِلْنا نَحْنُ عَلى مَكانَتِنا، وعَمِلْتَ أنْتَ ؟ فَقالَ: سَوْفَ تَعْلَمُونَ، يُوصَلُ تارَةً بِالفاءِ، وتارَةً بِالِاسْتِئْنافِ، كَما هو عادَةُ البُلَغاءِ مِنَ العَرَبِ.
وأقْوى الوَصْلَيْنِ وأبْلَغُهُما: الِاسْتِئْنافُ، وهو بابٌ مِن أبْوابِ عِلْمِ البَيانِ تَتَكاثَرُ مَحاسِنُهُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): قَدْ ذَكَرَ عَمَلَهم عَلى مَكانَتِهِمْ، وعَمَلَهُ عَلى مَكانَتِهِ، ثُمَّ أتْبَعَهُ ذِكْرَ عاقِبَةِ العامِلِينَ مِنهُ ومِنهم، فَكانَ القِياسُ أنْ يَقُولَ: مَن يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ ومَن هو صادِقٌ، حَتّى يَنْصَرِفَ مَن يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ إلى الجاحِدِينَ، ومَن هو صادِقٌ إلى النَّبِيِّ المَبْعُوثِ إلَيْهِمْ.
(قُلْتُ): القِياسُ ما ذَكَرْتُ، ولَكِنَّهم لَمّا كانُوا يَعُدُّونَهُ كاذِبًا قالَ: ومَن هو كاذِبٌ يَعْنِي: في زَعْمِكم ودَعْواكم تَجْهِيلًا لَهُمُ، انْتَهى.
وفِي ألْفاظِ هَذا الرَّجُلِ سُوءُ أدَبٍ، والَّذِي قالَهُ لَيْسَ بِقِياسٍ، لِأنَّ التَّهْدِيدَ الَّذِي وقَعَ لَيْسَ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ، ولا هو داخِلٌ في التَّهْدِيدِ المُرادِ بِقَوْلِهِ: ﴿سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾، إذْ لَمْ يَأْتِ التَّرْكِيبُ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكم، وأعْمَلُ عَلى مَكانَتِي، ولا سَوْفَ تَعْلَمُونَ.
واعْلَمُ أنَّ التَّهْدِيدَ مُخْتَصٌّ بِهِمْ. واسْتَسْلَفَ الزَّمَخْشَرِيُّ قَوْلَهُ: قَدْ ذَكَرَ عَمَلَهم عَلى مَكانَتِهِمْ، وعَمَلَهُ عَلى مَكانَتِهِ، فَبَنى عَلى ذَلِكَ سُؤالًا فاسِدًا، لِأنَّ المُتَرَتِّبَ عَلى ما لَيْسَ مَذْكُورًا لا يَصِحُّ البَتَّةَ، وجَمِيعُ الآيَةِ والَّتِي قَبْلَها إنَّما هي بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ عَلى سَبِيلِ التَّهْدِيدِ، ونَظِيرُهُ في سُورَةِ (تَنْزِيلُ): ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ ويَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ [هود: ٣٩]، فَهَذا جاءَ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُخاطَبِينَ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ ياقَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٥] كَما جاءَ هُنا، ﴿وارْتَقِبُوا﴾: انْتَظِرُوا العاقِبَةَ وما أقُولُ لَكم. والرَّقِيبُ بِمَعْنى: الرّاقِبِ فَعِيلٌ لِلْمُبالَغَةِ، أوْ بِمَعْنى: المُراقِبِ كالعَشِيرِ والجَلِيسِ، أوْ بِمَعْنى: المُرْتَقِبِ كالفَقِيرِ والرَّفِيعِ بِمَعْنى: المُفْتَقِرِ والمُرْتَفِعِ، ويُحَسِّنُ هَذا مُقابَلَةُ فارْتَقِبُوا.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): ما بالُ ساقَتَيْ قِصَّةِ عادٍ وقِصَّةِ مَدْيَنَ جاءَتا بِالواوِ والسّاقَتانِ الوَسَطِيّانِ بِالفاءِ ؟ (قُلْتُ): قَدْ وقَعَتِ الوَسَطِيّانِ بَعْدَ ذِكْرِ الوَعْدِ وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿إنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ﴾ [هود: ٨١] ﴿ذَلِكَ وعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ [هود: ٦٥] فَجِيءَ بِالفاءِ الَّتِي لِلتَّسَبُّبِ كَما تَقُولُ: وعَدْتُهُ فَلَمّا جاءَ المِيعادُ كانَ كَيْتَ وكَيْتَ، وأمّا الأُخْرَيانِ فَلَمْ يَقَعا بِتِلْكَ المَنزِلَةِ، وإنَّما وقَعَتا مُبْتَدَأتَيْنِ، فَكانَ حَقُّهُما أنْ يُعْطَفا بِحَرْفِ الجَمْعِ عَلى ما قَبْلَهُما كَما تُعْطَفُ قِصَّةٌ عَلى قِصَّةٍ، انْتَهى.
وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ ﴿ولَمّا جاءَ أمْرُنا﴾ [هود: ٥٨] إلى قَوْلِهِ: ﴿كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها﴾ [هود: ٦٨] . وقَرَأ السُّلَمِيُّ وأبُو حَيْوَةَ: ﴿كَما بَعِدَتْ﴾ بِضَمِّ العَيْنِ مِنَ البُعْدِ الَّذِي هو ضِدُّ القُرْبِ، والجُمْهُورُ (p-٢٥٨)بِكَسْرِها، أرادَتِ العَرَبُ التَّفْرِقَةَ بَيْنَ البُعْدِ مِن جِهَةِ الهَلاكِ وبَيْنَ غَيْرِهِ، فَغَيَّرُوا البِناءَ، وقِراءَةُ السُّلَمِيِّ جاءَتْ عَلى الأصْلِ اعْتِبارًا لِمَعْنى البُعْدِ مِن غَيْرِ تَخْصِيصٍ كَما يُقالُ: ذَهَبَ فُلانٌ، ومَضى في مَعْنى القُرْبِ.
وقِيلَ: مَعْناهُ بُعْدًا لَهم مِن رَحْمَةِ اللَّهِ كَما بَعُدَتْ ثَمُودُ مِنها. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: بَعُدَ يَبْعُدُ إذا كانَ بُعْدُهُ هَلَكَةً، وبَعُدَ يَبْعُدُ إذا تَأنّى. وقالَ النَّحّاسُ: المَعْرُوفُ في اللُّغَةِ بَعُدَ يَبْعُدُ بُعْدًا وبَعَدًا إذا هَلَكَ. وقالَ المَهْدَوِيُّ: بَعُدَ يُسْتَعْمَلُ في الخَيْرِ والشَّرِّ، وبَعِدَ في الشَّرِّ خاصَّةً.
وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: مِنَ العَرَبِ مَن يُسَوِّي بَيْنَ الهَلاكِ والبُعْدِ الَّذِي هو ضِدُّ القُرْبِ، فَيَقُولُ فِيهِما بَعُدَ يَبْعُدُ، وبَعِدَ يَبْعُدُ. وقالَ مالِكُ بْنُ الرَّيْبِ: في بَعُدَ بِمَعْنى: هَلَكَ.
؎يَقُولُونَ لا تَبْعُدْ وهم يَدْفِنُونَنِي وأيْنَ مَكانُ البُعْدِ إلّا مَكانِيا
وبُعْدًا لْفُلانٍ: دُعاءٌ عَلَيْهِ، ولا يُدْعى بِهِ إلّا عَلى مُبْغَضٍ كَقَوْلِكَ: سُحْقًا لِلْكافِرِينَ.
وقالَ أهْلُ عِلْمِ البَيانِ: لَمْ يَرِدْ في القُرْآنِ اسْتِطْرادٌ إلّا هَذا المَوْضِعُ، والِاسْتِطْرادُ قالُوا: هو أنْ تَمْدَحَ شَيْئًا أوْ تَذُمَّهُ، ثُمَّ تَأْتِي في آخِرِ الكَلامِ بِشَيْءٍ هو غَرَضُكَ في أوَّلِهِ. قالَ حَسّانُ:
؎إنْ كُنْتِ كاذِبَةَ الَّذِي حَدَّثْتِنِي ∗∗∗ فَنَجَوْتِ مَنجى الحارْثِ بْنِ هِشامِ
؎تَرَكَ الأحِبَّةَ أنْ يُقاتِلَ دُونَهم ∗∗∗ ونَجا بِرَأْسِ طِمِرَّةٍ ولِجامِ
11:96–99Страница 232
وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا مُوسَىٰ بِـَٔايَٰتِنَا وَسُلۡطَٰنٖ مُّبِينٍ ٩٦
Мы отправили Мусу (Моисея) с Нашими знамениями и явным доказательством
إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ وَمَلَإِيْهِۦ فَٱتَّبَعُوٓاْ أَمۡرَ فِرۡعَوۡنَۖ وَمَآ أَمۡرُ فِرۡعَوۡنَ بِرَشِيدٖ ٩٧
к Фараону и его знати. Но они последовали повелению Фараона, хотя повеление Фараона было неразумным.
يَقۡدُمُ قَوۡمَهُۥ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ فَأَوۡرَدَهُمُ ٱلنَّارَۖ وَبِئۡسَ ٱلۡوِرۡدُ ٱلۡمَوۡرُودُ ٩٨
В День воскресения Фараон возглавит свой народ и поведет их в Огонь. Отвратительно то место, куда их поведут!
وَأُتۡبِعُواْ فِي هَٰذِهِۦ لَعۡنَةٗ وَيَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۚ بِئۡسَ ٱلرِّفۡدُ ٱلۡمَرۡفُودُ ٩٩
Проклятия будут преследовать их здесь и в День воскресения. Отвратителен дар, которым их одарили!
﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ ﴿إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ فاتَّبَعُوا أمْرَ فِرْعَوْنَ وما أمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ القِيامَةِ فَأوْرَدَهُمُ النّارَ وبِئْسَ الوِرْدُ المَوْرُودُ﴾ ﴿وأُتْبِعُوا في هَذِهِ لَعْنَةً ويَوْمَ القِيامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ المَرْفُودُ﴾: الآياتُ المُعْجِزاتُ التِّسْعُ: العَصا واليَدُ والطُّوفانُ والجَرادُ والقُمَّلُ والضَّفادِعُ والدَّمُ ونَقْصٌ مِنَ الأمْوالِ والأنْفُسِ والثَّمَراتِ، ومِنهم مَن أبْدَلَ النَّقْصَ بِإظْلالِ الجَبَلِ.
وقِيلَ: الآياتُ: التَّوْراةُ، وهَذا لَيْسَ بِسَدِيدٍ، لِأنَّهُ قالَ ﴿إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ﴾، والتَّوْراةُ إنَّما نَزَلَتْ بَعْدَ هَلاكِ فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ. والسُّلْطانُ المُبِينُ هو: الحُجَجُ الواضِحَةُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ: ﴿وسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾: فِيها، أيْ: في الآياتِ، وهي دالَّةٌ عَلى صِدْقِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ. ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِها العَصا لِأنَّها أبْهَرُ تِلْكَ الآياتِ، فَنَصَّ عَلَيْها كَما نَصَّ عَلى جِبْرِيلَ ومِيكائِيلَ بَعْدَ ذِكْرِ المَلائِكَةِ عَلى سَبِيلِ التَّشْرِيفِ بِالذِّكْرِ. والظّاهِرُ أنْ يُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿أمْرَ فِرْعَوْنَ﴾ أمْرَهُ إيّاهم بِالكُفْرِ وجَحْدِ مُعْجِزاتِ مُوسى، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: الطَّرِيقَ والشَّأْنَ.
﴿وما أمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾: نَفى عَنْهُ الرُّشْدَ، وذَلِكَ تَجْهِيلٌ لِمُتَّبِعِيهِ حَيْثُ شايَعُوهُ عَلى أمْرِهِ، وهو ضَلالٌ مُبِينٌ لا يَخْفى عَلى مَن فِيهِ أدْنى مُسْكَةٍ مِنَ العَقْلِ. وذَلِكَ أنَّهُ ادَّعى الإلَهِيَّةَ وهو بَشَرٌ مِثْلُهم. عايَنُوا الآياتِ والسُّلْطانَ المُبِينَ في أمْرِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وعَلِمُوا أنَّ مَعَهُ الرُّشْدَ والحَقَّ، ثُمَّ عَدَلُوا عَنِ اتِّباعِهِ إلى اتِّباعِ مَن لَيْسَ في اتِّباعِهِ رُشْدٌ.
ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ﴿رَشِيدٌ﴾ [هود: ٧٨] بِمَعْنى راشِدٍ، ويَكُونَ رَشِيدٍ بِمَعْنى: مُرْشِدٍ، أيْ: بِمُرْشِدٍ إلى خَيْرٍ. وكانَ فِرْعَوْنُ دَهْرِيًّا نافِيًا لِلصّانِعِ والمَعادِ، وكانَ (p-٢٥٩)يَقُولُ: لا إلَهَ لِلْعالَمِ، وإنَّما يَجِبُ عَلى أهْلِ كُلِّ بَلَدٍ أنْ يَشْتَغِلُوا بِطاعَةِ سُلْطانِهِمْ، فَلِذَلِكَ كانَ أمْرُهُ خالِيًا عَنِ الرُّشْدِ بِالكُلِّيَّةِ. والرُّشْدُ يُسْتَعْمَلُ في كُلِّ ما يُحْمَدُ ويُرْتَضى، والغَيُّ ضِدُّهُ. ويُقالُ: قَدَمَ زَيْدٌ القَوْمَ يَقْدُمُ قَدْمًا وقُدُومًا تَقَدَّمَهم والمَعْنى: أنَّهُ يَقْدُمُ قَوْمَهُ المُغْرِقِينَ إلى النّارِ، وكَما كانَ قُدْوَةً في الضَّلالِ مُتَّبَعًا كَذَلِكَ يَتَقَدَّمُهم إلى النّارِ وهم يَتْبَعُونَهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿بِرَشِيدٍ﴾: بِحَمِيدِ العاقِبَةِ، ويَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ﴾، تَفْسِيرًا لِذَلِكَ وإيضاحًا، أيْ: كَيْفَ يَرْشُدُ أمْرُ مَن هَذِهِ عاقِبَتُهُ ؟ وعَدَلَ عَنْ فَيُورِدُهم إلى ﴿فَأوْرَدَهُمُ﴾ لِتَحَقُّقِ وُقُوعِهِ لا مَحالَةَ، فَكَأنَّهُ قَدْ وقَعَ، ولِما في ذَلِكَ مِنَ الإرْهابِ والتَّخْوِيفِ.
أوْ هو ماضٍ حَقِيقَةً، أيْ: فَأوْرَدَهم في الدُّنْيا النّارَ، أيْ: مُوجِبَهُ وهو الكُفْرُ. ويُبْعِدُ هَذا التَّأْوِيلَ الفاءُ، والوُرُودُ في هَذِهِ الآيَةِ: وُرُودُ الخُلُودِ ولَيْسَ بِوُرُودِ الإشْرافِ عَلى الشَّيْءِ والإشْفاءِ كَقَوْلِهِ: ﴿ولَمّا ورَدَ ماءَ مَدْيَنَ﴾ [القصص: ٢٣] ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ النّارُ تُصِيبُهُ عَلى إعْمالِ الثّانِي لِأنَّهُ تُنازِعُهُ يَقْدُمُ، أيْ: إلى النّارِ وفَأوْرَدَهم، فَأُعْمِلَ الثّانِي وحُذِفَ مَعْمُولُ الأوَّلِ. والهَمْزَةُ في فَأوْرَدَهُمُ لِلتَّعْدِيَةِ، ورَدَ يَتَعَدّى إلى واحِدٍ، فَلَمّا أُدْخِلَتِ الهَمْزَةُ تَعَدّى إلى اثْنَيْنِ، فَتَضَمَّنَ وارِدًا ومَوْرُودًا. ويُطْلَقُ الوِرْدُ عَلى: الوارِدِ، فالوِرْدُ لا يَكُونُ المَوْرُودَ، فاحْتِيجَ إلى حَذْفٍ لِيُطابِقَ فاعِلَ بِئْسَ المَخْصُوصَ بِالذَّمِّ، فالتَّقْدِيرُ: وبِئْسَ مَكانُ الوِرْدِ المَوْرُودُ ويَعْنِي بِهِ: النّارَ. فالوِرْدُ فاعِلٌ بِبِئْسَ، والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ: المَوْرُودُ وهي: النّارُ. ويَجُوزُ في إعْرابِ المَوْرُودُ ما يَجُوزُ في زَيْدٍ مِن قَوْلِكَ: بِئْسَ الرَّجُلُ زَيْدٌ، وجَوَّزَ ابْنُ عَطِيَّةَ وأبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ المَوْرُودُ صِفَةً لِلْوِرْدِ، أيْ: بِئْسَ مَكانُ الوِرْدِ المَوْرُودِ النّارُ، ويَكُونُ المَخْصُوصُ مَحْذُوفًا لِفَهْمِ المَعْنى، كَما حُذِفَ في قَوْلِهِ: ﴿فَبِئْسَ المِهادُ﴾ [ص: ٥٦] وهَذا التَّخْرِيجُ يُبْتَنى عَلى جَوازِ وصْفِ فاعِلِ نِعْمَ وبِئْسَ، وفِيهِ خِلافٌ. ذَهَبَ ابْنُ السَّرّاجِ والفارِسِيُّ إلى أنَّ ذَلِكَ لا يَجُوزُ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والوِرْدُ المَوْرُودُ الَّذِي ورَدُوهُ: شَبَّهَهُ بِالفارِطِ الَّذِي يَتَقَدَّمُ الوارِدَةَ إلى الماءِ، وشَبَّهَ اتِّباعَهُ بِالوارِدَةِ، ثُمَّ قِيلَ: بِئْسَ الوِرْدُ الَّذِي يَرِدُونَهُ النّارُ، لِأنَّ الوِرْدَ إنَّما يُورَدُ لِتَسْكِينِ العَطَشِ وتَبْرِيدِ الأكْبادِ، والنّارُ ضِدُّهُ، انْتَهى. وقَوْلُهُ: والوِرْدُ المَوْرُودُ: إطْلاقُ الوِرْدِ عَلى المَوْرُودِ مَجازٌ، إذْ نَقَلُوا أنَّهُ يَكُونُ صَدْرًا بِمَعْنى: الوُرُودِ، أوْ بِمَعْنى: الوارِدَةِ مِنَ الإبِلِ وتَقْدِيرُهُ: بِئْسَ الوِرْدُ الَّذِي يَرِدُونَهُ النّارُ، يَدُلُّ عَلى أنَّ المَوْرُودَ صِفَةٌ لِلْوِرْدِ، وأنَّ المَخْصُوصَ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ، ولِذَلِكَ قَدَّرَهُ: النّارَ.
وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ ذَلِكَ يُبْتَنى عَلى جَوازِ وصْفِ فاعِلِ بِئْسَ ونِعْمَ. وقِيلَ: التَّقْدِيرُ: بِئْسَ القَوْمُ المَوْرُودُ بِهِمْ هم، فَيَكُونُ الوِرْدُ عُنِيَ بِهِ الجَمْعُ الوارِدُ، والمَوْرُودُ صِفَةٌ لَهم، والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ: الضَّمِيرُ المَحْذُوفُ وهو هم، فَيَكُونُ ذَلِكَ ذَمًّا لِلْوارِدِينَ، لا ذَمًّا لِمَوْضِعِ الوُرُودِ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: (في هَذِهِ) إلى الدُّنْيا وقَدْ جاءَ مُصَرَّحًا بِها في قِصَّةِ هُودٍ، ودَلَّ عَلَيْها قَوْلُهُ: ﴿ويَوْمَ القِيامَةِ﴾ [هود: ٦٠]، لِأنَّهُ الآخِرَةُ. فَيَوْمَ مَعْطُوفٌ عَلى مَوْضِعِ في هَذِهِ، والمَعْنى: أنَّهم أُلْحِقُوا لَعْنَةً في الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ.
قالَ الكَلْبِيُّ: ﴿فِي هَذِهِ لَعْنَةً﴾ مِنَ المُؤْمِنِينَ أوْ بِالغَرَقِ، ويَوْمَ القِيامَةِ مِنَ المَلائِكَةِ أوْ بِالنّارِ. وقالَ مُجاهِدٌ: فَلَهم لَعْنَتانِ، وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ التَّقْسِيمَ هو أنَّ لَهم في الدُّنْيا لَعْنَةً، ويَوْمَ القِيامَةِ يَرْفِدُونَ بِهِ فَهي لَعْنَةٌ واحِدَةٌ أوَّلًا، وقُبْحُ إرْفادٍ آخِرًا، انْتَهى.
وهَذا لا يَصِحُّ لِأنَّ هَذا التَّأْوِيلَ يَدُلُّ عَلى أنَّ يَوْمَ القِيامَةِ مَعْمُولٌ لَبِئْسَ، وبِئْسَ لا يَتَصَرَّفُ، فَلا يَتَقَدَّمُ مَعْمُولُها عَلَيْها، فَلَوْ تَأخَّرَ ﴿يَوْمَ القِيامَةِ﴾ صَحَّ كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎ولَنِعْمَ حَشْوُ الدِّرْعِ أنْتَ إذا دُعِيَتْ نِزالِ ولُجَّ في الذُّعْرِ
. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بِئْسَ الرِّفْدُ المَرْفُودُ رِفْدُهم، أيْ: بِئْسَ العَوْنُ المُعانُ، وذَلِكَ أنَّ اللَّعْنَةَ في الدُّنْيا رِفْدٌ لِلْعَذابِ ومَدَدٌ لَهُ، وقَدْ رُفِدَتْ بِاللَّعْنَةِ في الآخِرَةِ. وقِيلَ: بِئْسَ العَطاءُ المُعْطى، انْتَهى.
ويَظْهَرُ مِن كَلامِهِ أنَّ المَرْفُودَ صِفَةٌ لِلرِّفْدِ، وأنَّ المَخْصُوصَ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: رِفْدُهم، وما ذَكَرَ مِن تَفْسِيرِهِ، أيْ: بِئْسَ (p-٢٦٠)العَوْنُ المُعانُ هو قَوْلُ أبِي عُبَيْدَةَ، وسُمِّيَ العَذابُ رِفْدًا عَلى نَحْوِ قَوْلِهِمْ: تَحِيَّةُ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وجِيعُ. وقالَ الكَلْبِيُّ: الرِّفْدُ الرِّفادَةُ، أيْ: بِئْسَ ما يَرْفِدُونَ بِهِ بَعْدَ الغَرَقِ النّارُ.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии