Абу Хайян · Тафсир · на арабском
Аль Имран 3:98–102
3:98Страница 62
قُلۡ يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ لِمَ تَكۡفُرُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ شَهِيدٌ عَلَىٰ مَا تَعۡمَلُونَ ٩٨
Скажи: «О люди Писания! Почему вы не веруете в знамения Аллаха, в то время, как Аллах наблюдает за тем, что вы совершаете?».
﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ واللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما تَعْمَلُونَ﴾ قالَ الطَّبَرِيُّ: سَبَبُ نُزُولِها ونُزُولِ ما بَعْدَها إلى قَوْلِهِ: ﴿وأُولَئِكَ لَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٠٥] أنَّ رَجُلًا مِنَ اليَهُودِ حاوَلَ الإغْراءَ بَيْنَ الأوْسِ والخَزْرَجِ، واسْمُهُ: شاسُ بْنُ قَيْسٍ، وكانَ أعْمًى شَدِيدَ الضَّغَنِ والحَسَدِ لِلْمُسْلِمِينَ، فَرَأى ائْتِلافَ الأوْسِ والخَزْرَجِ، فَقالَ: ما لَنا مِن قَرارٍ بِهَذِهِ البِلادِ مَعَ اجْتِماعِ مَلَإ بَنِي قَيْلَةَ، فَأمَرَ شابًّا مِنَ اليَهُودِ أنْ يُذَكِّرَهم يَوْمَ بُعاثٍ وما جَرى فِيهِ مِنَ الحَرْبِ وما قالُوهُ مِنَ الشِّعْرِ، فَفَعَلَ، فَتَكَلَّمُوا حَتّى ثارُوا إلى السِّلاحِ بِالحَرَّةِ. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أبِدَعْوى الجاهِلِيَّةِ وأنا بَيْنَ أظْهُرِكم» ؟ ووَعَظَهم، فَرَجَعُوا، وعانَقَ بَعْضُهم بَعْضًا، هَذا مُلَخَّصُهُ وذَكَرُوهُ مُطَوَّلًا. وقالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، والسُّدِّيُّ: نَزَلَتْ في أحْبارِ اليَهُودِ الَّذِينَ كانُوا يَصُدُّونَ المُسْلِمِينَ عَنِ الإسْلامِ بِأنْ يَقُولُوا لَهم: إنَّ مُحَمَّدًا لَيْسَ بِالمَوْصُوفِ في كِتابِنا، والظّاهِرُ نِداءُ أهْلِ الكِتابِ عُمُومًا والعامَّةِ، وإنْ لَمْ يَعْلَمُوا، فالحُجَّةُ قائِمَةٌ عَلَيْهِمْ كَقِيامِها عَلى الخاصَّةِ. وكَأنَّهم بِتَرْكِ الِاسْتِدْلالِ والعُدُولِ إلى التَّقْلِيدِ بِمَنزِلَةِ مَن عَلِمَ ثُمَّ أنْكَرَهُ. وقِيلَ: المُرادُ عُلَماءُ أهْلِ الكِتابِ الَّذِينَ عَلِمُوا صِحَّةَ نُبُوَّتِهِ، واسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ: ”﴿وأنْتُمْ شُهَداءُ﴾ [آل عمران: ٩٩]“ . انْتَهى هَذا القَوْلُ. وخَصَّ أهْلَ الكِتابِ بِالذِّكْرِ دُونَ سائِرِ الكُفّارِ؛ لِأنَّهم هُمُ المُخاطَبُونَ في صَدْرِ هَذِهِ الآيَةِ، المُورَدُ الدَّلائِلُ عَلَيْهِمْ مِنَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، والمُجابُونَ عَنْ شُبَهِهِمْ في ذَلِكَ؛ ولِأنَّ مَعْرِفَتَهم بِآياتِ اللَّهِ أقْوى لِتَقَدُّمِ اعْتِرافِهِمْ بِالتَّوْحِيدِ وأصْلِ النُّبُوَّةِ، ولِمَعْرِفَتِهِمْ بِما في كُتُبِهِمْ مِنَ الشَّهادَةِ لِلرَّسُولِ والبِشارَةِ بِهِ. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى أنَّ في البَيْتِ آياتٌ بَيِّناتٌ وأوْجَبَ حَجَّهُ، ثُمَّ قالَ: ﴿ومَن كَفَرَ فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧] ناسَبَ أنْ يُنْكِرَ عَلى الكُفّارِ كُفْرَهم بِآياتِ اللَّهِ، فَناداهم بِـ ”﴿ياأهْلَ الكِتابِ﴾“؛ لِيُنَبِّهَهم عَلى أنَّهم أهْلُ الكِتابِ، فَلا يُناسِبُ مَن يَعْتَزِي إلى كِتابِ اللَّهِ أنْ يَكْفُرَ بِآياتِهِ، بَلْ يَنْبَغِي طَواعِيَتُهُ وإيمانُهُ بِها؛ إذْ لَهُ مَرْجِعٌ مِنَ العِلْمِ يَصِيرُ إلَيْهِ إذا اعْتَرَتْهُ شُبْهَةٌ.
والآياتُ: هي العَلاماتُ الَّتِي نَصَبَها اللَّهُ دَلالَةً عَلى الحَقِّ. وقِيلَ: آياتُ اللَّهِ هي آياتٌ مِنَ التَّوْراةِ فِيها صِفَةُ مُحَمَّدٍ ﷺ . ويُحْتَمَلُ القُرْآنُ ومُعْجِزَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
﴿واللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما تَعْمَلُونَ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ فِيها تَهْدِيدٌ ووَعِيدٌ. أيْ إنَّ مَن كانَ اللَّهُ مُطَّلِعًا عَلى أعْمالِهِ مُشاهِدًا لَهُ في جَمِيعِ أحْوالِهِ لا يُناسِبُهُ أنْ يَكْفُرَ بِآياتِهِ، فَلا يُجامِعُ العِلْمَ بِأنَّ اللَّهَ مُطَّلِعٌ عَلى جَمِيعِ أعْمالِ الكُفْرِ بِآياتِ اللَّهِ؛ لِأنَّ مَن تَيَقَّنَ أنَّ اللَّهَ مُجازِيهِ لا يَكادُ يَقَعُ مِنهُ الكُفْرُ الَّذِي هو أعْظَمُ الكَبائِرِ. وأتَتْ صِيغَةُ ”شَهِيدٌ“ لِتَدُلَّ عَلى المُبالَغَةِ بِحَسَبِ المُتَعَلِّقِ؛ لِأنَّ الشَّهادَةَ يُرادُ بِها العِلْمُ في حَقِّ اللَّهِ وصِفاتِهِ تَعالى مِن حَيْثُ هي هي لا تَقْبَلُ التَّفاوُتَ بِالزِّيادَةِ والنُّقْصانِ. فَإذا جاءَتِ الصِّفَةُ مِن أوْصافِهِ لِلْمُبالَغَةِ فَذَلِكَ بِحَسَبِ مُتَعَلِّقاتِها. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ”لِمَ“ وحَذْفِ الألِفِ مِن ”ما“ الِاسْتِفْهامِيَّةِ إذا دَخَلَ عَلَيْها الجارُّ. وقَوْلُهُ: ”﴿عَلى ما تَعْمَلُونَ﴾“ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: شَهِيدٌ، و”ما“ مَوْصُولَةٌ. وجَوَّزُوا (p-١٤)أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، أيْ عَلى عَمَلِكم.
3:99Страница 62
قُلۡ يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ مَنۡ ءَامَنَ تَبۡغُونَهَا عِوَجٗا وَأَنتُمۡ شُهَدَآءُۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعۡمَلُونَ ٩٩
Скажи: «О люди Писания! Почему вы сбиваете верующих с пути Аллаха, пытаясь исказить его, будучи свидетелями правдивости Мухаммада и истинности ислама? Аллах не находится в неведении относительно того, что вы совершаете».
﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَن آمَنَ تَبْغُونَها عِوَجًا وأنْتُمْ شُهَداءُ وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ لَمّا أنْكَرَ عَلَيْهِمْ كُفْرَهم في أنْفُسِهِمْ وضَلالَهم، ولَمْ يَكْتَفُوا حَتّى سَعَوْا في إضْلالِ مَن آمَنَ، أنْكَرَ عَلَيْهِمْ تَعالى ذَلِكَ، فَجَمَعُوا بَيْنَ الضَّلالِ والإضْلالِ: مَن سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعَلَيْهِ وِزْرُها ووِزْرُ مَن عَمِلَها. و”صَدَّ“: لازِمٌ ومُتَعَدٍّ. يُقالُ: صَدَّ عَنْ كَذا، وصَدَّ غَيْرَهُ عَنْ كَذا. وقِراءَةُ الجُمْهُورِ: يَصُدُّونَ ثُلاثِيًّا، وهو مُتَعَدٍّ، ومَفْعُولُهُ ”مَن آمَنَ“ . وقَرَأ الحَسَنُ: تَصُدُّونَ مِن أصَدَّ، عَدّى صَدَّ اللّازِمَ بِالهَمْزِ، وهُما لُغَتانِ.
وقالَ ذُو الرُّمَّةِ:
؎أُناسٌ أصَدُّوا النّاسَ بِالسَّيْفِ عَنْهُمُ
ومَعْنى صَدَّ هُنا: صَرَفَ. وسَبِيلُ اللَّهِ: هو دِينُ اللَّهِ، وطَرِيقُ شَرْعِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ أنَّها تُذَكَّرُ وتُؤَنَّثُ. ومِنَ التَّأْنِيثِ قَوْلُهُ:
؎فَلا تَبْعُدْ فَكُلُّ فَتى أُناسٍ ∗∗∗ سَيُصْبِحُ سالِكًا تِلْكَ السَّبِيلًا
قالَ الرّاغِبُ: وقَدْ جاءَ ﴿ياأهْلَ الكِتابِ﴾ [آل عمران: ٩٨] دُونَ ”قُلْ“، وجاءَ هُنا ”قُلْ“، فَبِدُونِ ”قُلْ“ هو اسْتِدْعاءٌ مِنهُ تَعالى لَهم إلى الحَقِّ، فَجَعَلَ خِطابَهم مِنهُ اسْتِلانَةً لِلْقَوْمِ؛ لِيَكُونُوا أقْرَبَ إلى الِانْقِيادِ. ولَمّا قَصَدَ الغَضَّ مِنهم ذَكَرَ ”قُلْ“ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهم غَيْرُ مُسْتَأْهِلِينَ أنْ يُخاطِبَهم بِنَفْسِهِ، وإنْ كانَ كِلا الخِطابَيْنِ وصَلَ عَلى لِسانِ النَّبِيِّ ﷺ . وأطْلَقَ ”أهْلَ الكِتابِ“ عَلى المَدْحِ تارَةً، وعَلى الذَّمِّ أُخْرى. وأهْلُ القُرْآنِ والسُّنَّةِ لا يَنْطَلِقُ إلّا عَلى المَدْحِ؛ لِأنَّ الكِتابَ قَدْ يُرادُ بِهِ ما افْتَعَلُوهُ دُونَ ما أنْزَلَ اللَّهُ، نَحْوَ: ﴿يَكْتُبُونَ الكِتابَ بِأيْدِيهِمْ﴾ [البقرة: ٧٩] وقَدْ يُرادُ بِهِ ما أنْزَلَ اللَّهُ. وأيْضًا فَقَدْ يَصِحُّ أنْ يُقالَ عَلى سَبِيلِ الذَّمِّ والتَّهَكُّمِ، كَما لَوْ قِيلَ: يا أهْلَ الكِتابِ، لِمَن لا يَعْمَلُ بِمُقْتَضاهُ. انْتَهى ما لُخِّصَ مِن كَلامِهِ. والهاءُ في ”يَبْغُونَها“ عائِدَةٌ عَلى السَّبِيلِ. قالَ الزَّجّاجُ والطَّبَرِيُّ: يَطْلُبُونَ لَها اعْوِجاجًا. تَقُولُ العَرَبُ: ابْغِنِي كَذا - بِوَصْلِ الألِفِ - أيِ اطْلُبْهُ. أيْ وأبْغِنِي - بِقَطْعِ الألِفِ - أعِنِّي عَلى طَلَبِهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ) كَيْفَ يَبْغُونَها عِوَجًا وهو مُحالٌ ؟ (قُلْتُ) فِيهِ مَعْنَيانِ، أحَدُهُما: أنَّكم تَلْبِسُونَ عَلى النّاسِ حَتّى تُوهِمُوهم أنَّ فِيها عِوَجًا بِقَوْلِكم: إنَّ شَرِيعَةَ مُوسى لا تُنْسَخُ، وبِتَغْيِيرِكم صِفَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَنْ وجْهِها، ونَحْوِ ذَلِكَ. والثّانِي: أنَّكم تُتْعِبُونَ أنْفُسَكم في إخْفاءِ الحَقِّ وابْتِغاءِ ما لا يَتَأتّى لَكم مِن وُجُودِ العِوَجِ فِيما هو أقْوَمُ مِن كُلِّ مُسْتَقِيمٍ. انْتَهى. وقِيلَ: يَبْغُونَ هُنا مِنَ البَغْيِ، وهو التَّعَدِّي. أيْ يَتَعَدَّوْنَ عَلَيْها، أوْ فِيها. ويَكُونُ عِوَجًا عَلى هَذا التَّأْوِيلِ نَصْبُهُ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في ”تَبْغُونَ“، أيْ عِوَجًا مِنكم وعَدَمَ اسْتِقامَةٍ. انْتَهى. وعَلى التَّأْوِيلِ الأوَّلِ يَكُونُ عِوَجًا مَفْعُولًا بِهِ، والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: ”﴿تَبْغُونَها عِوَجًا﴾“ تَحْتَمِلُ الِاسْتِئْنافَ، وتَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في تَصُدُّونَ أوْ مِن سَبِيلِ اللَّهِ؛ لِأنَّ فِيها ضَمِيرَيْنِ يَرْجِعانِ إلَيْهِما.
وأنْتُمْ شُهَداءُ، أيْ بِالعَقْلِ نَحْوَ: ”﴿أوْ ألْقى السَّمْعَ وهو شَهِيدٌ﴾ [ق: ٣٧]“ أيْ عارِفٌ بِعَقْلِهِ، وتارَةً بِالفِعْلِ نَحْوَ: ”﴿قالَ فاشْهَدُوا وأنا مَعَكم مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ [آل عمران: ٨١]“، وتارَةً بِإقامَةِ ذَلِكَ، أيْ شَهِدْتُمْ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ قَبْلَ بَعْثِهِ عَلى ما في التَّوْراةِ مِن صِفَتِهِ وصِدْقِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وأنْتُمْ شُهَداءُ أنَّها سَبِيلُ اللَّهِ الَّتِي لا يَصُدُّ عَنْها إلّا ضالٌّ مُضِلٌّ. أوْ وأنْتُمْ شُهَداءُ بَيْنَ أهْلِ دِينِكم، عُدُولٌ يَثِقُونَ بِأقْوالِكم، ويَسْتَشْهِدُونَ في عِظامِ أُمُورِهِمْ، وهُمُ الأحْبارُ. انْتَهى. قِيلَ: وفي قَوْلِهِ: وأنْتُمْ شُهَداءُ دَلالَةٌ عَلى أنَّ شَهادَةَ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ جائِزَةٌ؛ لِأنَّهُ تَعالى سَمّاهم شُهَداءَ، ولا يَصْدُقُ هَذا الِاسْمُ إلّا عَلى مَن يَكُونُ لَهُ شَهادَةٌ. وشَهادَتُهم عَلى المُسْلِمِينَ لا تَجُوزُ بِإجْماعٍ، فَتَعَيَّنَ وصْفُهم بِأنْ تَجُوزَ شَهادَةُ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ، وهو قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ وجَماعَةٍ. والأكْثَرُونَ عَلى أنَّ شَهادَتَهم لا تُقْبَلُ بِحالٍ، وأنَّهم لَيْسُوا مِن أهْلِ الشَّهادَةِ.
﴿وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ وعِيدٌ شَدِيدٌ لَهم، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الجُمْلَةِ فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ.
3:100Страница 62
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِن تُطِيعُواْ فَرِيقٗا مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ يَرُدُّوكُم بَعۡدَ إِيمَٰنِكُمۡ كَٰفِرِينَ ١٠٠
О те, которые уверовали! Если вы покоритесь некоторым из тех, кому было даровано Писание, то они обратят вас в неверующих после того, как вы уверовали.
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ يَرُدُّوكم بَعْدَ إيمانِكم كافِرِينَ﴾ لَمّا أنْكَرَ تَعالى عَلَيْهِمْ صَدَّهم عَنِ الإسْلامِ المُؤْمِنِينَ حَذَّرَ المُؤْمِنِينَ مِن إغْواءِ الكُفّارِ وإضْلالِهِمْ وناداهم بِوَصْفِ (p-١٥)الإيمانِ؛ تَنْبِيهًا عَلى تَبايُنِ ما بَيْنَهم وبَيْنَ الكُفّارِ، ولَمْ يَأْتِ بِلَفْظِ ”قُلْ“ لِيَكُونَ ذَلِكَ خِطابًا مِنهُ تَعالى لَهم وتَأْنِيسًا لَهم. وأبْرَزَ نَهْيَهُ عَنْ مُوافَقَتِهِمْ وطَواعِيَّتِهِمْ في صُورَةٍ شَرْطِيَّةٍ؛ لِأنَّهُ لَمْ تَقَعْ طاعَتُهم لَهم. والإشارَةُ بِـ ”﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾“ إلى الأوْسِ والخَزْرَجِ، بِسَبَبِ ثائِرَةِ شاسِ بْنِ قَيْسٍ. وأطْلَقَ الطَّواعِيَةَ لِتَدُلَّ عَلى عُمُومِ البَدَلِ، أيْ أنْ يَصْدُرَ مِنكم طَواعِيَةٌ ما في أيِّ شَيْءٍ كانَ مِمّا يُحاوِلُونَهُ مِن إضْلالِكم، ولَمْ يُقَيِّدِ الطّاعَةَ بِقِصَّةِ الأوْسِ والخَزْرَجِ عَلى ما ذُكِرَ في سَبَبِ النُّزُولِ. والرَّدُّ هُنا التَّصْيِيرُ، أيْ يُصَيِّرُونَكم. والكُفْرُ المُشارُ إلَيْهِ هُنا لَيْسَ بِكُفْرٍ حَقِيقَةً؛ لِأنَّ سَبَبَ النُّزُولِ هو في إلْقاءِ العَداوَةِ بَيْنَ الأوْسِ والخَزْرَجِ. ولَوْ وقَعَتْ لَكانَتْ مَعْصِيَةً لا كُفْرًا، إلّا أنْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ مُسْتَحِبِّينَ لَهُ. وقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ بِتَحْسِينِ أهْلِ الكِتابِ لَهم مَنهِيًّا بَعْدَ مَنهِيٍّ، واسْتِدْراجُهم شَيْئًا فَشَيْئًا إلى أنْ يَخْرُجُوا عَنِ الإسْلامِ ويَصِيرُوا كافِرِينَ حَقِيقَةً. وانْتِصابُ كافِرِينَ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لِـ ”يَرُدَّ“؛ لِأنَّها هُنا بِمَعْنى صَيَّرَ، كَقَوْلِهِ:
؎فَرَدَّ شُعُورَهُنَّ السُّودَ بِيضًا ورَدَّ وُجُوهَهُنَّ البِيضَ سُودًا
وقِيلَ: انْتَصَبَ عَلى الحالِ، والقَوْلُ الأوَّلُ أظْهَرُ.
﴿وكَيْفَ تَكْفُرُونَ وأنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكم آياتُ اللَّهِ وفِيكم رَسُولُهُ﴾ [آل عمران: ١٠١] هَذا سُؤالُ اسْتِبْعادِ وُقُوعِ الكُفْرِ مِنهم مَعَ هاتَيْنِ الحالَتَيْنِ وهُما: تِلاوَةُ كِتابِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وهو القُرْآنُ الظّاهِرُ الإعْجازِ، وكَيْنُونَةُ الرَّسُولِ فِيهِمُ الظّاهِرُ عَلى يَدَيْهِ الخَوارِقُ. ووُجُودُ هاتَيْنِ الحالَتَيْنِ تُنافِي الكُفْرَ ولا تُجامِعُهُ، فَلا يَتَطَرَّقُ إلَيْهِمْ كُفْرٌ مَعَ ذَلِكَ. ولَيْسَ المَعْنى أنَّهُ وقَعَ مِنهُمُ الكُفْرُ، فَوُبِّخُوا عَلى وُقُوعِهِ؛ لِأنَّهم مُؤْمِنُونَ؛ ولِذَلِكَ نُودُوا بِقَوْلِهِ: يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا. فَلَيْسَ نَظِيرُ قَوْلِهِ: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وكُنْتُمْ أمْواتًا﴾ [البقرة: ٢٨] والرَّسُولُ هُنا: مُحَمَّدٌ ﷺ بِلا خِلافٍ. والخِطابُ قالَ الزَّجّاجُ: لِأصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ خاصَّةً؛ لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ فِيهِمْ وهم يُشاهِدُونَهُ. وقِيلَ: لِجَمِيعِ الأُمَّةِ؛ لِأنَّ آثارَهُ وسُنَّتَهُ فِيهِمْ، وإنْ لَمْ يُشاهِدُوهُ. قالَ قَتادَةُ: في هَذِهِ الآيَةِ عَلَمانِ بَيِّنانِ: كِتابُ اللَّهِ، ونَبِيُّ اللَّهِ. فَأمّا نَبِيُّ اللَّهِ فَقَدْ مَضى، وأمّا كِتابُ اللَّهِ فَأبْقاهُ اللَّهُ بَيْنَ أظْهُرِهِمْ رَحْمَةً مِنهُ ونِعْمَةً فِيهِ، حَلالُهُ وحَرامُهُ، وطاعَتُهُ ومَعْصِيَتُهُ. وقِيلَ: الخِطابُ لِلْأوْسِ والخَزْرَجِ الَّذِينَ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِيما شَجَرَ بَيْنَهم عَلى ما ذَكَرَهُ الجُمْهُورُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ”تُتْلى“ بِالتّاءِ. وقَرَأ الحَسَنُ والأعْمَشُ: ”يُتْلى“ بِالياءِ؛ لِأجْلِ الفَصْلِ، ولِأنَّ التَّأْنِيثَ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ، ولِأنَّ الآياتِ هي القُرْآنُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وفِيكم رَسُولُهُ هي ظَرْفِيَّةُ الحُضُورِ والمُشاهَدَةِ لِشَخْصِهِ ﷺ وهو في أُمَّتِهِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ بِأقْوالِهِ وآثارِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وكَيْفَ تَكْفُرُونَ مَعْنى الِاسْتِفْهامِ فِيهِ الإنْكارُ والتَّعْجِيبُ، والمَعْنى: مِن أيْنَ يَتَطَرَّقُ إلَيْكُمُ الكُفْرُ، والحالُ أنَّ آياتِ اللَّهِ وهي القُرْآنُ المُعْجِزُ تُتْلى عَلَيْكم عَلى لِسانِ الرَّسُولِ غَضَّةً طَرِيَّةً وبَيْنَ أظْهُرِكِمْ رَسُولُ اللَّهِ يُنَبِّهُكم ويَعِظُكم ويُزِيحُ شُبَهَكم ؟ .
3:101Страница 63
وَكَيۡفَ تَكۡفُرُونَ وَأَنتُمۡ تُتۡلَىٰ عَلَيۡكُمۡ ءَايَٰتُ ٱللَّهِ وَفِيكُمۡ رَسُولُهُۥۗ وَمَن يَعۡتَصِم بِٱللَّهِ فَقَدۡ هُدِيَ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ ١٠١
Как вы можете не веровать в то время, как вам читают знамения Аллаха, а Его Посланник находится среди вас? Кто крепко держится за Аллаха, тот действительно наставлен на прямой путь.
﴿ومَن يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدَ هُدِيَ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: ومَن يُؤْمِن بِاللَّهِ. ويُناسِبُ هَذا القَوْلُ قَوْلَهُ: ﴿وكَيْفَ تَكْفُرُونَ﴾ . وقِيلَ: يَسْتَمْسِكُ بِالقُرْآنِ. وقِيلَ: يَلْتَجِئُ إلَيْهِ، فَيَكُونُ عَلى هَذا القَوْلِ حَقًّا عَلى الِالتِجاءِ إلى اللَّهِ في دَفْعِ شُرُورِ الكُفّارِ. وجَوابُ ”مِن“ ”فَقَدَ هُدِيَ“ وهو ماضِي اللَّفْظِ مُسْتَقْبَلُ المَعْنى، ودَخَلَتْ ”قَدْ“ لِلتَّوَقُّعِ؛ لِأنَّ المُعْتَصِمَ بِاللَّهِ مُتَوَقِّعٌ لِلْهُدى.
وذَكَرُوا في هَذِهِ الآياتِ مِن فُنُونِ البَلاغَةِ والفَصاحَةِ: الِاسْتِفْهامَ الَّذِي يُرادُ بِهِ الإنْكارُ في ﴿لِمَ تَكْفُرُونَ﴾ [آل عمران: ٩٨] ﴿لِمَ تَصُدُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٩] ﴿وكَيْفَ تَكْفُرُونَ﴾ والتَّكْرارُ في ”﴿ياأهْلَ الكِتابِ﴾ [آل عمران: ٩٨]“، وفي اسْمِ اللَّهِ في مَواضِعَ، وفِيما يَعْمَلُونَ، والطِّباقُ في ”الإيمانِ والكُفْرِ، وفي الكُفْرِ - إذْ هو ضَلالٌ - والهِدايَةِ، وفي العِوَجِ والِاسْتِقامَةِ، والتَّجَوُّزُ: بِإطْلاقِ اسْمِ الجَمْعِ في“ ﴿فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ [آل عمران: ١٠٠] " فَقِيلَ: هو يَهُودِيٌّ غَيْرُ مُعَيَّنٍ. وقِيلَ: هو شاسُ بْنُ قَيْسٍ اليَهُودِيُّ. وإطْلاقُ العُمُومِ (p-١٦)والمُرادُ الخُصُوصُ في: يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا، عَلى قَوْلِ الجُمْهُورِ أنَّهُ خِطابٌ لِلْأوْسِ والخَزْرَجِ. والحَذْفُ في مَواضِعَ.
3:102Страница 63
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسۡلِمُونَ ١٠٢
О те, которые уверовали! Бойтесь Аллаха должным образом и умирайте не иначе, как будучи мусульманами!
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ ولا تَمُوتُنَّ إلّا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ﴿واعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا ولا تَفَرَّقُوا واذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ كُنْتُمْ أعْداءً فَألَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكم فَأصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إخْوانًا وكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النّارِ فَأنْقَذَكم مِنها كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم آياتِهِ لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٣] ﴿ولْتَكُنْ مِنكم أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلى الخَيْرِ ويَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٤] ﴿ولا تَكُونُوا كالَّذِينَ تَفَرَّقُوا واخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ البَيِّناتُ وأُولَئِكَ لَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٠٥] ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأمّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهم أكَفَرْتُمْ بَعْدَ إيمانِكم فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٦] ﴿وأمّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهم فَفي رَحْمَةِ اللَّهِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٧] ﴿تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالحَقِّ وما اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعالَمِينَ﴾ [آل عمران: ١٠٨] ﴿ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وإلى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ [آل عمران: ١٠٩] ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ تَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وتَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ وتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ولَوْ آمَنَ أهْلُ الكِتابِ لَكانَ خَيْرًا لَهم مِنهُمُ المُؤْمِنُونَ وأكْثَرُهُمُ الفاسِقُونَ﴾ [آل عمران: ١١٠] ﴿لَنْ يَضُرُّوكم إلّا أذًى وإنْ يُقاتِلُوكم يُوَلُّوكُمُ الأدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ﴾ [آل عمران: ١١١] ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أيْنَ ما ثُقِفُوا إلّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وحَبْلٍ مِنَ النّاسِ وباءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ المَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأنَّهم كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ويَقْتُلُونَ الأنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِما عَصَوْا وكانُوا يَعْتَدُونَ﴾ [آل عمران: ١١٢] .
أصْبَحَ: مِنَ الأفْعالِ النّاقِصَةِ لِاتِّصافِ المَوْصُوفِ بِالصِّفَةِ وقْتَ الصَّباحِ. وقَدْ تَأْتِي بِمَعْنى صارَ وهي ناقِصَةٌ أيْضًا، وتَأْتِي أيْضًا لازِمَةً تَقُولُ: أصْبَحْتُ أيْ دَخَلْتُ في الصَّباحِ. وتَقُولُ: أصْبَحَ زَيْدٌ، أيْ أقامَ في الصَّباحِ، ومِنهُ: إذا سَمِعْتَ بِسُرى القَيْنِ فاعْلَمْ أنَّهُ مُصَبِّحٌ، أيْ مُقِيمٌ في الصَّباحِ.
شَفا الشَّيْءُ: طَرْفُهُ وحَرْفُهُ، وهو مِن ذَواتِ الواوِ، وتَثْنِيَتُهُ: شَفَوانِ، وهو حَرْفُ كُلِّ جُرْفٍ لَهُ مَهْوًى، كالحُفْرَةِ والبِئْرِ والجُرْفِ والسَّقْفِ والجِدارِ. ويُضافُ في الِاسْتِعْمالِ إلى الأعْلى نَحْوَ: شَفا جُرُفٍ. وإلى الأسْفَلِ نَحْوَ: شَفا حُفْرَةٍ. ويُقالُ: أشَفى عَلى كَذا أيْ أشْرَفَ. ومِنهُ أشَفى المَرِيضُ عَلى المَوْتِ. قالَ يَعْقُوبُ: يُقالُ لِلرَّجُلِ عِنْدَ مَوْتِهِ ولِلْقَمَرِ عِنْدَ مُحاقِهِ ولِلشَّمْسِ عِنْدَ غُرُوبِها: ما بَقِيَ مِنهُ أوْ مِنها إلّا شَفا: أيْ قَلِيلٌ.
الحُفْرَةُ: مَعْرُوفَةٌ وهي واحِدَةُ الحُفَرِ، فِعْلَةٌ بِمَعْنى مَفْعُولَةٍ، كَغُرْفَةٍ مِنَ الماءِ. أنْقَذَ: خَلَّصَ.
الِابْيِضاضُ والِاسْوِدادُ مَعْرُوفانِ، ويُقالُ: بَيَّضَ فَهو أبْيَضُ. وسَوَّدَ: فَهو أسْوَدُ، ويُقالُ: هُما أصْلُ الألْوانِ. ذاقَ الشَّيْءَ: اسْتَطْعَمَهُ، وأصْلُهُ بِالفَمِ، ثُمَّ اسْتُعِيرَ لِكُلِّ ما يُحَسُّ ويُدْرَكُ عَلى وجْهِ التَّشْبِيهِ بِالَّذِي يُعْرَفُ عِنْدَ الطَّعْمِ. تَقُولُ العَرَبُ: قَدْ ذُقْتُ مِن إكْرامِ فُلانٍ ما يُرَغِّبُنِي في قَصْدِهِ. ويَقُولُونَ: ذُقِ الفَرْقَ واعْرِفْ ما عِنْدَهُ. وقالَ تَمِيمُ بْنُ مُقْبِلٍ:
؎أوْ كاهْتِزازِ رُدَيْنَيٍ تَذاوَقَهُ أيْدِي التِّجارِ فَزادُوا مَتْنَهُ لِينا
وقالَ آخَرُ:
؎وإنَّ اللَّهَ ذاقَ حُلُومَ قَيْسٍ ∗∗∗ فَلَمّا راءَ خِفَّتَها قَلاها
يَعْنُونَ بِالذَّوْقِ العِلْمَ، إمّا بِالحاسَّةِ، وإمّا بِغَيْرِها. ثَقِفْتُ الرَّجُلَ: غَلَبْتُهُ وظَفِرْتُ بِهِ.
﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ﴾ لَمّا حَذَّرَهم تَعالى مِن إضْلالِ مَن يُرِيدُ إضْلالَهم، أمَرَهم بِمَجامِعِ الطّاعاتِ، فَرَهَّبَهم (p-١٧)أوَّلًا بِقَوْلِهِ: اتَّقَوُا اللَّهَ، إذِ التَّقْوى إشارَةٌ إلى التَّخْوِيفِ مِن عَذابِ اللَّهِ، ثُمَّ جَعَلَها سَبَبًا لِلْأمْرِ بِالِاعْتِصامِ بِدِينِ اللَّهِ، ثُمَّ أرْدَفَ الرَّهْبَةَ بِالرَّغْبَةِ، وهي قَوْلُهُ: ﴿واذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [آل عمران: ١٠٣] وأعْقَبَ الأمْرَ بِالتَّقْوى والأمْرَ بِالِاعْتِصامِ بِنَهْيٍ آخَرَ هو مِن تَمامِ الِاعْتِصامِ. قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، والرَّبِيعُ، وقَتادَةُ، والحَسَنُ: حَقَّ تُقاتِهِ هو أنْ يُطاعَ فَلا يُعْصى، ويُذْكَرَ فَلا يُنْسى، ويَشْكُرَ فَلا يُكْفَرَ. ورُوِيَ مَرْفُوعًا. وقِيلَ: حَقَّ تُقاتِهِ اتِّقاءَ جَمِيعَ مَعاصِيهِ. وقالَ قَتادَةُ، والسُّدِّيُّ، وابْنُ زَيْدٍ، والرَّبِيعُ: هي مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ ما اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] أُمِرُوا أوَّلًا بِغايَةِ التَّقْوى حَتّى لا يَقَعَ إخْلالٌ بِشَيْءٍ ثُمَّ نُسِخَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وطاوُسٌ: هي مُحْكَمَةٌ.
﴿فاتَّقُوا اللَّهَ ما اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] بَيانٌ لِقَوْلِهِ: اتَّقَوُا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ. وقِيلَ: هو أنْ لا تَأْخُذَهُ في اللَّهِ لَوْمَةُ لائِمٍ، ويَقُومُ بِالقِسْطِ ولَوْ عَلى نَفْسِهِ أوِ ابْنِهِ أوْ أبِيهِ. وقِيلَ: لا يَتَّقِي اللَّهَ عَبْدٌ حَقَّ تُقاتِهِ حَتّى يَخْزُنَ لِسانَهُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المَعْنى جاهَدُوا في اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ. وقالَ الماتُرِيدِيُّ: وفي حَرْفِ حَفْصَةَ: ”اعْبُدُوا اللَّهَ حَقَّ عِبادَتِهِ“ . وتُقاةٌ هُنا مَصْدَرٌ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِ في ﴿إلّا أنْ تَتَّقُوا مِنهم تُقاةً﴾ [آل عمران: ٢٨] .
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ التُّقاةُ في هَذِهِ الآيَةِ جَمْعُ فاعِلٍ وإنْ كانَ لَمْ يَتَصَرَّفْ مِنهُ، فَيَكُونُ: كَرُماةٍ ورامٍ، أوْ يَكُونُ جَمْعُ تَقِيٍّ، إذْ فَعِيلٌ وفاعِلٌ بِمَنزِلَةٍ. والمَعْنى عَلى هَذا: اتَّقَوُا اللَّهَ كَما يَحِقُّ أنْ يَكُونَ مُتَّقُوهُ المُخْتَصُّونَ بِهِ؛ ولِذَلِكَ أُضِيفُوا إلى ضَمِيرِ اللَّهِ تَعالى. انْتَهى كَلامُهُ. وهَذا المَعْنى يَنْبُو عَنْهُ هَذا اللَّفْظُ؛ إذِ الظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ”﴿حَقَّ تُقاتِهِ﴾“ مِن بابِ إضافَةِ الصِّفَةِ إلى مَوْصُوفِها، كَما تَقُولُ: ضَرَبْتُ زَيْدًا شَدِيدَ الضَّرْبِ، أيِ الضَّرْبَ الشَّدِيدَ. فَكَذَلِكَ هَذا، أيِ اتَّقَوُا اللَّهَ الِاتِّقاءَ الحَقَّ، أيِ الواجِبَ الثّابِتَ. أمّا إذا جُعِلَتِ التُّقاةُ جَمْعًا فَإنَّ التَّرْكِيبَ يَصِيرُ مِثْلَ: اضْرِبْ زَيْدًا حَقَّ ضِرابِهِ، فَلا يَدُلُّ هَذا التَّرْكِيبُ عَلى مَعْنى: اضْرِبْ زَيْدًا كَما يَحِقُّ أنْ يَكُونَ ضِرابُهُ. بَلْ لَوْ صَرَّحَ بِهَذا التَّرْكِيبِ لاحْتِيجَ في فَهْمِ مَعْناهُ إلى تَقْدِيرِ أشْياءَ يَصِحُّ بِها المَعْنى، والتَّقْدِيرُ: اضْرِبْ زَيْدًا ضَرْبًا حَقًّا كَما يَحِقُّ أنْ يَكُونَ ضَرْبُ ضِرابِهِ. ولا حاجَةَ تَدْعُو إلى تَحْمِيلِ اللَّفْظِ غَيْرَ ظاهِرِهِ، وتَكَلُّفِ تَقادِيرٍ يَصِحُّ بِها مَعْنًى لا يَدُلُّ عَلَيْهِ ظاهِرُ اللَّفْظِ.
﴿ولا تَمُوتُنَّ إلّا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ظاهِرُهُ النَّهْيُ عَنْ أنْ يَمُوتُوا إلّا وهم مُتَلَبِّسُونَ بِالإسْلامِ. والمَعْنى: دُومُوا عَلى الإسْلامِ حَتّى يُوافِيَكُمُ المَوْتُ وأنْتُمْ عَلَيْهِ. ونَظِيرُهُ ما حَكى سِيبَوَيْهِ مِن قَوْلِهِمْ: لا أرَيَنَّكَ هاهُنا، وإنَّما المُرادُ لا تَكُنْ هُنا فَتَكُونُ رُؤْيَتِي لَكَ. وقَدْ تَقَدَّمَ لَنا الكَلامُ عَلى هَذا المَعْنى مُسْتَوْفًى في سُورَةِ البَقَرَةِ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ﴾ [البقرة: ١٣٢] الآيَةَ. والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ حالِيَّةٌ، والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّعٌ مِنَ الأحْوالِ. التَّقْدِيرُ: ولا تَمُوتُنَّ عَلى حالٍ مِنَ الأحْوالِ إلّا عَلى حالَةِ الإسْلامِ. ومَجِيئُها اسْمِيَّةٌ أبْلَغُ لِتَكَرُّرِ الضَّمِيرِ، ولِلْمُواجَهَةِ فِيها بِالخِطابِ. وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ الأظْهَرَ في الجُمْلَةِ أنْ يَكُونَ الحالُ حاصِلَةٌ قَبْلُ، ومُسْتَصْحِبَةٌ. وأمّا لَوْ قِيلَ: مُسْلِمِينَ، لَدَلَّ عَلى الِاقْتِرانِ بِالمَوْتِ لا مُتَقَدِّمًا ولا مُتَأخِّرًا.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии