Абу ХайянАль‑Анам · 6:59–62

Абу Хайян · Тафсир · на арабском

Аль-Анам 6:59–62

6:59Страница 134

۞ وَعِندَهُۥ مَفَاتِحُ ٱلۡغَيۡبِ لَا يَعۡلَمُهَآ إِلَّا هُوَۚ وَيَعۡلَمُ مَا فِي ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِۚ وَمَا تَسۡقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعۡلَمُهَا وَلَا حَبَّةٖ فِي ظُلُمَٰتِ ٱلۡأَرۡضِ وَلَا رَطۡبٖ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَٰبٖ مُّبِينٖ ٥٩

У Него ключи к сокровенному, и знает о них только Он. Ему известно то, что на суше и в море. Даже лист падает только с Его ведома. Нет ни зернышка во мраках земли, ни чего-либо свежего или сухого, чего бы не было в ясном Писании.

﴿وعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ لا يَعْلَمُها إلّا هو ويَعْلَمُ ما في البَرِّ والبَحْرِ وما تَسْقُطُ مِن ورَقَةٍ إلّا يَعْلَمُها ولا حَبَّةٍ في ظُلُماتِ الأرْضِ ولا رَطْبٍ ولا يابِسٍ إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ ﴿وهُوَ الَّذِي يَتَوَفّاكم بِاللَّيْلِ ويَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ ثُمَّ يَبْعَثُكم فِيهِ لِيُقْضى أجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إلَيْهِ مَرْجِعُكم ثُمَّ يُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ٦٠] ﴿وهُوَ القاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ ويُرْسِلُ عَلَيْكم حَفَظَةً حَتّى إذا جاءَ أحَدَكُمُ المَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا وهم لا يُفَرِّطُونَ﴾ [الأنعام: ٦١] ﴿ثُمَّ رُدُّوا إلى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الحَقِّ ألا لَهُ الحُكْمُ وهو أسْرَعُ الحاسِبِينَ﴾ [الأنعام: ٦٢] ﴿قُلْ مَن يُنَجِّيكم مِن ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وخُفْيَةً لَئِنْ أنْجانا مِن هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ [الأنعام: ٦٣] ﴿قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكم مِنها ومِن كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ٦٤] ﴿قُلْ هو القادِرُ عَلى أنْ يَبْعَثَ عَلَيْكم عَذابًا مِن فَوْقِكم أوْ مِن تَحْتِ أرْجُلِكم أوْ يَلْبِسَكم شِيَعًا ويُذِيقَ بَعْضَكم بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآياتِ لَعَلَّهم يَفْقَهُونَ﴾ [الأنعام: ٦٥] ﴿وكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وهو الحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكم بِوَكِيلٍ﴾ [الأنعام: ٦٦] ﴿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام: ٦٧] ﴿وإذا رَأيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ في آياتِنا فَأعْرِضْ عَنْهم حَتّى يَخُوضُوا في حَدِيثٍ غَيْرِهِ وإمّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى مَعَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ٦٨] ﴿وما عَلى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِن حِسابِهِمْ مِن شَيْءٍ ولَكِنْ ذِكْرى لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: ٦٩] ﴿وذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهم لَعِبًا ولَهْوًا وغَرَّتْهُمُ الحَياةُ الدُّنْيا وذَكِّرْ بِهِ أنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِما كَسَبَتْ لَيْسَ لَها مِن دُونِ اللَّهِ ولِيٌّ ولا شَفِيعٌ وإنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنها أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِما كَسَبُوا لَهم شَرابٌ مِن حَمِيمٍ وعَذابٌ ألِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ﴾ [الأنعام: ٧٠] ﴿قُلْ أنَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُنا ولا يَضُرُّنا ونُرَدُّ عَلى أعْقابِنا بَعْدَ إذْ هَدانا اللَّهُ كالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ في الأرْضِ حَيْرانَ لَهُ أصْحابٌ يَدْعُونَهُ إلى الهُدى ائْتِنا قُلْ إنَّ هُدى اللَّهِ هو الهُدى وأُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [الأنعام: ٧١] ﴿وأنْ أقِيمُوا الصَّلاةَ واتَّقُوهُ وهو الَّذِي إلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [الأنعام: ٧٢] ﴿وهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ ويَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الحَقُّ ولَهُ المُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ وهو الحَكِيمُ الخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ٧٣]

(p-١٤٤)السُّقُوطُ: الوُقُوعُ مِن عُلُوٍّ. الوَرَقَةُ: واحِدَةُ الوَرَقِ مِنَ النَّباتِ والكاغِدِ وهي مَعْرُوفَةٌ. الرَّطْبُ واليابِسُ مَعْرُوفانِ، يُقالُ: رَطْبٌ فَهو رَطِبٌ ورَطِيبٌ ويَبِسٌ ويَبِيسٌ، وشَذَّ فِيهِ يَبِسٌ بِحَذْفِ الياءِ وكَسْرِ الباءِ. الكَرْبُ: الغَمُّ يَأْخُذُ بِالنَّفْسِ، كَرَبَ الرَّجُلُ فَهو مَكْرُوبٌ. قالَ الشّاعِرُ:

؎ومَكْرُوبٌ كَشَفْتُ الكَرْبَ عَنْهُ بِطَعْنَةِ فَيْصَلٍ لَمّا دَعانِي

الشِّيعَةُ: الفِرْقَةُ تَتْبَعُ الأُخْرى ويُجْمَعُ عَلى أشْياعٍ، وشَيَّعْتُ فُلانًا: اتَّبَعْتُهُ، وتَقُولُ العَرَبُ: شاعَكُمُ السَّلامُ أيِ اتَّبَعَكم، وأشاعَكُمُ اللَّهُ السَّلامَ أيْ أتْبَعَكم. الإبْسالُ: تَسْلِيمُ المَرْءِ نَفْسَهُ لِلْهَلاكِ، ويُقالُ: أبْسَلْتُ ولَدِي أرْهَنْتُهُ، قالَ الشّاعِرُ:

؎وإبْسالِي بُنَيَّ بِغَيْرِ جُرْمٍ ∗∗∗ بَعَوْناهُ ولا بِدَمٍ مُراقٍ

بَعَوْناهُ جَنَيْناهُ، والبَعْوُ: الجِنايَةُ. الحَمِيمُ: الماءُ الحارُّ. الحَيْرَةُ: التَّرَدُّدُ في الأمْرِ لا يَهْتَدِي إلى مَخْرَجٍ مِنهُ، ومِنهُ تَحَيَّرَ الماءُ في الغَيْمِ، يُقالُ: حارَ يَحارُ حَيْرَةً وحَيْرًا وحَيَرانًا وحَيْرُورَةً. الصُّورُ: جَمْعُ صُورَةٍ، والصُّورُ: القَرْنُ بِلُغَةِ أهْلِ اليَمَنِ. قالَ:

؎نَحْنُ نَطَحْناهم غَداةَ الجَمْعَيْنِ

؎بِالشّامِخاتِ في غُبارَ النَّقْعَيْنِ ∗∗∗ نَطْحًا شَدِيدًا لا كَنَطْحِ الصُّورَيْنِ

﴿وعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ لا يَعْلَمُها إلّا هُوَ﴾ لَمّا قالَ تَعالى: ﴿إنِ الحُكْمُ إلّا لِلَّهِ﴾ [الأنعام: ٥٧]، وقالَ: ﴿أعْلَمُ بِالظّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ٥٨]، بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ﴾ [الأنعام: ٥٧] انْتَقَلَ مِن خاصٍّ إلى عامٍّ وهو عِلْمُ اللَّهِ بِجَمِيعِ الأُمُورِ الغَيْبِيَّةِ، واسْتَعارَ لِلْقُدْرَةِ عَلَيْها المَفاتِحَ لَمّا كانَتْ سَبَبًا لِلْوُصُولِ إلى الشَّيْءِ فانْدَرَجَ في هَذا العامِّ ما اسْتَعْجَلُوا وُقُوعَهُ وغَيْرُهُ. والمَفاتِحُ جَمْعُ مِفْتَحٍ بِكَسْرِ المِيمِ وهي الآلَةُ الَّتِي يُفْتَحُ بِها ما أُغْلِقَ. قالَ الزَّهْراوِيُّ: ومِفْتَحٌ أفْصَحُ مِن مِفْتاحٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ جَمْعَ مِفْتاحٍ لِأنَّهُ يَجُوزُ في مِثْلِ هَذا أنْ لا يُؤْتى فِيهِ بِالياءِ، قالُوا: مَصابِحُ ومَحارِبُ وقَراقِرُ في جَمْعِ مِصْباحٍ وقُرْقُورٍ. وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْقَعِ: (مَفاتِيحُ) بِالياءِ، ورُوِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ مِفْتاحُ الغَيْبِ عَلى التَّوْحِيدِ. وقِيلَ: جَمْعُ مَفْتَحٍ بِفَتْحِ المِيمِ ويَكُونُ لِلْمَكانِ أيْ أماكِنُ الغَيْبِ ومَواضِعُها يَفْتَحُ عَنِ المُغَيَّباتِ، ويُؤَيِّدُهُ ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: إنَّها خَزائِنُ المَطَرِ والنَّباتِ ونُزُولِ العَذابِ. وقالَ السُّدِّيُّ وغَيْرُهُ: خَزائِنُ الغَيْبِ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنْهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّهُ قالَ: «مَفاتِحُ الغَيْبِ خَمْسٌ لا يَعْلَمُهُنَّ إلّا اللَّهُ»، ﴿إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ﴾ [لقمان: ٣٤] إلى آخِرِ السُّورَةِ. وقِيلَ: مَفاتِحُ الغَيْبِ الأُمُورُ الَّتِي يُسْتَدَلُّ بِها عَلى الغائِبِ فَتُعْلَمُ حَقِيقَتُهُ، مِن قَوْلِكَ: فَتَحْتُ عَلى الإمامِ: إذا عَرَّفْتَهُ ما نَسِيَ. وقالَ أبُو مَسْعُودٍ: أُوتِيَ (p-١٤٥)نَبِيُّكم كُلَّ شَيْءٍ إلّا مَفاتِحَ الغَيْبِ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: إنَّها خَزائِنُ غَيْبِ السَّماواتِ والأرْضِ مِنَ الأقْدارِ والأرْزاقِ. وقالَ عَطاءٌ: ما غابَ مِنَ الثَّوابِ والعِقابِ وما تَصِيرُ إلَيْهِ الأُمُورُ. وقالَ الزَّجّاجُ: الوَصْلَةُ إلى عِلْمِ الغَيْبِ إذا اسْتُعْلِمَ. وقِيلَ: عَواقِبُ الأعْمارِ وخَواتِيمُ الأعْمالِ. وقِيلَ: ما لَمْ يَكُنْ هَلْ يَكُونُ أمْ لا يَكُونُ، وما يَكُونُ كَيْفَ يَكُونُ وما لا يَكُونُ إنْ كانَ كَيْفَ يَكُونُ. و﴿لا يَعْلَمُها إلّا هُوَ﴾ حَصَرَ أنَّهُ لا يَعْلَمُ تِلْكَ المَفاتِحَ ولا يَطَّلِعُ عَلَيْها غَيْرُهُ تَعالى، ولَقَدْ يَظْهَرُ مِن هَؤُلاءِ المُنْتَسِبَةِ إلى الصُّوفِ أشْياءُ مِنِ ادِّعاءِ عِلْمِ المُغَيَّباتِ والِاطِّلاعِ عَلى عِلْمِ عَواقِبِ أتْباعِهِمْ وأنَّهم مَعَهم في الجَنَّةِ مَقْطُوعٌ لَهم ولِأتْباعِهِمْ بِها يُخْبِرُونَ بِذَلِكَ عَلى رُءُوسِ المَنابِرِ ولا يُنْكِرُ ذَلِكَ أحَدٌ، هَذا مَعَ خُلُوِّهِمْ عَنِ العُلُومِ يُوهِمُونَ أنَّهم يَعْلَمُونَ الغَيْبَ. وفي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها -: ومَن زَعَمَ أنْ مُحَمَّدًا يُخْبِرُ بِما يَكُونُ في غَدٍ فَقَدْ أعْظَمَ عَلى اللَّهِ الفِرْيَةَ، واللَّهُ - تَعالى - يَقُولُ: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ الغَيْبَ إلّا اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥] . وقَدْ كَثُرَتْ هَذِهِ الدَّعاوى والخُرافاتُ في دِيارِ مِصْرَ وقامَ بِها ناسٌ صِبْيانُ العُقُولِ يُسَمَّوْنَ بِالشُّيُوخِ عَجَزُوا عَنْ مَدارِكِ العَقْلِ والنَّقْلِ وأعْياهم طِلابُ العُلُومِ:

؎فارْتَمَوْا يَدَّعُونَ أمْرًا عَظِيمًا ∗∗∗ لَمْ يَكُنْ لِلْخَلِيلِ لا والكَلِيمِ

؎بَيْنَما المَرْءُ مِنهُمُ في انْسِفالٍ ∗∗∗ أبْصَرَ اللَّوْحَ ما بِهِ مِن رُقُومِ

؎فَجَنى العِلْمَ مِنهُ غَضًّا طَرِيًّا ∗∗∗ ودَرى ما يَكُونُ قَبْلَ الهُجُومِ

؎إنَّ عَقْلِي لَفي عِقالٍ إذا ما ∗∗∗ أنا صَدَّقْتُ بِافْتِراءٍ عَظِيمِ

﴿ويَعْلَمُ ما في البَرِّ والبَحْرِ﴾، لَمّا كانَ ذِكْرُهُ تَعالى مَفاتِحَ الغَيْبِ أمْرًا مَعْقُولًا أخْبَرَ تَعالى بِاسْتِئْثارِهِ بِعِلْمِهِ واخْتِصاصِهِ بِهِ ذَكَرَ تَعَلُّقَ عِلْمِهِ بِهَذا المَحْسُوسِ عَلى سَبِيلِ العُمُومِ، ثُمَّ ذَكَرَ عِلْمَهُ بِالوَرَقَةِ والحَبَّةِ والرَّطْبِ واليابِسِ عَلى سَبِيلِ الخُصُوصِ، فَتَحَصَّلَ إخْبارُهُ تَعالى بِأنَّهُ عالِمٌ بِالكُلِّيّاتِ والجُزْئِيّاتِ مُسْتَأْثِرٌ بِعِلْمِهِ وما نَعْلَمُهُ نَحْنُ وقَدَّمَ البَرَّ لِكَثْرَةِ مُشاهَدَتِنا لِما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنَ المُدُنِ والقُرى والمَفاوِزِ والجِبالِ والحَيَوانِ والنَّباتِ والمَعادِنِ، أوْ عَلى سَبِيلِ التَّرَقِّي إلى ما هو أعْجَبُ في الجُمْلَةِ؛ لِأنَّ ما فِيهِ مِن أجْناسِ الحَيَواناتِ أعْجَبُ، وطُولُهُ وعَرْضُهُ أعْظَمُ، والبَرُّ مُقابِلُ البَحْرِ. وقِيلَ: البَرُّ: القِفارُ، والبَحْرُ المَعْرُوفُ، فالمَعْنى: ويَعْلَمُ ما في البَرِّ مِن نَباتٍ ودَوابَّ وأحْجارٍ وأمْدارٍ وغَيْرِ ذَلِكَ، وما في البَحْرِ مِن حَيَوانٍ وجَواهِرَ وغَيْرِ ذَلِكَ. وقالَ مُجاهِدٌ: البَرُّ: الأرْضُ القِفارُ الَّتِي لا يَكُونُ فِيها الماءُ، والبَحْرُ: كُلُّ قَرْيَةٍ ومَوْضِعٍ فِيهِ الماءُ. وقِيلَ: لَمْ يُرِدْ ظاهِرَ البَرِّ والبَحْرِ وإنَّما أرادَ أنَّ عِلْمَهُ تَعالى مُحِيطٌ بِنا وبِما أُعِدَّ لِمَصالِحِنا مِن مَنافِعِهِما، وخُصّا بِالذِّكْرِ لِأنَّهُما أعْظَمُ مَخْلُوقٍ يُجاوِرُنا.

﴿وما تَسْقُطُ مِن ورَقَةٍ إلّا يَعْلَمُها﴾ (مِن) زائِدَةٌ لِاسْتِغْراقِ جِنْسِ الوَرَقَةِ، ويَعْلَمُها مُطْلَقًا قَبْلَ السُّقُوطِ ومَعَهُ وبَعْدَهُ. قالَ الزَّجّاجُ: يَعْلَمُها ساقِطَةً وثابِتَةً، كَما تَقُولُ: ما يَجِيئُكَ أحَدٌ إلّا وأنا أعْرِفُهُ، لَيْسَ تَأْوِيلُهُ في حالِ مَجِيئِهِ فَقَطْ. وقِيلَ: يَعْلَمُ مَتى تَسْقُطُ وأيْنَ (p-١٤٦)تَسْقُطُ وكَمْ تَدُورُ في الهَواءِ. وقِيلَ: يَعْلَمُها كَيْفَ انْقَلَبَتْ ظَهْرًا لِبَطْنٍ إلى أنْ وقَعَتْ عَلى الأرْضِ، و﴿يَعْلَمُها﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ﴿ورَقَةٍ﴾ وهي حالٌ مِنَ النَّكِرَةِ. كَما تَقُولُ: ما جاءَ أحَدٌ إلّا راكِبًا.

﴿ولا حَبَّةٍ في ظُلُماتِ الأرْضِ﴾ قِيلَ: تَحْتَ الأرْضِ السّابِعَةِ. وقِيلَ: تَحْتَ التُّرابِ. وقِيلَ: الحَبُّ الَّذِي يُزْرَعُ يُخْفِيها الزُّرّاعُ تَحْتَ الأرْضِ. وقِيلَ: تَحْتَ الصَّخْرَةِ في أسْفَلِ الأرَضِينَ. وقِيلَ: ولا حَبَّةٍ إلّا يَعْلَمُ مَتى تَنْبُتُ ؟ ومَن يَأْكُلُها ؟ وانْظُرْ إلى حُسْنِ تَرْتِيبِ هَذِهِ المَعْلُوماتِ، بَدَأ أوَّلًا بِأمْرٍ مَعْقُولٍ لا نُدْرِكُهُ نَحْنُ بِالحِسِّ وهو قَوْلُهُ: ﴿وعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ﴾، ثُمَّ ثانِيًا بِأمْرٍ نُدْرِكُ كَثِيرًا مِنهُ بِالحِسِّ وهو ﴿ويَعْلَمُ ما في البَرِّ والبَحْرِ﴾ وفِيهِ عُمُومٌ، ثُمَّ ثالِثًا بِجُزْءَيْنِ لَطِيفَيْنِ أحَدُهُما عُلْوِيٌّ وهو سُقُوطُ ورَقَةٍ مِن عُلُوٍّ إلى أسْفَلَ، والثّانِي سُفْلِيٌّ وهو اخْتِفاءُ حَبَّةٍ في بَطْنِ الأرْضِ. ودَلَّتْ هَذِهِ الجُمَلُ عَلى أنَّهُ تَعالى عالِمٌ بِالكُلِّيّاتِ والجُزْئِيّاتِ، وفِيها رَدٌّ عَلى الفَلاسِفَةِ في زَعْمِهِمْ أنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ الجُزْئِيّاتِ، ومِنهم مَن يَزْعُمُ أنَّهُ تَعالى لا يَعْلَمُ الكُلِّيّاتِ ولا الجُزْئِيّاتِ حَتّى هو لا يَعْلَمُ ذاتَهُ، تَعالى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ.

﴿ولا رَطْبٍ ولا يابِسٍ إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾، الرَّطْبُ واليابِسُ وصْفانِ مَعْرُوفانِ، والمُرادُ العُمُومُ في المُتَّصِفِ بِهِما، وقَدْ مَثَّلَ المُفَسِّرُونَ ذَلِكَ بِمَثَلٍ، فَقِيلَ: ما يَنْبُتُ وما لا يَنْبُتُ. وقِيلَ: لِسانُ المُؤْمِنِ ولِسانُ الكافِرِ. وقِيلَ: العَيْنُ الباكِيَةُ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ والعَيْنُ الجامِدَةُ لِلْقَسْوَةِ، وأمّا ما حَكاهُ النَّقّاشُ عَنْ جَعْفَرٍ الصّادِقِ أنَّ الوَرَقَةَ هي السَّقْطُ مِن أوْلادِ بَنِي آدَمَ، والحَبَّةَ يُرادُ بِها الَّذِي لَيْسَ بِسَقْطٍ، والرَّطْبَ المُرادُ بِهِ الحَيُّ، واليابِسَ يُرادُ بِهِ المَيِّتُ، فَلا يَصِحُّ عَنْ جَعْفَرٍ وهو مِن تَفْسِيرِ الباطِنِيَّةِ لَعَنَهُمُ اللَّهُ. وقالَ مُقاتِلٌ: ﴿فِي كِتابٍ مُبِينٍ﴾ هو اللَّوْحُ المَحْفُوظُ. وقالَ الزَّجّاجُ: كِنايَةٌ عَنْ عِلْمِ اللَّهِ المُتَيَقَّنِ، وهَذا الِاسْتِثْناءُ جارٍ مَجْرى التَّوْكِيدِ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولا حَبَّةٍ﴾، ﴿ولا رَطْبٍ ولا يابِسٍ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿مِن ورَقَةٍ﴾، والِاسْتِثْناءُ الأوَّلُ مُنْسَحِبٌ عَلَيْها، كَما تَقُولُ: ما جاءَنِي مِن رَجُلٍ إلّا أكْرَمْتُهُ ولا امْرَأةٍ، فالمَعْنى إلّا أكْرَمْتُها، ولَكِنَّهُ لَمّا طالَ الكَلامُ أُعِيدَ الِاسْتِثْناءُ عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ، وحَسَّنَهُ كَوْنُهُ فاصِلَةَ رَأْسِ آيَةٍ.

وقَرَأ الحَسَنُ وابْنُ أبِي إسْحاقَ وابْنُ السَّمَيْقَعِ: (ولا رَطْبٌ ولا يابِسٌ) بِالرَّفْعِ فِيهِما، والأوْلى أنْ يَكُونا مَعْطُوفَيْنِ عَلى مَوْضِعِ ﴿مِن ورَقَةٍ﴾، ويُحْتَمَلُ الرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ وخَبَرُهُ ﴿إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ .

6:60–62Страница 135

وَهُوَ ٱلَّذِي يَتَوَفَّىٰكُم بِٱلَّيۡلِ وَيَعۡلَمُ مَا جَرَحۡتُم بِٱلنَّهَارِ ثُمَّ يَبۡعَثُكُمۡ فِيهِ لِيُقۡضَىٰٓ أَجَلٞ مُّسَمّٗىۖ ثُمَّ إِلَيۡهِ مَرۡجِعُكُمۡ ثُمَّ يُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ٦٠

Он - Тот, Кто усыпляет вас ночью и знает, что вы делаете днем. Затем Он воскрешает вас днем, чтобы исполнился назначенный срок (завершился срок вашей жизни). Затем к Нему вам предстоит вернуться, и затем Он поведает вам о том, что вы совершали.

وَهُوَ ٱلۡقَاهِرُ فَوۡقَ عِبَادِهِۦۖ وَيُرۡسِلُ عَلَيۡكُمۡ حَفَظَةً حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَ أَحَدَكُمُ ٱلۡمَوۡتُ تَوَفَّتۡهُ رُسُلُنَا وَهُمۡ لَا يُفَرِّطُونَ ٦١

Он - Одолевающий и находится над Своими рабами. Он посылает к вам хранителей. Когда же к кому-нибудь из вас приходит смерть, Наши посланцы умерщвляют его, и они не делают упущений.

ثُمَّ رُدُّوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ مَوۡلَىٰهُمُ ٱلۡحَقِّۚ أَلَا لَهُ ٱلۡحُكۡمُ وَهُوَ أَسۡرَعُ ٱلۡحَٰسِبِينَ ٦٢

Потом их возвращают к Аллаху, их Истинному Покровителю. Он один принимает решение, и Он - Самый быстрый в расчете.

﴿وهو الَّذِي يَتَوَفّاكم بِاللَّيْلِ ويَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ ثُمَّ يَبْعَثُكم فِيهِ لِيُقْضى أجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إلَيْهِ مَرْجِعُكم ثُمَّ يُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، مُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ اسْتِئْثارَهُ بِالعِلْمِ التّامِّ لِلْكُلِّيّاتِ والجُزْئِيّاتِ ذَكَرَ اسْتِئْثارَهُ بِالقُدْرَةِ التّامَّةِ تَنْبِيهًا عَلى ما تَخْتَصُّ بِهِ الإلَهِيَّةُ وذَكَرَ شَيْئًا مَحْسُوسًا قاهِرًا لِلْأنامِ وهو التَّوَفِّي بِاللَّيْلِ والبَعْثُ بِالنَّهارِ وكِلاهُما لَيْسَ لِلْإنْسانِ فِيهِ قُدْرَةٌ، بَلْ هو أمْرٌ يُوقِعُهُ اللَّهُ - تَعالى - بِالإنْسانِ، والتَّوَفِّي عِبارَةٌ في العُرْفِ عَنِ المَوْتِ، وهُنا المَعْنى بِهِ النَّوْمُ عَلى سَبِيلِ المَجازِ لِلْعَلاقَةِ الَّتِي بَيْنَهُ وبَيْنَ المَوْتِ وهي زَوالُ إحْساسِهِ ومَعْرِفَتِهِ وفِكْرِهِ. ولَمّا كانَ التَّوَفِّي المُرادُ بِهِ النَّوْمُ سَبَبًا لِلرّاحَةِ أسْنَدَهُ تَعالى إلَيْهِ، وما كانَ بِمَعْنى المَوْتِ مُؤْلِمًا قالَ: ﴿قُلْ يَتَوَفّاكم مَلَكُ المَوْتِ﴾ [السجدة: ١١]، و﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا﴾، و﴿تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ﴾ [النحل: ٢٨]، والظّاهِرُ أنَّ الخِطابَ عامٌّ لِكُلِّ سامِعٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الخِطابُ لِلْكَفَرَةِ، وخُصَّ اللَّيْلُ بِالنَّوْمِ والبَعْثُ بِالنَّهارِ وإنْ كانَ قَدْ يُنامُ بِالنَّهارِ ويُبْعَثُ بِاللَّيْلِ حَمْلًا عَلى الغالِبِ،، ومَعْنى جَرَحْتُمْ كَسَبْتُمْ، ومِنهُ جَوارِحُ الطَّيْرِ أيْ كَواسِبُها واجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ اكْتَسَبُوها، والمُرادُ مِنها أعْمالُ الجَوارِحِ، ومِنهُ قِيلَ لِلْأعْضاءِ جَوارِحُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِنَ الجَرْحِ كَأنَّ الذَّنْبَ جُرْحٌ في الدِّينِ، (p-١٤٧)والعَرَبُ تَقُولُ: وجُرْحُ اللِّسانِ كَجُرْحِ اليَدِ. وقالَ مَكِّيٌّ: أصْلُ الِاجْتِراحِ عَمَلُ الرَّجُلِ بِجارِحَةٍ مِن جَوارِحِهِ يَدِهِ أوْ رِجْلِهِ، ثُمَّ كَثُرَ حَتّى قِيلَ لِكُلِّ مُكْتَسِبٍ مُجْتَرِحٌ وجارِحٌ، وظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿ما جَرَحْتُمْ﴾ العُمُومُ في المُكْتَسَبِ خَيْرًا كانَ أوْ شَرًّا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ما كَسَبْتُمْ مِنَ الآثامِ. انْتَهى. وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ قَتادَةُ: ما عَمِلْتُمْ. وقالَ مُجاهِدٌ: ما كَسَبْتُمْ، والبَعْثُ هُنا هو التَّنَبُّهُ مِنَ النَّوْمِ، والضَّمِيرُ في (فِيهِ) عائِدٌ عَلى النَّهارِ، قالَهُ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ والسُّدِّيُّ، عادَ عَلَيْهِ لَفْظًا، والمَعْنى في يَوْمٍ آخَرَ كَما تَقُولُ: عِنْدِي دِرْهَمٌ ونِصْفُهُ، وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَثِيرٍ يَعُودُ عَلى التَّوَفِّي أيْ يُوقِظُكم في التَّوَفِّي أيْ في خِلالِهِ وتَضاعِيفِهِ. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى اللَّيْلِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ثُمَّ يَبْعَثُكم مِنَ القُبُورِ في شَأْنِ ذَلِكَ الَّذِي قَطَعْتُمْ بِهِ أعْمارَكم مِنَ النَّوْمِ بِاللَّيْلِ وكَسْبِ الآثامِ بِالنَّهارِ ومِن أجْلِهِ، كَقَوْلِكَ: فِيمَ دَعَوْتَنِي، فَتَقُولُ: في أمْرِ كَذا. انْتَهى. وحَمْلُهُ عَلى البَعْثِ مِنَ القُبُورِ يَنْبُو عَنْهُ قَوْلُهُ: ﴿لِيُقْضى أجَلٌ مُسَمًّى﴾؛ لِأنَّ المَعْنى، واللَّهُ أعْلَمُ، أنَّهُ تَعالى يُحْيِيهِمْ في هاتَيْنِ الحالَتَيْنِ مِنَ النَّوْمِ واليَقَظَةِ لِيَسْتَوْفُوا ما قُدِّرَ لَهم مِنَ الآجالِ والأعْمالِ المَكْتُوبَةِ، وقَضاءُ الأجَلِ فَصْلُ مُدَّةِ العُمُرِ مِن غَيْرِها ومُسَمًّى في عِلْمِ اللَّهِ أوْ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ أوْ عِنْدَ تَكامُلِ الخَلْقِ ونَفْخِ الرُّوحِ، فَفي الصَّحِيحِ أنَّ المَلَكَ يَقُولُ عِنْدَ كَمالِ ذَلِكَ: فَما الرِّزْقُ فَما الأجَلُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هو الأجَلُ الَّذِي سَمّاهُ وضَرَبَهُ لِبَعْثِ المَوْتى وجَزائِهِمْ عَلى أعْمالِهِمْ، ﴿ثُمَّ إلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ﴾ هو المَرْجِعُ إلى مَوْقِفِ الحِسابِ، ﴿ثُمَّ يُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ في لَيْلِكم ونَهارِكم. انْتَهى. وقالَ غَيْرُهُ كابْنِ جُبَيْرٍ: ﴿مَرْجِعُكُمْ﴾ بِالمَوْتِ الحَقِيقِيِّ. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى النَّوْمَ واليَقَظَةَ كانَ ذَلِكَ تَنْبِيهًا عَلى المَوْتِ والبَعْثِ وأنَّ حُكْمَهُما بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ تَعالى واحِدٌ فَكَما أنامَ وأيْقَظَ يُمِيتُ ويُحْيِي. وقَرَأ طَلْحَةُ وأبُو رَجاءٍ: (لِيَقْضِيَ أجَلًا مُسَمًّى)، بَنى الفِعْلَ لِلْفاعِلِ ونَصَبَ (أجَلًا) أيْ لِيُتِمَّ اللَّهُ آجالَهم، كَقَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا قَضى مُوسى الأجَلَ﴾ [القصص: ٢٩] في قِراءَةِ الجُمْهُورِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الفاعِلُ المَحْذُوفُ ضَمِيرَهُ أوْ ضَمِيرَهم.

﴿وهُوَ القاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ ويُرْسِلُ عَلَيْكم حَفَظَةً﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ في تَفْسِيرِ ﴿وهُوَ القاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ﴾ . قالَ هُنا ابْنُ عَطِيَّةَ: القاهِرُ إنْ أخَذَ صِفَةَ فِعْلٍ أيْ مُظْهِرُ القَهْرِ بِالصَّواعِقِ والرِّياحِ والعَذابِ، فَيَصِحُّ أنَّ تُجْعَلَ (فَوْقَ) ظَرْفِيَّةً لِلْجِهَةِ لِأنَّ هَذِهِ الأشْياءَ إنَّما تَعاهُدُها لِلْعِبادِ مِن فَوْقِهِمْ، وإنْ أخَذَ القاهِرُ صِفَةَ ذاتٍ بِمَعْنى القُدْرَةِ والِاسْتِيلاءِ فَفَوْقَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلْجِهَةِ وإنَّما هو لِعُلُوِّ القَدْرِ والشَّأْنِ، كَما تَقُولُ: الياقُوتُ فَوْقَ الحَدِيدِ. انْتَهى. وظاهِرُ ﴿ويُرْسِلُ﴾ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى ﴿وهُوَ القاهِرُ﴾ [الأنعام: ١٨] عَطْفَ جُمْلَةٍ فِعْلِيَّةٍ عَلى جُمْلَةٍ اسْمِيَّةٍ وهي مِن آثارِ القَهْرِ. وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى قَوْلِهِ: ﴿يَتَوَفّاكُمْ﴾ وما بَعْدَهُ مِنَ الأفْعالِ، وأنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى ﴿القاهِرُ﴾ التَّقْدِيرُ: وهو الَّذِي يَقْهَرُ ويُرْسِلُ، وأنْ يَكُونَ حالًا عَلى إضْمارِ مُبْتَدَإٍ أيْ وهو يُرْسِلُ، وذُو الحالِ إمّا الضَّمِيرُ في ﴿القاهِرُ﴾ وإمّا الضَّمِيرُ في الظَّرْفِ، وهَذا أضْعَفُ هَذِهِ الأعارِيبِ، و﴿عَلَيْكُمْ﴾ ظاهِرُهُ أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِيُرْسِلُ كَقَوْلِهِ: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ﴾ [الرحمن: ٣٥]، ولَفْظَةُ (عَلى) مُشْعِرَةٌ بِالعُلُوِّ والِاسْتِعْلاءِ لِتَمَكُّنِهِمْ مِنّا جُعِلُوا كَأنَّ ذَلِكَ عَلَيْنا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِـ ﴿حَفَظَةً﴾ أيْ ويُرْسِلُ حَفَظَةً عَلَيْكم أيْ يَحْفَظُونَ عَلَيْكم أعْمالَكم، كَما قالَ: ﴿وإنَّ عَلَيْكم لَحافِظِينَ﴾ [الإنفطار: ١٠]، كَما تَقُولُ: حَفِظْتُ عَلَيْكَ ما تَعْمَلُ. وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ حالًا لِأنَّهُ لَوْ تَأخَّرَ لَكانَ صِفَةً أيْ حَفَظَةً كائِنَةً عَلَيْكم أيْ مُسْتَوْلِينَ عَلَيْكم، و﴿حَفَظَةً﴾ جَمْعُ حافِظٍ وهو جَمْعٌ مُنْقاسٌ لِفاعِلٍ وصْفًا مُذَكَّرًا صَحِيحَ اللّامِ عاقِلًا وقَلَّ فِيما لا يَعْقِلُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ مَلائِكَةً حافِظِينَ لِأعْمالِكم وهُمُ الكِرامُ الكاتِبُونَ. انْتَهى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: المُرادُ بِذَلِكَ المَلائِكَةُ المُوَكَّلُونَ بِكَتْبِ الأعْمالِ. انْتَهى. وما قالاهُ هو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وظاهِرُ الجَمْعِ أنَّهُ مُقابِلُ الجَمْعِ، ولَمْ تَتَعَرَّضِ الآيَةُ لِعَدَدِ ما عَلى كُلِّ واحِدٍ ولا لِما يَحْفَظُونَ عَلَيْهِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: مَلَكانِ مَعَ كُلِّ إنْسانٍ أحَدُهُما عَنْ يَمِينِهِ (p-١٤٨)لِلْحَسَناتِ، والآخَرُ عَنْ شِمالِهِ لِلسَّيِّئاتِ، وإذا عَمِلَ سَيِّئَةً قالَ مَن عَلى اليَمِينِ: انْتَظِرْهُ لَعَلَّهُ يَتُوبُ مِنها، فَإنْ لَمْ يَتُبْ كُتِبَتْ عَلَيْهِ. وقِيلَ: مَلَكانِ بِاللَّيْلِ ومَلَكانِ بِالنَّهارِ أحَدُهُما يَكْتُبُ الخَيْرَ والآخَرُ يَكْتُبُ الشَّرَّ، فَإذا مَشى كانَ أحَدُهُما بَيْنَ يَدَيْهِ والآخَرُ وراءَهُ، وإذا جَلَسَ فَأحَدُهُما عَنْ يَمِينِهِ والآخَرُ عَنْ شِمالِهِ. وقِيلَ: خَمْسَةٌ مِنَ المَلائِكَةِ: اثْنانِ بِاللَّيْلِ واثْنانِ بِالنَّهارِ وواحِدٌ لا يُفارِقُهُ لَيْلًا ولا نَهارًا، والمَكْتُوبُ الحَسَنَةُ والسَّيِّئَةُ. وقِيلَ: الطّاعاتُ والمَعاصِي والمُباحاتُ. وقِيلَ: لا يَطَّلِعُونَ إلّا عَلى القَوْلِ والفِعْلِ لِقَوْلِهِ: ﴿ما يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إلّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨] ولِقَوْلِهِ: ﴿يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ﴾ [الإنفطار: ١٢] وأمّا أعْمالُ القُلُوبِ فَعِلْمُهُ لِلَّهِ تَعالى. وقِيلَ: يَطَّلِعُونَ عَلَيْها عَلى الإجْمالِ لا عَلى التَّفْصِيلِ، فَإذا عَقَدَ سَيِّئَةً خَرَجَتْ مِن فِيهِ رِيحٌ خَبِيثَةٌ، أوْ حَسَنَةً خَرَجَتْ رِيحٌ طَيِّبَةٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): اللَّهُ غَنِيٌّ بِعِلْمِهِ عَنْ كَتْبِ الكَتَبَةِ فَما فائِدَتُها ؟ (قُلْتُ): فِيها لُطْفٌ لِلْعِبادِ لِأنَّهم إذا عَلِمُوا أنَّ اللَّهَ رَقِيبٌ عَلَيْهِمْ، والمَلائِكَةَ الَّذِينَ هم أشْرَفُ خَلْقِهِ مُوَكَّلُونَ بِهِمْ يَحْفَظُونَ عَلَيْهِمْ أعْمالَهم ويَكْتُبُونَها في صَحائِفَ تُعْرَضُ عَلى رُءُوسِ الأشْهادِ في مَواقِفِ القِيامَةِ - كانَ ذَلِكَ أزْجَرَ لَهم عَنِ القَبِيحِ وأبْعَدَ مِنَ السُّوءِ. انْتَهى. وقَوْلُهُ: والمَلائِكَةُ الَّذِينَ هم أشْرَفُ خَلْقِهِ هو جارٍ عَلى مَذْهَبِ المُعْتَزِلَةِ في المَلائِكَةِ، ولا تَتَعَيَّنُ هَذِهِ الفائِدَةُ إذْ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الفائِدَةُ فِيها أنْ تُوزَنَ صَحائِفُ الأعْمالِ يَوْمَ القِيامَةِ لِأنَّ وزْنَ الأعْمالِ بِمُجَرَّدِها لا يُمْكِنُ، وهَذِهِ الفائِدَةُ جارِيَةٌ عَلى مَذْهَبِ أهْلِ السُّنَّةِ، وأمّا المُعْتَزِلَةُ فَتَأوَّلُوا الوَزْنَ والمِيزانَ، ولا يُشْعِرُ قَوْلُهُ: ﴿حَفَظَةً﴾ أنَّ ذَلِكَ الحِفْظَ بِالكِتابَةِ كَما فَسَّرُوا، بَلْ قَدْ قِيلَ: هُمُ المَلائِكَةُ الَّذِينَ قالَ فِيهِمُ النَّبِيُّ ﷺ: «تَتَعاقَبُ فِيكم مَلائِكَةٌ بِاللَّيْلِ ومَلائِكَةٌ بِالنَّهارِ»، قالَهُ قَتادَةُ والسُّدِّيُّ. وقِيلَ: يَحْفَظُونَ الإنْسانَ مِن كُلِّ شَيْءٍ حَتّى يَأْتِيَ أجْلُهُ.

﴿حَتّى إذا جاءَ أحَدَكُمُ المَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا﴾ أيْ أسْبابُ المَوْتِ، تَوَفَّتْهُ قَبَضَتْ رُوحَهُ، رُسُلُنا جاءَ جَمْعًا. فَقِيلَ: عَنى بِهِ مَلَكَ المَوْتِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأطْلَقَ عَلَيْهِ الجَمْعَ تَعْظِيمًا. وقِيلَ: مَلَكُ المَوْتِ وأعْوانُهُ، والأكْثَرُونَ عَلى أنَّ (رُسُلُنا) عَيْنُ الحَفَظَةِ يَحْفَظُونَهم مُدَّةَ الحَياةِ، وعِنْدَ مَجِيءِ أسْبابِ المَوْتِ يَتَوَفَّوْنَهم، ولا تَعارُضَ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ يَتَوَفّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِها﴾ [الزمر: ٤٢] وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿قُلْ يَتَوَفّاكم مَلَكُ المَوْتِ﴾ [السجدة: ١١] وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا﴾؛ لِأنَّ نِسْبَةَ ذَلِكَ إلى اللَّهِ - تَعالى - بِالحَقِيقَةِ ولِغَيْرِهِ بِالمُباشَرَةِ، ولِمَلَكِ المَوْتِ لِأنَّهُ هو الآمِرُ لِأعْوانِهِ، ولَهُ ولَهم بِكَوْنِهِمْ هُمُ المُتَوَلُّونَ قَبْضَ الأرْواحِ. وعَنْ مُجاهِدٍ: جُعِلَتِ الأرْضُ لَهُ كالطَّسْتِ يَتَناوَلُ مِنهُ مَن يَتَناوَلُهُ وما مِن أهْلِ بَيْتٍ إلّا ويَطُوفُ عَلَيْهِمْ في كُلِّ يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ. وقَرَأ حَمْزَةُ: تَوَفّاهُ بِألِفٍ مُمالَةٍ، وظاهِرُهُ أنَّهُ فِعْلٌ ماضٍ كَتَوَفَّتْهُ إلّا أنَّهُ ذُكِّرَ عَلى مَعْنى الجَمْعِ، ومَن قَرَأ: تَوَفَّتْهُ أنَّثَ عَلى مَعْنى الجَماعَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُضارِعًا وأصْلُهُ تَتَوَفّاهُ فَحُذِفَتْ إحْدى التّاءَيْنِ عَلى الخِلافِ في تَعْيِينِ المَحْذُوفَةِ. وقَرَأ الأعْمَشُ: يَتَوَفّاهُ بِزِيادَةِ ياءِ المُضارَعَةِ عَلى التَّذْكِيرِ.

﴿وهم لا يُفَرِّطُونَ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ والعامِلُ فِيها تَوَفَّتْهُ، أوِ اسْتِئْنافِيَّةٌ أخْبَرَ عَنْهم بِأنَّهم لا يُفَرِّطُونَ في شَيْءٍ مِمّا أُمِرُوا بِهِ مِنَ الحِفْظِ والتَّوَفِّي ومَعْناهُ: لا يُقَصِّرُونَ. وقَرَأ الأعْرَجُ وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ: لا يُفْرِطُونَ بِالتَّخْفِيفِ أيْ لا يُجاوِزُونَ الحَدَّ فِيما أُمِرُوا بِهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فالتَّفْرِيطُ: التَّوَلِّي والتَّأخُّرُ عَنِ الحَدِّ، والإفْراطُ مُجاوَزَةُ الحَدِّ، أيْ لا يُنْقِصُونَ مِمّا أُمِرُوا بِهِ ولا يَزِيدُونَ فِيهِ. انْتَهى. وهو مَعْنى كَلامِ ابْنِ جِنِّيٍّ. وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: يُفَرِّطُونَ: لا يَدَعُونَ أحَدًا يَفْرُطُ عَنْهم أيْ يَسْبِقُهم ويَفُوتُهم. وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ قِراءَةُ التَّخْفِيفِ مَعْناها لا يَتَقَدَّمُونَ عَلى أمْرِ اللَّهِ، وهَذا لا يَصِحُّ إلّا إذا نُقِلَ أنَّ أفْرَطَ بِمَعْنى فَرَّطَ أيْ تَقَدَّمَ. وقالَ الحَسَنُ: إذا (p-١٤٩)احْتُضِرَ المَيِّتُ احْتَضَرَهُ خَمْسُمِائَةِ مَلِكٍ يَقْبِضُونَ رُوحَهُ فَيَعْرُجُونَ بِها.

﴿ثُمَّ رُدُّوا إلى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الحَقِّ﴾ الظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ عَلى العِبادِ، وجاءَ عَلَيْكم عَلى سَبِيلِ الِالتِفاتِ لِما في الخِطابِ مِن تَقْرِيبِ المَوْعِظَةِ مِنَ السّامِعِينَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ في رُدُّوا عَلى أحَدِكم عَلى المَعْنى لِأنَّهُ لا يُرِيدُ بِـ (أحَدَكم) ظاهِرَهُ مِنَ الإفْرادِ إنَّما مَعْناهُ الجَمْعُ، وكَأنَّهُ قِيلَ: حَتّى إذا جاءَكُمُ المَوْتُ، وقُرِئَ: رِدُّوا بِكَسْرِ الرّاءِ، نُقِلَ حَرَكَةُ الدّالِ الَّتِي أُدْغِمَتْ إلى الرّاءِ، والرّادُّ المُحَذَّرُ مِنَ اللَّهِ، أوْ بِالبَعْثِ في الآخِرَةِ، أوِ المَلائِكَةُ رَدَّتْهم بِالمَوْتِ إلى اللَّهِ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ يَعُودُ عَلى (رُسُلُنا) أيِ المَلائِكَةُ يَمُوتُونَ كَما يَمُوتُ بَنُو آدَمَ ويُرَدُّونَ إلى اللَّهِ - تَعالى - وعَوْدُهُ عَلى العِبادِ أظْهَرُ، ومَوْلاهم لَفْظٌ عامٌّ لِأنْواعِ الوَلايَةِ الَّتِي تَكُونُ بَيْنَ اللَّهِ وبَيْنَ عَبِيدِهِ مِنَ المُلْكِ والنُّصْرَةِ والرِّزْقِ والمُحاسَبَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وفي الإضافَةِ إشْعارٌ بِرَحْمَتِهِ لَهم، وظاهِرُ الإخْبارِ بِالرَّدِّ إلى اللَّهِ أنَّهُ يُرادُ بِهِ البَعْثُ والرُّجُوعُ إلى حُكْمِ اللَّهِ وجَزائِهِ يَوْمَ القِيامَةِ ويَدُلُّ عَلَيْهِ آخِرُ الآيَةِ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: صَرِيحُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى حُصُولِ المَوْتِ لِلْعَبْدِ ورَدِّهِ إلى اللَّهِ، والمَيِّتُ مَعَ كَوْنِهِ مَيِّتًا لا يُمْكِنُ أنْ يُرَدَّ إلى اللَّهِ بَلِ المَرْدُودُ هو النَّفْسُ والرُّوحُ، وهُنا مَوْتٌ وحَياةٌ، فالمَوْتُ نَصِيبُ البَدَنِ والحَياةُ نَصِيبُ النَّفْسِ والرُّوحِ، فَثَبَتَ أنَّ الإنْسانَ لَيْسَ إلّا النَّفْسُ والرُّوحُ، ولَيْسَ عِبارَةً عَنْ مُجَرَّدِ هَذِهِ البِنْيَةِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿رُدُّوا إلى اللَّهِ﴾ إشْعارٌ بِكَوْنِ الرُّوحِ مَوْجُودَةً قَبْلَ البَدَنِ لِأنَّ الرَّدَّ مِن هَذا العالَمِ إلى حَضْرَةِ الجَلالِ إنَّما يَكُونُ إذا كانَتْ مَوْجُودَةً قَبْلَ التَّعَلُّقِ بِالبَدَنِ، ونَظِيرُهُ ﴿ارْجِعِي إلى رَبِّكِ﴾ [الفجر: ٢٨]، ﴿إلى اللَّهِ مَرْجِعُكم جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٤٨]، وجاءَ في الحَدِيثِ: «خُلِقَتِ الأرْواحُ قَبْلَ الأجْسادِ بِألْفَيْ عامٍ» . وحُجَّةُ الفَلاسِفَةِ عَلى كَوْنِ النُّفُوسِ غَيْرَ مَوْجُودَةٍ قَبْلَ وُجُودِ البَدَنِ ضَعِيفَةٌ، وبَيَّنّا ضَعْفَها في الكُتُبِ العَقْلِيَّةِ، انْتَهى كَلامُهُ وفِيهِ بَعْضُ تَلْخِيصٍ. وقالَ أيْضًا: ﴿إلى اللَّهِ﴾ يُشْعِرُ بِالجِهَةِ وهو باطِلٌ فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلى أنَّهم رُدُّوا إلى حَيْثُ لا مالِكَ ولا حاكِمَ سِواهُ. انْتَهى. والظّاهِرُ أنَّ هَذا الرَّدَّ هو بِالبَعْثِ يَوْمَ القِيامَةِ لا ما أرادَهُ الرّازِيُّ، ووَصْفُهُ تَعالى بِالحَقِّ مَعْناهُ العَدْلُ الَّذِي لَيْسَ بِباطِلٍ ولا مَجازٍ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: كانُوا في الدُّنْيا تَحْتَ تَصَرُّفاتِ المَوالِي الباطِلَةِ وهي النَّفْسُ والشَّهْوَةُ والغَضَبُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿أفَرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ﴾ [الجاثية: ٢٣]، فَلَمّا ماتَ تَخَلَّصَ مِن تَصَرُّفاتِ المَوالِي الباطِلَةِ، وانْتَقَلَ إلى تَصَرُّفِ المَوْلى الحَقِّ. انْتَهى كَلامُهُ. وتَفْسِيرُهُ خارِجٌ عَنْ مَناحِي كَلامِ العَرَبِ ومَقاصِدِها، وهو في أكْثَرِهِ شَبِيهٌ بِكَلامِ الَّذِينَ يُسَمُّونَ أنْفُسَهم حُكَماءَ. وقَرَأ الحَسَنُ والأعْمَشُ: (الحَقَّ) بِالنَّصْبِ، والظّاهِرُ أنَّهُ صِفَةٌ قُطِعَتْ فانْتَصَبَتْ عَلى المَدْحِ، وجَوَّزَ نَصْبَهُ عَلى المَصْدَرِ، تَقْدِيرُهُ: الرَّدَّ الحَقَّ.

﴿ألا لَهُ الحُكْمُ﴾ تَنْبِيهٌ مِنهُ تَعالى عِبادَهُ بِأنَّ جَمِيعَ أنْواعِ التَّصَرُّفاتِ لَهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ألا لَهُ الحُكْمُ يَوْمَئِذٍ لا حُكْمَ فِيهِ لِغَيْرِهِ.

﴿وهُوَ أسْرَعُ الحاسِبِينَ﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ في سُرْعَةِ حِسابِهِ تَعالى في قَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ [البقرة: ٢٠٢] .

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English