Аль-Бикаи · Тафсир · на арабском
Юнус 10:18–27
10:18Страница 210
وَيَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمۡ وَلَا يَنفَعُهُمۡ وَيَقُولُونَ هَٰٓؤُلَآءِ شُفَعَٰٓؤُنَا عِندَ ٱللَّهِۚ قُلۡ أَتُنَبِّـُٔونَ ٱللَّهَ بِمَا لَا يَعۡلَمُ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَلَا فِي ٱلۡأَرۡضِۚ سُبۡحَٰنَهُۥ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يُشۡرِكُونَ ١٨
Они поклоняются наряду с Аллахом тому, что не причиняет им вреда и не приносит им пользы. Они говорят: «Они - наши заступники перед Аллахом». Скажи: «Разве вы можете поведать Аллаху такое на небесах и на земле, чего бы Он не знал?». Пречист Он и превыше тех, кого вы приобщаете в сотоварищи.
(p-٩١)ولَمّا كانَ السِّياقُ لِلتَّهْدِيدِ والتَّخْوِيفِ، قَدَّمَ الضُّرَّ لِذَلِكَ وتَنْبِيهًا لَهم عَلى أنَّهم مَغْمُورُونَ في نِعَمِهِ الَّتِي لا قُدْرَةَ لِغَيْرِهِ عَلى مَنعِ شَيْءٍ مِنها، فَعَلَيْهِمْ أنْ يُقَيِّدُوها بِالشُّكْرِ فَقالَ: ﴿ما لا يَضُرُّهُمْ﴾ أيْ: أصْلًا مِنَ الأصْنامِ وغَيْرِها ﴿ولا يَنْفَعُهُمْ﴾ في مُعارَضَةِ القُرْآنِ بِتَبْدِيلٍ أوْ غَيْرِهِ ولا في شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ، ومِن حَقِّ المَعْبُودِ أنْ يَكُونَ مُثِيبًا عَلى الطّاعَةِ مُعاقِبًا عَلى المَعْصِيَةِ وإلّا كانَتْ عِبادَتُهُ عَبَثًا، مُعْرِضِينَ عَمّا جاءَهم مِنَ الآياتِ البَيِّناتِ [مِن] عِنْدَ مَن يَعْلَمُونَ أنَّهُ يَضُرُّهم ويَنْفَعُهم ولا يَمْلِكُ شَيْئًا مِن ذَلِكَ أحَدٌ سِواهُ، وقَدْ أقامَ الأدِلَّةَ عَلى ذَلِكَ غَيْرَ مَرَّةٍ، وفي هَذا غايَةُ التَّبْكِيتِ لَهم بِمُنابَذَةِ العَقْلِ مَعَ ادِّعائِهِمْ رُسُوخَ الأقْدامِ فِيهِ وتَمَكُّنَ المَجالِ مِنهُ؛ والعِبادَةُ: خُضُوعٌ بِالقَلْبِ في أعْلى مَراتِبِ الخُضُوعِ؛ ثُمَّ عَجِبَ مِنهم تَعْجِيبًا آخَرَ فَقالَ: ﴿ويَقُولُونَ﴾ أيْ: لَمْ يَكْفِهِمْ قَوْلُهُ ذَلِكَ مَرَّةً مِنَ الدَّهْرِ حَتّى يُجَدِّدُوا قَوْلَهُ مُسْتَمِرِّينَ عَلَيْهُ: ﴿هَؤُلاءِ﴾ أيِ الأصْنامُ أوْ غَيْرُهم ﴿شُفَعاؤُنا﴾ أيْ: ثابِتَةٌ شَفاعَتُهم لَنا ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْظَمِ الَّذِي لا يُمْكِنُ الدُّنُوُّ مِن شَيْءٍ مِن حَضْرَتِهِ إلّا بِإذْنِهِ، وقَدْ مَضى إبْطالُ ما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ المَقالَةُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما مِن شَفِيعٍ إلا مِن بَعْدِ إذْنِهِ﴾ [يونس: ٣] وفِيهِ تَخْجِيلُهم في العَجْزِ عَنْ تَبْدِيلِ القُرْآنِ أوِ الإتْيانِ بِشَيْءٍ مِن مِثْلِهِ حَيْثُ لَمْ تَنْفَعْهم في ذَلِكَ فَصاحَتُهم ولا أغْنَتْ عَنْهم شَيْئًا بَلاغَتُهُمْ، وأعْوَزَهم في شَأْنِهِ فُصَحاؤُهُمْ، وضَلَّ عَنْهم شُفَعاؤُهُمْ، فَدَلَّ ذَلِكَ قَطْعًا عَلى أنَّهُ ما مِن شَفِيعٍ إلّا بِإذْنِهِ (p-٩٢)مِن بَعْدُ، فَكَأنَّهُ قالَ: بِماذا أُجِيبُهُمْ؟ فَقالَ: ﴿قُلْ﴾ مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ هَذا العِلْمَ: ﴿أتُنَبِّئُونَ﴾ أيْ: تُخْبِرُونَ إخْبارًا عَظِيمًا ﴿اللَّهِ﴾ وهو العالِمُ بِكُلِّ شَيْءٍ المُحِيطُ بِكُلِّ كَمالٍ ﴿بِما لا يَعْلَمُ﴾ أيْ: لا يُوجَدُ لَهُ بِهِ عِلْمٌ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ ﴿فِي السَّماواتِ﴾ ولَمّا كانَ الحالُ مُقْتَضِيًا لِغايَةِ الإيضاحِ، كَرَّرَ النّافِيَ تَصْرِيحًا فَقالَ: ﴿ولا في الأرْضِ﴾ وفي ذَلِكَ مِنَ الِاسْتِخْفافِ بِعُقُولِهِمْ مِمّا لا يَقْدِرُونَ عَلى الطَّعْنِ فِيهِ بِوَجْهِ ما يُخْجِلُ الجَمادَ، فَإنَّ ما لا يَكُونُ مَعْلُومًا لِلَّهِ لا يَكُونُ لَهُ وُجُودٌ أصْلًا، فَلا نَفْيَ أبْلَغُ مِن هَذا، كَما أنَّكَ إذا بالَغْتَ في نَفْيِ شَيْءٍ عَنْ نَفْسِكَ تَقُولُ: هَذا شَيْءٌ ما عَلِمَهُ اللَّهُ مِنِّي.
ولَمّا بَيَّنَ تَعالى هُنا ما هم عَلَيْهِ مِن سَخافَةِ العُقُولِ ورَكاكَةِ الآراءِ، خَتَمَ ذَلِكَ بِتَنْزِيهِ نَفْسِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿سُبْحانَهُ﴾ أيْ: تَنَزَّهَ عَنْ كُلِّ شائِبَةِ نَقْصٍ تَنَزُّهًا لا يُحاطُ بِهِ ﴿وتَعالى﴾ أيْ: وفَعَلَ بِما لَهُ مِنَ الإحاطَةِ بِأوْصافِ الكَمالِ فِعْلَ المُبالِغِ في التَّنَزُّهِ ﴿عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ أيْ: يُوجِدُونَ الإشْراكَ بِهِ.
10:19Страница 210
وَمَا كَانَ ٱلنَّاسُ إِلَّآ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ فَٱخۡتَلَفُواْۚ وَلَوۡلَا كَلِمَةٞ سَبَقَتۡ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيۡنَهُمۡ فِيمَا فِيهِ يَخۡتَلِفُونَ ١٩
Люди были единой общиной верующих, но впали в разногласия. И если бы прежде не было Слова твоего Господа, то их разногласия были бы разрешены.
ولَمّا بَيَّنَ شِرارَتَهم بِعِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ وخَتَمَ بِتَنْزِيهِهِ وكَمالِهِ، بَيَّنَ أنَّ هَذا الدِّينَ الباطِلَ حادِثٌ، وبَيَّنَ نَزاهَتَهُ وكَمالَهُ بِبَيانِ أنَّ النّاسَ كانُوا أوَّلًا مُجْتَمِعِينَ عَلى طاعَتِهِ ثُمَّ خالَفُوا أمْرَهُ فَلَمْ يَقْطَعْ إحْسانَهُ إلَيْهِمْ بَلِ اسْتَمَرَّ (p-٩٣)فِي إمْهالِهِمْ مَعَ تَمادِيهِمْ في سُوءِ أعْمالِهِمْ ما سَبَقَ في عِلْمِهِ ومَضى بِهِ قَضاؤُهُ فَقالَ تَعالى: \ ﴿وما كانَ النّاسُ﴾ أيْ: كُلُّهم مَعَ ما لَهم مِنَ الِاضْطِرابِ ﴿إلا أُمَّةً﴾ ولَمّا أفْهَمَ ذَلِكَ وحْدَتَهم في القَصْدِ حَقَّقَهُ وأكَّدَهُ فَقالَ: ﴿واحِدَةً﴾ [أيْ] حُنَفاءَ مُتَّفِقِينَ عَلى طاعَةِ اللَّهِ ﴿فاخْتَلَفُوا﴾ في ذَلِكَ عَلى عَهْدِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ - كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - عَقِبَ وحْدَتِهِمْ بِسَبَبِ ما لَهم مِنَ النَّوْسِ فاسْتَحَقَّ كافِرُهم تَنْجِيزَ العِقابِ ﴿ولَوْلا كَلِمَةٌ﴾ أيْ: عَظِيمَةٌ ﴿سَبَقَتْ﴾ أيْ: في الأزَلِ ﴿مِن رَبِّكَ﴾ أيِ المُحْسِنِ إلَيْكَ بِرَحْمَةِ أُمَّتِكَ بِإمْهالِهِمْ، وبَيَّنَ التَّأْكِيدَ بِما دَلَّ عَلى القَسَمِ لِأجْلِ إنْكارِهِمْ أنْ يَكُونَ تَأْخِيرُهم لِأجْلِ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ أيْ: عاجِلًا بِأيْسَرِ أمْرٍ ﴿فِيما﴾ [ولَمّا لَمْ يُبَيِّنِ الكَلامَ عَلى الِاتِّخاذِ الَّذِي مَحَطُّ أمْرِهِ مُعالَجَةٌ بِالباطِنِ، لَمْ يَذْكُرِ الضَّمِيرَ بِخِلافِ الزُّمَرِ فَقالَ]:﴿فِيهِ﴾ أيْ: لا في غَيْرِهِ بِأنْ يُعَجِّلَ جَزاءَهم عَلَيْهِ: ﴿يَخْتَلِفُونَ﴾ وأشارَ ذَلِكَ إلى أنَّ هَذا الأمْرَ الَّذِي دَعَوْا إلَيْهِ لَيْسَ أمْرًا طارِئًا حادِثًا فَيَكُونُ بِحَيْثُ يُتَوَقَّفُ فِيهِ لِلنَّظَرِ في عَواقِبِهِ والتَّأمُّلِ في مَصادِرِهِ ومَوارِدِهِ، بَلْ هو - مَعَ ظُهُورِ دَلائِلِهِ واسْتِقامَةِ مَناهِجِهِ وصِحَّةِ مَذاهِبِهِ وإلْقاءِ الفِطَرِ أزِمَّةَ الِانْقِيادِ إلَيْهِ - أصْلُ ما كانَ العِبادُ عَلَيْهِ، وما هم فِيهِ الآنَ هو الطّارِئُ الحادِثُ مَعَ ظُهُورِ فَسادِهِ ووُضُوحِ سَقَمِهِ، وهو ناظِرٌ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أكانَ لِلنّاسِ عَجَبًا﴾ [يونس: ٢] لِأنَّ قَوْلَهُ: (p-٩٤)﴿قالَ الكافِرُونَ إنَّ هَذا لَساحِرٌ مُبِينٌ﴾ [يونس: ٢] دالٌّ عَلى أنَّهم قِسْمانِ: كافِرٌ ومُؤْمِنٌ؛ والأُمَّةُ: الجَماعَةُ عَلى مَعْنًى واحِدٍ في خُلُقٍ واحِدٍ كَأنَّها تَؤُمُّ - أيْ: تَقْصِدُ - شَيْئًا واحِدًا.
10:20Страница 210
وَيَقُولُونَ لَوۡلَآ أُنزِلَ عَلَيۡهِ ءَايَةٞ مِّن رَّبِّهِۦۖ فَقُلۡ إِنَّمَا ٱلۡغَيۡبُ لِلَّهِ فَٱنتَظِرُوٓاْ إِنِّي مَعَكُم مِّنَ ٱلۡمُنتَظِرِينَ ٢٠
Неверующие говорят: «Почему ему не ниспослано знамение от его Господа?». Скажи: «Сокровенное принадлежит одному Аллаху. Ждите, и я подожду вместе с вами».
ثُمَّ قالَ تَعالى عَطْفًا [عَلى] قَوْلِهِ: ﴿ويَعْبُدُونَ﴾ [يونس: ١٨] ﴿ويَقُولُونَ﴾ أيْ: أنَّهم لَمّا أتَتْهُمُ البَيِّناتُ قالُوا: ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذا، كافِرِينَ بِمُنْزِلِها عابِدِينَ مِن دُونِهِ ما لا يَرْضى عاقِلٌ بِتَسْوِيَتِهِ [بِنَفْسِهِ] فَكَيْفَ بِعِبادَتِهِ [قائِلِينَ بِفَرْطِ عِنادِهِمْ وتَمادِيهِمْ في التَّمَرُّدِ]: ﴿لَوْلا﴾ أيْ: هَلّا ولِمَ لا ﴿أُنْـزِلَ﴾ [أيْ بِأيِّ وجْهٍ كانَ] ﴿عَلَيْهِ آيَةٌ﴾ أيْ: واحِدَةٌ كائِنَةٌ وآتِيَةٌ ﴿مِن رَبِّهِ﴾ أيِ المُحْسِنِ إلَيْهِ غَيْرَ ما جاءَ بِهِ؛ وذَلِكَ إمّا لِطَلَبِهِمْ آيَةً مُلْجِئَةً لَهم إلى الإيمانِ أوْ لِكَوْنِهِمْ لَمْ يَعُدُّوا ما أُنْزِلَ عَلَيْهِ عِدادَ الآياتِ فَضْلًا عَنْ كَوْنِها بَيِّناتٍ، وكَفى بِالقُرْآنِ وحْدَهُ آيَةً باقِيَةً عَلى وجْهِ الدَّهْرِ بَدِيعَةً في الآياتِ دَقِيقَةَ المَسْلَكِ بَيْنَ المُعْجِزاتِ مَعَ عَجْزِهِمْ عَنْ مُعارَضَتِهِ بِتَبْدِيلٍ أوْ غَيْرِهِ، فَأيُّ عِنادٍ أعْظَمَ مِن هَذا.
ولَمّا كانَ في ذَلِكَ شَوْبٌ مِنَ الِاسْتِفْهامِ، قالَ [مُسَبَّبًا عَنْ قَوْلِهِمْ]: ﴿فَقُلْ﴾ قاصِرًا قَصْرًا حَقِيقِيًّا ﴿إنَّما الغَيْبُ﴾ أيِ الَّذِي عَناهُ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا أعْلَمُ ما في نَفْسِكَ﴾ [المائدة: ١١٦] وهو ما لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ مَخْلُوقٌ أصْلًا.
﴿لِلَّهِ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ الكامِلَةُ وحْدَهُ، لا عِلْمَ لِي بِعِلَّةِ عَدَمِ إنْزالِ ما تُرِيدُونَ، وهَلْ تُجابُونَ إلَيْهِ أوْ لا.
(p-٩٥)ولَمّا خَصَّهُ سُبْحانَهُ بِالعِلْمِ. وكانَ إنْزالُ الآياتِ مِنَ المُمْكِناتِ. سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلَهُ: ﴿فانْتَظِرُوا﴾ ثُمَّ أجابَ مَن كَأنَّهُ يَقُولُ لَهُ: فَما تَعْمَلُ أنْتَ؟ بِقَوْلِهِ: ﴿إنِّي مَعَكُمْ﴾ أيْ: في هَذا الأمْرِ غَيْرُ مُخالِفٍ لَكم في التَّشَوُّفِ إلى آيَةٍ تَحْصُلُ بِها هِدايَتُكُمْ، ثُمَّ حَقَّقَ المَعْنى وأكَّدَهُ فَقالَ: ﴿مِنَ المُنْتَظِرِينَ﴾ أيْ: لِما يَرِدُ عَلَيَّ مِن آيَةٍ وغَيْرِها.
10:21Страница 211
وَإِذَآ أَذَقۡنَا ٱلنَّاسَ رَحۡمَةٗ مِّنۢ بَعۡدِ ضَرَّآءَ مَسَّتۡهُمۡ إِذَا لَهُم مَّكۡرٞ فِيٓ ءَايَاتِنَاۚ قُلِ ٱللَّهُ أَسۡرَعُ مَكۡرًاۚ إِنَّ رُسُلَنَا يَكۡتُبُونَ مَا تَمۡكُرُونَ ٢١
Когда Мы дали людям вкусить милость после того, как их постигло бедствие, они тотчас начали ухищряться против Наших знамений. Скажи: «Аллах быстрее в ухищрениях!». Воистину, Наши посланцы записывают ваши козни.
ولَمّا كانَ طَلَبُهم مُحَرِّكًا لِنُفُوسِ الخَيِّرِينَ إلى تُرْجى إجابَةُ سُؤالِهِمْ، أتْبَعَهُ سُبْحانَهُ بِما يُبَيِّنُ أنَّ ذَلِكَ غَيْرُ نافِعٍ لَهُمْ؛ لِأنَّهُ مَحْضُ تَعَنُّتٍ. فَقالَ تَعالى عاطِفًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿قالَ الكافِرُونَ إنَّ هَذا لَساحِرٌ مُبِينٌ﴾ [يونس: ٢] أوْ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وإذا مَسَّ الإنْسانَ الضُّرُّ﴾ [يونس: ١٢] مُبَيِّنًا أنَّ رَحْمَتَهُ مُحَقَّقَةُ الوُجُودِ كَثِيرَةُ الوُرُودِ إلَيْهِمْ [مُبَيِّنًا أنَّ لَهم آيَةً عُظْمى مِن أنْفُسِهِمْ لا يَحْتاجُونَ مَعَها إلى التَّعَنُّتِ بِطَلَبِ آيَةٍ وهي دالَّةٌ عَلى نَتِيجَةِ مَقْصُودِ السُّورَةِ الَّذِي هو الوَحْدانِيَّةُ وأنَّ إشْراكَهم إنَّما هو بِما لَهم مِن نَقْصِ الغَرائِزِ المُوجِبِ لِكُفْرانِ الإحْسانِ، وذَلِكَ أنَّهم عامَّةً إذا أُكْرِمُوا بِنِعْمَةٍ قابَلُوها بِكُفْرٍ جَعَلُوا ظَرْفَهُ عَلى مِقْدارِ ظَرْفِ تِلْكَ النِّعْمَةِ بِما أشارَ إلَيْهِ التَّعْبِيرُ بِ ”إذا“ ثُمَّ إذا مَسَّهُمُ الضُّرُّ ألْجَأهم إلى الحَقِّ فَأخْلَصُوا، لَمْ يَخْتَلِفْ حالُهم في هَذا قَطُّ، وهَذا الإجْماعُ مِنَ الجانِبَيْنِ دَلِيلٌ واضِحٌ عَلى كِلا الأمْرَيْنِ: الكُفْرُ ظُلْمًا بِما جَرَّ إلَيْهِ مِنَ البَطَرِ. والتَّوْحِيدُ حَقًّا بِما دَعا إلَيْهِ مِنَ الفِطْرَةِ القَوِيمَةِ الكائِنَةِ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ بِما زالَ عَنْها إلْحاقُ الضَّرَرِ مِنَ الحُظُوظِ والشَّهَواتِ والفُتُورِ، وهَذا كَما وقَعَ في سُورَةِ الرُّومِ المُوافِقَةِ لِهَذِهِ في الدَّلالَةِ عَلى (p-٩٦)الوَحْدانِيَّةِ فَلِذا عَبَّرَ في كُلٍّ مِنهُما بِالنّاسِ لِيَكُونَ إجْماعُهم دَلِيلًا كافِيًا عَلَيْها وسُلْطانًا جَلِيلًا مُضْطَرًّا إلَيْها - واللَّهُ الهادِي -]: ﴿وإذا أذَقْنا﴾ أيْ: عَلى ما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿النّاسَ﴾ أيِ الَّذِينَ لَهم وصْفُ الِاضْطِرابِ ﴿رَحْمَةً﴾ أيْ: نِعْمَةً رَحِمْناهم بِها مِن غَيْرِ اسْتِحْقاقٍ.
ولَمّا كانَ وُجُودُ النِّعْمَةِ لا يَسْتَغْرِقُ الزَّمانَ الَّذِي يَتَعَقَّبُ النِّقْمَةَ، أدْخَلَ الجارَّ فَقالَ: ﴿مِن بَعْدِ ضَرّاءَ﴾ أيْ: قَحْطٍ وغَيْرِهِ ﴿مَسَّتْهُمْ﴾ فاجَئُوا المَكْرَ وهو مَعْنى ﴿إذا لَهم مَكْرٌ﴾ أيْ: عَظِيمٌ بِالمَعاصِي الَّتِي يَفْعَلُونَ في الِاسْتِخْفاءِ بِأغْلَبِها فِعْلَ الماكِرِ ﴿فِي آياتِنا﴾ إشارَةً إلى أنَّهم لا يَنْفَكُّونَ عَنْ آياتِهِ العِظامِ، فَلَوْ كانُوا مُنْتَفِعِينَ بِالآياتِ اهْتَدَوْا بِها، فَإذا أتَتْهم رَحْمَةٌ مِن بَعْدِ نِقْمَةٍ لَمْ يَعُدُّوها آيَةً دالَّةً عَلى مَن أرْسَلَها لَهم لِخَرْقِها لِما كانُوا فِيهِ مِن عادَةِ النِّقْمَةِ مَعَ أنَّهم يَعْتَرِفُونَ بِأنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى إرْسالِها وصَرْفِ الشِّدَّةِ إلّا هو سُبْحانَهُ، بَلْ يَعْمَلُونَ فِيها عَمَلَ الماكِرِينَ بِأنْ يَصْرِفُوها عَنْ ذَلِكَ بِأنْواعِ الصَّوارِفِ كَأنْ يَنْسُبُوها إلى الأسْبابِ \ كَنِسْبَةِ المَطَرِ لِلْأنْواءِ ونَحْوِ ذَلِكَ غَيْرَ خائِفِينَ مِن إعادَةِ مِثْلِ تِلْكَ الضَّرّاءِ أوْ ما هو أشَدُّ مِنها.
ولَمّا كانَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ دالَّةً عَلى إسْراعِهِمْ بِالمَكْرِ مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ: التَّعْبِيرُ بِالذَّوْقِ الَّذِي هو أوَّلُ المُخالَطَةِ، ولَفْظُ ”مِن“ الَّتِي هي لِلِابْتِداءِ و”إذا“ الفُجائِيَّةُ، كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: أسْرَعُوا جُهْدَهم في المَكْرِ، فَقِيلَ: ﴿قُلِ اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ الكامِلَةُ بِكُلِّ شَيْءٍ ﴿أسْرَعُ مَكْرًا﴾ (p-٩٧)ومَعْنى الوَصْفِ بِالأسْرُعِيَّةِ أنَّهُ قَضى بِعِقابِهِمْ قَبْلَ تَدْبِيرِهِمْ مَكايِدَهم [نَبَّهَ عَلَيْهِ أبُو حَيّانَ. \ ولَمّا كانَ المَكْرُ إخْفاءَ الكَيْدِ، بَيَّنَ لَهم سُبْحانَهُ -] أنَّهم غَيْرُ قادِرِينَ عَلى مُطْلَقِ المَكْرِ في جِهَتِهِ عَزَّ شَأْنُهُ وتَعالى كِبْرِياؤُهُ وسُلْطانُهُ، لِأنَّهُ عالِمٌ بِالسِّرِّ وأخْفى، بَلْ لا يَمْكُرُونَ مَكْرًا إلّا ورُسُلُهُ سُبْحانَهُ مُطَّلِعُونَ عَلَيْهِ فَكَيْفَ بِهِ سُبْحانَهُ! فَقالَ تَعالى مُؤَكِّدًا لِأجْلِ إنْكارِهِمْ: ﴿إنَّ رُسُلَنا﴾ أيْ: عَلى ما لَهم مِنَ العَظَمَةِ بِإضافَتِهِمْ إلَيْنا ﴿يَكْتُبُونَ﴾ أيْ: كِتابَةً مُتَجَدِّدَةً عَلى سَبِيلِ الِاسْتِمْرارِ بِاسْتِمْرارِ المَكْتُوبِ ﴿ما تَمْكُرُونَ﴾ لِأنَّهم قَدْ وُكِّلُوا بِكم قَبْلَ كَوْنِكم نُطَفًا ولَمْ يُوَكَّلُوا بِكم إلّا بَعْدَ عِلْمِ مُوَكِّلِهِمْ بِكُلِّ ما يَفْعَلُونَهُ ولا يَكْتُبُونَ مَكْرَكم إلّا بَعْدَ اطِّلاعِهِمْ عَلَيْهِ، وأمّا هو سُبْحانَهُ فَإذا قَضى لا يُمْكِنُ أنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ رُسُلُهُ إلّا بِاطِّلاعِهِ فَكَيْفَ بِغَيْرِهِمْ! وإذا تَبَيَّنَ أنَّهُ عالِمٌ بِأُمُورِهِمْ وهم جاهِلُونَ بِأُمُورِهِ عَلِمَ أنَّهُ لا يَدَعُهم يُدَبِّرُونَ كَيْدًا إلّا وقَدْ سَبَّبَ لَهُ ما يَجْعَلُهُ في نُحُورِهِمْ؛ والمَكْرُ: فَتْلُ الشَّيْءِ إلى غَيْرِ وجْهِهِ عَلى طَرِيقِ الحِيلَةِ فِيهِ؛ والسُّرْعَةُ: الشَّيْءُ في وقْتِهِ الَّذِي هو أحَقُّ بِهِ، وقَدْ تَضَمَّنَتِ الآيَةُ البَيانَ عَمّا يُوجِبُهُ حالُ الجاهِلِ مِن تَضْيِيعِ حَقِّ النِّعْمَةِ والمَكْرِ فِيها وإنْ جَلَّتْ مُنْزِلَتُها وأتَتْ عَلى فاقَةٍ إلَيْها وشِدَّةِ حاجَةٍ إلى نُزُولِها مَعَ الوَعِيدِ بِعائِدِ (p-٩٨)الوَبالِ عَلى الماكِرِ فِيها.
10:22Страница 211
هُوَ ٱلَّذِي يُسَيِّرُكُمۡ فِي ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِۖ حَتَّىٰٓ إِذَا كُنتُمۡ فِي ٱلۡفُلۡكِ وَجَرَيۡنَ بِهِم بِرِيحٖ طَيِّبَةٖ وَفَرِحُواْ بِهَا جَآءَتۡهَا رِيحٌ عَاصِفٞ وَجَآءَهُمُ ٱلۡمَوۡجُ مِن كُلِّ مَكَانٖ وَظَنُّوٓاْ أَنَّهُمۡ أُحِيطَ بِهِمۡ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخۡلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ لَئِنۡ أَنجَيۡتَنَا مِنۡ هَٰذِهِۦ لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّٰكِرِينَ ٢٢
Он - Тот, Кто предоставил вам возможность путешествовать по суше и по морю. Вы путешествуете на кораблях, плывущих вместе с ними при благоприятном ветре, которому они рады. Но вдруг подует ураганный ветер, и волны подступят к ним со всех сторон. Они решат, что они окружены, и станут взывать к Аллаху, очищая перед Ним веру: «Если Ты спасешь нас отсюда, то мы будем одними из благодарных!».
ثُمَّ أخَذَ سُبْحانَهُ يُبَيِّنُ ما يَتَّضِحُ بِهِ أسْرُعِيَّةُ مَكْرِهِ في مِثالٍ دالٍّ عَلى ما في الآيَةِ قَبْلَها مِن نَقْلِهِ سُبْحانَهُ لِعِبادِهِ مِنَ الضُّرِّ إلى النِّعْمَةِ ومِن سُرْعَةِ تَقَلُّبِهِمْ فَقالَ: ﴿هُوَ﴾ أيْ: لا غَيْرُهُ ﴿الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ﴾ [أيْ] في كُلِّ وقْتٍ تَسِيرُونَ فِيهِ سَيْرًا عَظِيمًا لا تَقْدِرُونَ عَلى الِانْفِكاكِ عَنْهُ ﴿فِي البَرِّ والبَحْرِ﴾ أيْ: يُسَبِّبُ لَكم أسْبابًا تُوجِبُ سَيْرَكم فِيهِما ويُقَدِّرُكم عَلى ذَلِكَ ويَهْدِيكم مِن بَيْنِ سائِرِ الحَيَواناتِ إلى ما فِيهِ مِن أصْنافِ المَنافِعِ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلى إصابَتِكم في البَرِّ بِالخَسْفِ وما بِالخَسْفِ وما دُونَهُ وفي البَحْرِ بِالغَرَقِ وما أشْبَهَهُ.
ولَمّا كانَ العَطَبُ بِأحْوالِ البَحْرِ أظْهَرَ مَعَ أنَّ السَّيْرَ فِيهِ مِن أكْبَرِ الآياتِ وأوْضَحِ البَيِّناتِ، بَيَّنَهُ مُعْرِضًا عَنْ ذِكْرِ البَرِّ فَقالَ: ﴿حَتّى إذا كُنْتُمْ﴾ أيْ: كَوْنًا لا بَراحَ لَكم مِنهُ ﴿فِي الفُلْكِ﴾ أيِ السُّفُنِ، يَكُونُ واحِدًا وجَمْعًا؛ وأعْرَضَ عَنْهم بَعْدَ الإقْبالِ لِما سَيَأْتِي فَقالَ: ﴿وجَرَيْنَ﴾ أيِ الفُلْكُ؛ ﴿بِهِمْ﴾ ولَمّا ذَكَرَ جَرْيَها وهم فِيها، ذَكَرَ سَبَبَهُ فَقالَ: ﴿بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾ ثُمَّ أوْضَحَ لَهم عَدَمَ عِلْمِهِمْ بِالعَواقِبِ بِقَوْلِهِ: ﴿وفَرِحُوا بِها﴾ أيْ: بِتِلْكَ الرِّيحِ وبِالفُلْكِ الجارِيَةِ بِها ﴿جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ﴾ فَأزْعَجَتْ سُفُنَهم وساءَتْهم ﴿وجاءَهُمُ المَوْجُ﴾ أيِ المَعْرُوفُ لِكُلِّ أحَدٍ بِالرُّؤْيَةِ أوِ الوَصْفِ ﴿مِن كُلِّ مَكانٍ﴾ أيْ: يُعْتادُ الإتْيانُ مِنهُ فَأرْجَفَ قُلُوبَهم ﴿وظَنُّوا أنَّهُمْ﴾ ولَمّا كانَ المَخُوفُ الهَلاكَ، لا كَوْنَهُ مِن مُعَيَّنٍ، بُنِيَ لِلْمَفْعُولِ ما هو كِنايَةٌ عَنْهُ لِأنَّ العَدُوَّ إذا أحاطَ بِعَدُوِّهِ أيْقَنَ بِالهَلاكِ فَقالَ: ﴿أُحِيطَ بِهِمْ﴾
(p-٩٩)ولَمّا كانَ ما تَقَدَّمَ مِن حالِهِمُ الغَرِيبَةِ الَّتِي تَجِبُ لَها القُلُوبُ وتَضْعُفُ عِنْدَها القُوى - مُقْتَضِيًا لِأنْ يُسْألَ عَمّا يَكُونُ مِنهم عِنْدَ ذَلِكَ، أتى المَقالُ عَلى مُقْتَضى هَذا السُّؤالِ مُخْبِرًا عَنْ تَرْكِهِمُ العِنادَ وإخْلاصِهِمُ الدّالِّ عَلى جَزَعِهِمْ عِنْدَ سَطَواتِهِ وانْحِلالِ عَزائِمِهِمْ في مُشاهَدَةِ ضَرَباتِهِ، وعِبارَةُ الرُّمّانِيِّ: اتِّصالُ دَعْوى الأجْوِبَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: لَمّا ظَنُّوا أنَّهم أُحِيطَ بِهِمْ ﴿دَعَوُا اللَّهَ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ صِفاتُ الكَمالِ بِالرَّغْبَةِ إلَيْهِ في الخَلاصِ والعِبادَةِ لَهُ بِالإخْلاصِ ﴿مُخْلِصِينَ﴾ أيْ: عَنْ كُلِّ شِرْكٍ ﴿لَهُ الدِّينَ﴾ أيِ التَّوْحِيدَ والتَّصْدِيقَ بِالظّاهِرِ والباطِنِ، وقَدْ تَضَمَّنَتِ الآيَةُ البَيانَ عَمّا يُوجِبُهُ بَدِيهَةُ العَقْلِ مِنَ الفَزَعِ عِنْدَ الشِّدَّةِ إلى واهِبِ السَّلامَةِ ومُسْبِغِ النِّعْمَةِ \ في كَشْفِ تِلْكَ البَلِيَّةِ؛ ثُمَّ أتْبَعَ سُبْحانَهُ ذَلِكَ حِكايَةَ حالِهِمْ في وعْدِهِمُ الشُّكْرَ عَلى النَّجاةِ ثُمَّ كَذِبِهم في ذَلِكَ مَعَ ادِّعائِهِمْ أنَّهم أطْهَرُ النّاسِ ذُيُولًا عَنِ الكَذِبِ وأشَدُّهُمُ اسْتِقْباحًا لَهُ وأبْعَدُ النّاسِ مِن كُفْرانِ الإحْسانِ، فَقالَ تَعالى حاكِيًا قَوْلَهُمُ الَّذِي دَلُّوا بِتَأْكِيدِهِمْ لَهُ أنَّهم قالُوهُ بِغايَةِ الرَّغْبَةِ نافِينَ ما يُظَنُّ بِهِمْ مِنَ الرُّجُوعِ إلى ما كانُوا فِيهِ قَبْلَ تِلْكَ الحالِ مِنَ الكُفْرِ: ﴿لَئِنْ أنْجَيْتَنا﴾ أيْ: أيُّها المَلِكُ الَّذِي لا سُلْطانَ لِغَيْرِهِ ﴿مِن هَذِهِ﴾ أيِ الفادِحَةِ ﴿لَنَكُونَنَّ﴾ أيْ: كَوْنًا لا نَنْفَكُّ عَنْهُ ﴿مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ أيِ المُدِيمِينَ لِشُكْرِكَ العَرِيقِينَ في الِاتِّصافِ بِهِ.
10:23Страница 211
فَلَمَّآ أَنجَىٰهُمۡ إِذَا هُمۡ يَبۡغُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّۗ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّمَا بَغۡيُكُمۡ عَلَىٰٓ أَنفُسِكُمۖ مَّتَٰعَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ ثُمَّ إِلَيۡنَا مَرۡجِعُكُمۡ فَنُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ٢٣
Когда же Он спасает их, они бесчинствуют на земле без всякого права на то. О люди! Ваши бесчинства обернутся против вас самих. Это - преходящее наслаждение мирской жизнью. Потом Вы возвратитесь к Нам, и Мы поведаем вам о том, что вы совершали.
(p-١٠٠)ولَمّا أعْلَمَ سُبْحانَهُ أنَّهُمُ أكَّدُوا هَذا الوَعْدَ هَذا التَّأْكِيدَ، أتْبَعَهُ بَيانَ أنَّهم أسْرَعُوا في نَقْضِهِ غايَةَ الإسْراعِ فَقالَ: ﴿فَلَمّا أنْجاهُمْ﴾ ولَمّا أبانَتِ الفاءُ عَنِ الإسْراعِ في النَّقْضِ، أكَّدَ مُناجاتِهِمْ لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إذا هم يَبْغُونَ﴾ أيْ: يَتَجاوَزُونَ الحُدُودَ ﴿فِي الأرْضِ﴾ أيْ: جِنْسِها ﴿بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ أيِ الكامِلِ، فَلا يَزالُ الباغِي مَذْمُومًا حَتّى يَكُونَ عَلى الحَقِّ الكامِلِ الَّذِي لا باطِلَ فِيهِ بِوَجْهٍ، وجاءَ الخِطابُ أوَّلًا فِي: ﴿يُسَيِّرُكُمْ﴾ [يونس: ٢٢] لِيَعُمَّ المُؤْمِنِينَ لِأنَّ التَّسْيِيرَ يَصْلُحُ لِلِامْتِنانِ، ثُمَّ التَفَتَ إلى الغَيْبَةِ عِنْدَ صُدُورِ ما لا يَلِيقُ بِهِمْ - نَبَّهَ عَلى ذَلِكَ أبُو حَيّانَ، وأحْسَنُ مِنهُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ سُبْحانَهُ أقْبَلَ عَلَيْهِمْ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ جَعَلَهم - بِما هَيَّأ فِيهِمْ مِنَ القُوى - أهْلًا لِخِطابِهِ ثُمَّ أعْرَضَ عَنْهم إشارَةً إلى أنَّهُمُ اسْتَحَقُّوا الإعْراضَ لِإعْراضِهِمُ اغْتِرارًا بِما أتاحَهم مِنَ الرِّيحِ الطَّيِّبَةِ في مَحَلٍّ يَجِبُ فِيهِ الإقْبالُ عَلَيْهِ والغِنى عَنْ كُلِّ ما سِواهُ لِعِظَمِ الخَطَرِ وشَدَّةِ الأمْرِ، وكَأنَّهُ يَذْكُرُ لِغَيْرِهِمْ مِن حالِهِمْ ما يُعْجِبُهُ مِنهُ لِيُنْكِرَ عَلَيْهِمْ ويَقْبُحَ حالُهُمْ؛ والتَّسْيِيرُ: التَّحْرِيكُ في جِهَةٍ تَمْتَدُّ كالسَّيْرِ؛ والبَرُّ: الأرْضُ الواسِعَةُ الَّتِي تُقْطَعُ مِن بَلَدٍ، ومِنهُ البَرُّ لِاتِّساعِ الخَيْرِ بِهِ؛ والبَحْرُ: مُسْتَقَرُّ الماءِ الواسِعُ حَتّى لا يُرى مِن وسَطِهِ حافَّتاهُ؛ والفُلْكُ: السُّفُنُ الَّتِي تَدُورُ في الماءِ، وأصْلُهُ الدُّورُ، فَمِنهُ فَلْكَةُ المِغْزَلِ، والفَلَكُ الَّذِي يَدُورُ فِيهِ النُّجُومُ؛ والنَّجاةُ: التَّخْلِيصُ مِنَ الهَلاكِ؛ والبَغْيُ: قَصْدُ الِاسْتِعْلاءِ بِالظُّلْمِ، وأصْلُهُ الطَّلَبُ؛ والحَقُّ: وضْعُ الشَّيْءِ في مَوْضِعِهِ عَلى ما يَدْعُو إلَيْهِ العَقْلُ؛ (p-١٠١)ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ ما هم فِيهِ مِنَ الإمْهالِ إنَّما هو مَتاعُ الدُّنْيا وأنَّها دارُ زَوالٍ فَقالَ تَعالى: ﴿يا أيُّها النّاسُ﴾ أيِ الَّذِي غَلَبَ عَلَيْهِمْ وصْفُ الِاضْطِرابِ ﴿إنَّما بَغْيُكُمْ﴾ أيْ: كُلُّ بَغْيٍ يَكُونُ مِنكم ﴿عَلى أنْفُسِكُمْ﴾ لِعَوْدِ الوَبالِ عَلَيْها خاصَّةً وهو عَلى تَقْدِيرِ انْتِفاعِكم بِهِ عَرَضٌ زائِلٌ ﴿مَتاعَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ ثُمَّ يَبْقى عارُهُ وخِزْيُهُ بَعْدَ المَوْتِ ﴿ثُمَّ إلَيْنا﴾ أيْ: خاصَّةً ﴿مَرْجِعُكُمْ﴾ بَعْدَ البَعْثِ ﴿فَنُنَبِّئُكُمْ﴾ عَلى ما لَنا مِنَ العَظَمَةِ إنْباءً عَظِيمًا ﴿بِما كُنْتُمْ﴾ أيْ: كَوْنًا هو كالجِبِلَّةِ ﴿تَعْمَلُونَ﴾ ونُجازِيكم عَلَيْهِ.
10:24Страница 211
إِنَّمَا مَثَلُ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا كَمَآءٍ أَنزَلۡنَٰهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ فَٱخۡتَلَطَ بِهِۦ نَبَاتُ ٱلۡأَرۡضِ مِمَّا يَأۡكُلُ ٱلنَّاسُ وَٱلۡأَنۡعَٰمُ حَتَّىٰٓ إِذَآ أَخَذَتِ ٱلۡأَرۡضُ زُخۡرُفَهَا وَٱزَّيَّنَتۡ وَظَنَّ أَهۡلُهَآ أَنَّهُمۡ قَٰدِرُونَ عَلَيۡهَآ أَتَىٰهَآ أَمۡرُنَا لَيۡلًا أَوۡ نَهَارٗا فَجَعَلۡنَٰهَا حَصِيدٗا كَأَن لَّمۡ تَغۡنَ بِٱلۡأَمۡسِۚ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ ٢٤
Мирская жизнь подобна воде, которую Мы ниспосылаем с неба и благодаря которой (или с которой) смешиваются земные растения, идущие в пищу людям и животным. Когда же земля покрывается убранством и приукрашается, а ее жители полагают, что они властны над ней, Наше повеление постигает ее ночью или днем. Мы превращаем ее в жнивье, словно еще вчера она не изобиловала. Так Мы разъясняем знамения для людей размышляющих.
ولَمّا كانَ السِّياقُ لِإثْباتِ البَعْثِ وتَخْوِيفِهِمْ بِهِ وكانُوا يُنْكِرُونَهُ ويَعْتَقِدُونَ بَقاءَ الدُّنْيا وأنَّها إنَّما هي أرْحامٌ تَدْفَعُ وأرْضٌ تَبْلُغُ دائِمًا بِلا انْقِضاءٍ [فَهِيَ دارٌ يُرْضى بِها فَيُطْمَأنُّ إلَيْها]، ولِلتَّنْفِيرِ مِنَ البَغْيِ والتَّعَزُّزِ بِغَيْرِ الحَقِّ، وكانَتِ الأمْثالُ أجْلى لِمَحالِّ الأشْكالِ، قالَ تَعالى مُمَثِّلًا لِمَتاعِها قاصِرًا أمْرَها عَلى الفَناءِ رَدًّا عَلَيْهِمْ في اعْتِقادِ دَوامِها مِن غَيْرِ بَعْثٍ: ﴿إنَّما﴾ [فَهُوَ قَصْرُ قَلْبٍ] ﴿مَثَلُ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ الَّتِي تَتَنافَسُونَ فِيها في سُرْعَةِ انْقِضائِها وانْقِراضِ نَعِيمِها بَعْدَ عَظِيمِ إقْبالِهِ ﴿كَماءٍ أنْـزَلْناهُ﴾ [أيْ] بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ، [وحَقَّقَ أمْرَهُ وبَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ]: ﴿مِنَ السَّماءِ﴾ فَشَبَّهَهُ بِأمْرِ النَّباتِ وأنَّهُ قَلِيلٌ يَبْلُغُ مُنْتَهاهُ فَتُصْبِحُ الأرْضُ مِنهُ بِلاقِعَ بَعْدَ ذَلِكَ الِاخْضِرارِ واليُنُوعِ، وفي ذَلِكَ إشارَةٌ إلى البَعْثِ وإلى أنَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى ضَرْبِهِ قَبْلَ نِهايَتِهِ أوْ بَعْدَها (p-١٠٢)بِبَعْضِ الآفاتِ كَما يُوجَدُ في بَعْضِ السِّنِينَ، فَيُقْفِرُونَ مِنهُ ويَفْتَقِرُونَ إلَيْهِ، وفي ذَلِكَ تَحْذِيرٌ عَظِيمٌ ﴿فاخْتَلَطَ﴾ أيْ: بِسَبَبِ إنْزالِنا لَهُ ﴿بِهِ﴾ أيْ: بِسَبَبِ تَلْيِينِهِ ولَطافَتِهِ ﴿نَباتُ الأرْضِ﴾ عُمُومًا في بَطْنِها ﴿مِمّا يَأْكُلُ النّاسُ﴾ أيْ: كافَّةً ﴿والأنْعامُ﴾ مِنَ الحُبُوبِ والثِّمارِ والبُقُولِ فَظَهَرَ عَلى وجْهِها ﴿حَتّى﴾ ولَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ يَنْمُو ويَزِيدُ في الحُسْنِ والجِرْمِ؛ ولَمّا كانَ الخِصْبُ هو الأصْلَ، عَبَّرَ عَنْهُ بِأداةِ التَّحْقِيقِ فَقالَ: \ ﴿إذا﴾ ولَمّا كانَتْ بَهْجَةُ النَّباتِ تابِعَةً لِلْخِصْبِ، فَكانَ الماءُ كَأنَّهُ يُعْطِيها إيّاها فَتَأْخُذُهُ، قالَ: ﴿أخَذَتِ الأرْضُ﴾ [أيْ] الَّتِي لَها أهْلِيَّةُ النَّباتِ ﴿زُخْرُفَها وازَّيَّنَتْ﴾ بِأنْواعِ ذَلِكَ النَّباتِ زِينَةً مِنها الجَلِيُّ ومِنها الخَفِيُّ - بِما يُفْهِمُهُ الإدْغامُ ﴿وظَنَّ أهْلُها﴾ أيْ: ظَنًّا مُؤَكَّدًا جِدًّا بِما أفادَهُ العُدُولُ عَنْ ”قُدْرَتِهِمْ“ إلى ﴿أنَّهم قادِرُونَ﴾ أيْ: ثابِتَةٌ قُدْرَتُهم ﴿عَلَيْها﴾ بِاجْتِناءِ الثَّمَرَةِ مِن ذَلِكَ النَّباتِ وغابَ عَنْهم لِجَهْلِهِمْ عِلْمُ العاقِبَةِ، فَلَمّا كانَ ذَلِكَ ﴿أتاها أمْرُنا﴾ [أيْ] الَّذِي لا يُرَدُّ مِنَ البَرْدِ أوِ الحَرِّ المُفْرِطَيْنِ ﴿لَيْلا أوْ نَهارًا فَجَعَلْناها﴾ أيْ: زَرْعَها وزِينَتَها بِعَظَمَتِها بِسَبَبِ ذَلِكَ الأمْرِ وتَعْقِيبِهِ بِالإهْلاكِ ﴿حَصِيدًا﴾ وعَبَّرَ بِما فَهِمَهُ فَعِيلٌ مِنَ المُبالَغَةِ والثَّباتِ بِقَوْلِهِ: ﴿كَأنْ﴾ أيْ: كَأنَّها ﴿لَمْ تَغْنَ﴾ أيْ: لَمْ تَكُنْ غانِيَةً أيْ ساكِنَةً حَسَنَةً غَنِيَّةً ذاتَ وفْرٍ مَطْلُوبَةً مَرْغُوبًا فِيها أيْ زَرْعِها وزِينَتِها ﴿بِالأمْسِ﴾ فَكانَ (p-١٠٣)حالُ الدُّنْيا في سُرْعَةِ انْقِضائِها وانْقِراضِ نَعِيمِها بَعْدَ عَظِيمِ إقْبالِهِ كَحالِ نَباتِ الأرْضِ في جَفافِهِ وذَهابِهِ حُطامًا بَعْدَ ما التَفَّ وزَيَّنَ الأرْضَ بِخُضْرَتِهِ وألْوانِهِ وبَهْجَتِهِ.
ولَمّا كانَ هَذا المَثَلُ في غايَةِ المُطابَقَةِ لِلسّاعَةِ، هَزَّ السّامِعَ لَهُ فازْدادَ عَجَبُهُ مِن حُسْنِ تَفْصِيلِهِ بَعْدَ تَأْصِيلِهِ فَقِيلَ جَوابًا لَهُ: ﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ: مِثْلَ هَذا التَّفْصِيلِ الباهِرِ ﴿نُفَصِّلُ﴾ أيْ: تَفْصِيلًا عَظِيمًا ﴿الآياتِ لِقَوْمٍ﴾ أيْ: ناسٍ أقْوِياءَ فِيهِمْ قُوَّةُ المُحاوَلَةِ لِما يُرِيدُونَ ﴿يَتَفَكَّرُونَ﴾ أيْ: يُجَدِّدُونَ الفِكْرَ عَلى وجْهِ الِاسْتِمْرارِ والمُبالَغَةِ؛ والمَثَلُ: قَوْلٌ سائِرٌ يُشَبَّهُ فِيهِ الحالُ الثّانِي بِالأوَّلِ؛ والِاخْتِلاطُ: تَداخُلُ الأشْياءِ بَعْضِها في بَعْضٍ؛ والزُّخْرُفُ: حُسْنُ الألْوانِ.
10:25–26Страница 211
وَٱللَّهُ يَدۡعُوٓاْ إِلَىٰ دَارِ ٱلسَّلَٰمِ وَيَهۡدِي مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ ٢٥
Аллах призывает к Обители мира и благополучия и наставляет на прямой путь тех, кого пожелает.
۞ لِّلَّذِينَ أَحۡسَنُواْ ٱلۡحُسۡنَىٰ وَزِيَادَةٞۖ وَلَا يَرۡهَقُ وُجُوهَهُمۡ قَتَرٞ وَلَا ذِلَّةٌۚ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَنَّةِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ٢٦
Тем, которые творили добро, уготовано Наилучшее (Рай), и им будет добавлено еще (они получат возможность взглянуть на Лик Аллаха). Не будет на их лицах ни праха, ни унижения. Они - обитатели Рая, в котором они пребудут вечно.
ولَمّا قَرَّرَ سُبْحانَهُ هَذِهِ الآياتِ الَّتِي حَذَّرَ فِيها مِن أنْواعِ الآفاتِ، بَيَّنَ أنَّ الدّارَ الَّتِي [رَضُوا بِها واطْمَأنُّوا إلَيْها دارُ المَصائِبِ ومَعْدِنُ الهَلَكاتِ والمَعاطِبِ وأنَّها ظِلٌّ زائِلٌ تَحْذِيرًا مِنها وتَنْفِيرًا عَنْها، بَيَّنَ تَعالى أنَّ الدّارَ الَّتِي] دَعا إلَيْها سالِمَةٌ مِن كُلِّ نَصَبٍ وهَمٍّ ووَصَبٍ، ثابِتَةٌ بِلا زَوالٍ، فَقالَ تَعالى عاطِفًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿إنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ [يونس: ٣] تَرْغِيبًا في الآخِرَةِ وحَثًّا عَلَيْها: ﴿واللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الجَلالُ والإكْرامُ ﴿يَدْعُو﴾ أيْ: يُعَلِّقُ دُعاءَهُ عَلى سَبِيلِ التَّجَدُّدِ والِاسْتِمْرارِ بِالمَدْعُوِّينَ ﴿إلى دارِ السَّلامِ﴾ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ سُبْحانَهُ أضافَها إلى اسْمِهِ تَعْظِيمًا لَها وتَرْغِيبًا فِيها، يَعْنِي بِأنَّها لا عَطَبَ فِيها أصْلًا، والسَّلامَةُ فِيها دائِمَةٌ، (p-١٠٤)والسَّلامُ فِيها فاشٍ مِن بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ ومِنَ المَلائِكَةِ وغَيْرِهِمْ؛ والدُّعاءُ: طَلَبُ الفِعْلِ بِما يَقَعُ لِأجْلِهِ، والدَّواعِي إلى الفِعْلِ خِلافُ الصَّوارِفِ عَنْهُ.
ولَمّا أعْلَمَ - بِالدَّعْوَةِ بِالهِدايَةِ بِالبَيانِ وأفْهَمَ خَتْمُ الآيَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿ويَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ أيْ: بِما يَخْلُقُ في قَلْبِهِ مِنَ الهِدايَةِ ﴿إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أنَّ مِنَ النّاسِ مَن يَهْدِيهِ ومِنهم مَن يُضِلُّهُ. وأنَّ الكُلَّ فاعِلُونَ لِما يَشاءُ - كانَ مَوْضِعُ أنْ يُقالَ: هَلْ هم واحِدٌ في جَزائِهِ كَما هم واحِدٌ في الِانْقِيادِ لِمُرادِهِ؟ فَقِيلَ: لا، بَلْ هم فَرِيقانِ: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا﴾ أيِ الأعْمالَ في الدُّنْيا مِنهم وهم مَن هَداهُ ﴿الحُسْنى﴾ أيِ الخَصْلَةُ الَّتِي هي في غايَةِ الحُسْنِ مِنَ الجَزاءِ ﴿وزِيادَةٌ﴾ [أيْ عَظِيمَةٌ] مِن فَضْلِ اللَّهِ فالنّاسُ: مُرِيدٌ خَرَجَتْ هِدايَتُهُ مِنَ الجِهادِ ﴿والَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهم سُبُلَنا﴾ [العنكبوت: ٦٩] ومُرادٌ خَرَجَتْ هِدايَتُهُ مِنَ المَشِيئَةِ، فالدَّعْوَةُ إلى الجَنَّةِ بِالبَيانِ عامَّةً، والهِدايَةُ إلى الصِّراطِ خاصَّةً لِأنَّها الطَّرِيقُ إلى المُنْعِمِ.
ولَمّا كانَ النَّعِيمُ لا يَتِمُّ إلّا بِالدَّوامِ بِالأمْنِ مِنَ المَضارِّ قالَ: ﴿ولا يَرْهَقُ﴾ أيْ: يَغْشى ويَلْحَقُ ﴿وُجُوهَهم قَتَرٌ﴾ أيْ: غَبَرَةٌ كَغَبْرَةِ المَوْتِ وكَرْبِهِ، وهو تَغَيُّرٌ في الوَجْهِ مَعَهُ سَوادٌ وعُبُوسَةٌ تَرْكَبُهُما غَلَبَةٌ ﴿ولا ذِلَّةٌ﴾ أيْ: كَآبَةٌ وكُسُوفٌ يَظْهَرُ مِنهُ الِانْكِسارُ والهَوانُ.
ولَمّا كانَ هَذا واضِحًا في أنَّهم أهْلُ السَّعادَةِ، وصَلَ بِهِ قَوْلَهُ: (p-١٠٥)﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ العالُو الرُّتْبَةِ ﴿أصْحابُ الجَنَّةِ﴾ ولَمّا كانَتِ الصُّحْبَةُ جَدِيرَةً بِالمُلازَمَةِ، صَرَّحَ بِها في قَوْلِهِ: ﴿هُمْ﴾ أيْ: لا غَيْرُهم ﴿فِيها﴾ أيْ: خاصَّةً ﴿خالِدُونَ﴾ أيْ: مُقِيمُونَ لا يَبْرَحُونَ، لِأنَّهم لا يُرِيدُونَ ذَلِكَ لِطِيبِها ولا يُرادُ بِهِمْ.
10:27Страница 212
وَٱلَّذِينَ كَسَبُواْ ٱلسَّيِّـَٔاتِ جَزَآءُ سَيِّئَةِۭ بِمِثۡلِهَا وَتَرۡهَقُهُمۡ ذِلَّةٞۖ مَّا لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ مِنۡ عَاصِمٖۖ كَأَنَّمَآ أُغۡشِيَتۡ وُجُوهُهُمۡ قِطَعٗا مِّنَ ٱلَّيۡلِ مُظۡلِمًاۚ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ٢٧
А воздаянием тех, кто приобрел зло, будет равноценное зло. Их постигнет унижение, и никто не защитит их от Аллаха. Их лица словно покроются клочьями ночного мрака. Они - обитатели Огня, в котором они пребудут вечно.
ولَمّا بَيَّنَ حالَ الفَضْلِ فِيمَن أحْسَنَ، بَيَّنَ حالَ العَدْلِ فِيمَن أساءَ فَقالَ: ﴿والَّذِينَ كَسَبُوا﴾ أيْ: مِنهم ﴿السَّيِّئاتِ﴾ أيِ المُحِيطَةَ بِهِمْ ﴿جَزاءُ سَيِّئَةٍ﴾ أيْ: مِنهم ﴿بِمِثْلِها﴾ بِعَدْلِ اللَّهِ مِن غَيْرِ زِيادَةٍ ﴿وتَرْهَقُهم ذِلَّةٌ﴾ أيْ: مِن جُمْلَةِ جَزائِهِمْ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: أما لَهُمُ انْفِكاكٌ عَنْ ذَلِكَ؟ فَقِيلَ جَوابًا: ﴿ما لَهم مِنَ اللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْظَمِ؛ وأغْرَقَ في النَّفْيِ فَقالَ: ﴿مِن عاصِمٍ﴾ أيْ: يَمْنَعُهم مِن شَيْءٍ يُرِيدُهُ بِهِمْ.
ولَمّا كانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ ذَلِكَ مُغَيِّرٌ لِأحْوالِهِمْ، وصَلَ بِهِ قَوْلَهُ: ﴿كَأنَّما﴾ ولَمّا كانَ المَكْرُوهُ مُطْلَقَ كَوْنِها بِالمَنظَرِ السَّيِّئِ، بُنِيَ لِلْمَفْعُولِ قَوْلُهُ: ﴿أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ﴾ أيْ: أغْشاها مُغْشٍ لِشِدَّةِ سَوادِها لِما هي فِيهِ مِنَ السُّوءِ ﴿قِطَعًا﴾ ولَمّا كانَ القِطَعُ بِوَزْنِ عِنَبٍ مُشْتَرِكًا بَيْنَ ظُلْمَةِ آخِرِ اللَّيْلِ وجَمْعُ القِطْعَةِ مِنَ الشَّيْءِ، بَيَّنَ وأكَّدَ فَقالَ: ﴿مِنَ اللَّيْلِ﴾ أيْ: هَذا الجِنْسِ حالَ كَوْنِهِ ﴿مُظْلِمًا﴾ ولَمّا كانَ ذَلِكَ ظاهِرًا في أنَّهم أهْلُ الشَّقاوَةِ، وصَلَ بِهِ قَوْلَهُ: ﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ البُعَداءُ (p-١٠٦)البَغْضاءُ ﴿أصْحابُ النّارِ﴾ ولَمّا كانَتِ الصُّحْبَةُ المُلازَمَةُ، بَيَّنَها بِقَوْلِهِ: ﴿هم فِيها﴾ [أيْ: خاصَّةً] ﴿خالِدُونَ﴾ أيْ: لا يُمَكَّنُونَ مِن مُفارَقَتِها؛ والرَّهَقُ: لَحاقُ الأمْرِ، ومِنهُ: راهَقَ الغُلامُ - إذا لَحِقَ حالَ الرِّجالِ؛ والقَتَرُ: الغُبارُ، ومِنهُ الإقْتارُ في الإنْفاقِ لِقِلَّتِهِ؛ والذِّلَّةُ: صِغَرُ النَّفْسِ بِالإهانَةِ؛ والكَسْبُ: الفِعْلُ لِاجْتِلابِ النَّفْعِ إلى النَّفْسِ أوِ اسْتِدْفاعِ الضُّرِّ.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии