Аль-БикаиЮнус · 10:84–92

Аль-Бикаи · Тафсир · на арабском

Юнус 10:84–92

10:84–86Страница 218

وَقَالَ مُوسَىٰ يَٰقَوۡمِ إِن كُنتُمۡ ءَامَنتُم بِٱللَّهِ فَعَلَيۡهِ تَوَكَّلُوٓاْ إِن كُنتُم مُّسۡلِمِينَ ٨٤

Муса (Моисей) сказал: «О мой народ! Если вы уверовали в Аллаха и стали мусульманами, то уповайте на Него».

فَقَالُواْ عَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلۡنَا رَبَّنَا لَا تَجۡعَلۡنَا فِتۡنَةٗ لِّلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ ٨٥

Они сказали: «Мы уповаем на одного Аллаха. Господь наш, не делай нас искушением для людей несправедливых!

وَنَجِّنَا بِرَحۡمَتِكَ مِنَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٨٦

По Своей милости спаси нас от людей неверующих».

ولَمّا ذَكَرَ خَوْفَهم وعُذْرَهُمْ، أتْبَعَهُ ما يُوجِبُ طُمَأْنِينَتَهُمْ، وهو التَّوَكُّلُ عَلى اللَّهِ الَّذِي مَن راقَبَهُ تَلاشى عِنْدَهُ كُلُّ عَظِيمٍ، فَقالَ: ﴿وقالَ مُوسى﴾ أيْ: لِمَن آمَنَ بِهِ مُوَطِّنًا لَهم عَلى أنَّ الجَنَّةَ لا تُنالُ إلّا بِمَشَقَّةٍ عَظِيمَةٍ ”يُبْتَلى (p-١٧٧)النّاسُ عَلى قَدْرِ إيمانِهِمْ“ ﴿يا قَوْمِ﴾ فاسْتَعْطَفَهم بِالتَّذْكِيرِ بِالقُرْبِ وهَزَّهم إلى المَعالِي بِهِ فِيهِمْ مِنَ القُوَّةِ ثُمَّ هَيَّجَهم وألْهَبَهم عَلى الثَّباتِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ كُنْتُمْ﴾ أيْ: كَوْنًا هو في ثَباتِهِ كالخُلُقِ الَّذِي لا يَزُولُ ﴿آمَنتُمْ بِاللَّهِ﴾ وثَبَّتَهم بِذِكْرِ الِاسْمِ الأعْظَمِ وما دَلَّ عَلَيْهِ مِنَ الصِّفاتِ، وأجابَ الشَّرْطَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَعَلَيْهِ﴾ أيْ: وحْدَهُ لِما عَلِمْتُمْ مِن عَظَمَتِهِ الَّتِي لا يُدايِنُها شَيْءٌ سِواهُ ﴿تَوَكَّلُوا﴾ ولْيَظْهَرْ عَلَيْكم أثَرُ التَّوَكُّلِ مِنَ الطُّمَأْنِينَةِ والثَّباتِ والسَّكِينَةِ ﴿إنْ كُنْتُمْ﴾ أيْ: كَوْنًا ثابِتًا ﴿مُسْلِمِينَ﴾ جامِعِينَ إلى تَصْدِيقِ القَلْبِ إذْعانَ الجَوارِحِ؛ وجَوابُ هَذا الشَّرْطِ ما دَلَّ عَلَيْهِ الماضِي مِن قَوْلِهِ: ﴿فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا﴾ ﴿فَقالُوا﴾ أيْ: عَلى الفَوْرِ كَما يَقْتَضِيهِ الفاءُ ﴿عَلى اللَّهِ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ العَظَمَةُ كُلُّها وحْدَهُ ﴿تَوَكَّلْنا﴾ أيْ: فَوَّضْنا أُمُورَنا كُلَّها إلَيْهِ ﴿رَبَّنا﴾ أيْ: أيُّها المُوجِدُ لَنا المُحْسِنُ إلَيْنا ﴿لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً﴾ أيْ: مَوْضِعَ مُخالَطَةٍ بِما يَمِيلُ ويُحِيلُ ﴿لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ أيْ: لا تُصِبْنا أنْتَ بِما يَظُنُّونَ بِهِ تَهاوُنَكَ بِنا فَيَزْدادُوا نُفْرَةً عَنْ دِينِكَ لِظَنِّهِمْ أنّا عَلى الباطِلِ ولا تُسَلِّطْهِمْ عَلَيْنا مِمّا يَفْتِنُنا عَنْ دِينِنا فَيَظُنُّوا أنَّهم عَلى الحَقِّ ﴿ونَجِّنا بِرَحْمَتِكَ﴾ أيْ: إكْرامِكَ لَنا ﴿مِنَ القَوْمِ﴾ أيِ الأقْوِياءِ ﴿الكافِرِينَ﴾ أيِ العَرِيقِينَ في تَغْطِيَةِ الأدِلَّةِ، وفي دُعائِهِمْ هَذا إشارَةٌ [إلى أنَّ] أمْرَ الدِّينِ أهَمُّ مِن أمْرِ النَّفْسِ.

10:87Страница 218

وَأَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ وَأَخِيهِ أَن تَبَوَّءَا لِقَوۡمِكُمَا بِمِصۡرَ بُيُوتٗا وَٱجۡعَلُواْ بُيُوتَكُمۡ قِبۡلَةٗ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَۗ وَبَشِّرِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٨٧

Мы ниспослали откровение Мусе (Моисею) и его брату: «Обеспечьте свой народ жилищами в Египте, превратите свои жилища в места для поклонения и совершайте намаз. Обрадуй же верующих!».

(p-١٧٨)ولَمّا أجابُوهُ إلى إظْهارِ الِاعْتِمادِ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ وفَوَّضُوا الأُمُورَ إلَيْهِ، أتْبَعَهُ ما يَزِيدُهم طُمَأْنِينَةً مِنَ التَّوَطُّنِ في أرْضِ العَدُوِّ إشارَةً إلى عَدَمِ المُبالاةِ بِهِ، لِأنَّهُ رُوِيَ أنَّهُ كانَتْ لَهم مُتَعَبَّداتٌ يَجْتَمِعُونَ فِيها، فَلَمّا بُعِثَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أخْرَبَها فِرْعَوْنُ، فَأمَرَ اللَّهُ تَعالى أنْ تُجْعَلَ في بُيُوتِهِمْ لِئَلّا يَطَّلِعَ عَلَيْهِمُ الكَفَرَةُ؛ فَقالَ تَعالى عاطِفًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿وقالَ مُوسى﴾ [يونس: ٨٤] ﴿وأوْحَيْنا﴾ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ البالِغَةِ ﴿إلى مُوسى وأخِيهِ﴾ أيِ الَّذِي طَلَبَ مُؤازَرَتَهُ ومُعارَضَتَهُ ﴿أنْ تَبَوَّآ﴾ أيِ اتَّخِذا ﴿لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ﴾ وهي ما بَيْنَ البَحْرِ إلى أقْصى أسْوانَ والإسْكَنْدَرِيَّةِ مِنها ﴿بُيُوتًا﴾ تَكُونُ لَهم مَرْجِعًا يَرْجِعُونَ إلَيْهِ ويَأْوُونَ إلَيْهِ ﴿واجْعَلُوا﴾ [أيْ] أنْتُما ومَن مَعَكُما مِن قَوْمِكُما ﴿بُيُوتَكم قِبْلَةً﴾ أيْ: مُصَلًّى لِتَتَعَبَّدُوا فِيها مُسْتَتِرِينَ عَنِ الأعْداءِ تَخْفِيفًا مِن أسْبابِ الخِلافِ ﴿وأقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ أيْ: بِجَمِيعِ حُدُودِها وأرْكانِها مُسْتَخْفِينَ مِمَّنْ يُؤْذِيكم جَمْعًا بَيْنَ آلَتِي النَّصْرِ: الصَّبْرِ والصَّلاةِ، وتَمَرُّنًا عَلى الدِّينِ وتَثْبِيتًا لَهُ في القَلْبِ.

ولَمّا كانَ الِاجْتِماعُ فِيما تَقَدَّمَ أضْخَمَ وأعَزَّ وأعْظَمَ، وكانَ واجِبٌ عَلى الأُمَّةِ كَوُجُوبِهِ عَلى الإمامِ جَمْعٌ فِيهِ، وكانَ إسْنادُهُ البِشارَةَ عَنِ المَلِكِ إلى صاحِبِ الشَّرِيعَةِ أثْبَتَ لِأمْرِهِ وأظْهَرَ لِعَظَمَتِهِ وأثْبَتَ في قُلُوبِ أصْحابِهِ وأقَرَّ لِأعْيُنِهِمْ، أفْرَدَ في قَوْلِهِ: ﴿وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ﴾ (p-١٧٩)أيِ الرّاسِخِينَ في الإيمانِ مِن أخِيكَ وغَيْرِهِ.

10:88Страница 218

وَقَالَ مُوسَىٰ رَبَّنَآ إِنَّكَ ءَاتَيۡتَ فِرۡعَوۡنَ وَمَلَأَهُۥ زِينَةٗ وَأَمۡوَٰلٗا فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَۖ رَبَّنَا ٱطۡمِسۡ عَلَىٰٓ أَمۡوَٰلِهِمۡ وَٱشۡدُدۡ عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ فَلَا يُؤۡمِنُواْ حَتَّىٰ يَرَوُاْ ٱلۡعَذَابَ ٱلۡأَلِيمَ ٨٨

Муса (Моисей) сказал: «Господь наш! Ты даровал Фараону и его знати в мирской жизни украшения и богатства. Господь наш! Они сбили других с Твоего пути. Господь наш! Уничтожь их богатство и ожесточи их сердца, чтобы они не могли уверовать, пока не увидят мучительные страдания».

ولَمّا خَتَمَ بِبِشارَةِ مَن دَلَّ عَلى إيمانِهِمْ إسْلامُهم بِفِعْلِ ما يَدُلُّ عَلى هَوانِ أمْرِ العَدُوِّ، وكانَ هَلاكُ المُشانِئِ مِن أعْظَمِ البَشائِرِ، وكانَ ضَلالُ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ بِالزِّينَةِ والمالِ إضْلالًا لِغَيْرِهِمْ، سَألَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إزالَةَ ذَلِكَ كُلِّهِ لِلرّاحَةِ مِن شَرِّهِ، فَقالَ تَعالى حاكِيًا عَنْهُ: ﴿وقالَ مُوسى﴾ أيْ: بَعْدَ طُولِ دُعائِهِ لِفِرْعَوْنَ وإظْهارِ المُعْجِزاتِ لَدَيْهِ وطُولِ تَكَبُّرِهِ عَلى أمْرِ اللَّهِ وتَجَبُّرِهِ عَلى المُسْتَضْعَفِينَ مِن عِبادِهِ، ولَمّا كانَ مِن أعْظَمِ أهْلِ الِاصْطِفاءِ، أسْقَطَ الأداةَ تَسَنُّنًا بِهِمْ، وأشارَ بِصِفَةِ الإحْسانِ إلى أنَّ هَلاكَ أعْدائِهِمْ أعْظَمُ إحْسانٍ إلَيْهِمْ فَقالَ: ﴿رَبَّنا﴾ [أيْ] أيُّها المُحْسِنُ إلَيْنا ﴿إنَّكَ﴾ أكَّدَ لِما لِلْجُهّالِ مِن إنْكارِ أنْ يَكُونَ عَطاءُ المَلِكِ الأعْظَمِ سَبَبًا لِلْإهانَةِ ﴿آتَيْتَ فِرْعَوْنَ ومَلأهُ﴾ أيْ: أشْرافَ قَوْمِهِ عَلى ما هم فِيهِ مِنَ الكُفْرِ والكِبْرِ ﴿زِينَةً﴾ أيْ: عَظِيمَةً يَتَزَيَّنُونَ بِها مِنَ الحِلْيَةِ واللِّباسِ وغَيْرِهِما ﴿وأمْوالا﴾ أيْ: كَثِيرَةً مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ وغَيْرِهِما ﴿فِي الحَياةِ الدُّنْيا﴾ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّهُ كانَ لَهم مِن فُسْطاطِ مِصْرَ إلى أرْضِ الحَبَشَةِ جِبالٌ فِيها مَعادِنُ مِن ذَهَبٍ وفِضَّةٍ وزَبَرْجَدٍ وياقُوتٍ؛ ثُمَّ بَيَّنَ غايَتَها لَهم فَقالَ \ مُفْتَتِحًا بِالنِّداءِ بِاسْمِ الرَّبِّ لِيُعِيذَهُ وأتْباعَهُ مِن مِثْلِ حالِهِمْ: ﴿رَبَّنا﴾ أيْ: [أيُّها] المُوجِدُ لَنا المُحْسِنُ إلَيْنا والمُدَبِّرُ لِأُمُورِنا ﴿لِيُضِلُّوا﴾ في (p-١٨٠)أنْفُسِهِمْ ويُضِلُّوا غَيْرَهم ﴿عَنْ سَبِيلِكَ﴾ أيِ الطَّرِيقِ الواسِعَةِ الَّتِي نَهَجْتَها لِلْوُصُولِ إلى رَحْمَتِكَ.

ولَمّا بَيَّنَ أنَّ مَآلَهُمُ الضَّلالُ، دَعا عَلَيْهِمْ فَقالَ مُفْتَتِحًا أيْضًا بِالنِّداءِ بِاسْمِ الرَّبِّ ثالِثًا لِأنَّ ذَلِكَ مِن أماراتِ الإجابَةِ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ في آخِرِ آلِ عِمْرانَ وإشارَةً إلى أنَّهم لا صَلاحَ لَهم بِدُونِ هَلاكِهِمْ وهَلاكِها: ﴿رَبَّنا اطْمِسْ﴾ أيْ: أوْقِعِ الطَّمْسَ وهو التَّسْوِيَةُ بَيْنَ المَطْمُوسِ وبَيْنَ غَيْرِهِ مِمّا لَيْسَ لَهُ نَفْعُهُ ﴿عَلى أمْوالِهِمْ﴾

ولَمّا كانَ قَدْ رَأى مِنهم مِنَ التَّكَبُّرِ عَلى اللَّهِ والتَّكْذِيبِ لِآياتِهِ والتَّعْذِيبِ لِأوْلِيائِهِ ما لا يَشْفِي غَيْظَهُ مِنهُ إلّا إدامَةُ شَقائِهِمْ دُنْيا وأُخْرى، وكانَ عالِمًا بِأنَّ قُدْرَةَ اللَّهِ عَلى إبْقائِهِمْ عَلى الكُفْرِ [مَعَ] تَحْسِيرِهِمْ بِسَلْبِ المالِ كَقُدْرَتِهِ عَلى ذَلِكَ بِاسْتِدْراجِهِمْ إلَيْهِ بِالمالِ، قالَ: ﴿واشْدُدْ﴾ أيْ: شَدًّا ظاهِرًا لِكُلِّ أحَدٍ - بِما أشارَ إلَيْهِ الفَكُّ مُسْتَعْلِيًا ﴿عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: اطْبَعْ عَلَيْها وامْنَعْها مِنَ الإيمانِ، وأجابَ الدُّعاءَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلا يُؤْمِنُوا﴾ أيْ: لِيَتَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ الشَّدِّ عَدَمُ إيمانِهِمْ إذا رَأوْا مَبادِئَ العَذابِ بِالطَّمْسِ ﴿حَتّى يَرَوُا﴾ أيْ: بِأعْيُنِهِمْ ﴿العَذابَ الألِيمَ﴾ حَيْثُ لا يَنْفَعُهُمُ الإيمانُ فَيَكُونُوا جامِعِينَ ذُلَّ النُّفُوسِ المَطْلُوبَ مِنهُمُ اليَوْمَ لِيُفِيدَهُمُ العِزُّ الدّائِمُ إلى شِدَّةِ الغَضَبِ بِوَضْعِ الشَّيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ المُنْتِجِ لِدَوامِ ذُلِّهِمْ بِالعِقابِ؛ وهَذِهِ الآيَةُ مُنَبِّهَةٌ عَلى أنَّ الرِّضى بِكُفْرٍ خاصٍّ (p-١٨١)لا يَسْتَلْزِمُ اسْتِحْسانَ الكُفْرِ مِن حَيْثُ هو كُفْرٌ؛ قالَ الإمامُ الحَلِيمِيُّ في كِتابِ شُعَبِ الإيمانِ المُسَمّى بِالمِنهاجِ: وإذا تَمَنّى مُسْلِمٌ كُفْرَ مُسْلِمٍ فَهَذا عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يَتَمَنّاهُ لَهُ كَما يَتَمَنّى الصَّدِيقُ لِصَدِيقِهِ الشَّيْءَ يَسْتَحْسِنُهُ فَيُحِبُّ أنْ يَكُونَ لَهُ فِيهِ نَصِيبٌ، فَهَذا كُفْرٌ لِأنَّ اسْتِحْسانَ الكُفْرِ كُفْرٌ، والآخَرُ أنْ يَتَمَنّاهُ لَهُ كَما يَتَمَنّى لِعَدُوِّهِ الشَّيْءَ يَسْتَفْظِعُهُ - فَيَجِبُ أنْ يَقَعَ فِيهِ، فَهَذا لَيْسَ بِكُفْرٍ، تَمَنّى مُوسى صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وسَلامُهُ بَعْدَ أنْ أجْهَدَهُ فِرْعَوْنُ ألّا يُؤْمِنَ فِرْعَوْنُ ومَلَؤُهُ لِيَحِقَّ عَلَيْهِمُ العَذابُ، وزادَ عَلى ذَلِكَ أنْ دَعا اللَّهَ تَبارَكَ وتَعالى فَلَمْ يُنْكِرْ تَعالى ذَلِكَ عَلَيْهِ لِعِلْمِهِ أنَّ شِدَّتَهُ عَلى فِرْعَوْنَ وغِلْظَتَهُ عَلَيْهِ لِما رَآهُ مِن عُتُوِّهِ وتَجَبُّرِهِ هي الَّتِي حَمَلَتْهُ عَلى ذَلِكَ، فَمَن كانَ في مَعْناهُ فَلَهُ حُكْمُهُ؛ وقَدْ نَقَلَ ذَلِكَ عَنْهُ الزَّرْكَشِيُّ في حَرْفِ الثّاءِ مِن قَواعِدِهِ مُرْتَضِيًا لَهُ، ونُقِلَ عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ قالَ: ولَوْ كانَ في قَلْبِ مُسْلِمٍ عَلى كافِرٍ فَأسْلَمَ فَحَزِنَ المُسْلِمُ لِذَلِكَ وتَمَنّى لَوْ عادَ إلى الكُفْرِ لا يَكْفُرُ، لَأنَّ اسْتِقْباحَهُ الكُفْرَ هو الَّذِي حَمَلَهُ عَلى تَمَنِّيهِ واسْتِحْسانَهُ الإسْلامَ هو الحامِلُ لَهُ عَلى كَراهَتِهِ؛ ونُقِلَ عَنِ الشَّيْخِ عِزِّ الدِّينِ بْنِ عَبْدِ السَّلامِ أنَّهُ لَوْ قُتِلَ عَدُوٌّ لِلْإنْسانِ ظُلْمًا فَفَرِحَ هَلْ يَأْثَمُ! إنْ فَرِحَ بِكَوْنِهِ عَصى اللَّهَ فِيهِ فَنَعَمْ، وإنْ فَرِحَ بِكَوْنِهِ خَلَصَ (p-١٨٢)مِن شَرِّهِ فَلا بَأْسَ لِاخْتِلافِ سَبَبَيِ الفَرَحِ - انْتَهى.

ويُؤَيِّدُهُ ما رَوى البَيْهَقِيُّ في دَلائِلِ النُّبُوَّةِ بِسَنَدِهِ عَنْ مِقْسَمٍ مُرْسَلًا «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَعا عَلى عُتْبَةَ بْنِ أبِي وقّاصٍ يَوْمَ أُحُدٍ حِينَ كَسَرَ رُباعِيَّتَهُ ودَمّى وجْهَهُ فَقالَ: «اللَّهُمَّ لا تُحِلْ عَلَيْهِ الحَوْلَ حَتّى يَمُوتَ كافِرًا!»» فَما حالَ عَلَيْهِ الحَوْلُ حَتّى ماتَ كافِرًا إلى النّارِ، ومَسْألَةُ أنَّ الرِّضى بِالكُفْرِ كُفْرٌ نَقَلَها الشَّيْخانِ عَنِ المُتَوَلِّي وسَكَتا عَلَيْها، ولَكِنْ قالَ الشَّيْخُ مُحْيِي الدِّينِ في شَرْحِ المُهَذَّبِ: إنَّ ذَلِكَ إفْراطٌ، فَما تَقَدَّمَ مِنَ التَّفْصِيلِ عَنِ الحَلِيمِيِّ وابْنِ عَبْدِ السَّلامِ هو المُعْتَمَدُ، والمَسْألَةُ في أصْلِ الرَّوْضَةِ. فَإنَّهُ قالَ: لَوْ قالَ لِمُسْلِمٍ: سَلَبَهُ اللَّهُ الإيمانَ، أوْ لِكافِرٍ: رَزَقَهُ اللَّهُ الإيمانَ، فَلَيْسَ بِكُفْرٍ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ رِضًى بِالكُفْرِ [لَكِنَّهُ] دُعاءٌ عَلَيْهِ بِتَشْدِيدِ الأمْرِ والعُقُوبَةِ؛ قُلْتُ: ذَكَرَ القاضِي حُسَيْنٌ في الفَتاوى وجْهًا ضَعِيفًا أنَّهُ لَوْ قالَ لِمُسْلِمٍ: سَلَبَهُ اللَّهُ الإيمانَ، كَفَرَ - واللَّهُ أعْلَمُ، وحَكى الوَجْهَيْنِ عَنِ القاضِي في الأذْكارِ وقالَ: إنَّ الدُّعاءَ بِذَلِكَ مَعْصِيَةٌ.

10:89Страница 219

قَالَ قَدۡ أُجِيبَت دَّعۡوَتُكُمَا فَٱسۡتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَآنِّ سَبِيلَ ٱلَّذِينَ لَا يَعۡلَمُونَ ٨٩

Он сказал: «Ваша молитва принята. Ступайте прямым путем и не следуйте за теми, кто не обладает знанием».

ولَمّا أخْبَرَ سُبْحانَهُ عَنْ دُعائِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ أخْبَرَ \ بِإجابَتِهِ بِقَوْلِهِ مُسْتَأْنِفًا: ﴿قالَ﴾ ولَمّا كانَ [المَوْضِعُ] مَحَلَّ التَّوَقُّعِ لِلْإجابَةِ، افْتَتَحَهُ بِحَرْفِهِ فَقالَ: ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما﴾ والبِناءُ لِلْمَفْعُولِ أدَلُّ عَلى القُدْرَةِ وأوْقَعُ في النَّفْسِ مِن جِهَةِ الدَّلالَةِ عَلى الفاعِلِ بِالِاسْتِدْلالِ، وثَنّى لِلْإعْلامِ بِأنَّ هارُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في هَذا الدُّعاءِ، لِأنَّهُ مَعَهُ كالشَّيْءِ الواحِدِ لا خِلافَ مِنهُ لَهُ أصْلًا وإنْ كانَ غائِبًا، وذَلِكَ (p-١٨٣)كَما «بايَعَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ عُثْمانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ في عُمْرَةِ الحُدَيْبِيَةِ فَضَرَبَ بِإحْدى يَدَيْهِ عَلى الأُخْرى وهو غائِبٌ في حاجَةِ النَّبِيِّ ﷺ،» وكَذا ضَرَبَ لَهُ في غَزْوَةِ بَدْرٍ بِسَهْمِهِ وأجْرِهِ وكانَ غائِبًا.

ولَمّا كانَتِ الطّاعَةُ وانْتِظارُ الفَرَجِ وإنْ طالَ زَمَنُهُ أعْظَمَ أسْبابِ الإجابَةِ، سَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ قَوْلَهُ: ﴿فاسْتَقِيما﴾ أيْ: فاثْبُتا عَلى التَّعَبُّدِ والتَّذَلُّلِ والخُضُوعِ لِرَبِّكُما كَما أنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ ثَبَتَ عَلى ذَلِكَ وطالَ زَمَنُهُ جِدًّا واشْتَدَّ أذاهُ ولَمْ يَضْجَرْ؛ ولَمّا كانَ الصَّبْرُ شَدِيدًا أكَّدَ قَوْلَهُ: ﴿ولا تَتَّبِعانِّ﴾ بِالِاسْتِعْجالِ أوِ الفَتْرَةِ عَنِ الشُّكْرِ ﴿سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾

10:90–91Страница 219

۞ وَجَٰوَزۡنَا بِبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ٱلۡبَحۡرَ فَأَتۡبَعَهُمۡ فِرۡعَوۡنُ وَجُنُودُهُۥ بَغۡيٗا وَعَدۡوًاۖ حَتَّىٰٓ إِذَآ أَدۡرَكَهُ ٱلۡغَرَقُ قَالَ ءَامَنتُ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا ٱلَّذِيٓ ءَامَنَتۡ بِهِۦ بَنُوٓاْ إِسۡرَٰٓءِيلَ وَأَنَا۠ مِنَ ٱلۡمُسۡلِمِينَ ٩٠

Мы переправили сынов Исраила (Израиля) через море, а Фараон и его войско последовали за ними, бесчинствуя и поступая враждебно. Когда же Фараон стал тонуть, он сказал: «Я уверовал в то, что нет Бога, кроме Того, в Кого уверовали сыны Исраила (Израиля). Я стал одним из мусульман».

ءَآلۡـَٰٔنَ وَقَدۡ عَصَيۡتَ قَبۡلُ وَكُنتَ مِنَ ٱلۡمُفۡسِدِينَ ٩١

Аллах сказал: «Только сейчас! А ведь раньше ты ослушался и был одним из распространяющих нечестие.

ولَمّا أمَرَ بِالتَّأنِّي الَّذِي هو نَتِيجَةُ العِلْمِ، عَطَفَ عَلى ذَلِكَ الإخْبارِ بِالِاسْتِجابَةِ قَوْلَهُ: ﴿وجاوَزْنا﴾ أيْ: فَعَلْنا بِعَظَمَتِنا في إجازَتِهِمْ فِعْلَ المُناظِرِ لِلْآخَرِ المُبارِي لَهُ، ودَلَّ بِإلْصاقِ الباءِ بِهِمْ عَلى مُصاحَبَتِهِ سُبْحانَهُ لَهم دَلالَةً عَلى رِضاهُ بِفِعْلِهِمْ فَقالَ: ﴿بِبَنِي إسْرائِيلَ﴾ أيْ: عَبْدِنا المُخْلِصِ لَنا ﴿البَحْرَ﴾ إعْلامًا بِأنَّهُ أمَرَهم بِالخُرُوجِ مِن مِصْرَ وأنْجَزَ لَهم ما وعَدَ فَأهْلَكَ فِرْعَوْنَ ومَلَأهُ بِاتِّباعِهِمْ سَبِيلَ مَن لا يَعْلَمُ بِطَيْشِهِمْ وعَدَمِ صَبْرِهِمْ، ونَجّى بَنِي إسْرائِيلَ بِصَبْرِهِمْ وخُضُوعِهِمْ؛ والِالتِفاتُ مِنَ الغَيْبَةِ إلى التَّكَلُّمِ لِما في هَذِهِ المُجاوَزَةِ ومُقَدِّماتِها ولَواحِقِها مِن مَظاهِرِ العَظَمَةِ ونُفُوذِ الأوامِرِ ومُضاءِ الأحْكامِ؛ وبَيَّنَ سُبْحانَهُ كَيْفِيَّةَ إظْهارِ اسْتِجابَةِ الدَّعْوَةِ بِقَوْلِهِ مُسَبَّبًا عَنِ المُجاوَزَةِ: (p-١٨٤)﴿فَأتْبَعَهُمْ﴾ أيْ: بَنِي إسْرائِيلَ ﴿فِرْعَوْنُ وجُنُودُهُ﴾ أيْ: أوْقَعُوا تَبَعَهم أيْ حَمَلُوا نُفُوسَهم عَلى تَبَعِهِمْ، وهو السَّيْرُ في أثَرِهِمْ، واتَّبَعَهُ - إذا سَبَقَهُ فَلَحِقَهُ، ويُقالُ: تَبِعَهُ في الخَيْرِ واتَّبَعَهُ في الشَّرِّ. ولَمّا أُفْهِمَ ذَلِكَ، صَرَّحَ بِهِ فَقالَ: ﴿بَغْيًا﴾ أيْ: تَعَدِّيًا لِلْحَقِّ واسْتِهانَةً بِهِمْ ﴿وعَدْوًا﴾ أيْ: ظُلْمًا وتَجاوُزًا لِلْحَدِّ.

ولَمّا كانَ فاعِلُ ذَلِكَ جَدِيرًا بِأنْ يَرْجِعَ عَمّا سَلَكَهُ مِنَ الوُعُورَةِ، عَجِبَ مِنهُ في تَمادِيهِ فَقالَ - عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: [واسْتَمَرَّ] يَتَمادى في ذَلِكَ -: ﴿حَتّى﴾ ولَمّا كانَتْ رُؤْيَةُ انْفِراجِ البَحْرِ عَنْ مَواضِعِ سَيْرِهِمْ مَظِنَّةَ تَحَقُّقِ رُجُوعِ الماءِ إلى مَواضِعِهِ فَيَغْرَقُ، عَبَّرَ بِأداةِ التَّحَقُّقِ فَقالَ: ﴿إذا أدْرَكَهُ﴾ أيْ: قَهَرَهُ وأحاطَ بِهِ ﴿الغَرَقُ﴾ أيِ المَوْتُ بِالماءِ كَما سَألَ مُوسى [فِي] أنَّهُ لا يُؤْمِنُ حَتّى يَرى العَذابَ الألِيمَ ﴿قالَ آمَنتُ﴾ أيْ: أوْقَعْتُ إيمانَ الدّاعِي لِي مِنَ التَّكْذِيبِ؛ ثُمَّ عَلَّلَ إيمانَهُ بِقَوْلِهِ مُبْدَلًا مِن ”آمَنتُ“ في قِراءَةِ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ بِالكَسْرِ مُؤَكِّدًا مِن شِدَّةِ الجَزَعِ: ﴿أنَّهُ﴾ [و] عَلى تَقْدِيرِ الباءِ تَعْلِيلًا في قِراءَةِ الجَماعَةِ؛ أيْ: مُعْتَرِفًا بِأنَّهُ ﴿لا إلَهَ إلا الَّذِي﴾ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ أوْقَعَ ﴿آمَنتُ﴾ عَلى ﴿أنَّهُ﴾ وما بَعْدَها - أيْ ﴿آمَنتُ﴾ نَفْيَ الإلَهِيَّةِ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ غَيْرَ مَنِ اسْتَثْنَيْتُهُ مِن أنْ أُعَبِّرَهُ أوْ أرْجِعَ عَنْهُ.

ولَمّا كانَ قَدْ تَحَقَّقَ الهالِكُ وعَلِمَ أنَّهُ لا نَجاةَ إلّا بِالصِّدْقِ، أرادَ الإعْلامَ (p-١٨٥)بِغايَةِ صِدْقِهِ فَقالَ: ﴿آمَنتُ﴾ أيْ: أوْقَعْتُ التَّصْدِيقَ مُعْتَرِفَةً ﴿بِهِ بَنُو إسْرائِيلَ﴾ فَعَيَّنَهُ تَعْيِينًا أزالَ الِاحْتِمالَ؛ ثُمَّ قالَ: ﴿وأنا مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ فَكَرَّرَ قَبُولَ ما كانَ دُعِيَ إلَيْهِ فَأباهُ اسْتِكْبارًا، وعَبَّرَ بِما دَلَّ عَلى ادِّعاءِ الرُّسُوخِ فِيهِ بَيانًا لِأنَّهُ ذُلَّ ذُلًّا لَمْ يَبْقَ مَعَهُ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ الكِبْرِ ولَمْ يَنْفَعْهُ ذَلِكَ لِفَواتِ شَرْطِهِ، فاتَّصَلَ ذُلُّهُ ذَلِكَ بَذْلِ الخِزْيِ في البَرْزَخِ وما بَعْدَهُ، وقَدْ كانَتِ المَرَّةُ الواحِدَةُ كافِيَةً لَهُ عِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ، وزادَهُ تَعالى ذُلًّا بِالإيئاسِ مِنَ الفَلاحِ بِقَوْلِهِ عَلى لِسانِ الحالِ أوْ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ أوْ مَلَكِ المَوْتِ أوْ غَيْرِهِ مِنَ الجُنُودِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ: ﴿آلآنَ﴾ أيْ: أتُجِيبُ إلى ما دُعِيتَ إلَيْهِ في هَذا الحِينِ الَّذِي لا يَنْفَعُ فِيهِ الإجابَةُ لِفَواتِ الإيمانِ بِالغَيْبِ الَّذِي لا يَصِحُّ أنْ يَقَعَ اسْمُ الإيمانِ إلّا عَلَيْهِ ﴿وقَدْ﴾ أيْ: والحالُ أنَّكَ قَدْ ﴿عَصَيْتَ﴾ أيْ: بِالكُفْرِ ﴿قَبْلُ﴾ أيْ: في جَمِيعِ زَمانِ الدَّعْوَةِ الَّذِي قَبْلَ هَذا الوَقْتِ، ومَعْصِيَةُ المَلِكِ تُوجِبُ الأخْذَ والغَضَبَ كَيْفَ كانَتْ، فَكَيْفَ وهي بِالكُفْرِ! ﴿وكُنْتَ﴾ أيْ: كَوْنًا جِبِلِّيًّا ﴿مِنَ المُفْسِدِينَ﴾ أيِ العَرِيقِينَ في الفَسادِ والإفْسادِ.

10:92Страница 219

فَٱلۡيَوۡمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنۡ خَلۡفَكَ ءَايَةٗۚ وَإِنَّ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلنَّاسِ عَنۡ ءَايَٰتِنَا لَغَٰفِلُونَ ٩٢

Сегодня Мы спасем твое тело, чтобы ты стал знамением для тех, кто будет после тебя». Воистину, многие люди пренебрегают Нашими знамениями.

ثُمَّ أكَّدَهُ - بَدَلَ شَماتَةِ الأعْداءِ [بِهِ] الَّذِينَ كانُوا عِنْدَهُ أقَلَّ شَيْءٍ وأحْقَرَهُ - بِقَوْلِهِ مُسَبَّبًا عَمّا تَضَمَّنَهُ ذَلِكَ الإنْكارُ مِنَ الإذْلالِ بِالإهْلاكِ إشارَةً إلى أنَّ الماءَ أحاطَ بِهِ وصارَ يَرْتَفِعُ قَلِيلًا [قَلِيلًا] حَتّى امْتَدَّ زَمَنُ التَّوْبِيخِ: ﴿فاليَوْمَ نُنَجِّيكَ﴾ أيْ: تَنْجِيَةً عَظِيمَةً. (p-١٨٦)ولَمّا كانَ ذَلِكَ سارًّا وكانَتِ المُساءَةُ بِما يُفْهِمُ السُّرُورَ إنْكاءً، قالَ دالًّا عَلى أنَّ ذَلِكَ يُعَدُّ نَزْعَ رُوحِهِ: ﴿بِبَدَنِكَ﴾ أيْ: مِن غَيْرِ رُوحٍ وهو كامِلٌ لَمْ يَنْقُصْ مِنهُ شَيْءٌ حَتّى لا يَدْخُلَ في مَعْرِفَتِكَ لَبْسٌ ﴿لِتَكُونَ﴾ أيْ: كَوْنًا هو في غايَةِ الثَّباتِ ﴿لِمَن خَلْفَكَ﴾ أيْ: يَتَأخَّرُ عَنْكَ في الحَياةِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ وغَيْرِهِمْ ﴿آيَةً﴾ في أنَّكَ [عَبْدٌ] ضَعِيفٌ حَقِيرٌ، لَسْتَ بِرَبٍّ فَضْلًا عَنْ أنْ تَكُونَ أعْلى ويَعْرِفُوا أنَّ مَن عَصى المَلِكَ أُخِذَ وإنْ كانَ أقْوى النّاسِ وأكْثَرَهم جُنُودًا، وقَدِ ادَّعى بَعْضُ المُلْحِدِينَ إيمانَهُ بِهَذِهِ الآيَةِ إرادَةً لِما يُعِيذُ اللَّهُ مِنهُ مِن حَلِّ العَقْدِ الواجِبِ مِن أنَّ فِرْعَوْنَ مِن أكْفَرِ الكَفَرَةِ بِإجْماعِ أهْلِ المِلَلِ لِيُهَوِّنَ لِلنّاسِ الِاجْتِراءَ عَلى المَعاصِي، وادَّعى أنَّهُ لا نَصَّ في القُرْآنِ عَلى أنَّهُ مِن أهْلِ النّارِ وضَلَّ عَنِ الصَّرائِحِ الَّتِي في القُرْآنِ في ذَلِكَ في غَيْرِ مَوْضِعٍ وعَنْ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وإنَّ فِرْعَوْنَ لَعالٍ في الأرْضِ وإنَّهُ لَمِنَ المُسْرِفِينَ﴾ [يونس: ٨٣] مَعَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنَّ المُسْرِفِينَ هم أصْحابُ النّارِ﴾ [غافر: ٤٣] قِياسٌ قَطْعِيُّ الدَّلالَةِ بَدِيهِيُّ النَّصِّ عَلى أنَّهُ مِن أهْلِ النّارِ، والآيَةُ - كَما تَرى - دَلِيلٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ أتاكم عَذابُهُ بَياتًا أوْ نَهارًا﴾ [يونس: ٥٠] - الآيَةَ. لَوْ كانَ فِرْعَوْنُ مِثْلَ قُرَيْشٍ، فَكَيْفَ ولا نِسْبَةَ لَهم مِنهُ في شِدَّةِ الِاسْتِكْبارِ التّابِعَةِ لِكَثْرَةِ الجُمُوعِ ونُفُوذِ (p-١٨٧)الكَلِمَةِ بِضَخامَةِ المَلِكِ وعِزِّ السُّلْطانِ والقُوَّةِ بِالأمْوالِ والأعْوانِ، وقَدْ رُوِيَ أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ أتاهُ بِفُتْيا في عَبْدٍ نَشَأ في نِعْمَةِ سَيِّدِهِ فَكَفَرَ نِعْمَتَهُ وجَحَدَ حَقَّهُ وادَّعى السِّيادَةَ دُونَهُ، فَكَتَبَ فِرْعَوْنُ جَزاءَ العَبْدِ الخارِجِ عَنْ طاعَةِ سَيِّدِهِ الكافِرِ نَعْماءَهُ أنْ يُغْرَقَ في البَحْرِ، فَلَمّا ألْجَمَهُ الغَرَقُ ناوَلَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ خَطَّهُ فَعَرَفَهُ.

ولَمّا لَمْ يَعْمَلْ فِرْعَوْنُ وآلُهُ بِمُقْتَضى ما رَأوْا مِنَ الآياتِ، كانَ حُكْمُهم حُكْمَ الغافِلِينَ عَنْها، فَكانَ التَّقْدِيرُ: [و] لَقَدْ غَفَلُوا عَمّا جاءَهم مِنَ الآياتِ ﴿وإنَّ كَثِيرًا﴾ أكَّدَهُ لِأنَّ مِثْلَهُ يَنْبَغِي - لِبُعْدِهِ عَنِ الصَّوابِ - أنْ لا يُصَدِّقَ أنَّ أحَدًا يَقَعُ فِيهِ ﴿مِنَ النّاسِ﴾ أيْ: وهم مَن لَمْ يَصِلْ إلى حَدِّ أوَّلِ أسْنانِ أهْلِ الإيمانِ لِما عِنْدَهم مِنَ النَّوْسِ - وهو الِاضْطِرابُ - والأُنْسِ بِأنْفُسِهِمْ﴿عَنْ آياتِنا﴾ أيْ: عَلى ما لَها مِنَ العَظَمَةِ ﴿لَغافِلُونَ﴾ والإصْلاحُ: تَقْوِيمُ العَمَلِ عَلى ما يَنْفَعُ بَدَلًا مِمّا يَضُرُّ؛ وإحْقاقُ الحَقِّ: إظْهارُهُ وتَمْكِينُهُ بِالدَّلائِلِ الواضِحَةِ حَتّى يَرْجِعَ الطّاعِنُ عَنْهُ حَسِيرًا والمُناصِبُ لَهُ مَفْلُولًا؛ والإسْرافُ: الإبْعادُ في مُجاوَزَةِ الحَقِّ؛ والفِتْنَةُ: البَلِيَّةُ، وهي مُعامَلَةٌ تُظْهِرُ الأُمُورَ الباطِنَةَ؛ والنَّجاةُ: الخَلاصُ مِمّا فِيهِ المَخافَةُ، ونَظِيرُها السَّلامَةُ، وعَلَّقُوا النَّجاةَ بِالرَّحْمَةِ لِأنَّها إنْعامٌ عَلى المُحْتاجِ بِما تَطَلَّعُ إلَيْهِ نُفُوسُ العِبادِ، فَهو عَلى أوْكَدِ ما يَكُونُ (p-١٨٨)مِنَ الدُّعاءِ إلى الصَّلاحِ؛ والوَحْيُ: إلْقاءُ المَعْنى إلى النَّفْسِ في خَفاءٍ، والإيحاءُ والإيماءُ والإشارَةُ نَظائِرُ، ولا يَجُوزُ أنْ تُطْلَقَ الصِّفَةُ بِالوَحْيِ إلّا لِنَبِيٍّ؛ وتَبَوَّأ: اتَّخَذَ، وأصْلُهُ الرُّجُوعُ، فالمُتَبَوَّأُ: المَنزِلُ، لِأنَّهُ يَرْجِعُ إلَيْهِ لِلْمَقامِ فِيهِ: والطَّمْسُ: مَحْوُ الأثَرِ فَهو تَغَيُّرٌ إلى الدُّثُورِ والدُّرُوسِ؛ والإجابَةُ: مُوافَقَةُ الدَّعْوَةِ فِيما طُلِبَ بِها لِوُقُوعِها عَلى تِلْكَ الصِّفَةِ؛ والدَّعْوَةُ: طَلَبُ الفِعْلِ بِصِيغَةِ الأمْرِ، وقَدْ تَكُونُ بِالماضِي؛ والمُجاوَزَةُ: الخُرُوجُ عَنِ الحَدِّ مِن إحْدى الجِهاتِ؛ والبَحْرُ: مُسْتَقَرُّ الماءِ الواسِعُ بِحَيْثُ لا يُدْرِكُ طَرَفَيْهِ مَن كانَ في وسَطِهِ، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ الِاتِّساعِ؛ والِاتِّباعُ: اللَّحاقُ بِالأوَّلِ؛ والبَغْيُ: طَلَبُ الِاسْتِعْلاءِ بِغَيْرِ حَقٍّ؛ والآنَ: فَصْلُ الزَّمانَيْنِ الماضِي والمُسْتَقْبَلِ، ومَعَ أنَّهُ إشارَةٌ إلى الحاضِرِ، ولِهَذا بُنِيَ كَما بُنِيَ ”ذا“؛ \ والبَدَنُ: مَسْكَنُ رُوحِ الحَيَوانِ عَلى صُورَتِهِ.

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English