Аль-БикаиАль‑Маида · 5:27–32

Аль-Бикаи · Тафсир · на арабском

Аль-Маида 5:27–32

5:27Страница 112

۞ وَٱتۡلُ عَلَيۡهِمۡ نَبَأَ ٱبۡنَيۡ ءَادَمَ بِٱلۡحَقِّ إِذۡ قَرَّبَا قُرۡبَانٗا فَتُقُبِّلَ مِنۡ أَحَدِهِمَا وَلَمۡ يُتَقَبَّلۡ مِنَ ٱلۡأٓخَرِ قَالَ لَأَقۡتُلَنَّكَۖ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلۡمُتَّقِينَ ٢٧

Прочти им истинный рассказ о двух сыновьях Адама. Вот они оба принесли жертву, и она была принята от одного из них и была не принята от другого. Он сказал: «Я непременно убью тебя». Он ответил: «Воистину, Аллах принимает только от богобоязненных.

ولَمّا كانَتْ قِصَّتُهم هَذِهِ - في أمْرِهِمْ بِالدُّخُولِ إلى الأرْضِ المُقَدَّسَةِ؛ لِما فِيها مِن نَقْضِ العُهُودِ والتَّبَرُّؤِ مِنَ اللَّهِ؛ والحُكْمِ عَلَيْهِمْ بِالفِسْقِ؛ والتَّعْذِيبِ - ناقِضَةً لِما ادَّعاهُ اليَهُودُ مِنَ البُنُوَّةِ؛ كانَ ذَلِكَ كافِيًا في إبْطالِ مُدَّعى النَّصارى لِذَلِكَ؛ لِأنَّهم أبْناءُ اليَهُودِ؛ وإذا بَطَلَ كَوْنُ أبِيكَ ابْنًا لِأحَدٍ بَطَلَ أنْ تَكُونَ أنْتَ ابْنَهُ؛ لَمّا كانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ؛ ناسَبَ أنْ تُعْقَبَ بِقِصَّةِ ابْنَيْ آدَمَ؛ لِما يُذْكَرُ؛ فَقالَ (تَعالى) - عاطِفًا عَلى قَوْلِهِ -: ﴿وإذْ قالَ مُوسى﴾ [المائدة: ٢٠] ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ﴾؛ (p-١١٣)؛ أيْ: عَلى المَدْعُوِّينَ؛ الَّذِينَ مِن جُمْلَتِهُمُ اليَهُودُ؛ تِلاوَةً؛ وهي مِن أعْظَمِ الأدِلَّةَ عَلى نُبُوَّتِكَ؛ لِأنَّ ذَلِكَ لا عِلْمَ لَكَ ولا لِقَوْمِكَ بِهِ؛ إلّا مِن جِهَةِ الوَحْيِ؛ ﴿نَبَأ ابْنَيْ آدَمَ﴾؛ أيْ: خَبَرَهُما الجَلِيلَ العَظِيمَ؛ تِلاوَةً مُلْتَبِسَةً؛ ﴿بِالحَقِّ﴾؛ أيْ: الخَبَرِ الَّذِي يُطابِقُهُ الواقِعُ؛ إذا تُعُرِّفَ مِن كُتُبِ الأوَّلِينَ؛ وأخْبارِ الماضِينَ؛ كائِنًا ذَلِكَ النَّبَأُ؛ ﴿إذْ﴾؛ أيْ: حِينَ؛ ﴿قَرَّبا﴾؛ أيْ: ابْنا آدَمَ؛ ولَمّا لَمْ يَتَعَلَّقِ الغَرَضُ في هَذا المَقامِ بِبَيانِ أيِّ نَوْعٍ قَرَّبا مِنهُ؛ قالَ: ﴿قُرْبانًا﴾؛ أيْ: بِأنْ قَرَّبَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما شَيْئًا مِن شَأْنِهِ أنْ يُقَرِّبَ إلى المَطْلُوبِ؛ مُقارَبَتَهُ غايَةَ القُرْبِ.

ولَمّا كانَ المُؤْثِرُ لِلْحَسَدِ إنَّما هو عَدَمُ التَّقَبُّلِ؛ لا بِالنِّسْبَةِ إلى مُتَقَبِّلٍ خاصٍّ؛ بَناهُ لِلْمَفْعُولِ؛ فَقالَ: ﴿فَتُقُبِّلَ﴾؛ أيْ: قُبِلَ قَبُولًا عَظِيمًا؛ ظاهِرًا لِكُلِّ أحَدٍ؛ ﴿مِن أحَدِهِما﴾؛ أبْهَمَهُ أيْضًا؛ لِعَدَمِ الِاحْتِياجِ في هَذا السِّياقِ إلى تَعْيِينِهِ؛ ﴿ولَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ﴾؛ عَلِما ذَلِكَ بِعَلامَةٍ كانَتْ لَهم في ذَلِكَ؛ إمّا أكْلِ النّارِ لِلْمَقْبُولِ؛ كَما قالُوهُ؛ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ؛ ومُناسَبَتُها لِما قَبْلَها مِن حَيْثُ إنَّها أيْضًا ناقِضَةٌ لِدَعْواهُمُ البُنُوَّةَ؛ لِأنَّ قابِيلَ مِمَّنْ وُلِدَ في الجَنَّةِ؛ عَلى ما قِيلَ؛ ومَعَ ذَلِكَ فَقَدْ عُذِّبَ لَمّا نَقَضَ العَهْدَ؛ فانْتَفى أنْ يَكُونَ ابْنًا؛ وكانَ هو وغَيْرُهُ شَرْعًا واحِدًا دائِرًا أمْرُهم في (p-١١٤)العَذابِ؛ والثَّوابِ؛ عَلى الوَفاءِ؛ والنَّقْضِ؛ مَن وفى كانَ حَبِيبًا ولِيًّا؛ ومَن نَقَضَ كانَ بَغِيضًا عَدُوًّا؛ وإذا انْتَفَتِ البُنُوَّةُ عَنْ ولَدٍ لِآدَمَ - صَفِيِّ اللَّهِ - مَعَ كَوْنِهِ لِصُلْبِهِ؛ لا واسِطَةَ بَيْنَهُما؛ ومَعَ كَوْنِهِ وُلِدَ في الجَنَّةِ؛ دارِ الكَرامَةِ؛ فانْتِفاؤُها عَمَّنْ هو أسْفَلُ مِنهُ مِن بابِ الأوْلى؛ وكَذا المَحَبَّةُ؛ ومِنَ المُناسَباتِ أيْضًا أنَّ كُفْرَ بَنِي إسْرائِيلَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ إنَّما هو لِلْحَسَدِ؛ فَنُبِّهُوا بِقِصَّةِ ابْنَيْ آدَمَ عَلى أنَّ الحَسَدَ يَجُرُّ إلى ما لا يُرْضِي اللَّهَ؛ وإلى ما لا يَرْضاهُ عاقِلٌ؛ ويَكُبُّ في النّارِ؛ ومِنها أنَّ في قِصَّةِ بَنِي إسْرائِيلَ إحْجامَهم عَنْ قِتالِ أعْداءِ اللَّهِ؛ البُعَداءِ مِنهُمُ؛ المَأْمُورِينَ بِقِتالِهِمُ؛ المَوْعُودِينَ عَلَيْهِ بِخَيْرَيِ الدّارَيْنِ؛ وأنَّ اللَّهَ مَعَهم فِيهِ؛ وفي قِصَّةِ ابْنَيْ آدَمَ إقْبالُ قابِيلَ عَلى قَتْلِ أخِيهِ؛ حَبِيبِ اللَّهِ؛ المَنهِيِّ عَنْ قَتْلِهِ؛ المُتَوَعَّدِ بِأنَّ اللَّهَ يَتَبَرَّأُ مِنهُ إنْ قَتَلَهُ؛ فَفي ذَلِكَ تَأْدِيبٌ لِهَذِهِ الأُمَّةِ عِنْدَ كُلِّ إقْدامٍ؛ وإحْجامٍ؛ وتَذْكِيرٌ بِالنِّعْمَةِ في حِفْظِهِمْ مِن مِثْلِ ذَلِكَ؛ وأنَّ فِيها أنَّ مُوسى؛ وهارُونَ - عَلَيْهِما السَّلامُ - أخَوانِ في غايَةِ الطَّواعِيَةِ في أنْفُسِهِما؛ ورَحْمَةِ كُلٍّ مِنهُما لِلْآخَرِ؛ والطّاعَةِ لِلَّهِ؛ وقِصَّةُ ابْنَيْ آدَمَ بِخِلافِ ذَلِكَ؛ وفي ذَلِكَ تَحْذِيرٌ مِمّا جَرَّ إلَيْهِ؛ وهو الحَسَدُ؛ وأنَّ في قِصَّةِ بَنِي إسْرائِيلَ أنَّهم لَمّا قَدَّمُوا الغَنائِمَ لِلنّارِ فَلَمْ تَأْكُلْها؛ عَلِمَ نَبِيُّهم ﷺ أنَّها لَمْ تُقْبَلْ لِغُلُولٍ غَلُّوهُ؛ فاسْتَخْرَجَهُ؛ ووَضَعَهُ فِيها؛ فَأكَلَتْها؛ فَفي ذَلِكَ الِاسْتِدْلالُ بِعَدَمِ أكْلِ النّارِ عَلى عَدَمِ القَبُولِ - كَما (p-١١٥)فِي قِصَّةِ ابْنَيْ آدَمَ -؛ وأنَّ بَنِي إسْرائِيلَ عُذِّبُوا بِالمَنعِ مِن بَيْتِ المَقْدِسِ بِالتِّيهِ؛ وقابِيلَ نُفِيَ مِنَ الأرْضِ الَّتِي كانَ فِيها مَقْتَلُ أخِيهِ؛ وأنَّ بَنِي إسْرائِيلَ تاهُوا أرْبَعِينَ سَنَةً عَلى عَدَدِ الأيّامِ الَّتِي غابَ فِيها نُقَباؤُهم في جَسِّ أخْبارِ الجَبابِرَةِ؛ وأنَّ قابِيلَ حَمَلَ هابِيلَ بَعْدَ أنْ قَتَلَهُ أرْبَعِينَ يَوْمًا - ذَكَرَهُ البَغَوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّـهُ عَنْهُما - قالَ: وقَصَدَهُ السِّباعُ؛ فَحَمَلَهُ عَلى ظَهْرِهِ أرْبَعِينَ يَوْمًا؛ وكُلُّ هَذِهِ مُحَسِّناتٌ؛ والعُمْدَةُ هو الوَجْهُ الأوَّلُ؛ وأحْسَنُ مِنهُ أنْ يَكُونَ الأمْرُ لِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَطْفًا عَلى النَّهْيِ في ”فَلا تَأْسَ“؛ والمَعْنى أنَّ الأرْضَ المُقَدَّسَةَ مَكْتُوبَةٌ لَهُمْ؛ كَما قَدِمْتَهُ أنْتَ أوَّلَ القِصَّةِ في قَوْلِهِ: ﴿الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٢١] ”فَأنا مُورِثُها؛ لا مَحالَةَ؛ لِأبْنائِهِمْ وأنْتَ مَتُوفًّى قَبْلَ دُخُولِها؛ وقَدْ أجْرَيْتُ سُنَّتِي في بَنِي آدَمَ بِأنَّهم إذا تُوَطِّنُوا واسْتَراحُوا؛ تَحاسَدُوا؛ وإذا تَحاسَدُوا تَدابَرُوا؛ فَقَتَلَ بَعْضُهم بَعْضًا؛ فاتْلُ عَلَيْهِمْ هَذِهِ القِصَّةَ لِتَكُونَ زاجِرَةً لَهم مِن أنْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ إذا فَرَغُوا مِنَ الجَبابِرَةِ؛ وأبادُوهُمْ؛ وصَفَتْ لَهُمُ البِلادُ فَتَوَطَّنُوها؛ وأخْرَجْتُ لَهم بَرَكاتِها فَأبْطَرَتْهُمُ النِّعَمُ؛ ونَسُوا غَوائِلَ النِّقَمِ“؛ ويَكُونُ ذَلِكَ وعْظًا لِهَذِهِ الأُمَّةِ؛ ومانِعًا مِن فِعْلِ مِثْلِ ذَلِكَ؛ بَعْدَ إكْمالِ دِينِهِمْ ووَفاةِ نَبِيِّهِمْ؛ وإظْهارِهِمْ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ؛ كَما تَقَدَّمَ بِهِ الوَعْدُ لَهُمْ؛ فَقَهَرُوا العِبادَ؛ وفَتَحُوا البِلادَ؛ وانْتَثَلُوا كُنُوزَها؛ (p-١١٦)وتَحَكَّمُوا في أمْوالِها؛ فَنَسُوا ما كانُوا فِيهِ مِنَ القِلَّةِ؛ والحاجَةِ؛ والذِّلَّةِ؛ فَأبْطَرَتْهُمُ النِّعَمُ؛ وارْتَكَبُوا أفْعالَ الأُمَمِ؛ وأعْرَضُوا عَنْ غَوائِلِ النِّقَمِ - كَما قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «”دَبَّ إلَيْكم داءُ الأُمَمِ قَبْلَكُمْ: الحَسَدُ؛ والبَغْضاءُ؛ ألا والبَغْضاءُ هي الحالِقَةُ؛ لا أقُولُ: تَحْلِقُ الشَّعْرَ؛ ولَكِنْ تَحْلِقُ الدِّينَ“؛» أخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ؛ والإمامُ أحْمَدُ؛ وأبُو داوُدَ الطَّيالِسِيُّ؛ في مَسْنَدَيْهِما؛ والبَزّارُ - قالَ المُنْذِرِيُّ: بِإسْنادٍ جَيِّدٍ -؛ والبَيْهَقِيُّ؛ وقالَ: «”لا يَزالُ النّاسُ بِخَيْرٍ ما لَمْ يَتَحاسَدُوا“؛» رَواهُ الطَّبَرانِيُّ؛ ورُواتُهُ ثِقاتٌ؛ وذَكَرَ الحافِظِ أبُو الرَّبِيعِ بْنُ سالِمٍ الكَلاعِيُّ؛ في القِسْمِ الثّانِي مِن سِيرَتِهِ؛ في فَتْحِ جَلُولاءَ؛ مِن بِلادِ فارِسٍ؛ أنَّ سَعْدَ بْنَ أبِي وقّاصٍ - رَضِيَ اللَّـهُ عَنْهُ - لَمّا أرْسَلَ الغَنِيمَةَ إلى عُمَرَ - رَضِيَ اللَّـهُ عَنْهُ -؛ أقْسَمَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: لا يَخْبَأُها سَقْفُ بَيْتٍ حَتّى تُقَسَّمَ! فَوُضِعَتْ في صَحْنِ المَسْجِدِ؛ فَباتَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أرْقَمَ - رَضِيَ اللَّـهُ عَنْهُما - يَحْرُسانِهِ؛ فَلَمّا جاءَ النّاسُ كُشِفَ عَنْهُ؛ فَنَظَرَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّـهُ عَنْهُ - إلى ياقُوتَةٍ؛ وزَبَرْجَدَةٍ؛ وجَوْهَرَةٍ؛ فَبَكى؛ فَقالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: ما يُبْكِيكَ يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ؟ فَواللَّهِ إنْ هَذا إلّا مَوْطِنُ شُكْرٍ؛ فَقالَ عُمَرُ: ”واللَّهِ ما ذاكَ يُبْكِينِي؛ وتاللَّهِ ما أعْطى اللَّهُ هَذا قَوْمًا إلّا تَحاسَدُوا؛ وتَباغَضُوا؛ ولا تَحاسَدُوا إلّا أُلْقِيَ بَأْسُهم بَيْنَهُمْ“.

شَرْحُ قِصَّةِ ابْنَيْ آدَمَ مِنَ التَّوْراةِ؛ قالَ المُتَرْجِمُ في أوَّلِها؛ بَعْدَ قِصَّةِ أكْلِ آدَمَ (p-١١٧)- عَلَيْهِ السَّلامُ - مِنَ الشَّجَرَةِ؛ ما نَصُّهُ: (فَدَعا آدَمُ اسْمَ امْرَأتِهِ حَوّاءَ؛ مِن أجْلِ أنَّها كانَتْ أُمَّ كُلِّ حَيٍّ؛ وصَنَعَ الرَّبُّ لِآدَمَ وامْرَأتِهِ سَرابِيلَ مِنَ الجُلُودِ؛ وألْبَسَهُما؛ فَأرْسَلَهُ اللَّهُ مِن جَنَّةِ عَدْنٍ؛ لِيَحْرُثَ الأرْضَ الَّتِي مِنها أُخِذَ؛ فَأخْرَجَهُ اللَّهُ رَبُّنا؛ فَجامَعَ آدَمُ امْرَأتَهُ حَوّاءَ؛ فَحَبِلَتْ؛ ووَلَدَتْ قايِينَ؛ وقالَتْ: لَقَدِ اسْتَفَدْتُ لِلَّهِ رَجُلًا؛ وعادَتْ فَوَلَدَتْ أخاهُ هابِيلَ؛ فَكانَ هابِيلُ راعِيَ غَنَمٍ؛ وكانَ قايِينُ يَحْرُثُ الأرْضَ؛ فَلَمّا كانَ بَعْدَ أيّامٍ جاءَ قايِينُ مِن ثَمَرِ أرْضِهِ بِقُرْبانٍ لِلَّهِ؛ وجاءَ هابِيلُ أيْضًا مِن أبْكارِ غَنَمِهِ بِقُرْبانٍ؛ فَسُرَّ اللَّهُ بِهابِيلَ وقُرْبانِهِ؛ ولَمْ يُسَرَّ بِقايِينُ وقُرْبانِهِ؛ فَساءَ ذَلِكَ قايِينَ جِدًّا؛ وهَمَّ أنْ يَسُوءَهُ؛ وعَبَسَ وجْهُهُ؛ فَقالَ الرَّبُّ لِقايِينَ: ما ساءَكَ؟ ولِمَ كُسِفَ وجْهُكَ؟ إنْ أحْسَنْتَ تَقَبَّلْتُ مِنكَ؛ وإنْ لَمْ تُحْسِنْ فَإنَّ الخَطِيئَةَ رابِضَةٌ عَلى البابِ؛ وأنْتَ تُقْبِلُ إلَيْها؛ وهي تَتَسَلَّطُ عَلَيْكَ؛ فَقالَ قايِينُ لِهابِيلَ أخِيهِ: تَتَمَشّى بِنا في البُقْعَةِ؛ فَبَيْنَما هُما يَتَمَشَّيانِ في الحَرْثِ؛ وثَبَ قايِينُ عَلى أخِيهِ هابِيلَ فَقَتَلَهُ؛ فَقالَ اللَّهُ لِقايِينَ: أيْنَ هابِيلُ أخُوكَ؟ فَقالَ: لا أدْرِي؛ أرَقِيبٌ أنا عَلى أخِي؟ قالَ اللَّهُ: ماذا فَعَلْتَ؟! فَإنَّ دَمَ أخِيكَ يُنادِي لِي مِنَ الأرْضِ؛ مِنَ الآنَ مَلْعُونٌ أنْتَ مِنَ الأرْضِ الَّتِي فَتَحَتْ فاها (p-١١٨)فَقَبِلَتْ دَمَ أخِيكَ مِن يَدِكَ؛ فَإذا أنْتَ عَمِلْتَ في الأرْضِ فَإنَّها لا تَعُودُ تُعْطِيكَ حِراثَها؛ وتَكُونُ فَزِعًا تائِهًا في الأرْضِ؛ فَقالَ قايِينُ لِلرَّبِّ: عَظُمَتْ خَطِيئَتِي مِن أنْ تَغْفِرَها؛ وقَدْ أخْرَجْتَنِي اليَوْمَ عَنْ وجْهِ الأرْضِ؛ وأتَوارى مِن قُدّامِكَ؛ وأكُونُ فَزِعًا تائِهًا في الأرْضِ؛ وكُلُّ مَن وجَدَنِي يَقْتُلُنِي؟ فَقالَ اللَّهُ رَبُّنا: كَلّا! ولَكِنْ كَذَلِكَ كُلُّ قاتِلٍ؛ وأمّا قايِينُ فَإنَّهُ يُجْزى بَدَلَ الواحِدِ سَبْعَةً؛ فَخَرَجَ قايِينُ مِن قُدّامِ اللَّهِ؛ فَجَلَسَ في أرْضِ نُودٍ؛ شَرْقِيِّ عَدْنَ )؛ انْتَهى؛ قالَ البَغَوِيُّ عَنِ ابْنِ إسْحاقَ؛ عَنْ بَعْضِ أهْلِ العِلْمِ بِالكِتابِ الأوَّلِ: إنَّ آدَمَ كانَ يَغْشى حَوّاءَ في الجَنَّةِ؛ قَبْلَ أنْ يُصِيبَ الخَطِيئَةَ؛ فَحَمَلَتْ فِيها بِقابِيلَ؛ وتَوْأمَتِهِ - فَذَكَرَ قِصَّتَهُ في النِّكاحِ؛ وقَتْلَهُ لِأخِيهِ؛ وشُرْبَ الأرْضِ لِدَمِهِ؛ وقَوْلَ قابِيلَ لِلَّهِ - حِينَ قالَ لَهُ: إنَّهُ قَتَلَهُ -: إنْ كُنْتَ قَتَلْتَهُ فَأيْنَ دَمُهُ؟ فَحَرَّمَ اللَّهُ عَلى الأرْضِ يَوْمَئِذٍ أنْ تَشْرَبَ دَمًا بَعْدَهُ أبَدًا؛ انْتَهى.

ولَمّا أخْبَرَ اللَّهُ (تَعالى) بِأنَّ أحَدَهُما فَعَلَ مَعَهُ مِن عَدَمِ القَبُولِ ما غاظَهُ؛ كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: فَما فَعَلَ حِينَ غَضِبَ؟ فَقِيلَ: ﴿قالَ﴾؛ أيْ: لِأخِيهِ الَّذِي قُبِلَ قُرْبانُهُ؛ حَسَدًا لَهُ: ﴿لأقْتُلَنَّكَ﴾؛ فَكَأنَّهُ قِيلَ: بِمَ أجابَهُ؟ (p-١١٩)فَقِيلَ: نَبَّهَهُ أوَّلًا عَلى ما يَصِلُ بِهِ إلى رُتْبَتِهِ؛ لِيَزُولَ حَسَدُهُ؛ بِأنْ ﴿قالَ إنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ﴾؛ أيْ: يَقْبَلُ قَبُولًا عَظِيمًا؛ المُحِيطُ لِكُلِّ شَيْءٍ قُدْرَةً وعِلْمًا؛ المَلِكُ الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ؛ فَلَيْسَ هو مُحْتاجًا إلى شَيْءٍ؛ وكُلُّ شَيْءٍ مُحْتاجٌ إلَيْهِ؛ ﴿مِنَ المُتَّقِينَ﴾؛ أيْ: العَرِيقِينَ في وصْفِ التَّقْوى؛ فَلا مَعْصِيَةَ لَهم يُصِرُّونَ عَلَيْها؛ بِشِرْكٍ ولا غَيْرِهِ؛ فَعَدَمُ تَقَبُّلِ قُرْبانِكَ مِن نَفْسِكَ؛ لا مِنِّي؛ فَلِمَ تَقْتُلُنِي؟ فَقَتْلُكَ لِي مُبْعِدٌ لَكَ عَمّا حَسَدْتَنِي عَلَيْهِ؛

5:28Страница 112

لَئِنۢ بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقۡتُلَنِي مَآ أَنَا۠ بِبَاسِطٖ يَدِيَ إِلَيۡكَ لِأَقۡتُلَكَۖ إِنِّيٓ أَخَافُ ٱللَّهَ رَبَّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٢٨

Если ты протянешь ко мне руку, чтобы убить меня, я все равно не протяну руки, чтобы убить тебя. Воистину, я боюсь Аллаха, Господа миров.

ولَمّا وعَظَهُ بِما يَمْنَعُهُ مِن قَتْلِهِ؛ ويُقْبِلُ بِهِ عَلى خَلاصِ نَفْسِهِ؛ أعْلَمَهُ ثانِيًا أنَّ الخَوْفَ مِنَ اللَّهِ مَنَعَهُ مِن أنْ يُمانِعَهُ عَنْ نَفْسِهِ؛ مُلَيِّنًا لِقَلْبِهِ بِما هو جَدِيرٌ أنْ يَرُدَّهُ عَنْهُ؛ خَشْيَةَ أنْ تَجُرَّهُ المُمانَعَةُ إلى تَعَدِّي الحَدِّ المَأْذُونِ فِيهِ؛ لِأنَّ أخاهُ كانَ عاصِيًا؛ لا مُشْرِكًا؛ فَقالَ - مُؤَكِّدًا بِالقَسَمِ؛ لِأنَّ مِثْلَ ما يُخْبِرُ بِهِ عَظِيمٌ؛ لا يَكادُ يُصَدَّقُ -: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إلَيَّ﴾؛ أيْ: خاصَّةً؛ ﴿يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي﴾؛ أيْ: لِتُوجِدَ ذَلِكَ؛ بِأيِّ وجْهٍ كانَ؛ ثُمَّ بالَغَ في إعْلامِهِ بِامْتِناعِهِ مِنَ المُمانَعَةِ؛ فَقالَ: ﴿ما أنا﴾؛ وأغْرَقَ في النَّفْيِ؛ فَقالَ: ﴿بِباسِطٍ﴾؛ أيْ: أصْلًا؛ وقَدَّمَ المَفْعُولَ بِهِ؛ تَعْمِيمًا؛ ثُمَّ خَصَّ المُتَعَلِّقَ؛ لِمُناسَبَةِ الحالِ فَقالَ: ﴿يَدِيَ إلَيْكَ لأقْتُلَكَ﴾؛ أيْ: في أيِّ وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ؛ ولَعَلَّهُ أتى بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ المُفِيدَةِ لِنَفْيِ الثَّباتِ والدَّوامِ؛ أدَبًا مَعَ اللَّهِ في عَدَمِ الحُكْمِ عَلى (p-١٢٠)المُسْتَقْبَلِ؛ ثُمَّ عَلَّلَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنِّي أخافُ اللَّهَ﴾؛ أيْ: أسْتَحْضِرُ جَمِيعَ ما أقْدِرُ عَلى اسْتِحْضارِهِ مِن كَمالِهِ؛ ثُمَّ وصَفَهُ بِالإحْسانِ إلى خَلْقِهِ؛ لِيَكُونَ ذَلِكَ مانِعًا لَهُ مِنَ الإساءَةِ إلى أحَدٍ مِنهُمْ؛ فَقالَ: ﴿رَبَّ العالَمِينَ﴾؛ أيْ: الَّذِي أنْعَمَ عَلَيْهِمْ بِنِعْمَةِ الإيجادِ؛ ثُمَّ التَّرْبِيَةِ؛ فَأنا لا أُرِيدُ أنْ أُخَرِّبَ ما بَنى؛ وهَذا كَما فَعَلَ عُثْمانُ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.

5:29Страница 112

إِنِّيٓ أُرِيدُ أَن تَبُوٓأَ بِإِثۡمِي وَإِثۡمِكَ فَتَكُونَ مِنۡ أَصۡحَٰبِ ٱلنَّارِۚ وَذَٰلِكَ جَزَٰٓؤُاْ ٱلظَّٰلِمِينَ ٢٩

Я хочу, чтобы ты вернулся с моим грехом и твоим грехом и оказался среди обитателей Огня. Таково воздаяние беззаконникам».

ولَمّا كانَ مِنَ النِّهاياتِ لِلْواصِلِينَ إلى حَضَراتِ القُدْسِ؛ ومَواطِنِ الأُنْسِ بِاللَّهِ؛ المُتَمَكِّنِينَ في دَرَجَةِ الغَناءِ عَنْ غَيْرِ الفاعِلِ المُخْتارِ ألّا يُرادَ إلّا ما يُرِيدُ - سُبْحانَهُ -؛ فَإنْ كانَ طاعَةً أرادَهُ العَبْدُ؛ ورَضِيَهُ؛ وإنْ كانَ مَعْصِيَةً أرادَهُ مِن حَيْثُ إنَّهُ مُرادُ اللَّهِ؛ ولَمْ يَرْضَهُ لِكَوْنِهِ مَعْصِيَةً؛ فَيَرْضى بِالقَضاءِ؛ دُونَ المَقْضِيِّ؛ وكَأنَّهُ مِنَ المُمْكِنِ القَرِيبِ أنْ يَكُونَ هابِيلُ قَدْ كُشِفَ لَهُ عَنْ أنَّهُ سَبَقَ في عِلْمِ اللَّهِ أنَّ أخاهُ يَقْتُلُهُ؛ قالَ - مُرَهِّبًا لَهُ؛ مُعَلِّلًا بِتَعْلِيلٍ آخَرَ؛ صادٍّ لَهُ أيْضًا عَنِ الإقْدامِ عَلى القَتْلِ -: ﴿إنِّي أُرِيدُ﴾؛ أيْ: بِعَدَمِ المُمانَعَةِ لَكَ؛ ﴿أنْ تَبُوءَ﴾؛ أيْ: تَرْجِعَ مِن قَتْلِي؛ إنْ قَتَلْتَنِي؛ ﴿بِإثْمِي﴾؛ أيْ: الإثْمِ الَّذِي يَنالُكَ مِن أجْلِ قَتْلِكَ لِي؛ وبِعُقُوبَتِهِ - الَّذِي مِن جُمْلَتِهِ أنَّهُ يَطْرَحُ عَلَيْكَ مِن سَيِّئاتِي بِمِقْدارِ ما عَلَيْكَ مِن حَقِّي؛ إذا لَمْ تَجِدْ ما تُرْضِينِي بِهِ مِنَ الحَسَناتِ -؛ ﴿وإثْمِكَ﴾؛ أيْ: الَّذِي لا سَبَبَ لِي فِيهِ؛ وهو الَّذِي كانَ سَبَبًا لِرَدِّ قُرْبانِكَ؛ واجْتِرائِكَ عَلَيَّ؛ وعُدْوانِكَ؛ وأفُوزَ أنا بِأجْرِي وأجْرِكَ؛ أيْ: (p-١٢١)أجْرِي الَّذِي لا سَبَبَ لَكَ فِيهِ؛ والأجْرِ الَّذِي أثْمَرَهُ اسْتِسْلامِي لَكَ؛ وكَفُّ يَدِيَ عَنْكَ؛ ﴿فَتَكُونَ﴾؛ أيْ: أنْتَ؛ بِسَبَبِ ذَلِكَ؛ ﴿مِن أصْحابِ النّارِ﴾؛ أيْ: الخالِدِينَ فِيها؛ جَزاءً لَكَ لِظُلْمِكَ؛ بِوَضْعِكَ القَتْلَ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ؛ ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ هَذا يَعُمُّ كُلَّ مَن فَعَلَ هَذا الفِعْلَ؛ فَقالَ: ﴿وذَلِكَ جَزاءُ الظّالِمِينَ﴾؛ أيْ: الرّاسِخِينَ في وصْفِ الظُّلْمِ كُلِّهِمْ؛ وأكُونَ أنا مِن أصْحابِ الجَنَّةِ؛ جَزاءً لِي بِإحْسانِي في إيثارِ حَياتِكَ عَلى حَياتِي؛ وذَلِكَ جَزاءُ المُحْسِنِينَ؛ وهَذا - مِثْلُ تَمَنِّي الشَّهادَةِ سُوءًا - لَيْسَ بِمُسْتَلْزِمٍ لِإرادَةِ المَعْصِيَةِ؛ مِن حَيْثُ كَوْنِها مَعْصِيَةً؛ بِإرادَةِ ظُهُورِ الكُفّارِ؛ لِما عُلِمَ مِن أنَّ النَّصْرَ بِيَدِ اللَّهِ؛ فَهو قادِرٌ عَلى نَصْرِ الباقِي؛ بَعْدَ اسْتِشْهادِ الشَّهِيدِ.

5:30Страница 112

فَطَوَّعَتۡ لَهُۥ نَفۡسُهُۥ قَتۡلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُۥ فَأَصۡبَحَ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ ٣٠

Душа подтолкнула его на убийство своего брата, и он убил его и оказался одним из потерпевших убыток.

ولَمّا كانَ هَذا الوَعْظُ جَدِيرًا بِأنْ يَكُونَ سَبَبًا لِطاعَتِهِ؛ وزاجِرًا لَهُ عَنْ مَعْصِيَتِهِ؛ بَيَّنَ (تَعالى) أنَّهُ قَسا قَلْبُهُ؛ فَجَعَلَهُ سَبَبًا لِإقْدامِهِ؛ فَقالَ - مُبَيِّنًا بِصِيغَةِ التَّفْعِيلِ؛ إذِ القَتْلُ لِما جَعَلَ اللَّهُ لَهُ مِنَ الحُرْمَةِ؛ وكَساهُ مِنَ الهَيْبَةِ لا يُقْدِمُ عَلَيْهِ إلّا بِمُعالَجَةٍ كَبِيرَةٍ مِنَ النَّفْسِ -: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَمْ يُتَقَبَّلْ مِنهُ؛ ﴿نَفْسُهُ قَتْلَ أخِيهِ﴾؛ أيْ: فَعالَجَتْهُ مُعالَجَةً كَبِيرَةً؛ وشَجَّعَتْهُ؛ وسَهَّلَتْ لَهُ بِما عِنْدَها مِنَ النَّفاسَةِ؛ عَلى زَعْمِها؛ حَتّى غَلَبَتْ عَلى عَقْلِهِ؛ فانْطاعَ لَها؛ وانْقادَ؛ فَأقْدَمَ عَلَيْهِ؛ وتَحْقِيقُ المَعْنى أنَّ مَن تَصَوَّرَ النَّهْيَ عَنِ الذَّنْبِ والعِقابَ عَلَيْهِ؛ امْتَنَعَ مِنهُ؛ فَكانَ فِعْلُهُ كالعاصِي عَلَيْهِ؛ ومَنِ اسْتَوْلَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ بِأنْواعِ الشُّبَهِ في تَزْيِينِهِ؛ صارَ فِعْلُهُ لَهُ؛ وإقْدامُهُ عَلَيْهِ؛ كالمُطِيعِ لَهُ؛ (p-١٢٢)المُمْكِّنِ مِن نَفْسِهِ؛ بَعْدَ أنْ كانَ عاصِيًا عَلَيْهِ؛ نافِرًا عَنْهُ؛ ثُمَّ سَبَّبَ عَنْ هَذا التَّطْوِيعِ قَوْلَهُ: ﴿فَقَتَلَهُ﴾؛ وسَبَّبَ عَنِ القَتْلِ قَوْلَهُ: ﴿فَأصْبَحَ﴾؛ أيْ: فَكانَ في كُلِّ زَمَنٍ ﴿مِنَ الخاسِرِينَ﴾؛ أيْ: العَرِيقِينَ في صِفَةِ الخُسْرانِ؛ بِغَضَبِ اللَّهِ عَلَيْهِ؛ لِاجْتِرائِهِ عَلى إفْسادِهِ مَصْنُوعَهُ؛ وغَضَبِ أبْناءِ جِنْسِهِ عَلَيْهِ؛ لِاجْتِرائِهِ عَلى أحَدِهِمْ؛ وعَبَّرَ بِالإصْباحِ؛ والمُرادُ جَمِيعُ الأوْقاتِ؛ لِأنَّ الصَّباحَ مَحَلُّ تَوَقُّعِ الِارْتِياحِ؛ قِيلَ: إنَّهُ لَمْ يَدْرِ كَيْفَ يَقْتُلُهُ؛ فَتَصَوَّرَ لَهُ إبْلِيسُ في يَدِهِ طائِرٌ؛ فَشَدَخَ رَأْسَهُ بِحَجَرٍ؛ فَقَتَلَهُ؛ فاقْتَدى بِهِ قابِيلُ؛ فَأتى هابِيلَ وهو نائِمٌ؛ فَشَدَخَ رَأْسَهُ بِحَجَرٍ.

5:31Страница 112

فَبَعَثَ ٱللَّهُ غُرَابٗا يَبۡحَثُ فِي ٱلۡأَرۡضِ لِيُرِيَهُۥ كَيۡفَ يُوَٰرِي سَوۡءَةَ أَخِيهِۚ قَالَ يَٰوَيۡلَتَىٰٓ أَعَجَزۡتُ أَنۡ أَكُونَ مِثۡلَ هَٰذَا ٱلۡغُرَابِ فَأُوَٰرِيَ سَوۡءَةَ أَخِيۖ فَأَصۡبَحَ مِنَ ٱلنَّٰدِمِينَ ٣١

Аллах послал ворона, который стал разгребать землю, чтобы показать ему, как спрятать труп его брата. Он сказал: «Горе мне! Неужели я не могу поступить, как этот ворон, и спрятать труп моего брата?». Так он оказался одним из сожалеющих.

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ”ثُمَّ إنَّهُ لَمْ يَدْرِ ما يَصْنَعُ بِهِ؛ إذْ كانَ أوَّلَ مَيْتٍ؛ فَلَمْ يَكُنِ الدَّفْنُ مَعْرُوفًا“؛ سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلَهُ: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ كَمالُ القُدْرَةِ؛ والعَظَمَةِ؛ والحِكْمَةِ؛ ولَمّا كانَ المَعْنى يَحْصُلُ بِالغُرابِ الباحِثِ فَقَطْ؛ قالَ: ﴿غُرابًا يَبْحَثُ﴾؛ أيْ: يُوجِدُ البَحْثَ؛ وهو التَّفْتِيشُ في التُّرابِ؛ بِتَلْيِينِ ما تَراصَّ مِنهُ؛ وإزاحَتِهِ مِن مَكانِهِ؛ لِيُبْقِيَ مَكانَهُ حَوْزَةً خالِيَةً. (p-١٢٣)ولَمّا كانَ البَحْثُ مُطْلَقَ التَّفْتِيشِ؛ دَلَّ عَلى ما ذَكَرْتُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فِي الأرْضِ﴾؛ لِيُوارِيَ غُرابًا آخَرَ ماتَ؛ ولَمّا كانَ الغُرابُ سَبَبَ عِلْمِ ابْنِ آدَمَ القاتِلِ لِلدَّفْنِ؛ كانَ كَأنَّهُ بَحَثَ لِأجْلِ تَعْلِيمِهِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿لِيُرِيَهُ﴾؛ أيْ: الغُرابُ يُرِي ابْنَ آدَمَ؛ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ المُسْتَتِرُ لِلَّهِ (تَعالى)؛ والأوَّلُ أوْلى؛ لِتَوْقِيفِهِ عَلى عَجْزِهِ؛ وجَهْلِهِ بِأنَّ الغُرابَ أعْلَمُ مِنهُ؛ وأقْرَبُ إلى الخَيْرِ؛ ﴿كَيْفَ يُوارِي﴾؛ ولَمّا كانَتِ السَّوْءَةُ واجِبَةَ السَّتْرِ؛ وكانَ المَيْتُ يَصِيرُ بَعْدَ مَوْتِهِ كُلُّهُ سَوْءَةً؛ قالَ - مُنَبِّهًا عَلى ذَلِكَ؛ وعَلى أنَّها السَّبَبُ في الدَّفْنِ؛ بِالقَصْدِ الأوَّلِ -: ﴿سَوْءَةَ﴾؛ أيْ: فَضِيحَةَ؛ ﴿أخِيهِ﴾؛ أيْ: أخِي قابِيلَ؛ وهو هابِيلُ المَقْتُولُ؛ وصِيغَةُ المُفاعَلَةِ تُفِيدُ أنَّ الجُثَّةَ تُرِيدُ أنْ يَكُونَ القاتِلُ وراءَها؛ والقاتِلُ يُرِيدُ كَوْنَ الجُثَّةِ وراءَهُ؛ فَيَكُونانِ بِحَيْثُ لا يَرى واحِدٌ مِنهُما الآخَرَ؛ ولَعَلَّ بَعْثَ الغُرابِ إشارَةٌ إلى غُرْبَةِ القاتِلِ؛ بِاسْتِيحاشِ النّاسِ مِنهُ؛ وجَعْلِهِ مِمّا يُنْفَرُ عَنْهُ؛ ويَقْتُلُهُ كُلُّ مَن يَقْدِرُ عَلَيْهِ؛ ومِن ثَمَّ سُمِّيَ الغُرابُ البَيْنَ؛ وتَشاءَمَ بِهِ مَن يَراهُ.

ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ هَذا لِعَجَبٌ؛ فَما قالَ؟ قِيلَ: ﴿قالَ﴾؛ الكَلِمَةَ الَّتِي تُسْتَعْمَلُ عِنْدَ الدّاهِيَةِ العَظِيمَةِ؛ لِما نَبَّهَهُ ذَلِكَ؛ مُتَعَجِّبًا؛ مُتَحَيِّرًا؛ مُتَلَهِّفًا؛ عالِمًا أنَّ الغُرابَ أعْلَمُ مِنهُ؛ وأشْفَقُ؛ مُنْكِرًا عَلى نَفْسِهِ؛ ﴿يا ويْلَتا﴾ (p-١٢٤)؛ أيْ: احْضُرْنِي يا ويْلُ؛ هَذا أوانُكَ ألّا يَكُونَ لِي نَدِيمٌ غَيْرُكَ؛ ولَمّا تَفَجَّعَ غايَةَ الفَجِيعَةِ؛ وتَأسَّفَ كُلَّ الأسَفِ؛ أنْكَرَ عَلى نَفْسِهِ؛ فَقالَ: ﴿أعَجَزْتُ﴾؛ أيْ: مَعَ ما جُعِلَ لِي مِنَ القُوَّةِ القاطِعَةِ؛ ﴿أنْ أكُونَ﴾؛ مَعَ ما لِي مِنَ الجَوارِحِ الصّالِحَةِ لِأعْظَمَ مِن ذَلِكَ؛ ﴿مِثْلَ هَذا الغُرابِ﴾؛ وقَوْلُهُ - مُسَبِّبًا عَنْ ذَلِكَ -: ﴿فَأُوارِيَ سَوْءَةَ﴾؛ أيْ: عَوْرَةَ وفَضِيحَةَ؛ ﴿أخِي﴾؛ نُصِبَ عَطْفًا عَلى ”أكُونَ“؛ لا عَلى جَوابِ الِاسْتِفْهامِ؛ لِأنَّهُ إنْكارِيٌّ؛ فَمَعْناهُ النَّفْيُ؛ لِأنَّهُ لَمْ تَكُنْ وقَعَتْ مِنهُ مُواراةٌ لِيُنْكِرَ عَلى نَفْسِهِ؛ ويُوَبِّخَها بِسَبَبِها؛ ولَوْ كانَتْ وقَعَتْ لَمْ يَصِحَّ إنْكارُها عَلى تَقْدِيرِ عَدَمِ العَجْزِ؛ الَّذِي أفادَتْهُ الهَمْزَةُ؛ ﴿فَأصْبَحَ﴾؛ بِسَبَبِ قَتْلِهِ؛ ﴿مِنَ النّادِمِينَ﴾؛ أيْ: عَلى ما فَعَلَ؛ لِأنَّهُ فَقَدَ أخاهُ؛ وأغْضَبَ رَبَّهُ؛ وأباهُ؛ ولَمْ يُفِدْهُ ذَلِكَ ما كانَ سَبَبَ غَيْظِهِ؛ بَلْ زادَهُ بُعْدًا؛ وذُكِرَ أنَّ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا عَلِمَ قَتْلَهُ رَثاهُ بِشِعْرٍ؛ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّـهُ عَنْهُما - رَدَّ ذَلِكَ؛ وأنَّ الأنْبِياءَ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - كُلُّهم في النَّهْيِ عَنِ الشِّعْرِ سَواءٌ؛ وقالَ صاحِبُ الكَشّافِ: وقَدْ صَحَّ أنَّ الأنْبِياءَ مَعْصُومُونَ مِنَ الشِّعْرِ: «”ولا تُقْتَلُ نَفْسٌ ظُلْمًا إلّا كانَ عَلى ابْنِ آدَمَ هَذا كِفْلٌ مِن دَمِها؛ بِما سَنَّ“؛» رَواهُ مُسْلِمٌ وغَيْرُهُ؛ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ؛ وكَذا: ”كُلُّ مَن سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً“؛ ولِهَذا قالَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: «”إنَّ أخْوَفَ ما أخافُ عَلى أُمَّتِي الأئِمَّةُ المُضِلُّونَ“؛» وهَذا لِأنَّ الآدَمِيَّ (p-١٢٥)لِنُقْصانِهِ أسْرَعُ شَيْءٍ إلى الِاقْتِداءِ في النَّقائِصِ؛ وهَذا ما لَمْ يَتُبِ الفاعِلُ؛ فَإذا تابَ؛ أوْ كانَ غَيْرَ مُتَعَمِّدٍ لِلْفِعْلِ؛ كَآدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمْ يَكُنْ سانًّا لِذَلِكَ؛ فَلا شَيْءَ عَلَيْهِ مِمَّنْ عَمِلَ بِذَلِكَ.

5:32Страница 113

مِنۡ أَجۡلِ ذَٰلِكَ كَتَبۡنَا عَلَىٰ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ أَنَّهُۥ مَن قَتَلَ نَفۡسَۢا بِغَيۡرِ نَفۡسٍ أَوۡ فَسَادٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعٗا وَمَنۡ أَحۡيَاهَا فَكَأَنَّمَآ أَحۡيَا ٱلنَّاسَ جَمِيعٗاۚ وَلَقَدۡ جَآءَتۡهُمۡ رُسُلُنَا بِٱلۡبَيِّنَٰتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرٗا مِّنۡهُم بَعۡدَ ذَٰلِكَ فِي ٱلۡأَرۡضِ لَمُسۡرِفُونَ ٣٢

По этой причине Мы предписали сынам Исраила (Израиля): кто убьет человека не за убийство или распространение нечестия на земле, тот словно убил всех людей, а кто сохранит жизнь человеку, тот словно сохранит жизнь всем людям. Наши посланники уже явились к ним с ясными знамениями, но многие из них после этого излишествуют на земле.

ولَمّا عُلِمَ بِهَذا أنَّ الإنْسانَ مَوْضِعُ العَجَلَةِ والإقْدامِ عَلى المُوبِقاتِ؛ مِن غَيْرِ تَأمُّلٍ؛ فَكانَ أحْوَجَ شَيْءٍ إلى نَصْبِ الزَّواجِرِ؛ أتْبَعَهُ (تَعالى) قَوْلَهُ: ﴿مِن أجْلِ ذَلِكَ﴾؛ أيْ: مِن غايَةِ الأمْرِ الفاحِشِ جِدًّا ومُدَّتِهِ؛ وعِظَمِ الأمْرِ؛ وشَدَّةِ قُبْحِهِ في نَفْسِهِ؛ وعِنْدَ اللَّهِ؛ وصِغَرِهِ عِنْدَ القاتِلِ؛ وحَبْسِهِ؛ ومَنعِهِ؛ وجِنايَتِهِ؛ وإثارَتِهِ؛ وتَهْيِيجِهِ؛ وجُرْأةِ الإنْسانِ عَلى العَظائِمِ بِغَيْرِ تَأمُّلٍ؛ ﴿كَتَبْنا﴾؛ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ؛ لِيُفِيدَ ذَلِكَ عَظَمَةَ المَكْتُوبِ؛ والتَّنْبِيهَ عَلى ما فِيهِ مِنَ العَجْزِ؛ لِيُفِيدَ الِانْزِجارَ؛ ﴿عَلى بَنِي إسْرائِيلَ﴾؛ أيْ: أعْلَمْناهُمْ؛ بِما لَنا مِنَ العِنايَةِ بِهِمْ؛ في التَّوْراةِ الَّتِي كَتَبْناها لَهُمْ؛ ويُفْهِمُ ذَلِكَ أيْضًا أنَّهم أشَدُّ النّاسِ جُرْأةً عَلى القَتْلِ؛ ولِذَلِكَ كانُوا يَقْتُلُونَ الأنْبِياءَ؛ فَأعْلَمَهُمُ اللَّهُ بِما فِيهِمْ مِنَ التَّشْدِيدِ؛ ولَمّا عُلِمَ مِنَ الآدَمِيِّينَ - لا سِيَّما هم - مِنَ الجُرْأةِ عَلَيْهِ؛ لِيُقِيمَ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ الحُجَّةَ عَلى ما يَتَعارَفُونَهُ بَيْنَهُمْ؛ ويَكُفَّ عَنِ القَتْلِ مَن سَبَقَتْ لَهُ مِنهُ العِنايَةُ بِما يُتَصَوَّرُ مِن فَظاعَةِ القَتْلِ؛ وقُبْحِ صُورَتِهِ؛ وفُحْشِ أمْرِهِ؛ وعَبَّرَ بِأداةِ الِاسْتِعْلاءِ الَّتِي هي لِلْحَتْمِ؛ مِنَ الوُجُوبِ؛ والحُرْمَةِ؛ لِأنَّ السِّياقَ لِلزَّجْرِ؛ فَهي تُفْهِمُ المَنعَ عَنِ الإقْدامِ عَلى القَتْلِ في هَذا المَقامِ؛ (p-١٢٦)﴿أنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا﴾؛ أيْ: مِن بَنِي آدَمَ؛ وكَأنَّهُ أطْلَقَ تَعْظِيمًا لَهُمْ؛ إشارَةً إلى أنَّ غَيْرَهم جَمادٌ؛ ﴿بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾؛ أيْ: بِغَيْرِ أنْ تَكُونَ قَتَلَتْ نَفْسًا تَسْتَحِقُّ أنْ تُقادَ بِها؛ فاسْتَباحَ قَتْلَها لِتِلْكَ النَّفْسِ الَّتِي قَتَلَتْها؛ ﴿أوْ﴾؛ قَتْلُها بِغَيْرِ؛ ﴿فَسادٍ﴾؛ وقَعَ مِنها.

ولَمّا كانَتِ الأرْضُ - مَعَ أنَّها فِراشُنا؛ فَهي مَحَلُّ التَّوْلِيدِ؛ والتَّرْبِيَةِ؛ والتَّنْمِيَةِ - دارَ الكَدَرِ؛ وكانَ فَسادُ مَن أفْسَدَ فِراشَهُ المَوْصُوفَ - لا سِيَّما وهو في كَدَرٍ - دالًّا عَلى سُوءِ جِبِلَّتِهِ؛ وكانَ سُوءُ الجِبِلَّةِ مُوجِبًا لِلْقَتْلِ؛ قالَ: ﴿فِي الأرْضِ﴾؛ أيْ: يُبِيحُ ذَلِكَ الفَسادُ دَمَها؛ كالشِّرْكِ؛ والزِّنا بَعْدَ الإحْصانِ؛ وكُلُّ ما يُبِيحُ إراقَةَ الدَّمِ؛ وقَدْ عُلِمَ بِهَذا أنَّ قِصَّةَ ابْنَيْ آدَمَ؛ مَعَ شِدَّةِ التِحامِها بِما قَبْلُ؛ تَوْطِئَةٌ لِما بَعْدُ؛ وتَغْلِيظُ أمْرِ القَتْلِ تَقَدَّمَ عَنِ التَّوْراةِ؛ في سُورَةِ ”البَقَرَةِ“؛ وقَوْلُهُ: ﴿فَكَأنَّما قَتَلَ النّاسَ جَمِيعًا﴾؛ مِن جُمْلَةِ الأدِلَّةِ المُبْطِلَةِ لِما ادَّعَوْا مِنَ البُنُوَّةِ؛ إذْ مَعْناهُ أنَّ النّاسَ شَرْعٌ واحِدٌ؛ مِن جِهَةِ نُفُوسِهِمْ؛ مُتَساوُونَ فِيها؛ كُلُّهم أوْلادُ آدَمَ؛ لا فَضْلَ لِأحَدٍ مِنهم عَلى آخَرَ في أصْلِ تَحْرِيمِ القَتْلِ بِغَيْرِ ما ذُكِرَ مِنَ المُوجِبِ؛ مِن قِصاصٍ؛ أوْ فَسادٍ؛ لا مِن بَنِي إسْرائِيلَ؛ ولا مِن غَيْرِهِمْ؛ وذَلِكَ كَما قالَ (تَعالى) - في ثانِي النُّقُوضِ -: ﴿بَلْ أنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾ [المائدة: ١٨]؛ فَصارَ مَن قَتَلَ نَفْسًا واحِدَةً؛ بِغَيْرِ ما ذُكِرَ؛ (p-١٢٧)فَكَأنَّما حَمَلَ إثْمَ مَن قَتَلَ النّاسَ جَمِيعًا؛ لِأنَّ اجْتِراءَهُ عَلى ذَلِكَ أوْجَبَ اجْتِراءَ غَيْرِهِ؛ ومَن سَنَّ سُنَّةً كانَ كَفاعِلِها؛ ﴿ومَن أحْياها﴾؛ أيْ: بِسَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ؛ كَعَفْوٍ؛ أوْ إنْقاذٍ مِن هَلَكَةٍ؛ كَغَرَقٍ؛ أوْ مُدافَعَةٍ لِمَن يُرِيدُ أنْ يَقْتُلَها ظُلْمًا؛ ﴿فَكَأنَّما أحْيا﴾؛ أيْ: بِذَلِكَ الفِعْلِ الَّذِي كانَ سَبَبًا لِلْأحْياءِ؛ ﴿النّاسَ جَمِيعًا﴾؛ أيْ: بِمِثْلِ ما تَقَدَّمَ في القَتْلِ؛ والآيَةُ دالَّةٌ عَلى تَعْلِيمِهِ - سُبْحانَهُ - لِعِبادِهِ الحِكْمَةَ؛ لِما يَعْلَمُ مِن طِباعِهِمُ الَّتِي خَلَقَهم عَلَيْها؛ ومِن عَواقِبِ الأُمُورِ - لا عَلى أنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ -؛ رِعايَةُ المَصْلَحَةِ؛ ومِمّا يَحْسُنُ إيرادُهُ هَهُنا ما يُنْسَبُ إلى أمِيرِ المُؤْمِنِينَ؛ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -؛ ورَأيْتُ مَن يَنْسُبُهُ لِلشّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ (تَعالى) -:

؎النّاسُ مِن جِهَةِ التِّمْثالِ أكْفاءُ ∗∗∗ أبُوهُمُ آدَمٌ والأُمُّ حَوّاءُ

؎نَفْسٌ كَنَفْسٍ وأرْواحٌ مُشاكِلَةٌ ∗∗∗ ∗∗∗ وأعْظُمٌ خُلِقَتْ فِيهِمْ وأعْضاءُ

؎فَإنْ يَكُنْ لَهم في أصْلِهِمْ حَسَبٌ ∗∗∗ ∗∗∗ يُفاخِرُونَ بِهِ فالطِّينُ والماءُ

؎ما الفَخْرُ إلّا لِأهْلِ العِلْمِ إنَّهُمُ ∗∗∗ ∗∗∗ عَلى الهُدى لِمَنِ اسْتَهْدى أدِلّاءُ

؎وقَدْرُ كُلِّ امْرِئٍ ما كانَ يُحْسِنُهُ ∗∗∗ ∗∗∗ ولِلرِّجالِ عَلى الأفْعالِ أسْماءُ

؎وضِدُّ كُلِّ امْرِئٍ ما كانَ يَجْهَلُهُ ∗∗∗ ∗∗∗ والجاهِلُونَ لِأهْلِ العِلْمِ أعْداءُ

؎فَفُزْ بِعِلْمٍ تَعِشْ حَيًّا بِهِ أبَدًا ∗∗∗ ∗∗∗ فالنّاسُ مَوْتى وأهْلُ العِلْمِ أحْياءُ

(p-١٢٨)ولَمّا أخْبَرَ - سُبْحانَهُ - أنَّهُ كَتَبَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ؛ أتْبَعَهُ حالًا مِنهُمْ؛ دالَّةً عَلى أنَّهم بَعِيدُونَ مِن أنْ يَكُونُوا أبْناءَ؛ وأحِبّاءَ؛ فَقالَ: ﴿ولَقَدْ﴾؛ أيْ: والحالُ أنَّهم قَدْ؛ ﴿جاءَتْهم رُسُلُنا﴾؛ أيْ: عَلى ما لَهم مِنَ العَظَمَةِ؛ بِإضافَتِهِمْ إلَيْنا؛ واخْتِيارِنا لَهُمْ؛ لِأنَّ يَأْتُوا عَنّا؛ فَهم لِذَلِكَ أنْصَحُ النّاسِ وأبْعَدُهم عَنِ الغَرَضِ؛ وأجَلُّهُمْ؛ وأجْمَعُهم لِلْكِمالاتِ؛ وأرْفَعُهم عَنِ النَّقائِصِ؛ لِأنَّ كُلَّ رَسُولٍ دالٌّ عَلى مُرْسِلِهِ؛ ﴿بِالبَيِّناتِ﴾؛ أيْ: الآياتِ الواضِحَةِ لِلْعَقْلِ أنَّها مِن عِنْدِنا؛ آمِرَةً لَهم بِكُلِّ خَيْرٍ؛ زاجِرَةً عَنْ كُلِّ ضَيْرٍ؛ لَمْ نَقْتَصِرْ في التَّغْلِيظِ في ذَلِكَ عَلى الكِتابِ؛ بَلْ وأرْسَلْنا الرُّسُلَ إلَيْهِمْ مُتَواتِرَةً.

ولَمّا كانَ وُقُوعُ الإسْرافِ - وهو الإبْعادُ عَنْ حَدِّ الِاعْتِدالِ في الأمْرِ مِنهم بَعْدَ ذَلِكَ - بَعِيدًا؛ عَبَّرَ بِأداةِ التَّراخِي؛ مُؤَكِّدًا بِأنْواعِ التَّأْكِيدِ؛ فَقالَ: ﴿ثُمَّ إنَّ كَثِيرًا مِنهُمْ﴾؛ أيْ: بَنِي إسْرائِيلَ؛ وبَيَّنَ شِدَّةَ عُتُوِّهِمْ بِإصْرارِهِمْ؛ خَلَفًا بَعْدَ سَلَفٍ؛ فَلَمْ يُثْبِتِ الجارَّ؛ فَقالَ: ﴿بَعْدَ ذَلِكَ﴾؛ أيْ: البَيانِ العَظِيمِ؛ والزَّجْرِ البَلِيغِ؛ بِالرُّسُلِ؛ والكِتابِ؛ ﴿فِي الأرْضِ﴾؛ أيْ: الَّتِي هي مَعَ كَوْنِها فِراشًا لَهم - ويَقْبُحُ عَلى الإنْسانِ أنْ يُفْسِدَ فِراشَهُ - شاغِلَةٌ - لِما فِيها مِن عَظائِمِ الكُدُوراتِ؛ وتَرادُفِ القاذُوراتِ - عَنِ الكَفافِ؛ فَضْلًا عَنِ الإسْرافِ؛ ﴿لَمُسْرِفُونَ﴾؛ أيْ: عَرِيقُونَ في الإسْرافِ؛ بِالقَتْلِ وغَيْرِهِ.

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English