Ибн Адиль · Тафсир · на арабском
المرسلات
Аль-Мурсалят
Посылаемые · Мекканская · 50 аятов
77:1–7Страница 580
وَٱلۡمُرۡسَلَٰتِ عُرۡفٗا ١
Клянусь посылаемыми с добром,
فَٱلۡعَٰصِفَٰتِ عَصۡفٗا ٢
несущимися быстро,
وَٱلنَّٰشِرَٰتِ نَشۡرٗا ٣
распространяющими бурно,
فَٱلۡفَٰرِقَٰتِ فَرۡقٗا ٤
различающими твердо,
فَٱلۡمُلۡقِيَٰتِ ذِكۡرًا ٥
и передающими Напоминание
عُذۡرًا أَوۡ نُذۡرًا ٦
для оправдания или предостережения.
إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَٰقِعٞ ٧
Обещанное вам непременно сбудется.
وهي خمسون آية، ومائة وإحدى وثمانون كلمة، وثمانمائة وستة عشر حرفا. بسم الله الرحمن الرحيم قوله: ﴿والمرسلات عُرْفاً﴾ في «عرفاً» ثلاثة أوجه: أحدها: أنه مفعول من أجله، أي: لأجل العرف، وهو ضد النُّكْر، فإن الملائكة إن كانوا بعثُوا للرحمة، فالمعنى فيه ظاهر، وإن كانوا بعثوا للعذاب فذلك العذاب وإن لم يكن معروفاً للكفار فإنه معروف للأنبياء والمؤمنين، والمراد بالمرسلات، إما الملائكة، وإما الأنبياء، وإما الرياح، أي: والملائكة المرسلات، أو والأنبياء المرسلات، أو والرياح المرسلات. و «العرف» المعروف، والإحسان، قال: [البسيط]
5054 - مَنْ يَفْعَلِ الخَيْرَ لا يَعْدمْ جَوازِيَهُ ... لا يَذهبُ العُرْفُ بيْنَ اللهِ والنَّاسِ
وقد يقال: كيف جمع صفة المذكر العاقل بالألف والتاء، وحقه أن يجمع بالواو والنون نقول: الأنبياء المرسلون ولا نقول: المرسلات؟ .
والجواب: أن المرسلات جمع مرسلة ومرسلة: صفة لجماعة من الأنبياء، والمرسلات: جمع مرسلة الواقعة صفة لجماعة، لا جمع مرسل مفرد.
والثاني: أن ينتصب على الحال بمعنى متتابعة، من قولهم: جاءوا كعرف الفرس، وهم على فلان كعرف الضبع، إذا تألبُّوا عليه.
قال ابن الخطيب: يكون مصدراً، كأنه قيل: والمرسلات إرسالاً، أي متتابعة.
الثالث: أن ينتصب على إسقاط الخافض، أي: المرسلات بالعرف، وفيه ضعف، وقد تقدم الكلام على العرف في الأعراف.
والعامة: على تسكين رائه، وعيسى: بضمها، وهو على تثقيل المخفف، نحو: «بكّر» في «بكَر» ، ويحتمل أن يكون هو الأصل، والمشهور مخففة منه، ويحتمل أن يكونا وزنين مستقلين.
فصل في المراد بالمرسلات
جمهور المفسرين على أن «المرسلات» هي الرياح.
وروى مسروق عن عبد الله قال: هي الملائكة أرسلت بالعرف من أمر الله ونهيه والخبر والوحي، وهو قول أبي هريرة ومقاتل وأبي صالح والكلبي.
وقال ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: هم الأنبياء أرسلوا بلا إله إلا الله.
وقال أبو صالحٍ: الرسل ترسل بما يعرفون به من المعجزات.
وعن ابن عباس وابن مسعود: أنها الرياح، كما قال تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرياح﴾ [الحجر: 22] ، وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الذي يُرْسِلُ الرياح﴾ [الأعراف: 57] ، ومعنى «عُرْفاً» أي: يتبع بعضها بعضاً كعرف الفرس، وقيل: يحتمل أن يكون المراد بالمرسلات: السحاب لما فيها من نعمة ونقمة عارفة بما أرسلت إليه ومن أرسلت إليه.
وقيل: إنها الزَّواجر والمواعظ، و «عُرْفاً» على هذا التأويل: متتابعات كعرف الفرس، قاله ابن عبَّاس.
وقيل: جاريات، قاله الحسن، يعني في القلوب.
وقيل: معروفات في العقول.
قوله تعالى: ﴿فالعاصفات عَصْفاً﴾ . هذا المصدر مؤكد لاسم الفاعل.
والمراد بالعَاصفاتِ: الرياح. قاله المهدوي.
وقال ابن عباسٍ: هي الرياح العواصف تأتي بالعصف، وهو ورق الزرع وحطامه.
وقال: العاصفات الملائكة شبهت بسرعة جريها في أمر الله - تعالى - بالرياح، وكذلك «نَشْراً، وفَرْقاً» انتصابهما على المصدر.
وقيل: الملائكة تعصف برُوح الكَافرِ، يقال: عصف بالشيء إذا أباده وأهلكه، وناقة عصوف، أي تعصف براكبها فتمضي كأنها ريحٌ في السرعة، وعصفت الحرب بالقوم، أي: ذهبت بهم.
وقيل: يحتمل أنها الآيات المهلكة كالزلازل والخوف.
قوله تعالى: ﴿والناشرات نَشْراً﴾ . هي الملائكة المُوكَّلُون بالسحاب ينشرونها.
وقال ابن مسعود ومجاهد: هي الرياح يرسلها الله تعالى نشراً بين يدي رحمته ينشر السحاب للغيث، وهو مروي عن أبي صالح.
وعنه أيضاً: هي الأمطار لأنها تنشر النبات، فالنَّشر بمعنى الإحياء، يقال: نشر الله الميت وأنشره، بمعنى أحياهُ، قال تعالى: ﴿ثُمَّ إِذَا شَآءَ أَنشَرَهُ﴾ [عبس: 22] .
وروي عن السديِّ: أنها الملائكة تنشر كتب الله تعالى، وروى الضحاك عن ابن عباس قال: يريد ما ينشر من الكتب، وأعمال بني آدم، وروى الضحاك: أنها الصحف تنشر على الله تعالى بأعمال العباد.
وقال الربيع: إنه البعث للقيامة تنشر فيه الأرواح.
وقال تعالى: ﴿والناشرات﴾ - بالواو - لأنه استئنافُ قسم آخر.
قوله: ﴿فالفارقات فَرْقاً﴾ : هي الملائكة تنزل بالفرق بين الحق والباطل. قاله ابن عباس ومجاهد والضحاك وأبو صالح.
وروى الضحاك عن ابن عباس، قال: ما تفرق الملائكة من الأقوات والأرزاق والآجال، وروى أنس عن مجاهد قال: «الفارقات» الرياح تفرق بين السحاب وتبدده.
وروى سعيد عن قتادة قال: ﴿فالفارقات فَرْقاً﴾ ، الفرقان فرق الله بين الحق والباطل والحلال والحرام، وهو قول الحسن وابن كيسان.
وقيل: هم الرسل فرقوا بين ما أمر الله - تعالى - به، ونهى عنه؛ أي بينوا ذلك.
وقيل: السحابات الماطرة تشبيهاً بالنَّاقة الفارقة، وهي الحامل التي تخرج وتندّ في الأرض حين تضع، ونوق فوارق وفُرَّق.
قوله تعالى: ﴿فالملقيات ذِكْراً﴾ . هي الملائكة، أي: تلقي كتب الله إلى الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - قاله المهدوي.
وقيل: هو جبريل - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - وسمي باسم الجمع تعظيماً لأنه كان ينزل بها وقيل: المراد الرسل يلقون إلى أممهم ما أنزل عليهم. قاله قطرب.
وقوله تعالى: ﴿ذِكْراً﴾ مفعول به ناصبه «المُلْقِيَاتِ» .
وقرأ العامة: «فالملقيات» - بسكون اللام وتخفيف القاف - اسم فاعل.
وقرأ ابن عباس: بفتح اللام وتشديد القاف، اسم مفعول من التلقية، وهي إيصال الكلام إلى المخاطب. وروى عنه المهدوي أيضاً: فتح القاف، أي: يلقيه من قِبَل الله تعالى، كقوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى القرآن﴾ [النمل: 6] .
قوله: ﴿عُذْراً أَوْ نُذْراً﴾ . فيهما أوجه:
أحدها: أنهما بدلان من «ذِكْراً» .
الثاني: أنهما منصوبان به على المفعولية، وإعمال المصدر المنون جائز، ومنه ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيماً﴾ [البلد: 14، 15] .
الثالث: أنهما مفعولان من أجلهما، والعامل فيهما، إما «المُلقيَات» ، وإما «ذِكراً» ؛ لأن كُلاًّ منهما يصلح أن يكون معلولاً بأحدهما.
وحينئذ يجوز في «عُذْراً» ، ونذراً «وجهان:
أحدهما: أن يكونا مصدرين - بسكون العين - كالشُّكْر والكُفْر.
والثاني: أن يكونا جمع عذير، ونذير، المراد بهما المصدر، بمعنى الإعذار والإنذار، كالنكير بمعنى الإنكار.
الثالث: أنهما منصوبان على الحال من» الملقيات» أو من الضمير فيها، وحينئذ يجوز أن يكونا مصدرين واقعين موقع الحال، بالتأويل المعروف في أمثاله، وأن يكونا جمع «عذير ونذير» مراداً بهما المصدر، أو مراداً بهما اسم الفاعل بمعنى المعذر والمنذر، أي: معذرين، أو منذرين.
وقرأ العامة: بسكون الذَّال من ﴿عُذْراً أَوْ نُذْراً﴾ .
وقرأ زيد بن ثابت، وابن خارجة، وطلح: بضمها.
والحرميَّان، وابن عامر، وأبو بكر، بسكونها في «عُذْراًَ» وضمها في «نُذْراً» ، والسكون والضم - كما تقدم - في أنه يجوز أن يكون كل منهما أصلاً للآخر، وأن يكونا أصلين، ويجوز في كل من المثقّل والمخفّف أن يكون مصدراً، وأن يكون جمعاً سكنت عينه تخفيفاً.
وقرأ إبراهيم التيمي: «عُذْراً ونُذْراً» بواو العطف موضع «أو» ، وهي تدل على أن «أو» بمعنى الواو.
فصل في معنى الآية
والمعنى: يلقي الوحي إعذاراً من الله تعالى وإنذاراً إلى خلقه من عذابه. قاله الفراء.
وروي عن أبي صالحٍ قال: يعني الرسل يعذرون وينذرون.
وروى سعيد عن قتادة: «عُذْراً» قال: عذراً لله - تعالى - إلى خلقه، ونذراً للمؤمنين ينتفعون به ويأخذون به، وروى الضحاك عن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما -: «عُذْراً» أي: ما يقبله الله - تعالى - من معاذير أوليائه، وهي التوبة «أو نُذْراً» ينذر أعداءه.
فصل في المراد بهذه الكلمات الخمس
قال ابن الخطيب: اعلم أن هذه الكلمات الخمس، إما أن يكون المراد منها جنساً واحداً، أو أجناساً مختلفة، فالأول فيه وجوه:
أحدها: أن المراد بها الملائكة والمرسلات هي الملائكة الذين أرسلهم الله - تعالى - إما لإيصال النِّعمة إلى قوم أو لإيصال النقمة إلى آخرين، وقوله تعالى: «عُرْفاً» إما أن يكون العُرْف هو الذي ضد النُّكر، فإن كانوا الملائكة المبعوثين للرحمة، فالمعنى فيهم ظاهر وإن بعثوا للعذاب فذلك العذاب وإن لم يكن معروفاً للكفَّار فإنه معروف للأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - والمؤمنين، أو يكون العرف التَّتابع، وقوله تعالى: ﴿فالعاصفات عَصْفاً﴾ فمعناه أن الملائكة عصفوا في طيرانهم كعصف الرياح، أو يعصفون بروح الكافرِ، يقال: عصف بالشيء إذا أباده، وقوله تعالى: ﴿والناشرات نَشْراً﴾ أي: أنهم نشروا أجنحتهم عند انحطاطهم إلى الأرض، أو نشروا الرحمة والعذاب، أو المراد الملائكة الذي ينشرون الكتب التي فيها أعمال بني آدم يوم القيامة كتاباً يلقاه منشوراً، وقوله تعالى: ﴿فالفارقات فَرْقاً﴾ أي: أنهم يفرقون بين الحق والباطل، وقوله: ﴿فالملقيات ذِكْراً﴾ أي أنهم يلقون الذِّكرَ إلى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
والمراد بالذكر إما العلم والحكمة أو القرآن، لقوله تعالى: ﴿أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِن بَيْنِنَا﴾ [القمر: 25] ، وهذا المُلْقي وإن كان جبريل وحده إلا أنه سمِّي باسم الجمع تعظيماً له.
واعلم أن الملائكة أقسام: قسمٌ يرسل لإنزال الوحي على الأنبياء، وقسمٌ يرسل لكتابة اعمل بني آدم، وقسم يرسل لقبض الأرواح، وقسم يرسل بالوحي من سماءٍ إلى سماءٍ.
الوجه الثاني: أن المراد بهذه الكلمات الخمس: الرياح، أقسم الله - تعالى - بالرياح عند إرسالها عُرْفاً، أي: متتابعة، كشعر العرف، ثم إنها تشتدّ حتى تصير عواصف ورياح رحمة تنشر السحاب في الجو، قال الله تعالى: ﴿يُرْسِلُ الرياح بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ [الأعراف: 57] ، وهو المراد بقوله تعالى: ﴿والناشرات نَشْراً﴾ أي: أنها تنشر السحاب، أو أنها تلقح الأشجار والنبات، فتكون ناشرة، وقوله تعالى: ﴿فالفارقات فَرْقاً﴾ أي: أنها تفرق بين أجزاء السحاب، أو أنها تخرب بعض القرى، وذلك يصير سبباً لظهور الفرق بين أولياء الله وأعدائه، أو أنها عند هبوبها تفرّق الخلق فمن مقرّ خاضع، ومن منكر جاحد.
وقوله تعالى: ﴿فالملقيات ذِكْراً﴾ أي: أن العاقل إذا شاهد هبوب تلك الرياح التي تقلع القِلاَع وتهدم الصخور والجبال، وترفع أمواج البحار تمسَّك بذكر الله - تعالى - والتجأ إلى إعانة الله - تعالى - فصارت تلك الرياح كأنها ألقت الذِّكر والإيمان والعبودية في القلب.
الوجه الثالث: قال ابن الخطيب: من الناس من حمل بعض هذه الكلمات الخمس على القرآن، وعندي أنه يمكن حمل جميعها على القرآن، فقوله تعالى: ﴿والمرسلات عُرْفاً﴾ المراد منه الآيات المتتابعة المرسلة على لسان جبريل على محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، وقوله تعالى: ﴿عُرْفاً﴾ أي هذه الآيات نزلت بكل عرف وخير، كيف لا وهي الهادية إلى سبيل النجاة الموصلة إلى مجامع الخيرات، والمراد ب «العاصفات عصفاً» أن دولة الإسلام والقرآن إن كانت ضعيفةً في أولها، ثم عظُمت وقهرت سائر الملل والأديان، فكأن دولة القرآن عصفت سائر الدُّول والملل والأديان وقهرتها، وجعلتها باطلة دائرة.
والمراد ب «النَّاشِرات نَشْراً» ، أن آيات القرآن نشرت الحِكَم والهداية في قلوب العالمين شرقاً وغرباً.
والمراد ب «الفارقات فرقاً» أن آيات القرآن نشرت الحِكَم والهداية في قلوب العالمين شرقاً وغرباً.
والمراد ب «الفارقات فرقاً» أن آيات القرآن فرَّقت بين الحقِّ والباطل، ولذلك سمِّي القرآن فرقاناً، والمراد ب «الملقيات ذكراً» أن القرآن ذكر، قال تعالى: ﴿ص والقرآن ذِي الذكر﴾ [ص: 1] ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف: 44] ﴿وهذا ذِكْرٌ مُّبَارَكٌ أَنزَلْنَاهُ﴾ [الأنبياء: 50] ﴿وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ﴾ [الحاقة: 48] .
الوجه الرابع: قاله ابن الخطيب: ويمكن حملها أيضاً على بعثة الرُّسل، فالمراد ب «المرسلات عرفاً» هم المُرسَلُون بالوَحْي المشتمل على كُلِّ خير ومعروف، ﴿فالعاصفات عَصْفاً﴾ أن كل أمر لكل رسول يكون في أول أمره حقيراً ضعيفاً، ثم يشتدّ ويعظم ويصير في القوة كعصف الرياح ﴿والناشرات نَشْراً﴾ انتشار دينهم، ﴿فالفارقات فَرْقاً﴾ أنهم يفرقون بين الحق والباطل، ﴿فالملقيات ذِكْراً﴾ أنهم يأمرونهم بالذكر ويحثُّونهم عليه.
الاحتمال الثاني: وهو ألاَّ يكون المراد من هذه الكلمات الخمس شيئاً واحداً، وفيه وجوه:
أحدها: قال الزجاج، واختاره القاضي: أن الثلاثة الأول هي الرياح، فقوله تعالى: ﴿والمرسلات عُرْفاً﴾ هي الرياح التي تتصل على العرف المعتاد، والعاصفات: ما اشتدّ عنها، والنَّاشرات: ما ينشر السحاب، وقوله تعالى: ﴿فالفارقات فَرْقاً﴾ هم الملائكة الذي يُفرِّقُون بين الحقِّ والباطل والحلال والحرام بما يتحمَّلونه من القرآن والوحي، وكذا قوله: ﴿فالملقيات ذِكْراً﴾ أنها الملائكة المتحمِّلون للذِّكر الذي يلقونه إلى الرسل.
فإن قيل: ما المجانسة بين الريح وبين الملائكة حتى جمع بينهما في القسمِ؟ .
قلت: الملائكة روحانيّون فهم سبب طاقاتهم وسرعة حركاتهم كالرياح.
وثانيها: أن الآيتين الأوليين هما الرياح، والثلاثة الباقية منهم الملائكة؛ لأنها تنشر الوحي والدين، ثم لذلك الوحي أثران:
الأول: حصول الفرق بين المحق والمبطل.
والثاني: ظهر الله في القلوب والألسنة، ويؤكد هذا أنه قال: ﴿والمرسلات عُرْفاً فالعاصفات عَصْفاً﴾ ، ثم عطف الثاني على الأول بحرف الواو، فقال: «والنَّاشِرَاتِ» وعطف الاثنين الباقيين عليه بحرف الفاء، وهذا يقتضي أن يكون الأولان ممتازين عن الثلاثة الأخيرة.
قال ابن الخطيب: ويمكن أن يكون المراد بالأولين الملائمكة، فقوله تعالى: ﴿والمرسلات عُرْفاً﴾ ملائكة الرَّحمة، وقوله تعالى: ﴿فالعاصفات عَصْفاً﴾ ملائكة العذاب، والثلاثة الباقية آيات القرآن؛ لأنها تنشر الحق في القلوب والأرواح، وتفرّق بين الحق والباطل، وتلقي الذكر في القلوب والألسنة.
فصل في وجه دخول الفاء والواو في جواب القسم
قال القفالُ: الوجه في دخول الفاء في بعض ما وقع به القسم، والواو في بعض مبنيّ على أصل، وهو أن عند أهل اللغة أن الفاء تقتضي الوصل والتعلُّق، فإذا قيل: قام زيد فذهب، فالمعنى: أنه قام ليذهب، فكان قيامه سبباً لذهابه ومتصلاً به، فإذا قيل: قام وذهب، فهما خبران، وكل واحد منهما قائم بنفسه، لا يتعلق بالآخر. ثم إن القفال رَحِمَهُ اللَّهُ لما مهد هذا الأصل، فرع عليه الكلام في هذه الآية بوجوه.
قال ابن الخطيب: وتلك الوجوه لا يميل القلب إليها، وأنا أنوع على هذا الأصل فأقول: أما من جعل الأولين صفة لشيءٍ، والثلاثة الأخيرة صفاتٍ لشيء واحدٍ، فنقول: إن حملناها على الملائكة فالملائكة إذا أرسلت طارت سريعاً، وذلك الطيران هو العصف، فالعصف مرتب على الإرسال، فإن الملائكة أول ما يلقون الوحي إلا الرُّسل لا يصير في الحال ذلك الدين مشهوراً منتشراً، بل الخلق يردون الأنبياء في أول الأمر فيكذبونهم وينسبونهم إلى السحر والجنون، فلا جرم أن يذكر الفاء التي تفيد التعقيب، بل ذكر الواو، وإذا حصل النشر ترتب عليه حصول الفرق بين الحق والباطل وظهور ذلك الحق على الألسنة فلا جرم ذكر هذين الأمرين بحرف الفاء، فكأنه - والله أعلم - قال: يا محمد، أنا أرسلت إليك الملك بالوحي الذي هو عنوان كل سعادة وخير، ولكن لا تطمع في أن ينتشر ذلك الأمر في الحال، ولكن لا بد من الصَّبر وتحمل المشقة، ثم إذا جاء وقت النصرة اجعل دينك ظاهراً منتشراً في شرق العالم وغربه، وعند ذلك الانتشار يظهر الفرق، فتصير الأديان باطلة، ضعيفة، ساقطة، ودينك الحق ظاهراً عالياً، وهنالك يظهر ذكر الله على الألسنة، وفي المحاريب وعلى المنابر، ومن عرف هذا الوجه أمكنه ذكر مناسبة سائر الوجوه.
قوله: ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ﴾ . هذا جوابُ القسم، وقوله: «والمُرسَلاتِ» وما بعده معطوف عليه، وليس قسماً مستقلاً، لما تقدم في أول الكتاب، لوقوع الفاء هنا عاطفة؛ لأنها لا تكون للقسم، و «ما» موصولة بمعنى «الذي» هي اسم إن و «تُوعَدُون» صلتها، والعائد محذوف، أي إن الذي توعدونه، و «لواقع» خبرها، وكان من حق «إن» أن تكون منفصلة عن «ما» الموصولة، ولكنهم كتبوها متصلة بها.
فصل في الموعود به
إنما توعدون من أمر القيامة لواقع بكم ونازل عليكم ثم لذكره علامات القيامة بعده.
وقال الكلبي: المراد أن كل ما توعدون به من الخير والشَّر لواقع بكم.
77:8–19Страница 580
فَإِذَا ٱلنُّجُومُ طُمِسَتۡ ٨
Когда погаснут звезды,
وَإِذَا ٱلسَّمَآءُ فُرِجَتۡ ٩
когда расколется небо,
وَإِذَا ٱلۡجِبَالُ نُسِفَتۡ ١٠
когда развеются горы,
وَإِذَا ٱلرُّسُلُ أُقِّتَتۡ ١١
когда посланникам будет установлен срок.
لِأَيِّ يَوۡمٍ أُجِّلَتۡ ١٢
До какого дня отсрочено?
لِيَوۡمِ ٱلۡفَصۡلِ ١٣
До Дня различения!
وَمَآ أَدۡرَىٰكَ مَا يَوۡمُ ٱلۡفَصۡلِ ١٤
Откуда ты мог знать, что такое День различения?
وَيۡلٞ يَوۡمَئِذٖ لِّلۡمُكَذِّبِينَ ١٥
Горе в тот день тем, кто считает истину ложью!
أَلَمۡ نُهۡلِكِ ٱلۡأَوَّلِينَ ١٦
Разве мы не погубили первые поколения?
ثُمَّ نُتۡبِعُهُمُ ٱلۡأٓخِرِينَ ١٧
Вслед за ними Мы отправили последующие поколения.
كَذَٰلِكَ نَفۡعَلُ بِٱلۡمُجۡرِمِينَ ١٨
Так поступаем Мы с грешниками.
وَيۡلٞ يَوۡمَئِذٖ لِّلۡمُكَذِّبِينَ ١٩
Горе в тот день тем, кто считает истину ложью!
ثم بين وقت وقوعه فقال تعالى: ﴿فَإِذَا النجوم طُمِسَتْ﴾ اي: ذهب ضوؤها، ومُحِيَ نورها كطَمْسِ الكتاب، يقال: طمس الشيء إذا درس، وطمس فهو مطموس، والريح تطمس الآثار، فتكون الريح طامسة، والأثر طامس بمعنى مطموس.
قال ابن الخطيب: ويحتمل ان تكون محقت ذواتها، وهو موافق لقوله تعالى: ﴿نُشرت﴾ .
و «النُّجومُ» مرتفعة بفعل مضمر يفسره ما بعده عند البصريين غير الأخفش، وبالابتداء عن الكوفيين والأخفش.
وفي جواب «إذا» قولان:
أحدهما: محذوف، تقديره: فإذا طمست النجوم وقع ما توعدون، لدلالة قوله إنما توعدون لواقع أو بان الأمر.
والثاني: أنه «لأيَِّ يَومٍ أجِّلتْ» على إضمار القول، أي يقال: لأي يوم أجّلت، فالفعل في الحقيقة هو الجواب.
وقيل: الجواب: «وَيْلٌ يَوْمَئذٍ» . نقله مكي، وهو غلط؛ لأنه لو كان جواباً للزمته الفاء لكونه جملة اسمية.
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا السمآء فُرِجَتْ﴾ . أي: فتحت وشقّت، ومنه قوله تعالى: ﴿وَفُتِحَتِ السمآء فَكَانَتْ أَبْوَاباً﴾ [النبأ: 19] ، والفَرْجُ: الشقُّ، ونظيره: ﴿إِذَا السمآء انشقت﴾ [الانشقاق: 1] ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السمآء بالغمام﴾ [الفرقان: 25] .
وروى الضحاك عن ابن عباس: - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - قال: فرجت للطي.
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الجبال نُسِفَتْ﴾ أي: ذهب بها كلها بسرعة، من أنسفت الشيء إذا اختطفته، وقيل: تنشق كالحب المغلق إذا نسف بالمنسف، ومنه قوله تعالى: ﴿لَّنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِي اليم نَسْفاً﴾ [طه: 97] ، ونظيره: ﴿وَبُسَّتِ الجبال بَسّاً﴾ [الواقعة: 5] ﴿وَكَانَتِ الجبال كَثِيباً مَّهِيلاً﴾ [المزمل: 14] ﴿فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفاً﴾ [طه: 105] .
وقرئ: «طُمّست، وفُرّجت، ونُسّفت» مشددة.
وكان ابن عباس يقول: سويت بالأرض، والعرب تقول: فرس نسوف، إذا كان يؤخر الحزام بمرفقيه؛ قال بشرٌ: [الوافر]
5055 - نَسُوفٌ لِلحزَامِ بِمرْفقيْهَا..... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ...
ونسفت الناقة الكلأ إذا رعتهُ.
قوله: ﴿وَإِذَا الرسل أُقِّتَتْ﴾ . قرأ أبو عمرو: «وقِّتَتْ» بالواو، والباقون: بهمزة بدل الواو. قالوا: والواو هي الأصل؛ لأنه من الوقت، والهمزة بدل منها لأنها مضمومة ضمة لازمة، وكل واو انضمت وكانت ضمتها لازمة تبدل على الاطراد همزة أولاً، تقول: صلى القوم إحداناً، تريد: وِحدَاناً، وهذه أجوه حسان؛ لأن ضمة الواو ثقيلة وبعدها واو فالجمع بينهما يجري مجرى المثلين فيكون ثقيلاً، ولم يجز البدل في قوله تعالى ﴿وَلاَ تَنسَوُاْ الفضل بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: 237] ؛ لأن الضمة غير لازمة، قال الفراء. وقد تقدم ذكر ذلك أول الكتاب.
فصل في المراد بالتأقيت
قال مجاهد والزجاج: المراد بهذا التأقيت تبيين الوقت الذي تحضرون فيه للشهادة على أممكم، أي: جمعت لوقتها ليوم القيامة، والوقت: الأجل الذي يكون عنده الشيء المؤخر إليه، فالمعنى: جعل لها وقت وأجل للفصل والقضاء بينهم وبين الأمم، كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ الله الرسل﴾ [المائدة: 109] .
وقيل: المراد بهذا التأقيت تحصيل الوقت وتكوينه، وليس في اللفظ بيان أنه يحصل لوقت أي شيء، ولم يبينه ليذهب الوهم إلى كل جانب، فيكون التهويل فيه أشد، فيحتمل أن يكون المراد تكوين وقت جمعهم للفوز بالثواب، وأن يكون وقت سؤال الرسل عما أجيبوا به، وسؤال الأمم عما أجابوا هم لقوله تعالى:
﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الذين أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ المرسلين﴾ [الأعراف: 6] ، وأن يكون وقت مشاهدة الجنة والنار وسائر أحوال القيامة، وقيل: «أقِّتَتْ» أي: أرسلت لأوقات معلومة على ما علمه الله وأراده.
فصل في قراءات الآية
قرأ أبو جعفر وشيبة: بالواو وتخفيف القاف وهو «فعلت» من الوقت، ومنه ﴿كِتَاباً مَّوْقُوتاً﴾ [النساء: 103] .
وقرئ - أيضاً -: «وُوقتت» - بواوين -، وهو «فوعلت» من الوقت أيضاً مثل: عُوهِدَت.
قال القرطبي: «ولو قلبت الواو في هاتين القراءتين ألفاً لجاز، وقد قرأ يحيى وأيوب وخالد بن إلياس وسلام: «أقِتَتْ» بالهمز والتخفيف؛ لأنها مكتوبة في المصحف بالألف» .
قوله تعالى: ﴿لأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾ . الجار متعلق ب «أجلت» وهذه الجملة معمولةٌ لقول مضمر، أي: يقال وهذا القول المضمرُ يجوز أن يكون جواباً ل «إذا» - كما تقدَّم - وأن يكون حالاً من مرفوع «أقتت» أي: مقولاً فيها لأيِّ يوم أجّلت أي: أخّرت، وهذا تعظيم لذلك اليوم، فهو استفهام على التعظيم، أي ليوم الفصل أجلت، كأنه تعالى قال: يعجب العباد من تعظيم ذلك اليوم، فيقال: لأي يوم أجلت الأمور المتعلقة بهذه الرسل، وهي تعذيب من كذبهم وتعظيم من آمن بهم وظهور ما كانوا يدعون الخلق إلى الإيمان به من الأهوال والعرض والحساب، ونشر الدواوين ووضع الموازين.
قوله: ﴿لِيَوْمِ الفصل﴾ بدل من «لأيِّ يومٍ» بإعادة العامل.
وقيل: بل يتعلق بفعل مقدر أي أجلت ليوم الفصل، وقيل: اللام بمعنى «إلى» ذكرها مكي.
فصل في المراد بيوم الفصل
اعلم أنه تعالى بين ذلك اليوم فقال: ﴿لِيَوْمِ الفصل﴾ ، قال ابن عباس: يوم فصل الرحمن بين الخلائق، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ يَوْمَ الفصل مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الدخان: 40] .
قوله: ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الفصل﴾ . أتبع التعظيم تعظيماً، أي: وما علمك بيوم الفصل وشدته ومهابته، ثم أتبعه بتهويل ثالث، وهو قوله: «ويْلٌ» مبتدأ، سوغ بالابتداء به كونه دعاء.
قال الزمخشري: «فإن قلت: كيف وقعت النكرة مبتدأ في قوله تعالى ﴿وَيْلٌ﴾ ؟ قلت: هو في أصله مصدر منصوب سادّ مسدَّ فعله، ولكنه عدل به إلى الرفع للدلالة على إثبات معنى الهلاك، ودوامه للمدعو عليهم، ونحوه ﴿سَلاَمٌ عَلَيْكُم﴾ [الرعد: 24] ، ويجوز» قِيلاً «بالنصب، ولكنه لم يقرأ به» .
قال شهاب الدين: «هذا الذي ذكره ليس من المسوّغات التي عدها النحويون وإنما المسوغ كونه دعاء وفائدة العدول إلى الرفع ما ذكره» .
و «يَوْمئذٍ» ظرف للويل.
وجوز أبو البقاء: أن يكون صفة للويلِ، وللمكذبين خبره.
فصل في تفسير الآية
قال القرطبي: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾ أي: عذاب وخِزْي لمن كذب بالله تعالى وبرسله، وعلى تقدير تكذيبهم؛ فإنَّ لكل مكذب بشيء سوى تكذيبه بشيء آخر، وربّ شيء كذب به وهو أعظم جرماً من تكذيبه بغيره؛ لأنه أقبح في تكذيبه، وأعظم في الرد على الله تعالى، فإنما يقسم له من الويل على قدر ذلك، وهو قوله: ﴿جَزَآءً وِفَاقاً﴾ [النبأ: 26] .
وقيل: كرره لمعنى تكرار التخويف والوعيد.
وروي عن النعمان بن بشير قال: «ويْلٌ» واد في جهنم فيه ألوان العذاب، قاله ابن عباس وغيره.
وروي عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أنه قال: «عُرِضتْ عليَّ جَهنَّمُ فَلمْ أرَ فيهَا وَادِياً أعْظمَ منَ الوَيْلِ» .
وروي أيضاً أنه مجمع ما يسيل من قيحِ أهل النار وصديدهم، وإنما يسيل الشيء فيما سفل من الأرض، وقد علم العباد في الدنيا أن شرّ المواضع في الدنيا ما استنقع فيها مياه الأدناس والأقذار والغسلات من الجيف وماء الحمَّامات، فذكر أن ذلك الوادي مستنقع صديد أهل النَّار والشرك ليعلم العاقل أنه لا شيء أقذرُ منه قذارةً، ولا أنتنُ منه نتناً.
قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نُهْلِكِ الأولين﴾ . العامة: على ضم حرف المضارعة، من «أهْلَكَ» رباعيًّا، وقتادة: بفتحه.
قال الزمخشري: من هلكه بمعنى «أهلكه» ؛ قال العجاج: [الرجز]
5056 - ومَهْمَهٍ هَالكُ مَنْ تَعرَّجَا ... ف «من» معمول الهالك، وهو من «هلك» ، إلاَّ أن بعض النَّاس جعل هذا دليلاً على إعمال الصِّفة المشبهة في الموصول، وجعلها من اللازم؛ لأن شرط الصفة المشبهة أن تكون من فعل لازم، فعلى هذا دليل فيه.
قوله: ﴿ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الآخرين﴾ .
العامة: على رفع العين استئنافاً أي: ثم نحن نتبعهم، كذا قدره أبو البقاء.
وقال: «وليس بمعطوف، لأن العطف يوجب أن يكون المعنى: أهلكنا الأولين، ثمَّ أتبعناهم الآخرين في الهلاك، وليس كذلك؛ لأن هلاك الآخرين لم يقع بعد» .
قال شهاب الدين: ولا حاجة في وجه الاستئناف إلى تقدير مبتدأ قبل الفعل، بل يجعل الفعل معطوفاً على مجموع الجملة من قوله: «ألَمْ نُهْلكِ» ، ويدل على هذا الاستئناف قراءة عبد الله: «ثم سَنُتْبِعهُم الآخرين» بسين التنفيس، وقرأ الأعرج والعباس عن أبي عمرو: بتسكينها، وفيها وجهان:
أحدهما: أنه تسكين للمرفوع، فهو مستأنف كالمرفوع لفظاً.
والثاني: أنه معطوف على مجزوم، والمعني بالآخرين حينئذ قوم شعيب ولوط وموسى، وبالأولين قوم نوح وعاد وثمود.
قال ابن الخطيب: وهذا القول ضعيف؛ لأن قوله تعالى: ﴿نُتْبِعُهُمُ﴾ مضارع، وهو للحال والاستقبال، ولا يتناول الماضي، وإنما المراد بالأولين: جميع الكفار الذين كانوا في عهد محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، وقوله: ﴿ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الآخرين﴾ على الاستئناف، أي: سنفعل ذلك، ونتبع الأول الآخر، ويدل على الاستئناف قراءة عبد الله في نتبعهم تدل على الاشتراك، وحينئذ يكون المراد به الماضي لا المستقبل.
قلنا: لو كان المراد هو الماضي لوقع التنافي بين القراءتين، وهو غير جائز، فعلمنا أن تسكين العين ليس للجزم، بل للتخفيف.
قوله: ﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ﴾ أي: مثل ذلك الفعل الشَّنيع نفعل بكل من أجرم.
فصل في المراد بالآية
المقصوُد من هذه الآية تخويف الكفار وتحذيرهم من الكفر، أخبر عن إهلاك الكفار من الأمم الماضين من لدُن آدم - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - إلى محمد - عليه أفضل الصلاة والسلام - ﴿ثُمَّ نُتْبِعهُمُ الآخرين﴾ أي: نُلحق الآخرين بالأولين، ﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بالمجرمين﴾ أي: مثل ما فعلنا بمن تقدم بمشركي قريش إما بالسيف وإما بالهلاك، ثم قال تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾ كأنه تعالى يقول: أما الدنيا: فحاصلهم الهلاك، وأما الآخرة فالعذاب الشديد، وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿خَسِرَ الدنيا والأخرة ذلك هُوَ الخسران المبين﴾ [الحج: 11] فإن قيل: المراد من قوله: ﴿أَلَمْ نُهْلِكِ الأولين﴾ وهو مطلق الإماتة، والإماتة بالعذاب فإن كان مطلق الإماتة لم يكن ذلك تخويفاً للكفار؛ لأن ذلك معلوم حاصل للمؤمن والكافر، فلا يكون تخويفاً للكفار، وإن كانت الإماتة بالعذاب فقوله تعالى: ﴿ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الآخرين﴾ ﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بالمجرمين﴾ يقتضي أن يكون فعل بكفَّار قريش مثل هذا، ومعلوم أن ذلك لم يوجد، وأيضاً فقد قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الله لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال: 33] .
فالجواب: قال ابن الخطيب: لم لا يجوز أن يكون المراد من الإهلاك معنى ثالث، وهو الإماتة للذمِّ واللَّعن، فكأنه قيل: أولئك المتقدمون لحرصهم على الدنيا عادوا الأنبياء وخاصموهم، ثم ماتوا ففاتتهم الدنيا، وبقي اللَّعْن عليهم في الدنيا والعقوبة في الاخرة دائماً سرمداً، فهكذا يكون حال الكفار الموجودين، وهذا من أعظم وجوه الزجر.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии