Ибн Атыйя · Тафсир · на арабском
Аль-Кахф 18:28–39
18:28–29Страница 297
وَٱصۡبِرۡ نَفۡسَكَ مَعَ ٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ رَبَّهُم بِٱلۡغَدَوٰةِ وَٱلۡعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجۡهَهُۥۖ وَلَا تَعۡدُ عَيۡنَاكَ عَنۡهُمۡ تُرِيدُ زِينَةَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ وَلَا تُطِعۡ مَنۡ أَغۡفَلۡنَا قَلۡبَهُۥ عَن ذِكۡرِنَا وَٱتَّبَعَ هَوَىٰهُ وَكَانَ أَمۡرُهُۥ فُرُطٗا ٢٨
Будь же терпелив вместе с теми, которые взывают к своему Господу по утрам и перед закатом и стремятся к Его Лику. Не отвращай от них своего взора, желая украшений этого мира, и не повинуйся тем, чьи сердца Мы сделали небрежными к Нашему поминанию, кто потакает своим желаниям и чьи дела окажутся тщетными.
وَقُلِ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّكُمۡۖ فَمَن شَآءَ فَلۡيُؤۡمِن وَمَن شَآءَ فَلۡيَكۡفُرۡۚ إِنَّآ أَعۡتَدۡنَا لِلظَّٰلِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمۡ سُرَادِقُهَاۚ وَإِن يَسۡتَغِيثُواْ يُغَاثُواْ بِمَآءٖ كَٱلۡمُهۡلِ يَشۡوِي ٱلۡوُجُوهَۚ بِئۡسَ ٱلشَّرَابُ وَسَآءَتۡ مُرۡتَفَقًا ٢٩
Скажи: «Истина - от вашего Господа. Кто хочет, пусть верует, а кто не хочет, пусть не верует». Мы приготовили для беззаконников Огонь, стены которого будут окружать их со всех сторон. Если они станут просить о помощи (или дожде), то им помогут водой, подобной расплавленному металлу (или осадку масла), которая обжигает лицо. Мерзкий напиток и скверная обитель!
قوله عزّ وجلّ:
﴿واصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهم بِالغَداةِ والعَشِيِّ يُرِيدُونَ وجْهَهُ ولا تَعْدُ عَيْناكَ عنهم تُرِيدُ زِينَةَ الحَياةِ الدُنْيا ولا تُطِعْ مَن أغْفَلْنا قَلْبَهُ عن ذِكْرِنا واتَّبَعَ هَواهُ وكانَ أمْرُهُ فُرُطًا﴾ ﴿وَقُلِ الحَقُّ مِن رَبِّكم فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شاءَ فَلْيَكْفُرْ إنّا أعْتَدْنا لِلظّالِمِينَ نارًا أحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها وإنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كالمُهْلِ يَشْوِي الوُجُوهَ بِئْسَ الشَرابُ وساءَتْ مُرْتَفَقًا﴾
سَبَبُ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ عُظَماءَ الكُفّارِ قِيلَ: مِن أهْلِ مَكَّةَ، وقِيلَ عَيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ وأصْحابُهُ، والأوَّلُ أصْوَبُ لِأنَّ السُورَةَ مَكِّيَّةٌ، قالُوا لِرَسُولِ اللهِ ﷺ: لَوْ أبْعَدْتَ هَؤُلاءِ عن نَفْسِكَ لَجالَسْناكَ وصَحِبْناكَ، يُرِيدُونَ: عَمّارَ بْنَ ياسِرٍ، وصُهَيْبَ بْنَ سِنانٍ، وسَلْمانَ الفارِسِيَّ، وعَبْدَ اللهِ بْنَ مَسْعُودٍ، وغَيْرَهم مِنَ الفُقَراءِ كَبِلالٍ ونَحْوِهِ، وقالُوا: إنَّ رِيحَ جِبابِهِمْ تُؤْذِينا، فَنَزَلَتِ الآيَةُ بِسَبَبِ ذَلِكَ، ورُوِيَ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ خَرَجَ إلَيْهِمْ، وجَلَسَ بَيْنَهم وقالَ: « "الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ مِن أُمَّتِي مَن أُمِرْتُ أنْ أصْبِرَ نَفْسِي مَعَهُ"،» (p-٥٩٧)وَرُوِيَ أنَّهُ قالَ لَهُمْ: « "مَرْحَبًا بِالَّذِينِ عاتَبَنِي فِيهِمْ رَبِّي"،» ورَوى سَلْمانُ أنَّ المُؤَلَّفَةَ قُلُوبَهُمْ، عُيَيْنَةَ بْنَ حِصْنٍ، والأقْرَعَ، وذَوِيهِمْ قالُوا ما ذُكِرَ فَنَزَلَتِ الآيَةُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
فالآيَةُ -عَلى هَذا- مَدَنِيَّةٌ، ويُشَبَّهُ أنْ تَكُونَ الآيَةُ مَكِّيَّةً، وفَعَلَ المُؤَلَّفَةُ فِعْلَ قُرَيْشٍ فَرَدَّ عَلَيْهِمْ بِالآيَةِ.
و"اصْبِرْ" مَعْناهُ: احْبِسْ، ومِنهُ المَصْبُورَةُ الَّتِي جاءَ فِيها الحَدِيثُ « "نَهى رَسُولُ اللهِ ﷺ عن صَبْرِ الحَيَوانِ"،» أيْ: حَبْسِهِ لِلرَّمْيِ ونَحْوِهِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ "بِالغَداةِ"، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما "بِالغَدْوَةِ"، وهي قِراءَةُ نَصْرِ بْنِ عاصِمٍ، ومالِكِ بْنِ دِينارٍ، وأبِي عَبْدِ الرَحْمَنِ، والحَسَنِ، وهي في الخَطِّ عَلى القِراءَتَيْنِ بِالواوِ، فَمَن يَقْرَأْها "بِالغَداةِ" فَيَكْتُبُها كَما تُكْتَبُ "الصَلاةُ والزِكْوَةُ"، وفي قِراءَةِ مَن قَرَأ: "بِالغَدْوَةِ" ضَعْفٌ؛ لِأنَّ "غَدْوَةَ" اسْمٌ مُعَرَّفٌ فَحَقُّهُ ألّا تُدْخِلَ عَلَيْهِ الألِفَ واللامَ، ووَجْهُ القِراءَةِ بِذَلِكَ أنَّهم ألْحَقُوها ضَرْبًا مِنَ التَنْكِيرِ؛ إذْ قالُوا: "جِئْتُ غَدْوَةً"، يُرِيدُونَ: مِنَ الغَدَواتِ، فَحَسُنَ دُخُولُ الألِفِ واللامِ، كَقَوْلِهِمُ: الفَيْنَةُ، وفَيْنَةُ اسْمٌ مُعَرَّفٌ. (p-٥٩٨)والإشارَةُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَدْعُونَ رَبَّهم بِالغَداةِ والعَشِيِّ﴾ إلى الصَلَواتِ الخَمْسِ، قالَهُ ابْنُ عُمَرَ، ومُجاهِدٌ، وإبْراهِيمُ. وقالَ قَتادَةُ: المُرادُ صَلاةُ الفَجْرِ وصَلاةُ العَصْرِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ويَدْخُلُ في الآيَةِ مَن يَدْعُو في غَيْرِ صَلاةٍ، ومَن يَجْتَمِعُ لِمُذاكَرَةِ عِلْمٍ. وقَدْ رَوى عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ، عَنِ النَبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "لَذِكْرُ اللهِ بِالغَداةِ والعَشِيِّ أفْضَلُ مِن حَطْمِ السُيُوفِ في سَبِيلِ اللهِ، ومِن إعْطاءِ المالِ سَحًّا".»
وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ: "بِالغُدُوِّ" دُونَ هاءٍ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "بِالغَدَواتِ والعَشِيّاتِ" عَلى الجَمْعِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عنهُمْ﴾، أيْ: لا تَتَجاوَزْ عنهم إلى أبْناءِ الدُنْيا والمَلابِسِ مِنَ الكُفّارِ. وقَرَأ الحَسَنُ: "وَلا تُعَدِّ" بِضَمِّ التاءِ وفَتْحِ العَيْنِ وشَدِّ الدالِّ المَكْسُورَةِ، أيْ: لا تُجاوِزْها أنْتَ عنهُمْ، ورُوِيَ عنهُ: "وَلا تُعْدِ" بِضَمِّ التاءِ وسُكُونِ العَيْنِ، وقَوْلُهُ: ﴿مَن أغْفَلْنا﴾، قِيلَ: إنَّهُ أرادَ بِذَلِكَ مُعَيَّنًا وهو عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ، والأقْرَعُ، قالَهُ خِبابٌ، وقِيلَ: إنَّما أرادَ مِن هَذِهِ صَفَّتْهُ، وإنَّما المُرادُ أوَّلًا كُفّارُ قُرَيْشٍ لِأنَّ الآيَةَ مَكِّيَّةٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "أغْفَلْنا قَلْبَهُ" بِنَصْبَ الباءِ، عَلى مَعْنى: جَعَلْناهُ غافِلًا، وقَرَأ عَمْرُو بْنُ فائِدٍ، ومُوسى الأسْوارِيُّ: "أغْفَلَنا قَلْبُهُ"، عَلى مَعْنى: أهْمَلَ ذِكْرَنا وتَرَكَهُ، قالَ ابْنُ جِنِّيٍّ المَعْنى: مَن ظَنَّنا غافِلِينَ عنهُ، وذَكَرَ أبُو عَمْرٍو الدانِي: إنَّها قِراءَةُ عَمْرِو بْنِ عَبِيدٍ.
و"الفَرْطُ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى التَفْرِيطِ والتَضْيِيعِ، أيْ أمْرُهُ الَّذِي يَجِبُ أنْ يَلْتَزِمَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى الإفْراطِ والإسْرافِ، أيْ أمْرُهُ وهَواهُ الَّذِي هو بِسَبِيلِهِ، وقَدْ فَسَّرَ المُتَأوِّلُونَ بِالعِبارَتَيْنِ، أعْنِي التَضْيِيعَ والإسْرافَ، وعَبَّرَ عنهُ خِبابٌ بِالهَلاكِ، وداوُدُ بِالنَدامَةِ، وابْنُ زَيْدٍ بِالخِلافِ لِلْحَقِّ، وهَذا كُلُّهُ تَفْسِيرٌ بِالمَعْنى.
(p-٥٩٩)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقُلِ الحَقُّ مِن رَبِّكُمْ﴾ الآيَةَ. المَعْنى: وقُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ: هَذا الحَقُّ مِن رَبِّكُمْ، أيْ: هَذا القُرْآنُ، أو هَذا الإعْراضُ عنكُمْ، وتَرْكُ الطاعَةِ لَكُمْ، وصَبْرُ النَفْسِ مَعَ المُؤْمِنِينَ. وقَرَأ قُعْنُبٌ وأبُو السَمّالِ: "وَقُلَ" بِفَتْحِ اللامِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: وذَلِكَ رَدِيءٌ في العَرَبِيَّةِ. وقَوْلُهُ: ﴿فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن﴾ الآيَةُ، تَوَعُّدٌ وتَهْدِيدٌ، أيْ: فَلْيَخْتَرْ كُلُّ امْرِئٍ لِنَفْسِهِ ما يَجِدُهُ غَدًا عِنْدَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ. وتَأوَّلَتْ فِرْقَةٌ: فَمَن شاءَ اللهُ إيمانَهُ فَلْيُؤْمِن ومَن شاءَ اللهُ كُفْرَهُ فَلْيَكْفُرْ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا مُتَوَجِّهٌ، أيْ: فَحَقُّهُ الإيمانُ وحَقُّهُ الكُفْرُ، ثُمَّ عَبَّرَ عن ذَلِكَ بِلَفْظِ الأمْرِ إلْزامًا وتَحْرِيضًا مِن حَيْثُ لِلْإنْسانِ - في ذَلِكَ - التَكَسُّبُ الَّذِي بِهِ يَتَعَلَّقُ ثَوابُ الإيمانِ وعِقابُ الكُفْرِ. وقَرَأ الحَسَنُ، وعِيسى الثَقَفِيُّ: "فَلِيُؤْمِن.. ولِيَكْفُرْ" بِكَسْرِ اللامَيْنِ.
و"أعْتَدْنا" مَأْخُوذٌ مِنَ العَتادِ، وهو الشَيْءُ المُعَدُّ الحاضِرُ.
و"السُرادِقُ" هو الجِدارُ المُحِيطُ كالحِجارَةِ الَّتِي تَدُورُ وتُحِيطُ الفُسْطاطَ، وقَدْ تَكُونُ مِن نَوْعِ الفُسْطاطِ أدِيمًا أو ثَوْبًا أو نَحْوَهُ، ومِنهُ قَوْلُ رُؤْبَةَ:
؎ يا حَكَمَ بْنَ المُنْذِرِ بْنِ الجارُودِ ∗∗∗ سُرادِقُ المَجْدِ عَلَيْكَ مَمْدُودُ
(p-٦٠٠)وَمِنهُ قَوْلُ سَلامَةَ بْنِ جَنْدَلٍ:
؎ هو المُولِجُ النُعْمانَ بَيْتًا سَماؤُهُ ∗∗∗ ∗∗∗ صُدُورُ الفُيُولِ بَعْدَ بَيْتٍ مُسَرْدَقٍ
وقالَ الزَجاجُ: "السُرادِقُ": كُلُّ ما أحاطَ بِالشَيْءٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا عِنْدِي أخَصُّ مِمّا قالَ الزَجاجُ.
واخْتُلِفَ في سُرادِقِ النارِ - فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: سُرادِقُها حائِطٌ مِن نارٍ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: سُرادِقُها دُخّانٌ يُحِيطُ بِالكُفّارِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿انْطَلِقُوا إلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ﴾ [المرسلات: ٣٠]. وقالَتْ فِرْقَةٌ: الإحاطَةُ هي في الدُنْيا، والسُرادِقُ: البَحْرُ، ورُوِيَ هَذا المَعْنى مِن طَرِيقِ يَعْلى بْنِ أُمَيَّةَ عَنِ النَبِيِّ ﷺ، فَيَجِيءُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أحاطَ بِهِمْ﴾، أيْ: بِالبَشَرِ، ذَكَرَ الطَبَرِيُّ الحَدِيثَ عن يَعْلى، قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: « "البَحْرُ هُو جَهَنَّمُ"،» وتَلا هَذِهِ الآيَةَ، ثُمَّ قالَ: « "واللهِ لا أدْخُلُهُ أبَدًا، أو ما دُمْتُ حَيًّا"،» ورُوِيَ عنهُ أيْضًا عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ مِن طَرِيقِ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ أنَّهُ قالَ: « "لِسُرادِقِ النارِ أرْبَعَةُ جُدُرٍ كُثُفٍ، عَرْضُ كُلِّ جَدارٍ مَسِيرَةُ أرْبَعِينَ سَنَةً".»
وقَوْلُهُ تَعالى: "يُغاثُوا" أيْ يَكُونُ لَهم مَقامُ الغَوْثِ، وهَذا نَحْوَ قَوْلِ الشاعِرِ:(p-٦٠١)
؎ تَحِيَّةُ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وجِيعُ
أيِ: القائِمُ مَقامَ التَحِيَّةِ.
و"المُهْلُ"، قالَ أبُو سَعِيدٍ عَنِ النَبِيِّ صَلى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: هو دُرْدِيُّ الزَيْتِ إذا انْتَهى حَرُّهُ، وقالَتْ فَرِقَّةٌ: هو كُلُّ مائِعٍ سُخِّنَ حَتّى انْتَهى حَرُّهُ، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وغَيْرُهُ: كُلُّ ما أُذِيبَ مِن ذَهَبٍ أو فِضَّةٍ أو رَصاصٍ أو نَحْوَ هَذا مِنَ الفِلِزِّ حَتّى تَمَيَّعَ، ورُوِيَ أنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ مَسْعُودٍ أُهْدِيَتْ إلَيْهِ سِقايَةٌ مِن ذَهَبٍ أو فِضَّةٍ فَأمَرَ بِها فَأُذِيبَتْ حَتّى تَمَيَّعَتْ وتَلَوَّنَتْ ألْوانًا، ثُمَّ دَعا مَن بِبابِهِ مِن أهْلِ الكُوفَةِ فَقالَ: ما رَأيْتُ في الدُنْيا شَيْئًا أدْنى شَبَهًا بِالمَهْلِ مِن هَذا، يُرِيدُ: أدْنى شَبَهًا بِشَرابِ أهْلِ النارِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: "المُهْلُ": الصَدِيدُ والدَمُ إذا اخْتَلَطا، ومِنهُ قَوْلُ أبِي بَكْرٍ الصَدِيقِ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنهُ في الكَفَنِ: "إنَّما هو لِلْمُهْلَةِ"، يُرِيدُ: لِما يَسِيلُ مِنَ المَيِّتِ في قَبْرِهِ، ويَقْوى هَذا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن ماءٍ صَدِيدٍ﴾ [إبراهيم: ١٦] الآيَةُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَشْوِي الوُجُوهَ﴾ رُوِيَ في مَعْناهُ عَنِ النَبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "تُقَرَّبُ الشَرْبَةُ مِنَ الكافِرِ، فَإذا دَنَتْ مِنهُ تَكَرَّهَها، فَإذا دَنَتْ أكْثَرَ شَوَتْ وجْهَهُ وسَقَطَتْ فِيها فَرْوَةَ وجْهِهِ، وإذا شَرَبَ تَقَطَّعَتْ أمْعاؤُهُ".» و"المُرْتَفَقُ": الشَيْءُ الَّذِي يُرْتَفَقُ بِهِ، (p-٦٠٢)أيْ يَطْلُبُ رِفْقَهُ، و"المُرْتَفَقُ" الَّذِي هو المُتَّكَأُ أخَصُّ مِن هَذا الَّذِي في الآيَةِ؛ لِأنَّهُ في شَيْءٍ واحِدٍ مِن مَعْنى الرِفْقِ، عَلى أنَّ الطَبَرِيَّ قَدْ فَسَّرَ الآيَةَ بِهِ، والأظْهَرُ عِنْدِي أنْ يَكُونَ "المُرْتَفَقُ" بِمَعْنى الشَيْءِ الَّذِي يُطْلَبُ رَفْقِهِ بِاتِّكاءٍ وغَيْرِهِ. وقالَ مُجاهِدٌ: "المُرْتَفَقُ": المُجْتَمَعُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
كَأنَّهُ ذَهَبَ بِها إلى مَوْضِعِ الرَفاقَةِ، ومِنهُ الرُفْقَةُ، وهَذا كُلُّهُ راجِعٌ إلى الرِفْقِ، وأنْكَرَ الطَبَرِيُّ أنْ يَعْرِفَ لِقَوْلِ مُجاهِدٍ مَعْنًى، والقَوْلُ بَيِّنُ الوَجْهِ، واللهُ المُعِينُ.
18:30–31Страница 297
إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجۡرَ مَنۡ أَحۡسَنَ عَمَلًا ٣٠
А что до тех, которые уверовали и совершали праведные деяния, то ведь Мы не теряем награды тех, кто совершал добро.
أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ جَنَّٰتُ عَدۡنٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهِمُ ٱلۡأَنۡهَٰرُ يُحَلَّوۡنَ فِيهَا مِنۡ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٖ وَيَلۡبَسُونَ ثِيَابًا خُضۡرٗا مِّن سُندُسٖ وَإِسۡتَبۡرَقٖ مُّتَّكِـِٔينَ فِيهَا عَلَى ٱلۡأَرَآئِكِۚ نِعۡمَ ٱلثَّوَابُ وَحَسُنَتۡ مُرۡتَفَقٗا ٣١
Именно им уготованы сады Эдема, в которых текут реки. Они будут украшены золотыми браслетами и облачены в зеленые одеяния из атласа и парчи. Они будут возлежать там на ложах, прислонившись. Замечательное вознаграждение и прекрасная обитель!
قوله عزّ وجلّ:
﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ إنّا لا نُضِيعُ أجْرَ مَن أحْسَنَ عَمَلا﴾ ﴿أُولَئِكَ لَهم جَنّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنْهارُ يُحَلَّوْنَ فِيها مِن أساوِرَ مِن ذَهَبٍ ويَلْبَسُونَ ثِيابًا خُضْرًا مِن سُنْدُسٍ وإسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيها عَلى الأرائِكِ نِعْمَ الثَوابُ وحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا﴾
قوله عزّ وجلّ: ﴿إنّا لا نُضِيعُ أجْرَ مَن أحْسَنَ عَمَلا﴾ اعْتِراضٌ مُؤَكِّدٌ لِلْمَعْنى، مُذَكِّرٌ بِأفْضالِ اللهِ تَعالى، مُنَبِّهٌ عَلى حُسْنِ جَزائِهِ، بَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ لَهم جَنّاتُ﴾، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ لَهم جَنّاتُ عَدْنٍ﴾ ابْتِداءٌ وخَبَرٌ، جُمْلَةٌ هي خَبَرُ "إنَّ" الأُولى، ونَحْوَ هَذا مِنَ الِاعْتِراضِ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ إنَّ الخَلِيفَةَ -إنَّ اللهَ ألْبَسَهُ ∗∗∗ سِرْبالَ مُلْكٍ -بِهِ تُرْجى الخَواتِيمُ
(p-٦٠٣)قالَ الزَجاجُ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرُ "إنَّ" في قَوْلِهِ: ﴿إنّا لا نُضِيعُ أجْرَ مَن أحْسَنَ عَمَلا﴾ ؛ لِأنَّ المُحْسِنِينَ هُمُ المُؤْمِنُونَ، فَكَأنَّ المَعْنى: لا نُضِيعُ أجْرَهم.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ومَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ أنَّ الخَبَرَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا نُضِيعُ﴾ عَلى حَذْفِ العائِدِ، تَقْدِيرُهُ: مَن أحْسَنَ عَمَلًا مِنهم.
و"العَدْنُ": الإقامَةُ، ومِنهُ المَعْدِنُ؛ لِأنَّ حَجَرَهُ مُقِيمٌ فِيهِ ثابِتٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن تَحْتِهِمُ﴾ يُرِيدُ: مِن تَحْتِ غُرَفِهِمْ ومَبانِيهِمْ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "مِن أساوِرَ"، ورَوى أبانَ عن عاصِمٍ: "مِن أسْوِرَةٍ" بِغَيْرِ ألْفٍ وبِزِيادَةِ هاءٍ، وواحِدَهُ الأساوِرِ: إسْوارٌ وحُذِفَتِ الياءُ مِنَ الجَمْعِ؛ لِأنَّ البابَ: أساوِيرُ، وهي ما كانَ في الذِراعِ مِنَ الحُلِيِّ، وقِيلَ: أساوِرُ جَمْعُ أسْوِرَةٍ، وأسْوِرَةٌ جَمْعُ سِوارِ، وإنَّما الإسْوارُ بِالفارِسِيَّةِ القائِدُ ونَحْوَهُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ويُقالُ في حُلِيِّ الذِراعِ: إسْوارٌ، ذَكَرَهُ أبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ واللهِ لَوْلا فِتْيَةٌ صِغارُ ∗∗∗ ∗∗∗ كَأنَّما وجُوهُهم أقْمارُ
؎ تَضُمُّهم مِنَ العَتِيكِ دارُ ∗∗∗ ∗∗∗ أخافُ أنْ يُصِيبَهم إقْتارُ
؎ أو لاطِمٌ لَيْسَ لَهُ إسْوارُ ∗∗∗ ∗∗∗ لِما رَآنِي مَلِكٌ جَبّارُ
بِبابِهِ ما وضَحَ النَهارُ
(p-٦٠٤)أنْشَدَهُ أبُو بَكْرِ بْنُ الأنْبارِيِّ حاشِيَةً في كِتابٍ أبِي عُبَيْدَةَ.
و"السُنْدُسُ": رَقِيقُ الدِيباجِ، و"الإسْتَبْرَقُ": ما غَلُظَ مِنهُ، وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: هي لَفْظَةٌ أعْجَمِيَّةٌ عُرِّبَتْ، وأصْلُها: اسْتَبَرَهُ، وقالَ بَعْضُهم بَلْ هو الفِعْلُ العَرَبِيُّ سُمِّيَ بِهِ، فَهو إسْتَبْرَقٌ، مِنَ البَرِيقِ، فَغُيِّرَ حِينِ سُمِّيَ بِهِ بِقَطْعِ الألْفِ، ويُقَوِّي هَذا القَوْلَ أنَّ ابْنَ مُحَيْصِنٍ قَرَأ: "مِن سُنْدُسٍ وإسْتَبْرَقٍ"، فَجاءَ مَوْصُولُ الهَمْزَةِ حَيْثُ وقَعَ، ولا يَجُرُّهُ بَلْ بِفَتْحِ القافِ، ذَكَرَهُ الأسْوارِيُّ، وذَكَرَهُ أبُو الفَتْحِ وقالَ: هَذا سَهْوٌ أو كالسَهْوِ.
و"الأرائِكِ": جَمْعُ أرِيكَةٍ، وهو السَرِيرُ في الحِجالِ، والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "وَحَسُنَتْ" لِلْجَنّاتِ، وحَكى النَقاشُ عن أبِي عُمْرانَ الجَوْنِي أنَّهُ قالَ: الإسْتَبْرَقُ: الحَرِيرُ المَنسُوجُ بِالذَهَبِ، وحَكى مَكِّيُّ والزَهْراوِيُّ وغَيْرُهُما حَدِيثًا مُضَمَّنُهُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ﴾ الآيَةُ نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ، وعُمَرَ، وعُثْمانَ، وعَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنهُمْ، سَألَ أعْرابِيٌّ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنِ الآيَةِ، فَقالَ النَبِيُّ ﷺ لِلْأعْرابِيِّ: "أعْلِمْ قَوْمَكَ أنَّها نَزَلَتْ في هَؤُلاءِ الأرْبَعَةِ" وهم حُضُورٌ.
18:32–34Страница 297
۞ وَٱضۡرِبۡ لَهُم مَّثَلٗا رَّجُلَيۡنِ جَعَلۡنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيۡنِ مِنۡ أَعۡنَٰبٖ وَحَفَفۡنَٰهُمَا بِنَخۡلٖ وَجَعَلۡنَا بَيۡنَهُمَا زَرۡعٗا ٣٢
Приведи им притчу о двух мужах. Одному из них Мы устроили два виноградника, оградили их финиковыми пальмами и поместили между ними ниву.
كِلۡتَا ٱلۡجَنَّتَيۡنِ ءَاتَتۡ أُكُلَهَا وَلَمۡ تَظۡلِم مِّنۡهُ شَيۡـٔٗاۚ وَفَجَّرۡنَا خِلَٰلَهُمَا نَهَرٗا ٣٣
Оба сада приносили плоды, и ничто из них не пропадало, а между ними Мы проложили реку.
وَكَانَ لَهُۥ ثَمَرٞ فَقَالَ لِصَٰحِبِهِۦ وَهُوَ يُحَاوِرُهُۥٓ أَنَا۠ أَكۡثَرُ مِنكَ مَالٗا وَأَعَزُّ نَفَرٗا ٣٤
У него были плоды (или богатство), и он сказал своему товарищу, беседуя с ним: «У меня больше имущества и помощников, чем у тебя».
قوله عزّ وجلّ:
﴿واضْرِبْ لَهم مَثَلا رَجُلَيْنِ جَعَلْنا لأحَدِهِما جَنَّتَيْنِ مِن أعْنابٍ وحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ وجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعًا﴾ ﴿كِلْتا الجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها ولَمْ تَظْلِمْ مِنهُ شَيْئًا وفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَرًا﴾ ﴿وَكانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقالَ لِصاحِبِهِ وهو يُحاوِرُهُ أنا أكْثَرُ مِنكَ مالا وأعَزُّ نَفَرًا﴾
الضَمِيرُ في "لَهُمْ" عائِدٌ عَلى الطائِفَةِ المُتَحَيِّرَةِ الَّتِي أرادَتْ مِنَ النَبِيِّ ﷺ أنْ يَطْرُدَ فُقَراءَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهم بِالغَداةِ والعَشِيِّ، وعَلى أُولَئِكَ الداعِينَ أيْضًا، فالمَثَلُ مَضْرُوبٌ لِلطّائِفَتَيْنِ؛ إذِ الرَجُلُ الكافِرُ صاحِبُ الجَنَّتَيْنِ هو بِإزاءِ مُتَجَبِّرِي قُرَيْشٍ، أو بَنِي تَمِيمٍ، عَلى الخِلافِ المَذْكُورِ أوَّلًا، والرَجُلُ المُؤْمِنُ المُقِرُّ بِالرُبُوبِيَّةِ هو بِإزاءِ بِلالٍ وعَمّارٍ وصُهَيْبٍ وأقْرانِهِمْ.
(p-٦٠٥)وَ"حَفَفْناهُما" بِمَعْنى: جَعَلْنا ذَلِكَ لَها مِن كُلِّ جِهَةٍ، تَقُولُ: حَفَّكَ اللهُ بِخَيْرٍ، أيْ: عَمَّكَ بِهِ مِن جِهاتِكَ، والحِفافُ: الجانِبُ مِنَ السَرِيرِ ونَحْوَهُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وظاهِرُ هَذا المَثَلِ أنَّهُ بِأمْرٍ وقَعَ وكانَ مَوْجُودًا، وعَلى هَذا فَسَّرَهُ أكْثَرُ أهْلِ هَذا التَأْوِيلِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَثَلُ مَضْرُوبًا بِمَن هَذِهِ صِفَتُهُ وإنْ لَمْ يَقَعْ ذَلِكَ في وُجُودٍ قَطُّ. والأوَّلُ أظْهَرُ.
ورُوِيَ في ذَلِكَ أنَّهُما كانا أخَوَيْنِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ ورِثا أرْبَعَةَ آلافِ دِينارٍ، فَصَنَعَ أحَدُهُما بِمالِهِ ما ذَكَرَ، واشْتَرى عَبِيدًا وتَزَوَّجَ وأثْرى، وأنْفَقَ الآخَرُ مالَهُ في طاعَةِ اللهِ تَعالى حَتّى افْتَقَرَ، والتَقَيا فَفَخَرَ الغَنِيُّ ووَبَّخَ المُؤْمِنَ، فَجَرَتْ بَيْنَهُما هَذِهِ المُحاوَرَةُ، ورُوِيَ أنَّهُما كانا شَرِيكَيْنِ حَدّادَيْنِ كَسَبا مالًا كَثِيرًا وصَنَعا نَحْوَ ما رُوِيَ في أمْرِ الأخَوَيْنِ، فَكانَ مِن أمْرِهِما ما قَصَّ اللهُ في كِتابِهِ. وذَكَرَ إبْراهِيمُ بْنُ القاسِمِ الكاتِبِ في كِتابِهِ (فِي عَجائِبِ البِلادِ) أنَّ بُحَيْرَةَ تِنِّيسٍ كانَتْ ما بَيْنَ الجَنَّتَيْنِ، وكانَتْ لِلْأخَوَيْنِ، فَباعَ أحَدُهُما نَصِيبَهُ مِنَ الآخَرِ، وأنْفَقَ في طاعَةِ اللهِ حَتّى عِيَّرَهُ الآخَرُ، فَجَرَتْ بَيْنَهُما هَذِهِ المُحاوَرَةُ، قالَ: فَغَرَّقَها اللهُ في لَيْلَةٍ، وإيّاها عَنّى بِهَذِهِ الآيَةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وفِي بَسْطِ قِصَصِهِما طُولٌ فاخْتَصَرْتُهُ واقْتَصَرَتْ عَلى مَعْناهُ لِقِلَّةِ صِحَّتِهِ، ولِأنَّ في هَذا ما يَفِي بِفَهْمِ الآيَةِ.
وتَأمَّلْ هَذِهِ الهَيْئَةَ الَّتِي ذَكَرَ اللهُ تَعالى، فَإنَّ المَرْءَ لا يَكادُ يَتَخَيَّلُ أجْمَلَ مِنها في مَكاسِبِ الناسِ: جَنَّتا عِنَبٍ أحاطَ بِهِما نَخْلٌ بَيْنَهُما فُسْحَةٌ هي مُزْدَرَعٌ لِجَمِيعِ الحُبُوبِ، والماءُ الغَيْلُ يُسْقِي جَمِيعَ ذَلِكَ مِنَ النَهْرِ الَّذِي قَدْ جَمَّلَ هَذا المَنظَرَ، وعَظَّمَ النَفْعَ، وقَرَّبَ الكَدَّ، وأغْنى عَنِ النَواضِحِ وغَيْرِها.
(p-٦٠٦)وَقَرَأ الجُمْهُورُ: "كِلْتا"، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ: "كِلا"، والتاءُ في "كِلْتا" مُنْقَلِبَةٌ عن واوٍ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ، وهو بِالتاءِ أو بِغَيْرِ التاءِ اسْمٌ مُفْرَدٌ واقِعٌ عَلى الشَيْءِ المُثَنّى، ولَيْسَ باسِمٍ مُثَنّى، ومَعْناهُ: كُلُّ واحِدَةٍ مِنهُما، و"الأُكُلُ": ثَمَرُها الَّذِي يُؤْكَلُ مِنها، قالَ الفَرّاءُ: وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "كُلُّ الجَنَّتَيْنِ أتى أُكُلَهُ". وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَمْ تَظْلِمْ مِنهُ شَيْئًا﴾، أيْ: لَمْ تَنْقُصْ عَنِ العُرْفِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ تَظَلَّمَنِي مالِي كَذا ولَوى يَدِي ∗∗∗ لَوى يَدَهُ اللهُ الَّذِي هو غالِبُ
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَفَجَّرْنا" بِشَدِّ الجِيمِ، وقَرَأ سَلّامٌ، ويَعْقُوبٌ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ: "وَفَجَرْنا" بِفَتْحِ الجِيمِ دُونَ شَدٍّ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "نَهْرًا" بِفَتْحِ الهاءِ. وقَرَأ أبُو السَمّالِ، والفَيّاضُ بْنُ غَزَوانِ، وطَلْحَةُ بْنُ سُلَيْمانَ: "نَهْرًا" بِسُكُونِ الهاءِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وجَماعَةُ قُرّاءِ المَدِينَةِ ومَكَّةَ: "ثُمُرٌ" "وَأُحِيطَ بِثُمُرِهِ" بِضَمِّ الثاءِ والمِيمِ، جَمْعُ ثِمارٍ. وقَرَأ أبُو عَمْرُو، والأعْمَشُ، وأبُو رَجاءٍ بِسُكُونِ المِيمِ فِيهِما تَخْفِيفًا، وهي في المَعْنى كالأُولى، ويَتَّجِهُ أنْ يَكُونَ جَمَعُ ثَمَرَةٍ كَبَدَنَةٍ وبُدْنِ، وقَرَأ عاصِمٌ "ثَمَرٌ" "وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ" بِفَتْحِ المِيمِ والثاءِ فِيهِما، وهي قِراءَةُ أبِي جَعْفَرٍ، والحَسَنِ، وجابِرِ بْنِ زَيْدٍ، والحَجّاجِ.
واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في "الثُمُرِ" بِضَمِّ الثاءِ والمِيمِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ: "الثُمُرُ": (p-٦٠٧)جَمِيعُ المالِ مِنَ الذَهَبِ والفِضَّةِ وغَيْرِ ذَلِكَ، ويَسْتَشْهِدُونَ لِهَذا القَوْلِ بِبَيْتِ النابِغَةِ:
؎ وما أُثَمِّرُ مَن مالٍ ومِن ولَدِ
وقالَ مُجاهِدٌ: يُرادُ بِها الذَهَبُ والفِضَّةُ خاصَّةً، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: "الثُمُرُ" هي الأُصُولُ الَّتِي فِيها الثَمَرُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
كَأنَّها ثِمارٌ وثُمُرٌ، كَكُتّابٍ وكُتُبٍ. وأمّا مَن قَرَأ بِفَتْحِ الثاءِ والمِيمِ فَلا إشْكالٍ في أنَّ المَعْنى ما في رُؤُوسِ الشَجَرِ مِنَ الأكْلِ، ولَكِنَّ فَصاحَةَ الكَلامِ تَقْتَضِي أنْ يُعَبِّرَ إيجازًا عن هَلاكِ الثَمَرِ والأُصُولُ بِهَلاكِ الثَمَرِ فَقَطْ، خَصَّها بِالذِكْرِ إذْ هي مَقْصَدُ المُسْتَغِلِّ، وإذْ هَلاكُ الأُصُولِ إنَّما يَسُوءُ مِنهُ هَلاكُ الثَمَرِ الَّذِي كانَ يُرْجى في المُسْتَقْبَلِ، وكَما يَقْتَضِي قَوْلُهُ "إنَّ لَهُ ثَمَرًا"، أنَّ لَهُ أُصُولًا، كَذَلِكَ تَقْتَضِي الإحاطَةُ المُطْلَقَةُ بِالثَمَراتِ والأُصُولُ قَدْ هَلَكَتْ. وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ: "وَآتَيْناهُ ثَمَرًا كَثِيرًا". وقَرَأ أبُو رَجاءٍ "وَكانَ لَهُ ثَمَرٌ" بِفَتْحِ الثاءِ وسُكُونِ المِيمِ. و"المُحاوَرَةُ": مُراجَعَةُ القَوْلِ، وهو مِن: حارَ يَحُورُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
واسْتَدَلَّ بَعْضُ الناسِ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وَأعَزُّ نَفَرًا﴾ عَلى أنَّهُ لَمْ يَكُنْ أخاهُ. وقالَ المُناقِضُ: أرادَ بِالنَفَرِ العَبِيدَ والخَوَلَ؛ إذْ هُمُ الَّذِينَ يَنْفِرُونَ في رَغائِبِهِ، وفي هَذا الكَلامِ مِنَ الكِبْرِ والزَهْوِ والِاغْتِرارِ ما بَيانُهُ يُغْنِي عَنِ القَوْلِ فِيهِ. وهَذِهِ المَقالَةُ بِإزاءِ قَوْلِ عُيَيْنَةَ والأقْرَعِ لِلنَّبِيِّ ﷺ: نَحْنُ ساداتُ العَرَبِ، وأهْلُ الوَبَرِ والمَدَرِ، فَنَحِّ عَنّا سَلْمانَ وقُرَناءَهُ.
18:35–39Страница 298
وَدَخَلَ جَنَّتَهُۥ وَهُوَ ظَالِمٞ لِّنَفۡسِهِۦ قَالَ مَآ أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَٰذِهِۦٓ أَبَدٗا ٣٥
Он вошел в свой сад, поступая несправедливо по отношению к себе, и сказал: «Я не думаю, что он когда-нибудь исчезнет.
وَمَآ أَظُنُّ ٱلسَّاعَةَ قَآئِمَةٗ وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَىٰ رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيۡرٗا مِّنۡهَا مُنقَلَبٗا ٣٦
Я не думаю, что настанет Час. Если же меня возвратят к моему Господу, то по возвращении я обрету там нечто еще более прекрасное».
قَالَ لَهُۥ صَاحِبُهُۥ وَهُوَ يُحَاوِرُهُۥٓ أَكَفَرۡتَ بِٱلَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٖ ثُمَّ مِن نُّطۡفَةٖ ثُمَّ سَوَّىٰكَ رَجُلٗا ٣٧
Товарищ его, беседуя с ним, сказал: «Неужели ты не веруешь в Того, Кто сотворил тебя из земли, потом - из капли, а потом сделал тебя мужчиной?
لَّٰكِنَّا۠ هُوَ ٱللَّهُ رَبِّي وَلَآ أُشۡرِكُ بِرَبِّيٓ أَحَدٗا ٣٨
Что же касается меня, то мой Господь - Аллах, и я никого не приобщаю в сотоварищи к моему Господу.
وَلَوۡلَآ إِذۡ دَخَلۡتَ جَنَّتَكَ قُلۡتَ مَا شَآءَ ٱللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِٱللَّهِۚ إِن تَرَنِ أَنَا۠ أَقَلَّ مِنكَ مَالٗا وَوَلَدٗا ٣٩
Почему, войдя в свой сад, ты не сказал: «Так пожелал Аллах! Нет мощи, кроме как от Аллаха!» Ты считаешь, что у меня меньше богатства и детей, чем у тебя,
(p-٦٠٨)قوله عزّ وجلّ:
﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وهو ظالِمٌ لِنَفْسِهِ قالَ ما أظُنُّ أنْ تَبِيدَ هَذِهِ أبَدًا﴾ ﴿وَما أظُنُّ الساعَةَ قائِمَةً ولَئِنْ رُدِدْتُ إلى رَبِّي لأجِدَنَّ خَيْرًا مِنها مُنْقَلَبًا﴾ ﴿قالَ لَهُ صاحِبُهُ وهو يُحاوِرُهُ أكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوّاكَ رَجُلا﴾ ﴿لَكِنّا هو اللهُ رَبِّي ولا أُشْرِكُ بِرَبِّي أحَدًا﴾ ﴿وَلَوْلا إذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ ما شاءَ اللهُ لا قُوَّةَ إلا بِاللهِ إنْ تَرَنِ أنا أقَلَّ مِنكَ مالا ووَلَدًا﴾
أفْرَدَ الجَنَّةَ مِن حَيْثُ الوُجُودِ، كَذَلِكَ إذْ لا يُدْخِلُهُما مَعًا في وقْتٍ واحِدٍ، وظُلْمُهُ لِنَفْسِهِ: كَفْرُهُ وعَقائِدُهُ الفاسِدَةُ في الشَكِّ في البَعْثِ، فَقَدْ نَصَّ عَلى ذَلِكَ قَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ، وفي شَكِّهِ في حُدُوثِ العالَمِ إنْ كانَتْ إشارَتُهُ بِـ "هَذِهِ" إلى الهَيْئَةِ مِنَ السَماواتِ والأرْضِ وأنْواعِ المَخْلُوقاتِ، وإنْ كانَتْ إشارَتُهُ إلى جَنَّتِهِ فَقَطْ فَإنَّما في الكَلامِ تَساخُفٌ واغْتِرارٌ وقِلَّةُ تَحْصِيلٍ، وكَأنَّهُ مِن شِدَّةِ العَجَبِ بِها والسُرُورِ أفْرَطَ في وصْفِها بِهَذا القَوْلِ، ثُمَّ قاسَ أيْضًا الآخِرَةَ عَلى الدُنْيا، وظَنَّ أنَّهُ لَمْ يُمْلَ لَهُ في دُنْياهُ إلّا لِكَرامَةٍ يَسْتَوْجِبُها في نَفْسِهِ، قالَ: فَإنْ كانَ ثَمَّ رُجُوعٍ كَما تَزْعُمُ فَسَيَكُونُ حالِي كَذا وكَذا، ولَيْسَتْ مَقالَةُ العاصِي بْنِ وائِلٍ لِخَبِّابٍ عَلى حَدِّ هَذِهِ، بَلْ قَصَدَ العاصِي الِاسْتِخْفافَ عَلى جِهَةِ التَصْمِيمِ عَلى التَكْذِيبِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وابْنُ الزُبَيْرِ، وثَبَتَ في مَصاحِفِ المَدِينَةِ "مِنهُما" يُرِيدُ الجَنَّتَيْنِ المَذْكُورَتَيْنِ أوَّلًا، وقَرَأ أبُو عَمْرُو، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، والعامَّةُ، وكَذَلِكَ هو في مُصْحَفِ أهْلِ البَصْرَةِ: "مِنها"، يُرِيدُ الجَنَّةَ المَدْخُولَةَ.
وقَوْلُهُ: ﴿قالَ لَهُ صاحِبُهُ﴾ حِكايَةٌ أنَّ المُؤْمِنَ مِنَ الرَجُلَيْنِ لَمّا سَمِعَ كَلامَ الكافِرِ وقَّفَهُ -عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ- عَلى كُفْرِهِ بِاللهِ تَعالى، وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: "وَهُوَ يُخاصِمُهُ"، وقَرَأ ثابِتُ البَنانِيِّ: "وَيْلَكَ أكَفَرْتَ"، ثُمَّ جَعَلَ يُعَظِّمُ اللهَ تَعالى عِنْدَهُ بِأوصافٍ تَضَمَّنَتِ النِعَمَ والدَلائِلَ عَلى جَوازِ البَعْثِ مِنَ القُبُورِ. وقَوْلُهُ: ﴿مِن تُرابٍ﴾ إشارَةٌ إلى آدَمَ ﷺ. وقَوْلُهُ: ﴿سَوّاكَ رَجُلا﴾ كَما تَقُولُ: سَوّاكَ شَخْصًا أو حَيًّا أو نَحْوَ هَذا مِنَ التَأْكِيداتِ، وقَدْ يُحْتَمَلُ أنَّهُ قَصَدَ تَخْصِيصَ الرُجُولَةِ عَلى وجْهِ تَعْدِيدِ النِعْمَةِ في أنْ لَمْ يَكُنْ أُنْثى ولا خُنْثى، وذَكَرَ الطَبَرِيُّ نَحْوَ هَذا.
(p-٦٠٩)واخْتَلَفَتِ القِراءَةُ في قَوْلِهِ: "لَكِنّا"، فَقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، ونافِعٌ -فِي رِوايَةِ المَسِيلِيِّ: "لَكِنّا" في الوَصْلِ والوَقْفِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرُو، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، "لَكِنْ" في الوَصْلِ، و"لَكِنّا" في الوَقْفِ، ورَجَّحَها الطَبَرِيُّ، وهي رِوايَةُ ورْشٍ، وقالُونَ عن نافِعٍ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، والحَسَنَ: "لَكِنْ أنا هو اللهُ رَبِّي"، وفي قِراءَةِ عِيسى الثَقَفِيِّ، والأعْمَشُ -بِخِلافٍ- "لَكِنْ هو اللهُ رَبِّي"، فَأمّا هَذِهِ الأخِيرَةُ فَبَيِّنٌ عَلى الأمْرِ والشَأْنِ، وأمّا الَّذِي قَبْلَها فَعَلى مَعْنى: لَكِنْ أنَّما أقُولُ. ومِن هَذِهِ الفِرْقَةِ مَن قَرَأ: "لَكِنَّنا" عَلى حَذْفِ الهَمْزَةِ وتَخْفِيفِ التَنْوِينِ، وفي هَذا نَظَرٌ، وأمّا مَن قَرَأ: "لَكِنّا" فَأصْلُهُ عِنْدَهُ "لَكِنْ أنا" حُذِفَتِ الهَمْزَةُ عَلى غَيْرِ قِياسٍ وأُدْغِمَتِ النُونُ في النُونِ، وقَدْ قالَ بَعْضُ النَحْوِيِّينَ: نُقِلَتْ حَرَكَةُ الهَمْزَةِ إلى النُونِ فَجاءَ "لَكِنَّنا" ثُمَّ أُدْغِمَتْ بَعْدَ ذَلِكَ فَجاءَ "لَكِنّا"، فَرَأى بَعْضُ القُرّاءِ أنَّ بِالإدْغامِ اسْتُغْنِيَ عَنِ الألِفِ الأخِيرَةِ، فَمِنهم مَن حَذَفَها في الوَصْلِ، ومِنهم مَن أثْبَتَها في الوَصْلِ والوَقْفِ لِتَدُلَّ عَلى أصْلِ الكَلِمَةِ، ويَتَوَجَّهُ في "لَكِنّا" أنْ تَكُونَ "لَكِنْ" لَحِقَتْها نُونُ الجَماعَةِ الَّتِي في "خَرَجْنا وضَرَبْنا"، ووَقَعَ الإدْغامُ لِاجْتِماعِ المِثْلَيْنِ، ثُمَّ وحَّدَ في "رَبِّي" عَلى المَعْنى، ولَوِ اتَّبَعَ اللَفْظَ لَقالَ: "رَبُّنا" ذَكَرَهُ أبُو عَلِيٍّ. ويَتَرَجَّحُ بِهَذا التَعْلِيلِ قَوْلُ مَن أثْبَتَ الألْفَ في حالَيِ الوَصْلِ والوَقْفِ. ويَتَوَجَّهُ في "لَكِنّا" أنْ تَكُونَ المَشْهُورَةَ مِن أخَواتِ "إنَّ"، والمَعْنى: "لَكِنَّ قَوْلِي هو اللهُ رَبِّي"، إلّا أنِّي لا أعْرِفُ مَن يَقْرَأُ بِها وصَلًا ووَقَفًا، وذَلِكَ يُلْزِمُ مَن يُوَجِّهُ هَذا الوَجْهَ. ورَوى هارُونُ عن أبِي عَمْرُو "لَكِنَّهُ هو اللهُ رَبِّي" بِضَمِيرٍ لَحِقَ "لَكِنْ". وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَوْلا إذْ دَخَلْتَ﴾ الآيَةُ. وصِيَّةٌ مِنَ المُؤْمِنِ لِلْكافِرِ، و"لَوْلا" تَحْضِيضٌ، بِمَعْنى: هَلّا، و"ما" يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى "الَّذِي"، بِتَقْدِيرِ: "الَّذِي شاءَ اللهُ كائِنٌ"، وفي "شاءَ" ضَمِيرٌ عائِدٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ شَرْطِيَّةً بِتَقْدِيرِ: "ما شاءَ اللهُ كانَ"، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ خَبَرَ ابْتِداءٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: "هُوَ ما شاءَ اللهُ، أوِ الأمْرُ ما شاءَ اللهُ". وقَوْلُهُ: ﴿لا قُوَّةَ إلا بِاللهِ﴾ تَسْلِيمٌ وصَدٌّ لِقَوْلِ الكافِرِ: ﴿ما أظُنُّ أنْ تَبِيدَ هَذِهِ أبَدًا﴾، ورُوِيَ «عَنِ النَبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ لِأبِي هُرَيْرَةَ: "ألّا أدُلَّكَ عَلى كَلِمَةٍ مِن كَنْزٍ الجَنَّةِ؟" قالَ: بَلى يا رَسُولَ اللهِ، قالَ: "لا قُوَّةَ إلّا بِاللهِ، إذا قالَها العَبْدُ قالَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ: أسْلَمَ عَبْدِي واسْتَسْلَمَ".» (p-٦١٠)وَفِي حَدِيثِ أبِي مُوسى أنَّ النَبِيَّ ﷺ قالَ لَهُ: « "يا عَبْدَ اللهِ بْنَ قَيْسٍ: ألّا أدُلَّكَ عَلى كَنْزٍ مِن كُنُوزِ الجَنَّةِ"؟ قالَ: افْعَلْ يا رَسُولَ اللهِ، قالَ: "لا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللهِ العَلِيِّ العَظِيمِ".»
واخْتَلَفَتِ القِراءَةُ في حَذْفِ الياءِ مِن "تَرَنِ" وإثْباتِها، فَأثْبَتَها ابْنُ كَثِيرٍ وصَلًا ووَقْفًا، وحَذَفَها ابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ فِيهِما، وأثْبَتَها نافِعٌ، وأبُو عَمْرُو في الوَصْلِ فَقَطْ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "أقَلَّ" بِالنَصْبِ عَلى المَفْعُولِ الثانِي، وقَوْلُهُ: "أنا" فاصِلَةٌ مُلْغاةٌ، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: "أقَلُّ" بِالرَفْعِ عَلى أنْ يَكُونَ "أنا" مُبْتَدَأٌ و"أقَلُّ" خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثانِي، والرُؤْيَةُ رُؤْيَةُ القَلْبِ في هَذِهِ الآيَةِ.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии