Аль-Джами аль-ваджиз · Тафсир · на арабском
Аль-Анам 6:92–103
6:92Страница 139
وَهَٰذَا كِتَٰبٌ أَنزَلۡنَٰهُ مُبَارَكٞ مُّصَدِّقُ ٱلَّذِي بَيۡنَ يَدَيۡهِ وَلِتُنذِرَ أُمَّ ٱلۡقُرَىٰ وَمَنۡ حَوۡلَهَاۚ وَٱلَّذِينَ يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡأٓخِرَةِ يُؤۡمِنُونَ بِهِۦۖ وَهُمۡ عَلَىٰ صَلَاتِهِمۡ يُحَافِظُونَ ٩٢
Это - благословенное Писание, которое Мы ниспослали и которое подтверждает то, что было до него, дабы ты увещевал Мать городов (жителей Мекки), и тех, кто живет вокруг нее. Те, которые веруют в Последнюю жизнь, веруют в него (Коран) и бережливо относятся к своим намазам.
٩٢ - ﴿وَهَٰذَا﴾ القرآن ﴿كِتَٰبٌ أَنزَلۡنَٰهُ﴾ على محمّد ﷺ ﴿مُبَارَكٞ﴾ أي: كثير المنافع والفوائد في الدنيا والآخرة كثير البركة والخيرات، واسع الفضل والمبرّات، فكيف تقولون: ما أنزل الله على بشر من شيء؟ ﴿مُّصَدِّقُ ٱلَّذِي بَيۡنَ يَدَيۡهِ﴾ أي: موافق لما أنزله الله من الكتب السّابقة من قبله، كالتوراة والإنجيل، وشاهد لها بالصّدق، فالقرآن مصدّق ما تقدّمه من كتب الله. ﴿وَ﴾ أنزلناه- أيضاً- ﴿لِتُنذِرَ﴾ [و في قراءة:بالياء: (لينــذر)] ﴿أُمَّ ٱلۡقُرَىٰ﴾ أي: مكّـة، والمـراد: أهلــها ﴿وَمَنۡ حَوۡلَهَاۚ﴾ من سائر أهل الأرض من أهل المشارق والمغارب، لعموم بعثته ﷺ للنّاس كافّة. كقوله: (قل يا أيها النّاس إنّي رسول الله إليكم جميعاً)الأعراف(١٥٨). وقوله: (تبارك الذي نزّل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيراً)الفرقان(١). وفي الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال:«أعطيت خمساً لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي» وذكر منهن:«وكان النّبي يُبعث إلى قومه خاصّة، وبُعثت إلى النّاس عامّة». وسمّيت مكّة:«أمّ القرى»: لأنّها قبلة أهل القرى ومحجُّهم. فالإنذار لأهلها مستتبع لإنذار سائر أهل الأرض. وقوله: (لتنذر) بالتاء والياء، عطف على معنى ما قبله، أي: أنزلناه للبركة والتصّديق والإنذار به، كقوله: (لأنذركم به ومن بلغ)الأنعام(١٩)، أي: ومن بلغه القرآن. ﴿وَٱلَّذِينَ يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡأٓخِرَةِ يُؤۡمِنُونَ بِهِۦۖ﴾ فكلّ من آمن بالله واليوم الآخر، يؤمن بهذا الكتاب المنزّل على محمّد ﷺ، لأن التصديق بالآخرة يوجب قبول من دعا النّاس إلى ما يُنال به خيرها، ويندفع به شرّها. ﴿وَهُمۡ عَلَىٰ صَلَاتِهِمۡ يُحَافِظُونَ﴾ بإقامتها، والمداومة عليها في أوقاتها، وإقامة حدودها وأركانها، وحفظ شروطها وآدابها ومكمّلاتها. وخصّ الصّلاة بالذكر، لأنّها أشرف العبادات، وأفضلها بعد الإيمان.
6:93Страница 139
وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّنِ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أَوۡ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمۡ يُوحَ إِلَيۡهِ شَيۡءٞ وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثۡلَ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُۗ وَلَوۡ تَرَىٰٓ إِذِ ٱلظَّٰلِمُونَ فِي غَمَرَٰتِ ٱلۡمَوۡتِ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ بَاسِطُوٓاْ أَيۡدِيهِمۡ أَخۡرِجُوٓاْ أَنفُسَكُمُۖ ٱلۡيَوۡمَ تُجۡزَوۡنَ عَذَابَ ٱلۡهُونِ بِمَا كُنتُمۡ تَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ غَيۡرَ ٱلۡحَقِّ وَكُنتُمۡ عَنۡ ءَايَٰتِهِۦ تَسۡتَكۡبِرُونَ ٩٣
Кто может быть несправедливее того, кто возводит навет на Аллаха или говорит: «Мне дано откровение», - хотя никакого откровения ему не дано, или говорит: «Я ниспошлю подобное тому, что ниспослал Аллах»? Если бы ты видел беззаконников, когда они оказываются в предсмертной агонии, и ангелы простирают к ним свои руки: «Отдайте свои души! Сегодня вам воздадут унизительными мучениями за то, что вы говорили об Аллахе неправду и превозносились над Его знамениями».
٩٣ - ﴿وَمَنۡ أَظۡلَمُ﴾ أي: لا أحد أعظم ظُلماً، ولا أكبر جُرماً ﴿مِمَّنِ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا﴾ فجعل له شركاء أو صاحبة أو ولداً، أو نسب إلى الله قولاً، أو حكماً، أو شرعاً ﴿أَوۡ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمۡ يُوحَ إِلَيۡهِ شَيۡءٞ﴾ أي: ومن أظلم ممّن ادّعى النّبوة كذباً، وأنّ الله أرسله إلى النّاس ولم يرسله، كمسيلمة الكذّاب، والأسود العنسي، وسجاح وغيرهم. ﴿وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثۡلَ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُۗ﴾ أي: ومن أظلم ممّن ادّعى أنّه يُعارض ما جاء من عند الله من الوحي في القرآن بما يفتريه هو من القول، أو أنّه يقدر على ما يقدر الله عليه في أحكامه وشرائعه ووحيه وهم الذين قال الله سبحانه و تعالى فيهم: (وإذا تتلى عليهم آياتنا قالوا قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا إن هذا إلا أساطير الأولين)الأنفال(٣١). فقد أخرج ابن جرير، عن عكرمة قال: نزلت: (ومن أظلم ممّن افترى على الله كذباً أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء) في مسيلمة الكذّاب، ونزلت: (ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله) في عبد الله بن سعد بن أبي السّرح، كان يكتب للنّبي ﷺ، فيُغير ما يُمليه عليه الرّسول، ويقول: إن كان محمّد يوحى إليه، فقد أوحي إليّ، وإن كان الله يُنزل، فقد أنزلت مثل ما أنزل، قال محمّد: سميعاً عليماً، فقلت أنا: عليماً حكيماً. ﴿وَلَوۡ تَرَىٰٓ﴾ يا محمّد ﴿إِذِ ٱلظَّٰلِمُونَ﴾ المذكورون ممّن كذب على الله، أو ادّعى النّبوة، أو ادّعى معارضة الله في حكمه وشرعه وقوله ﴿فِي غَمَرَٰتِ ٱلۡمَوۡتِ﴾ أي: في شدائده وسكراته وكرباته، لرأيت أمرا عظيما.و غمرات: جمع غمرة ، و هي الشدة ، و أصلها : الشيء الذي يغمر الأشياء فيغطيها .يُقال: غمره الماء، إذا علاه وستره، ثمّ استُعمل في الشدائد والمكاره. ﴿وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ بَاسِطُوٓاْ أَيۡدِيهِمۡ﴾ إليهم بالضرب والتّعذيب. وقيل: باسطوا أيديهم لقبض أرواحهم بالضرب والتعذيب، كقوله: (ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم)الأنفال(٥٠)، يقولون لهم تعنيفاً - عند قبض أرواحهم و خروجها من أجسادهم-: ﴿أَخۡرِجُوٓاْ أَنفُسَكُمُۖ﴾ أي: خلّصوها من العذاب، والضّرب والنّكال، إن استطعتم، أو خلّصوها من غمرات الموت التي وقعتم فيها. أو أخرجوا أرواحكم من أجسادكم وسلّموها إلينا، لنقبضها، وهو كناية عن العنف في السّياق والإلحاح، والتشديد في الإزهاق من غير تنفيس ولا إمهال. وذلك أنّ الكافر إذا حضرته الوفاة، بشّرته الملائكة بالعذاب والنّكال، والسّلاسل والأغلال، والحميم والجحيم، وغضب الرحمن الرحيم، فتتفرّق روحه في جسده، وتأبى الخروج، فتضربهم الملائكة حتى تخرج أرواحهم من أجسادهم، قائلين لهم: (أخرجوا أنفسكم). قاله ابن كثير. ﴿ٱلۡيَوۡمَ تُجۡزَوۡنَ عَذَابَ ٱلۡهُونِ﴾ أي: الذّل والهوان والخزي، فاليوم تهانون غاية الذّل والإهانة. ﴿بِمَا كُنتُمۡ تَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ غَيۡرَ ٱلۡحَقِّ﴾ من الكذب عليه، بادّعاء النّبوة والوحي، وادّعاء الشّريك والصّاحبة والولد، ومعارضة الله في حكمه وشرعه، وردّ الحقّ الذي جاءت به الرّسل، وإنكار إنزال الكتب على رسل الله، ﴿وَكُنتُمۡ عَنۡ ءَايَٰتِهِۦ تَسۡتَكۡبِرُونَ﴾ أي: تتكبرون عن اتباع آيات الله وتصديقها، والعمل بها، وتترفّعون عن الانقياد لها، والاستسلام لأحكامها، ومتابعة رسله وأنبيائه. فكان الجزاء من جنس العمل. وفي الآية: دليل على عذاب البرزخ ونعيمه، و على أن الروح جسم من أمر الله، يدخل ويخرج، ويُخاطب، ويُساكن الجسد، ويُفارقه، ثمّ يعود إليه بأمر الله يوم القيامة.
6:94Страница 139
وَلَقَدۡ جِئۡتُمُونَا فُرَٰدَىٰ كَمَا خَلَقۡنَٰكُمۡ أَوَّلَ مَرَّةٖ وَتَرَكۡتُم مَّا خَوَّلۡنَٰكُمۡ وَرَآءَ ظُهُورِكُمۡۖ وَمَا نَرَىٰ مَعَكُمۡ شُفَعَآءَكُمُ ٱلَّذِينَ زَعَمۡتُمۡ أَنَّهُمۡ فِيكُمۡ شُرَكَٰٓؤُاْۚ لَقَد تَّقَطَّعَ بَيۡنَكُمۡ وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنتُمۡ تَزۡعُمُونَ ٩٤
Вы явились к Нам одинокими, какими Мы сотворили вас в первый раз, и оставили позади себя то, чем Мы вас наделили. Мы не видим с вами ваших заступников, которых вы для себя считали сотоварищами Аллаха. Связи между вами разорваны, и покинуло вас то, что вы утверждали.
٩٤ - ﴿وَ﴾ يُقال لهم يوم معادهم إذا بعثوا للحساب والجزاء: ﴿وَلَقَدۡ جِئۡتُمُونَا فُرَٰدَىٰ﴾ أي: منفردين عن الأهل والمال والولد، وعن الوليّ والنّصير، والشّفيع والشّريك، فلم تنتفعوا بشيء من ذلك. وفرادى: جمع فرد. ﴿كَمَا خَلَقۡنَٰكُمۡ أَوَّلَ مَرَّةٖ﴾ أي: على الصّفة التي كنتم عليها عند خروجكم من بطون أمهاتكم، حُفاة، عُراة، غُرلاً، غير مختونين. وقيل: (كما خلقناكم أول مرّة) أي: كما بدأناكم أعدناكم، وقد كنتم تنكرون ذلك، وتستبعدونه، فهذا يوم بعثكم وإعادتكم. ومثله قوله: (وعرضوا على ربّك صفّاً لقد جئتمونا كما خلقناكم أوّل مرّة)الكهف(٤٨).وفي الصحيحين عن عائشة قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول:«يُحشر النّاس يوم القيامة عُراة غُرلاً» قلت: يا رسول الله، الرّجال والنّساء جميعاً ينظر بعضهم إلى بعض؟ قال:«يا عائشة، إنّ الأمر أشدّ من أن يهمّهم ذلك»، وفي رواية:«الأمر أهم من أن ينظر بعضهم إلى بعض». ﴿وَتَرَكۡتُم﴾ بغير اختياركم ﴿مَّا خَوَّلۡنَٰكُمۡ﴾ أي: ما أعطيناكم، وملّكناكم، وتفضّلنا و أنعمنا به عليكم في الدنيا من الأموال والأولاد والمتاع ﴿وَرَآءَ ظُهُورِكُمۡۖ﴾ أي: في الدنيا فلم تغن عنكم شيئاً.والخَوَل: ما أعطاه الله للإنسان من النّعم ومتاع الدنيا. يُقال: خوّله الشيء تخويلاً: ملّكه إيّاه ومكّنه منه، ومنه التّخول، بمعنى: التّعهد. وفي الصحيح: أن رسول الله ﷺ قال:«يقول ابن آدم: مالي، مالي! وهل لك من مالك إلاّ ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدّقت فأبقيت؟ وما سوى ذلك فذاهب وتاركه للنّاس». ﴿وَ﴾ يُقال لهم توبيخاً وتقريعاً على ما اتّخذوا في الدنيا من الأنداد والأصنام والأوثان، ظانين أنّها تنفعهم في معاشهم ومعادهم، إن كان ثَمّ معاد: ﴿مَا نَرَىٰ مَعَكُمۡ شُفَعَآءَكُمُ ٱلَّذِينَ﴾ عبدتموهم في الدنيا، وقلتم: (ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى)الزمر(٣) و ﴿زَعَمۡتُمۡ أَنَّهُمۡ فِيكُمۡ﴾ أي: في استحقاق عبادتكم لهم ﴿شُرَكَٰٓؤُاْۚ﴾ لله، في الرّبوبية، واستحقاق العبادة، كما يستحقّّها. ﴿لَقَد تَّقَطَّعَ بَيۡنَكُمۡ﴾ أي: تقطّع الاتصال أو الوصل الذي كان بينكم وبين شركائكم في الدنيا وتفرّق، واضمحلّت الأسباب، وانفصلت الوسائل والصّلات من الشّفاعة والولاية وغيرها، فلم تغن عنكم شيئاً. ففاعل«تقطّع» ضمير يعود على الاتصال المدلول عليه بلفظ«شركاء»، و«بينكم»: منصوب على الظرفية. [وفي قراءة: (بينُكم) بالرّفع، أي: لقد تقطّع وصلكم وشملكم، وتشتّت جمعكم]. و «بين»: مصدر يُستعمل في الوصل وفي الفراق بالاشتراك- كالجون للأسود والأبيض- والمراد هنا: المعنى الأول. ﴿وَضَلَّ عَنكُم﴾ أي: وذهب عنكم ﴿مَّا كُنتُمۡ تَزۡعُمُونَ﴾ في الدنيا من شفاعة الأصنام والأنداد ورجائها، ومن الشرك والشّركاء، إذ حِيل بينكم وبينهم، يوم القيامة، وضلّ عنكم ما كنتم تفترون. ومثله قوله: (إذ تبرأ الذين اتُّبعوا من الذين اتَّبَعوا ورأوا العذاب وتقطّعت بهم الأسباب)البقرة(١٦٦). وقوله سبحانه: (فإذا نُفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون)المؤمنون(١٠١). وقوله: (ثمّ يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضاً ومأواكم النّار وما لكم من نّاصرين)العنكبوت(٢٥) وقوله: (وقيل ادعوا شركاءكم فدعوهم فلم يستجيبوا لهم)القصص(٦٤). ثمّ شرع الله تعالى في ذكر دلائل كمال القدرة والعلم والحكمة، بعد تقرير دلائل التوحيد والنّبوة، فقال:
6:95Страница 140
۞ إِنَّ ٱللَّهَ فَالِقُ ٱلۡحَبِّ وَٱلنَّوَىٰۖ يُخۡرِجُ ٱلۡحَيَّ مِنَ ٱلۡمَيِّتِ وَمُخۡرِجُ ٱلۡمَيِّتِ مِنَ ٱلۡحَيِّۚ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُۖ فَأَنَّىٰ تُؤۡفَكُونَ ٩٥
Аллах раскрывает зерно и косточку. Он извлекает живое из мертвого и извлекает мертвое из живого. Таков Аллах! До чего же вы отвращены от истины!
٩٥ - ﴿إِنَّ ٱللَّهَ فَالِقُ﴾ أي: شاقّ ﴿ٱلۡحَبِّ﴾ عن الزّروع والنّباتات على اختلاف أنواعها، وأشكالها، ومطاعمها، ومنافعها ﴿وَ﴾ شاقّ ﴿ٱلنَّوَىٰۖ﴾ عن الأشجار على اختلاف أشكالها وألوانها وطعومها. فيشقّ الحبة اليابسة، كالحنطة، فيخرج منها النّبات الأخضر النّامي، ويشقّ النّواة اليابسة، كنواة التّمر، فيُخرج منها النّخلة والشّجرة النّامية، كقوله: (وآية لهم الأرض الميتة أحييناها وأخرجنا منها حباً فمنه يأكلون)يس(٣٣).و الفلق : الفتق و الشق في الشيء مع إبانة بعضه عن بعض .﴿يُخۡرِجُ ٱلۡحَيَّ مِنَ ٱلۡمَيِّتِ﴾ أي: يخرج ما ينمو من الحيوان والنّبات، ممّا لا ينمو كالنّطفة والحبّة. فيُخرج من النّطفة حيواناً، ومن الحب والنّوى زرعاً وشجراً، ونحو ذلك. ﴿وَمُخۡرِجُ ٱلۡمَيِّتِ﴾ الذي لا نمو فيه ولا روح ﴿مِنَ ٱلۡحَيِّۚ﴾ كما يُخرج النّطفة من الحيوان، والحبّ من الزروع والنّباتات، والنّوى من الأشجار، ونحو ذلك. وقوله: (ومُخرج الميت من الحيّ) معطوف على قوله: (فالق).﴿ذَٰلِكُمُ﴾ الخالق الصّانع، الفالق المخرج، المُنفرد بخلق هذه الأشياء وتدبيرها، هو: ﴿ٱللَّهُۖ﴾ الذي له الألوهية والعبادة على جميع خلقه ﴿فَأَنَّىٰ تُؤۡفَكُونَ﴾ أي: فكيف تصرفون عن عبادته، وتشركون به ما لا يقدر على شيء من فعله، مع ما ترون من بديع صنعه وكمال قدرته؟ أو: كيف تُصرفون عن الحقّ والإيمان إلى الباطل والنكران، فتعبدون معه غيره، مع قيام البرهان على كمال وحدانيته، وألوهيته، وربوبيّته على جميع خلقه؟ .
6:96Страница 140
فَالِقُ ٱلۡإِصۡبَاحِ وَجَعَلَ ٱلَّيۡلَ سَكَنٗا وَٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَ حُسۡبَانٗاۚ ذَٰلِكَ تَقۡدِيرُ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡعَلِيمِ ٩٦
Он раскрывает утреннюю зарю. Он предназначил ночь для покоя, а солнце и луну - для исчисления. Таково установление Могущественного, Знающего.
٩٦ - ﴿فَالِقُ ٱلۡإِصۡبَاحِ﴾ أي: شاقّ ظلمة الصّبح- وهي الغبش في آخر الليل الذي يلي الفجر- عن بياض النّهار وغرّته، أو شاق الصبح عن سواد الليل و ظلمته، فيضيء الوجود، ويستنير الأفق، ويضمحلّ الظلام، ويذهب الليل بسواده، ويجيء النّهار بضيائه وإشراقه، فيتصرّف به الخلق في مصالحهم ومعايشهم، ومنافع دينهم ودنياهم. والإصباح: مصدر سمّي به الصّبح، كقوله: (يُغشي الليل النّهار يطلبه حثيثاً)الأعراف(٥٤). ﴿وَجَعَلَ ٱلَّيۡلَ سَكَنٗا﴾ يسكن إليه ويهدأ من يتعب بالنّهار، ويستأنس به لاسترواحه فيه. فيسكن النّاس فيه عن الحركة في معاشهم، ويستريحون من التّعب والنّصب، وتسكن الأنعام إلى مأواها، والطيور إلى أوكارها. فبيّن تعالى قدرته على خلق الأشياء المتضادة المختلفة الدّالة على كمال قدرته، وعظيم حكمته. [وفي قراءة: (وجاعلُ الليلِ سكناً) بجر الليل بالإضافة]. ﴿وَ﴾ جعل ﴿ٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَ حُسۡبَانٗاۚ﴾ أي: يجريان في الفَلك بحساب مقدّر معلوم، أو جعلهما حساباً للأزمنة والأوقات، لا يتغير ولا يضطرب، ولا يزيد ولا ينقص، حتى ينتهيا إلى أقصى منازلهما المقدّرة لهما، فتتمّ الشّمس دورتها في سنة، والقمر دورته في شهر، فتنتظم المصالح المتعلّقة بالفصول الأربعة، وباختلاف الليل والنّهار طولاً وقصراً، وتُعرف بهما الأزمنة والأوقات، فتنضبط بذلك أوقات العبادات، وآجال المعاملات، وغير ذلك من مصالح العباد ومنافعهم. والحسبان: مصدر حَسبت المال حَسْباً- من باب قتل- أي: أحصيته عدداً. وقوله: (حُسباناً) حال من مُقدّر، تقديره: يجريان بحسبان- بحذف الباء- كما في قوله تعالى: (الشمس والقمر بحسبان)الرحمن(٥) أي: يجريان بحسبان. ونظير هذه الآية : قوله : (هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نوراً وقدّره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب)يونس(٥)، و قوله: (لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النّهار وكل في فلك يسبحون)يس(٤٠). ﴿ذَٰلِكَ﴾ التقدير المذكور في الآيات بالحساب المعلوم ﴿تَقۡدِيرُ ٱلۡعَزِيزِ﴾ الغالب في ملكه وسلطانه، الذي لا يُمانَع في أمره ولا يُخالف في حكمه، ﴿ٱلۡعَلِيمِ﴾ بكل شيء، فلا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السّماء، الذي أحاط علمه بالظواهر والبواطن، والأوائل والأواخر. فمن الأدلّة العقلية على كمال عزّته في ملكه، وإحاطة علمه بكل شيء، جريان هذه المخلوقات العظيمة مذلّلة مسخّرة بأمره، على تقدير ونظام بديع، في حسنه وكماله، وموافقته للمصالح والحكم. وكثيراً ما يختم الله تعالى الكلام بالعزّة والعلم عند ذكر خلق الليل والنّهار والشمس والقمر، كقوله: (والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم)يس( ٣٨)، وقوله: (وزينّا السماء الدّنيا بمصابيح وحفظاً ذلك تقدير العزيز العليم)فصّلت(١٢).
6:97Страница 140
وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلنُّجُومَ لِتَهۡتَدُواْ بِهَا فِي ظُلُمَٰتِ ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِۗ قَدۡ فَصَّلۡنَا ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يَعۡلَمُونَ ٩٧
Он - Тот, Кто сотворил для вас звезды, чтобы вы находили по ним путь во мраках суши и моря. Мы уже разъяснили знамения для людей знающих.
٩٧ - ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلنُّجُومَ لِتَهۡتَدُواْ بِهَا﴾ أي: خلقها للاهتداء بها ﴿فِي ظُلُمَٰتِ﴾ الليل عند المسير أو السّفر في ﴿ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِۗ﴾ حين تشتبه عليكم المسالك، ويَتحيّر في سيره السّالك، فجعل الله النّجوم، هداية للخلق إلى السبيل، التي يحتاجون إلى سلوكها لمصالحهم ومنافعهم، وتجاراتهم وأسفارهم. وهذه إحدى منافع النّجوم التي خلقها الله لها ، وهي: أنّ الله جعلها زينة للسّماء، وحفظاً ورجوماً للشياطين، وللاهتداء بها في ظلمات البر والبحر، إذا ضلّوا الطريق فتحيّروا. ﴿قَدۡ فَصَّلۡنَا ٱلۡأٓيَٰتِ﴾ الدّالة على كمال قدرتنا وعظيم منَّتنا، أي: بيّناها ووضّحناها وميَّزنا كل جنس ونوع منها عن الآخر، بحيث أصبحت آيات الله بادية ظاهرة، بيّنة واضحة. ﴿لِقَوۡمٖ يَعۡلَمُونَ﴾ أي: يتدبّرون، ويعقلون عن الله آياته ودلالاته، فيعرفون الحقّ، ويجتنبون الباطل. وخصّ أهل العلم والمعرفة بذلك، لأنّهم المنتفعون بالبيان والتفصيل والإيضاح، المقبلون على آيات الله بالتدبّر والتّأمّل والتفكّر. وفي الآية: دلالة على مشروعية تعلّم علم الفلك، وعلم سير النّجوم والكواكب، وسبر أغوار الفضاء.
6:98Страница 140
وَهُوَ ٱلَّذِيٓ أَنشَأَكُم مِّن نَّفۡسٖ وَٰحِدَةٖ فَمُسۡتَقَرّٞ وَمُسۡتَوۡدَعٞۗ قَدۡ فَصَّلۡنَا ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يَفۡقَهُونَ ٩٨
Он - Тот, Кто сотворил вас из одной души. Для вас есть место пребывания (на земле или в утробах матерей) и место хранения (в могилах или чреслах отцов). Мы уже разъяснили знамения для людей понимающих.
٩٨ - ﴿وَهُوَ ٱلَّذِيٓ أَنشَأَكُم﴾ أي: خلقكم ﴿مِّن نَّفۡسٖ وَٰحِدَةٖ﴾ أي: من آدم عليه السّلام، وهو تذكير بنعمة أخرى من نعم الله على عباده، التي لا تُعدّ ولا تُحصى، فإن رجوع النّاس جميعاً إلى أصل واحد أدعى إلى التّوادّ والتّراحم، فيما بينهم، كقوله جل في علاه: (يا أيها النّاس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة)النّساء(١). ﴿فَمُسۡتَقَرّٞ وَمُسۡتَوۡدَعٞۗ﴾ أي: فلكم موضع استقرار في أرحام الأمّهات، وموضع استيداع في أصلاب الآباء. [وفي قراءة: (فمستقِرّ)- بكسر القاف: أي: فمنكم مُستقر في الأرحام]. وقيل: (فمستَقَر) أي: فلكم مكان استقرار، ومنتهىً تنتهون إليه، وغاية تساقون إليها، وهي: دار القرار، التي لا مستقر وراءها، ولا نهاية بعدها. (ومستودع) أي: ولكم موضع استيداع في أصلاب الآباء، وأرحام الأمّهات، وموضع استيداع في دار الدنيا، ثمّ في البرزخ، كلّ ذلك على وجه الوديعة، التي لا تستقر ولا تثبت، بل ينتقل منها الإنسان ويتحوّل، حتى يصل إلى دار القرار. فعلى هذا القول، تكون الدّار الآخرة هي المستقرّ، والدّار الدنيا هي المستودع والممر. و الاستقرار: مكث غير محدود بزمن ولا وقت وهو إلى الثبات أقرب. والاستيداع: مكث موقوت معرّض للرّد والرجوع. ﴿قَدۡ فَصَّلۡنَا﴾ أي: بيّنا ووضّحنا ﴿ٱلۡأٓيَٰتِ﴾ الدّالة على كمال قدرتنا، وبديع صنعتنا ﴿لِقَوۡمٖ يَفۡقَهُونَ﴾ عن الله آياته، ويفهمون عنه حججه وبيّناته.
6:99Страница 140
وَهُوَ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَخۡرَجۡنَا بِهِۦ نَبَاتَ كُلِّ شَيۡءٖ فَأَخۡرَجۡنَا مِنۡهُ خَضِرٗا نُّخۡرِجُ مِنۡهُ حَبّٗا مُّتَرَاكِبٗا وَمِنَ ٱلنَّخۡلِ مِن طَلۡعِهَا قِنۡوَانٞ دَانِيَةٞ وَجَنَّٰتٖ مِّنۡ أَعۡنَابٖ وَٱلزَّيۡتُونَ وَٱلرُّمَّانَ مُشۡتَبِهٗا وَغَيۡرَ مُتَشَٰبِهٍۗ ٱنظُرُوٓاْ إِلَىٰ ثَمَرِهِۦٓ إِذَآ أَثۡمَرَ وَيَنۡعِهِۦٓۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكُمۡ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ ٩٩
Он - Тот, Кто ниспослал с неба воду. Посредством нее Мы взрастили растения всех видов. Мы выводим из них зеленые травы, а из них - расположенные одно на другом зерна. На финиковых пальмах из завязей вырастают свисающие низко гроздья. Мы взращиваем виноградники, оливки и гранаты, которые имеют сходства и различия. Взгляните на их плоды, когда они появляются и когда созревают. Воистину, в этом - знамения для людей верующих.
٩٩ - ﴿وَهُوَ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ﴾ أي: من السّحاب ﴿مَآءٗ﴾ بقدر، هو ماء المطر، أنزله الله مباركاً ورزقاً للعباد، وإحياءً وغياثاً للخلق كلّهم، رحمة منه تعالى بهم ﴿فَأَخۡرَجۡنَا بِهِۦ﴾ أي: بالماء النّازل من السّماء ﴿نَبَاتَ كُلِّ شَيۡءٖ﴾ ممّا يأكل النّاس والأنعام، أي: كل صنف ينبت من أصناف النّباتات وأنواع الأشجار المختلفة. وقوله: (فأخرجنا به) بعد قوله: (وهو الذي أنزل) فيه التفات عن الغيبة إلى التّكلم، إظهاراً للعناية بشأن هذا المخلوق، وما يترتّب على ذلك من عظيم منّة الله وفضله، ووجوب شكره وعبادته والإنابة إليه. ﴿فَأَخۡرَجۡنَا مِنۡهُ﴾ أي: مـن النّبـات الذي لا سـاق له ﴿خَضِرٗا﴾ أي: نبـاتاً غضّاً أخضـر أو: زرعـاً وشـجراً أخضراً، وهو ما تشعب من أصل النّبات الخارج من الحبّة. وخَضِرٌ بمعنى: أخضر، اسم فاعل، يُقال: خَضِر الزرع- من باب فرح- واخضرّ، فهو خَضِر وأخضر. ﴿نُّخۡرِجُ مِنۡهُ﴾ أي: من ذلك الخضر أو النّبات الأخضر ﴿حَبّٗا مُّتَرَاكِبٗا﴾ أي: متراكماً مركّباً، يركب بعضه بعضاً، كسنابل الحنطة والشّعير والذّرة والأرز، وسائر الحبوب. يُقال: ركبه- كسمعه- ركوباً ومركباً، أي: علاه، كارتكبه. وفي وصفه أنّه متراكب، إشارة إلى أنّ حبوبه متعدّدة، وجميعها مستمدّة من مادّة واحدة، غير مختلطة، فهي متفرّقة الحبوب، مجتمعة الأصول. وفيه إشارة- أيضاً- إلى كثرتها، وشمول ريعها وغلّتها، فيبقى أصل البذر، ويبقى ببقائه بقية للأكل والادّخار. ﴿وَ﴾ أخرجنا ﴿وَمِنَ ٱلنَّخۡلِ مِن طَلۡعِهَا﴾ أي: من طلع النّخل: وهو أوّل ما يبدو ويخرج من ثمرها. وقوله: (من طلعها) بدل من قوله: (ومن النّخل). ﴿قِنۡوَانٞ﴾ أي: عراجين، أو عذوق ﴿دَانِيَةٞ﴾ أي: متدلّية، أو قريبة من يد المتناول، يسهل تناولها على من أرادها. وجملة: (من النّخل): خبر مقدّم، (وقنوان دانية): مبتدأ مؤخر. والقِنوان- جمع قِنْو-: أي: العراجين، جمع عُرجون- وهي: العذوق أيضاً- جمع عِذق- وهو للتّمر بمنزلة العُنقود للعنب. ﴿وَ﴾ أخرجنا بماء المطر ﴿جَنَّٰتٖ﴾ أي: بساتين كائنة ﴿مِّنۡ أَعۡنَابٖ﴾ وخصّ النّخل والعنب بالذّكر، دون سائر أنواع الثّمار، لكثرة نفعهما، وكونهما قوتاً لأكثر النّاس، فهما أشرف الثّمار عند أهل الحجاز، فقد امتنّ الله بهما على عباده في قوله: (ومن ثمرات النّخيل والأعناب تتّخذون منه سكراً ورزقاً حسناً)النّحل(٦٧)، وقوله: (وجعلنا فيها جنّات من نخيل وأعناب)يس(٣٤). ﴿وَ﴾ جعلنا ﴿ٱلزَّيۡتُونَ وَٱلرُّمَّانَ مُشۡتَبِهٗا﴾ شكلهما في الورق والشجر، وهي حال ﴿وَغَيۡرَ مُتَشَٰبِهٍۗ﴾ ثمرهما في الطّعم واللون والهيئة. ويحتمل أن يرجع قوله: (مشتبهاً وغير متشابه) إلى سائر أنواع الأشجار والنّباتات، فبعضها متشابه، وبعضها غير متشابه في الهيئة، واللّون والطّعم، وغير ذلك، ممّا يدل على كمال قدرة الصّانع، كقوله: (يُسقى بماء واحد ونفضّل بعضها على بعض في الأُكُل)الرّعد(٤). ﴿ٱنظُرُوٓاْ﴾ أيها المخاطبون، نظر تفكّر وتدبّر واعتبار ﴿إِلَىٰ ثَمَرِهِۦٓ إِذَآ أَثۡمَرَ﴾ وهو أوّل ما يبدو منه، كيف ينتقل من العدم إلى الوجود ﴿وَ﴾ انظروا إلى حال ﴿يَنۡعِهِۦٓۚ﴾أي: نضجه وإدراكه، نظر استدلال واستبصار، كيف يعود شيئاً قويّاً بعد الضّعف، جامعا لمنافع شتّى، أي: كيف يصير عنباً ورطباً بعد أن كان حطباً؟ مصدر ينعت الثّمرة كأينعت، تَيْنَع وتَيْنِعِ- بفتح النون وكسرها- يَنْعاً ويُنُوعاً، إذا نضجت. وقوله: (إلى ثَمَره) بفتح الثّاء والميم، جمع ثمرة، كشجرة وشجر. [وفي قراءة: (ثُمُره)- بضم الثّاء والميم- كخشبة وخُشُب-]. ﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكُمۡ﴾ أي: ما تقـدّم ذكره مُجملاً ومفصّلاً ﴿لَأٓيَٰتٖ﴾ أي: لدلالات على كمال قدرته تعالى، وسعة إحسانه، وحكمته، ورحمته بعباده. ﴿لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ﴾ أي: يصدّقون به، ويتّبعون رسله، وخصّوا بالذكر دون غيرهم، لأنّهم المنتفعون بهذه الآيات في إيمانهم وتصديقهم، على العمل بمقتضياته ولوازمه، كالتفكّر والتدبّر في آيات الله، والاستدلال بها ولها، وعليها فطرة، وعقلاً، وشرعاً.
6:100Страница 140
وَجَعَلُواْ لِلَّهِ شُرَكَآءَ ٱلۡجِنَّ وَخَلَقَهُمۡۖ وَخَرَقُواْ لَهُۥ بَنِينَ وَبَنَٰتِۭ بِغَيۡرِ عِلۡمٖۚ سُبۡحَٰنَهُۥ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يَصِفُونَ ١٠٠
Они приобщили к Аллаху в сотоварищи джиннов, а ведь Он создал их. Они выдумали для Него сыновей и дочерей, не имея об этом никакого знания. Пречист Он и превыше всего, что они приписывают Ему.
١٠٠ - ثمّ شرع تعالى في بيان جحود المشركين في معاملة خالقهم وموجدهم، بعد أن منّ عليهم بالايجاد من العـدم، وبما يحتاجــون إليه في المعاش والمعاد، فقـال: ﴿وَجَعَلُواْ لِلَّهِ شُرَكَآءَ ٱلۡجِنَّ﴾ أي: وجعل المشركون الجنّ شركاء لله في الألوهية والعبادة، حيث أطاعوهم في عبادة الأوثان والأنداد، كقوله: (إن يدعون من دونه إلاّ إناثاً وإن يدعون إلا شيطاناً مريداً لعنه الله)النّساء( ١١٧) وقوله: (أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدوّ)الكهف(٥٠). وقول إبراهيم لأبيه: (يا أبت لا تعبد الشيطان إنّ الشيطان كان للرحمن عصياً)مريم(٤٤)، وقوله: (ألم أعهد إليكم يا بني آدم ألاّ تعبدوا الشيطان إنّه لكم عدوّ مبين)يس(٦٠). ﴿وَ﴾ قد ﴿وَخَلَقَهُمۡۖ﴾ الله من العدم، فكيف يكون المخلوق شريكاً للخالق؟ أي: وقد علموا أنّ الله خلق الجنّ، أو: خلق ما جعلوه شريكاً لله، كالملائكة، حيث عبدوهم، وقالوا: هنّ بنات الله، وأطلق عليهم جنّ: لاستتارهم، أو كالشياطين، حيث أطاعوهم في عبادة غير الله من الأصنام والطواغيت، فالله هو الخالق وحده لا شريك له، فكيف يُعبد معه غيره؟ وهذا كقول إبراهيم لأبيه: (أتعبدون ما تنحتون ٩٥ والله خلقكم وما تعملون ٩٦)الصافات (٩٥-٩٦). والمعنى: أنّ الله سبحانه وتعالى هو المستقل المنفرد وحده بالخلق والإيجاد، فلذا يجب أن يُفرد بالعبادة والطاعة، وكمال الألوهية والربوبية، دون سائر خلقه، لا شريك له، ولا ربّ سواه. وقوله: (شركاء): مفعول ثان مقدّم، و (الجنّ): مفعول أوّل مؤخّر. ﴿وَخَرَقُواْ﴾ [و في قراءة : بالتشديد: (وخرَّقوا)] أي: اختلقوا واخترعوا، وائتفكوا وتخرّصوا، وكذبوا وافتروا ﴿لَهُۥ﴾ سبحانه ﴿بَنِينَ وَبَنَٰتِۭ بِغَيۡرِ عِلۡمٖۚ﴾ منهم بحقيقة ما يقولون، بل جهلاً بالله وبعظمته، فإنّه لا ينبغي لمن كان إلهاً أن يكون له بنون وبنات، ولا صاحبة، ولا أن يشركه في خلقه شريك ولا نظير، ولا أن يكون معه من خلقه معين ولا ظهير. وهذا الافتراء والادّعاء منهم، كادّعاء اليهود أنّ عُزيراً ابن الله، وادّعاء النّصارى أنّ المسيح ابن الله، وادّعاء مشركي العرب أنّ الملائكة بنات الله، فهم سواء في الافتراء على الله بغير علم، تعالى الله عمّا يقولون علوّاً كبيراً. وأصل الخرق: قطع الشيء على سبيل الفساد من غير تدبّر ولا تفكّر، يقال: خرق الكذب يخرقه، إذا صنعه. ﴿سُبۡحَٰنَهُۥ﴾ أي: تنزيهاً له وتقديساً ﴿وَتَعَٰلَىٰ﴾ أي: تعاظم وتبارك وعلا ﴿عَمَّا يَصِفُونَ﴾ له من الأولاد والأنداد، والنظراء والشركاء، والإفك والباطل، فإنّه تعالى الموصوف بكل كمال وجلال، المنزّه عن كل نقص وشين، وآفة وعيب.
6:101Страница 140
بَدِيعُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُۥ وَلَدٞ وَلَمۡ تَكُن لَّهُۥ صَٰحِبَةٞۖ وَخَلَقَ كُلَّ شَيۡءٖۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ ١٠١
Он - Созидатель небес и земли. Как может быть у Него сын, если у Него нет супруги? Он сотворил всякую вещь и ведает обо всем сущем.
١٠١ - ﴿بَدِيـعُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ﴾ أي: مبدعـهمـا ومخترعهما، وخالقهما، ومنشئهما، ومحدثهما، ومتقن صنعتهما على غير مثال سبق. ومنه سُمّيت «البدعة»، لأنّه لا نظير لها فيما سلف، ﴿أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُۥ وَلَدٞ﴾ أي: كيف يكون له ولد؟ أو: من أين يكون له ولد؟ ﴿وَلَمۡ تَكُن لَّهُۥ صَٰحِبَةٞۖ ﴾ أي: زوجة، فالولد إنّما يكون متولداً بين شيئين متناسبين، والله تعالى لا يناسبه ولا يشابهه ولا يجانسه ولا يشاكله شيء من خلقه، لأنّه خالق كل شيء، منزّه عن المثيل والشّريك: (ليس كمثله شيء)الشورى(١١). ثمّ إنّ الولد لا بدّ أن يكون من جنس والده، ولكن الله خالق كل شيء، فليس شيء من المخلوقات مشابهاً له بوجه من الوجوه، وإذا استحال في حقّه وجود زوجة له، استحال وجود الولد، فالله فرد صمد، لا صاحبة له، ولا ولد، الغني عن كل مخلوقاته، وكلّها فقيرة إليه، محتاجة في جميع أمورها، وأحوالها إليه. ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيۡءٖۖ﴾ ومنهم الملائكة وعُزيْر والمسيح، وما جعلوه لله من شركاء ونظراء. ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ﴾ فعلمه أحاط بكل شيء، لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السّماء. وفي ذكر العلم بعد الخلق إشارة إلى أنّ هذه المخلوقات وما اشتملت عليه من بديع الصّنع، وجمال الصّنعة، دالّة على إحاطة علم الخالق بكل شيء، وكمال حكمته، وعظيم قدرته. كقوله: (ألا يعلم من خلق)الملك(١٤)، وقوله: (وهو الخلاّق العليم)يس(٨١).
6:102Страница 141
ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمۡۖ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ خَٰلِقُ كُلِّ شَيۡءٖ فَٱعۡبُدُوهُۚ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ وَكِيلٞ ١٠٢
Таков Аллах, ваш Господь. Нет божества, кроме Него, Творца всякой вещи. Поклоняйтесь же Ему! Он является Попечителем и Хранителем всякой вещи.
١٠٢ - ﴿ذَٰلِكُمُ﴾ المتّصف بالأوصاف العليّة السّابقة هو ﴿ٱللَّهُ رَبُّكُمۡۖ﴾ لا رب لكم غيره، ربّاكم بالنّعم، وصـرف عنكم البلاء والنّقم ﴿لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ﴾ أي: لا معبود بحقّ في الوجود إلاّ هو، الموصوف بكل كمال وجمال، المنزّه عن كل نقص. ﴿خَٰلِقُ كُلِّ شَيۡءٖ فَٱعۡبُدُوهُۚ﴾ وحده لا شريك له، وأقرّوا له بالوحدانية، والألوهية، والربوبية، واصرفوا له جميع أنواع العبادة، وأخلصوها له، واقصدوا بها وجهه الكريم فهو الحقيق بها، لا غيـره (وما خلقـت الجـنّ والإنـس إلا ليعبـدون)الذّاريات(٥٦). ﴿وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ وَكِيلٞ﴾ أي: حفيظ، ورقيب، ومتولّ أمور خلقه، تدبيراً وتصريفاً، يرزقهم ويكلؤهم بالليل والنّهار. فالأمر المتصرَّف فيه يكون تمامه وكماله، بحسب حال الوكيل عليه. ووكالته تعالى على الأشياء ليست من جنس وكالة الخلق، فإن وكالتهم، وكالة نيابة، فالوكيل فيها تابع لموكِّله. أمّا الله عزّ وجل فوكالته من نفسه لنفسه، متضمّنة لكمال علمه، وعظيم حكمته، ومطلق عدله وفضله وإحسانه. فلا يمكن لأحد أن يستدرك على الله، ولا أن يرى في خلقه خللاً ولا فطوراً، ولا في تدبيره وتصريفه نقصاً ولا عيباً. ومن وكالته تعالى أنّه توكل ببيان دينه، وحفظه عن المزيلات والمغيِّرات، وتولى حفظ المؤمنين وعصمتهم عمّا يضعف إيمانهم، ويُنقص دينهم، وتولى أمر خلقه، يرزقهم ويكلؤهم بالليل والنّهار.
6:103Страница 141
لَّا تُدۡرِكُهُ ٱلۡأَبۡصَٰرُ وَهُوَ يُدۡرِكُ ٱلۡأَبۡصَٰرَۖ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلۡخَبِيرُ ١٠٣
Взоры не могут постичь Его, а Он постигает взоры. Он - Проницательный (или Добрый), Сведущий.
١٠٣ - ﴿لَّا تُدۡرِكُهُ ٱلۡأَبۡصَٰرُ﴾ أي: لا تراه الأبصار في الدنيا، وإن كانت تراه في الآخرة، أو: لا تحيط بعظمته وجلاله وكبريائه على ما هو عليه- تبارك وتعالى- أبصار الخلائق كلّها في الدنيا والآخرة. أو: (لا تدركه الأبصار) إدراك إحاطة وشمول بكُنْهه وحقيقته وماهيّته، فلا تبلغ كنه حقيقته الأبصار في الدنيا ولا في الآخرة، فإن ذلك مُحال. فالمنفيُّ هنا: هو الإدراك والشمول والإحاطة به تعالى، وهو بهذا المعنى أخصّ من الرؤية، التي هي مجرد المعاينة. فنفي الإدراك والإحاطة لا يقتضي نفي الرؤية، إذ نفي الأخص لا يستلزم نفي الأعمّ، فأنت ترى القمر ولا تدرك حقيقته. وقد ثبتت رؤية المؤمنين له تعالى في الآخرة، كما في قوله تعالى:(وجوه يومئذ ناضرة ٢٢ إلى ربها ناظرة ٢٣)القيامة(٢٢-٢٣). وفي الصحيحين:«إنكم سترون ربّكم كما ترون القمر ليلة البدر، لا تَضامّون في رؤيته». و في رواية:«لاتَضارّون» أي : لا تغلبون عليها .﴿وَهُوَ يُدۡرِكُ ٱلۡأَبۡصَٰرَۖ ﴾ أي: يحيط بها، ويبلغ كنهها وحقيقتها، ويعلمها على ما هي عليه، لأنّه خالقها فلا تخفى عليه منها خافية. أو: وهو يدرك القوة التي تُدرك بها المُبصَرات، ويحيط بها علماً، إذ هو خالق القوة والحواس. ويحتمل أن يكون عبّر بالأبصار عن المبصرين، فيكون معنى قوله: (لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار) أي: لا يحيط به شيء، ولا يراه رؤية العظمة والجلال على ما هو عليه، شيء من الخلائق، وهو يرى الخلائق ويحيط بها علماً. أي: لا تحيط أبصارهم به من عظمته وجلاله، وبصره تعالى محيط بهم، لعظمته وجلاله. ﴿وَهُوَ ٱللَّطِيفُ﴾ بعباده، الرفيق بهم. فاللطف من الله بعباده: التوفيق والعصمة. وقيل: اللطيف: من يدرك الأسرار والخفايا والبواطن والخبايا بيسر وسهولة. ﴿ٱلۡخَبِيرُ﴾ الذي أحاط علمه بالأشياء ظاهرها وباطنها، وأحاط سمعه بالأصوات جليّها وخفيّها، وأحاط بصره بجميع المبصرات، دقيقها وجليلها.فائدةقوله تعالى: (لا تدركه الأبصار) اختلف العلماء في المراد منه على أقوال: الأول: (لا تدركه الأبصار) في الدنيا، أي: لا تراه في الدنيا، وإن كانت تراه في الآخرة. ففي الصحيح عن عائشة أنّها قالت: من زعم أنّ محمداً أبصر ربّه- أي: في المعراج- فقد كذب على الله، فإن الله تعالى يقول: (لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار). وخالفها ابن عباس، فعنه: إطلاق الرؤية، وعنه في رواية أخرى: أنّه رآه بفؤاده مرتين. ولكن نفي الرؤية في الدنيا مخصص بما ثبت من رؤية المؤمنين له في الآخرة، كقوله: (وجوه يومئذ ناضرة ٢٢ إلى ربها ناظرة ٢٣)القيامة(٢٢-٢٣). وقوله عن الكافرين: (كلا إنهم عن ربّهم يومئذ لمحجوبون)المطففين(١٥)، قال الشّافعي: فدلّ هذا على أنّ المؤمنين لا يحجبون عنه تبارك وتعالى. وفي السنّة المتواترة عن رسول الله ﷺ: «أنّ المؤمنين يرون الله في الدار الآخرة في العرصات، وروضات الجنّات». الثاني: (لا تدركه الأبصار): أي: لا تحيط بكنهه وحقيقته الأبصار في الدنيا والآخرة، لعظمته وجلاله وكماله، وإن كانت تراه في الآخرة. فلا منافاة بين إثبات الرؤية في الآخرة، ونفي الإدراك في الدنيا والآخرة. فإن الإدراك أخصّ من الرؤية، ولا يلزم من نفي الأخص، انتفاء الأعم. فنفي الإدراك إذن لا ينفي الرؤية، بل يُثبتها بالمفهوم. فإنه لو أراد نفي الرؤية لقال:«لا تراه الأبصار». ثم اختلف في الإدراك المنفي ما هو؟ على قولين: فقيل: معرفة الحقيقة، فإن هذا لا يعرفه إلا الله، وإن رآه المؤمنون، كما أنّ من رأى القمر، فإنه لا يدرك حقيقته، وكنهه، وماهيته. ولله المثل الأعلى. وقيل الإدراك: هو الإحاطة، ولا يلزم من عدم الإحاطة، عدم الرؤية، كما لا يلزم من عدم إحاطة العلم في قوله تعالى: (ولا يحيطون به علماً)طه(١١٠)، عدم العلم . وفي صحيح مسلم:«لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك». فلا يلزم من عدم إحصاء الثناء على الله، عدم الثناء عليه. الثالث: (لا تدركه الأبصار): أي: لا تحيط بجلاله وعظمته على ما هو عليه، أبصار الخلائق كلها في الدنيا والآخرة، وإن كانت تراه في الآخرة بالنّظر إلى وجهه الكريم. فنفي الإدراك هنا متجه إلى نفي الرؤية بمعنى رؤية العظمة والجلال على ما هو عليه تبارك وتعالى. وهذا غير ممكن للبشر ولا للملائكة ولا لشيء من خلقه. روى الترمذي وابن مردويه والحاكم في «المستدرك»- وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يُخرجاه- عن عكرمة قال: سمعت ابن عباس يقول: «رأى محمد ربّه تبارك وتعالى، فقلت: أليس الله يقول: (لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار)؟ فقال: ذلك نوره الذي هو نوره، إذا تجلّى بنوره لا يدركه شيء». وفي رواية:«لا يقوم له شيء». وفي معنى هذا الأثر: ما ثبت في الصحيحين من حديث أبي موسى الأشعري مرفوعاً:«إنّ الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يُرفع إليه عمل النّهار قبل الليل، وعمل الليل قبل النّهار، حجابه النّور- أو: النّار- لو كشفه لأحرقت سُبُحات وجهه -أي:نوره وجلاله- ما انتهى إليه بصره من خلقه».
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии