Аш-Шаукани · Тафсир · на арабском
Ас-Саффат 37:75–113
37:75–113Страница 448
وَلَقَدۡ نَادَىٰنَا نُوحٞ فَلَنِعۡمَ ٱلۡمُجِيبُونَ ٧٥
Нух (Ной) воззвал к Нам, а ведь Мы прекрасно отвечаем на молитвы.
وَنَجَّيۡنَٰهُ وَأَهۡلَهُۥ مِنَ ٱلۡكَرۡبِ ٱلۡعَظِيمِ ٧٦
Мы спасли его и его семью от великой печали
وَجَعَلۡنَا ذُرِّيَّتَهُۥ هُمُ ٱلۡبَاقِينَ ٧٧
и сохранили только его потомство.
وَتَرَكۡنَا عَلَيۡهِ فِي ٱلۡأٓخِرِينَ ٧٨
Мы оставили о нем в последующих поколениях добрую молву.
سَلَٰمٌ عَلَىٰ نُوحٖ فِي ٱلۡعَٰلَمِينَ ٧٩
Мир Нуху (Ною) среди миров!
إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡمُحۡسِنِينَ ٨٠
Воистину, так Мы воздаем творящим добро.
إِنَّهُۥ مِنۡ عِبَادِنَا ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٨١
Воистину, он - один из Наших верующих рабов.
ثُمَّ أَغۡرَقۡنَا ٱلۡأٓخَرِينَ ٨٢
Затем Мы потопили всех остальных.
۞ وَإِنَّ مِن شِيعَتِهِۦ لَإِبۡرَٰهِيمَ ٨٣
Ибрахим (Авраам) был одним из его приверженцев.
إِذۡ جَآءَ رَبَّهُۥ بِقَلۡبٖ سَلِيمٍ ٨٤
Вот он пришел к своему Господу с непорочным сердцем.
إِذۡ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوۡمِهِۦ مَاذَا تَعۡبُدُونَ ٨٥
Он сказал своему отцу и своему народу: «Чему вы поклоняетесь?
أَئِفۡكًا ءَالِهَةٗ دُونَ ٱللَّهِ تُرِيدُونَ ٨٦
Неужели вы жаждете других богов, помимо Аллаха, измышляя ложь?
فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٨٧
И что вы думаете о Господе миров?».
فَنَظَرَ نَظۡرَةٗ فِي ٱلنُّجُومِ ٨٨
Потом он бросил взгляд на звезды
فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٞ ٨٩
и сказал: «Я болен».
فَتَوَلَّوۡاْ عَنۡهُ مُدۡبِرِينَ ٩٠
Они отвернулись от него, обратившись вспять.
فَرَاغَ إِلَىٰٓ ءَالِهَتِهِمۡ فَقَالَ أَلَا تَأۡكُلُونَ ٩١
Он украдкой пробрался к их богам и сказал: «Не поесть ли вам?
مَا لَكُمۡ لَا تَنطِقُونَ ٩٢
Что с вами? Почему вы не разговариваете?
فَرَاغَ عَلَيۡهِمۡ ضَرۡبَۢا بِٱلۡيَمِينِ ٩٣
Он подошел к ним и стал бить их десницей.
فَأَقۡبَلُوٓاْ إِلَيۡهِ يَزِفُّونَ ٩٤
Они (язычники) направились к нему второпях.
قَالَ أَتَعۡبُدُونَ مَا تَنۡحِتُونَ ٩٥
Он сказал: «Неужели вы поклоняетесь тому, что сами высекаете?
وَٱللَّهُ خَلَقَكُمۡ وَمَا تَعۡمَلُونَ ٩٦
Аллах сотворил вас и то, что вы делаете (или Аллах сотворил вас, и сами вы ничего не делаете; или Аллах сотворил вас. Что же вы делаете?)».
قَالُواْ ٱبۡنُواْ لَهُۥ بُنۡيَٰنٗا فَأَلۡقُوهُ فِي ٱلۡجَحِيمِ ٩٧
Они сказали: «Соорудите для него строение и бросьте его в огонь!».
فَأَرَادُواْ بِهِۦ كَيۡدٗا فَجَعَلۡنَٰهُمُ ٱلۡأَسۡفَلِينَ ٩٨
Они замыслили против него козни, но Мы сделали их нижайшими.
وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّي سَيَهۡدِينِ ٩٩
Он сказал: «Я ухожу к моему Господу, Который поведет меня прямым путем.
رَبِّ هَبۡ لِي مِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ١٠٠
Господи, одари меня потомством из числа праведников!».
فَبَشَّرۡنَٰهُ بِغُلَٰمٍ حَلِيمٖ ١٠١
Тогда Мы обрадовали его вестью о выдержанном мальчике.
فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ ٱلسَّعۡيَ قَالَ يَٰبُنَيَّ إِنِّيٓ أَرَىٰ فِي ٱلۡمَنَامِ أَنِّيٓ أَذۡبَحُكَ فَٱنظُرۡ مَاذَا تَرَىٰۚ قَالَ يَٰٓأَبَتِ ٱفۡعَلۡ مَا تُؤۡمَرُۖ سَتَجِدُنِيٓ إِن شَآءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّٰبِرِينَ ١٠٢
Когда он достиг того возраста, чтобы усердствовать вместе с ним, он сказал: «Сын мой! Я вижу во сне, что зарезаю тебя. Посмотри, что ты думаешь?». Он сказал: «Отец мой! Сделай то, что тебе велено. Если Аллах пожелает, ты найдешь меня одним из терпеливых».
فَلَمَّآ أَسۡلَمَا وَتَلَّهُۥ لِلۡجَبِينِ ١٠٣
Когда они оба покорились, и он уложил его на бок,
وَنَٰدَيۡنَٰهُ أَن يَٰٓإِبۡرَٰهِيمُ ١٠٤
Мы воззвали к нему: «О Ибрахим (Авраам)!
قَدۡ صَدَّقۡتَ ٱلرُّءۡيَآۚ إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡمُحۡسِنِينَ ١٠٥
Ты оправдал сновидение». Воистину, так Мы воздаем творящим добро.
إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ ٱلۡبَلَٰٓؤُاْ ٱلۡمُبِينُ ١٠٦
Это и есть явное испытание (или явная милость).
وَفَدَيۡنَٰهُ بِذِبۡحٍ عَظِيمٖ ١٠٧
Мы выкупили его великой жертвой.
وَتَرَكۡنَا عَلَيۡهِ فِي ٱلۡأٓخِرِينَ ١٠٨
Мы оставили о нем в последующих поколениях добрую молву.
سَلَٰمٌ عَلَىٰٓ إِبۡرَٰهِيمَ ١٠٩
Мир Ибрахиму (Аврааму)!
كَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡمُحۡسِنِينَ ١١٠
Воистину, так Мы воздаем творящим добро.
إِنَّهُۥ مِنۡ عِبَادِنَا ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ١١١
Воистину, он - один из Наших верующих рабов.
وَبَشَّرۡنَٰهُ بِإِسۡحَٰقَ نَبِيّٗا مِّنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ١١٢
Мы обрадовали его вестью об Исхаке (Исааке) - пророке из числа праведников.
وَبَٰرَكۡنَا عَلَيۡهِ وَعَلَىٰٓ إِسۡحَٰقَۚ وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحۡسِنٞ وَظَالِمٞ لِّنَفۡسِهِۦ مُبِينٞ ١١٣
Мы благословили его и Исхака (Исаака). Среди их потомства есть творящие добро и поступающие явно несправедливо к самим себе.
لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - أنَّهُ أرْسَلَ في الأُمَمِ الماضِيَةِ مُنْذِرِينَ ذَكَرَ تَفْصِيلَ بَعْضِ ما أجْمَلَهُ فَقالَ: ﴿ولَقَدْ نادانا نُوحٌ﴾ واللّامُ هي المُوَطِّئَةُ لِلْقَسَمِ، وكَذا اللّامُ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَنِعْمَ المُجِيبُونَ﴾ أيْ: نَحْنُ، والمُرادُ أنَّ نُوحًا دَعا رَبَّهُ عَلى قَوْمِهِ لَمّا عَصَوْهُ، فَأجابَ اللَّهُ دُعاءَهُ وأهْلَكَ قَوْمَهُ بِالطُّوفانِ.
فالنِّداءُ هُنا هو نِداءُ الدُّعاءِ لِلَّهِ والِاسْتِغاثَةُ بِهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلى الأرْضِ مِنَ الكافِرِينَ دَيّارًا﴾ [نوح: ٢٦] وقَوْلِهِ: ﴿أنِّي مَغْلُوبٌ فانْتَصِرْ﴾ [القمر: ١٠] قالَ الكِسائِيُّ أيْ: فَلَنِعْمَ المُجِيبُونَ لَهُ كُنّا.
﴿ونَجَّيْناهُ وأهْلَهُ مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ المُرادُ بِأهْلِهِ أهْلُ دِينِهِ، وهم مَن آمَنَ مَعَهُ وكانُوا ثَمانِينَ، والكَرْبُ العَظِيمُ هو الغَرَقُ، وقِيلَ: تَكْذِيبُ قَوْمِهِ لَهُ وما يَصْدُرُ مِنهم إلَيْهِ مِن أنْواعِ الأذايا.
﴿وجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الباقِينَ﴾ وحْدَهم دُونَ غَيْرِهِمْ كَما يُشْعِرُ بِهِ ضَمِيرُ الفَصْلِ، وذَلِكَ لِأنَّ اللَّهَ أهْلَكَ الكَفَرَةَ بِدُعائِهِ ولَمْ يُبْقِ مِنهم باقِيَةً، ومَن كانَ مَعَهُ في السَّفِينَةِ مِنَ المُؤْمِنِينَ ماتُوا كَما قِيلَ ولَمْ يُبْقِ إلّا أوْلادَهُ.
قالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ: كانَ ولَدُ نُوحٍ ثَلاثَةٌ والنّاسُ كُلُّهم مِن ولَدِ نُوحٍ، فَسامٌ أبُو العَرَبِ وفارِسَ والرُّومِ واليَهُودِ والنَّصارى.
وحامٌ أبُو السُّودانِ مِنَ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ: السِّنْدِ، والهِنْدِ، والنُّوبِ، والزِّنْجِ، والحَبَشَةِ، والقِبْطِ، والبَرْبَرِ وغَيْرِهِمْ.
ويافِثٌ أبُو الصَّقالِبِ والتُّرْكِ والخَزَرِ ويَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ وغَيْرِهِمْ.
وقِيلَ: إنَّهُ كانَ لِمَن مَعَ نُوحٍ ذُرِّيَّةٌ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿ذُرِّيَّةَ مَن حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ﴾ [الإسراء: ٣] وقَوْلُهُ ﴿قِيلَ يانُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنّا وبَرَكاتٍ عَلَيْكَ وعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهم ثُمَّ يَمَسُّهم مِنّا عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [هود: ٤٨] فَيَكُونُ عَلى هَذا مَعْنى ﴿وجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الباقِينَ﴾ وذُرِّيَّتَهُ وذُرِّيَّةَ مَن مَعَهُ دُونَ ذُرِّيَّةِ مَن كَفَرَ، فَإنَّ اللَّهَ أغْرَقَهم فَلَمْ يُبْقِ لَهم ذُرِّيَّةً.
﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ يَعْنِي في الَّذِينَ يَأْتُونَ بَعْدَهُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ مِنَ الأُمَمِ.
والمَتْرُوكُ هَذا هو قَوْلُهُ: ﴿سَلامٌ عَلى نُوحٍ﴾ أيْ: تَرَكْنا هَذا الكَلامَ بِعَيْنِهِ وارْتِفاعِهِ عَلى الحِكايَةِ، والسَّلامُ هو الثَّناءُ الحَسَنُ أيْ: يُثْنُونَ عَلَيْهِ ثَناءً حَسَنًا ويَدْعُونَ لَهُ ويَتَرَحَّمُونَ عَلَيْهِ.
قالَ الزَّجّاجُ: تَرَكْنا عَلَيْهِ الذِّكْرَ الجَمِيلَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وذَلِكَ الذِّكْرُ هو قَوْلُهُ: ﴿سَلامٌ عَلى نُوحٍ﴾ .
قالَ الكِسائِيُّ: في ارْتِفاعِ ( سَلامٌ ) وجْهانِ: أحَدُهُما وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ يُقالُ: سَلامٌ عَلى نُوحٍ. والوَجْهُ الثّانِي أنْ يَكُونَ المَعْنى: وأبْقَيْنا عَلَيْهِ، وتَمَّ الكَلامُ، ثُمَّ ابْتَدَأ فَقالَ: سَلامٌ عَلى نُوحٍ أيْ: وسَلامَةٌ لَهُ مِن أنْ يُذْكَرَ بِسُوءٍ في الآخِرِينَ.
قالَ المُبَرِّدُ أيْ: تَرَكْنا عَلَيْهِ هَذِهِ الكَلِمَةَ باقِيَةً: يَعْنِي يُسَلِّمُونَ عَلَيْهِ تَسْلِيمًا ويَدْعُونَ لَهُ، وهو مِنَ الكَلامِ المَحْكِيِّ كَقَوْلِهِ: ﴿سُورَةٌ أنْزَلْناها﴾ [النور: ١] وقِيلَ: إنَّهُ ضَمَّنَ تَرَكْنا مَعْنى قُلْنا.
قالَ الكُوفِيُّونَ: جُمْلَةُ ( سَلامٌ عَلى نُوحٍ في العالَمِينَ ) في مَحَلِّ نَصْبٍ مَفْعُولِ " تَرَكْنا "، لِأنَّهُ (p-١٢٤٤)ضُمِّنَ مَعْنى قُلْنا.
قالَ الكِسائِيُّ: وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ " سَلامًا " مَنصُوبٌ بِـ " تَرَكْنا " أيْ: تَرَكْنا عَلَيْهِ ثَناءً حَسَنًا، وقِيلَ: المُرادُ بِالآخَرِينَ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، و" في العالَمِينَ " مُتَعَلِّقٌ بِما تَعَلَّقَ بِهِ الجارُّ والمَجْرُورُ الواقِعُ خَبَرًا، وهو عَلى نُوحٍ أيْ: سَلامٌ ثابِتٌ أوْ مُسْتَمِرٌّ أوْ مُسْتَقِرٌّ عَلى نُوحٍ في العالَمِينَ مِنَ المَلائِكَةِ والجِنِّ والإنْسِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى عَدَمِ اخْتِصاصِ ذَلِكَ بِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كَما قِيلَ.
﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها مِنَ التَّكْرِمَةِ لِنُوحٍ بِإجابَةِ دُعائِهِ وبَقاءِ الثَّناءِ مِنَ اللَّهِ عَلَيْهِ وبَقاءِ ذُرِّيَّتِهِ أيْ: إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي مَن كانَ مُحْسِنًا في أقْوالِهِ وأفْعالِهِ راسِخًا في الإحْسانِ مَعْرُوفًا بِهِ، والكافُ في كَذَلِكَ نَعْتُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ: جَزاءٌ كَذَلِكَ الجَزاءِ.
﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ هَذا بَيانٌ لِكَوْنِهِ مِنَ المُحْسِنِينَ وتَعْلِيلٌ لَهُ بِأنَّهُ كانَ عَبْدًا مُؤْمِنًا مُخْلِصًا لِلَّهِ.
﴿ثُمَّ أغْرَقْنا الآخَرِينَ﴾ أيِ: الكَفَرَةَ الَّذِينَ لَمْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ ولا صَدَّقُوا نُوحًا.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - قِصَّةَ إبْراهِيمَ وبَيَّنَ أنَّهُ مِمَّنْ شايَعَ نُوحًا فَقالَ: ﴿وإنَّ مِن شِيعَتِهِ لَإبْراهِيمَ﴾ أيْ: مِن أهْلِ دِينِهِ ومِمَّنْ شايَعَهُ ووافَقَهُ عَلى الدُّعاءِ إلى اللَّهِ، وإلى تَوْحِيدِهِ، والإيمانِ بِهِ. قالَ مُجاهِدٌ: أيْ: عَلى مِنهاجِهِ وسُنَّتِهِ. قالَ الأصْمَعِيُّ: الشِّيعَةُ الأعْوانُ وهو مَأْخُوذٌ مِنَ الشِّياعِ، وهو الحَطَبُ الصِّغارُ الَّذِي يُوقَدُ مَعَ الكِبارِ حَتّى يُسْتَوْقَدَ، وقالَ الفَرّاءُ: المَعْنى وإنَّ مِن شِيعَةِ مُحَمَّدٍ لَإبْراهِيمَ، فالهاءُ في شِيعَتِهِ عَلى هَذا لِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وكَذا قالَ الكَلْبِيُّ. ولا يُخْفى ما في هَذا مِنَ الضَّعْفِ والمُخالَفَةِ لِلسِّياقِ.
والظَّرْفُ في قَوْلِهِ: ﴿إذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ أيِ: اذْكُرْ، وقِيلَ: بِما في الشِّيعَةِ مِن مَعْنى المُتابَعَةِ.
قالَ أبُو حَيّانَ: لا يَجُوزُ؛ لِأنَّ فِيهِ الفَصْلَ بِينَ العامِلِ والمَعْمُولِ بِأجْنَبِيٍّ، وهو إبْراهِيمُ، والأوْلى أنْ يُقالَ: إنَّ لامَ الِابْتِداءِ تَمْنَعُ ما بَعْدَها مِنَ العَمَلِ فِيما قَبْلَها، والقَلْبُ السَّلِيمُ المُخَلَّصُ مِنَ الشِّرْكِ والشَّكِّ.
وقِيلَ: هو النّاصِحُ لِلَّهِ في خَلْقِهِ، وقِيلَ: الَّذِي يَعْلَمُ أنَّ اللَّهَ حَقٌّ، وأنَّ السّاعَةَ قائِمَةٌ، وأنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَن في القُبُورِ.
ومَعْنى مَجِيئِهِ إلى رَبِّهِ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما عِنْدَ دُعائِهِ إلى تَوْحِيدِهِ وطاعَتِهِ. الثّانِي عِنْدَ إلْقائِهِ في النّارِ.
وقَوْلُهُ: ﴿إذْ قالَ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ ماذا تَعْبُدُونَ﴾ بَدَلٌ مِنَ الجُمْلَةِ الأُولى، أوْ ظَرْفٌ لِ " سَلِيمٍ "، أوْ ظَرْفٌ لِ " جاءَ "، والمَعْنى: وقْتَ قالَ لِأبِيهِ آزَرَ وقَوْمِهِ مِنَ الكُفّارِ: أيَّ شَيْءٍ تَعْبُدُونَ.
﴿أئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ﴾ انْتِصابُ " إفْكًا " عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لِأجْلِهِ، وانْتِصابُ ( آلِهَةً ) عَلى أنَّهُ مَفْعُولُ ( تُرِيدُونَ )، والتَّقْدِيرُ أتُرِيدُونَ آلِهَةً مِن دُونِ اللَّهِ لِلْإفْكِ، و" دُونَ " ظَرْفٌ لِ " تُرِيدُونِ "، وتَقْدِيمُ هَذِهِ المَعْمُولاتِ لِلْفِعْلِ عَلَيْهِ لِلِاهْتِمامِ.
وقِيلَ: انْتِصابُ " إفْكًا " عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ لِ ( تُرِيدُونِ )، و( آلِهَةً ) بَدَلٌ مِنهُ، جَعَلَها نَفْسَ الإفْكِ مُبالَغَةً، وهَذا أوْلى مِنَ الوَجْهِ الأوَّلِ.
وقِيلَ: انْتِصابُهُ عَلى الحالِ مِن فاعِلِ ( تُرِيدُونَ ) أيْ: أتُرِيدُونَ آلِهَةً آفِكِينَ أوْ ذَوِي إفْكٍ.
قالَ المُبَرِّدُ: الإفْكُ أسْوَأُ الكَذِبِ، وهو الَّذِي لا يَثْبُتُ ويَضْطَرِبُ ومِنهُ ائْتَفَكَتْ بِهِمُ الأرْضُ.
﴿فَما ظَنُّكم بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ أيْ: ما ظَنُّكم بِهِ إذا لَقِيتُمُوهُ وقَدْ عَبَدْتُمْ غَيْرَهُ وما تَرَوْنَهُ يَصْنَعُ بِكم ؟ وهو تَحْذِيرٌ مِثْلُ قَوْلِهِ ﴿ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الكَرِيمِ﴾ [الانفطار: ٦] وقِيلَ: المَعْنى: أيَّ شَيْءٍ تَوَهَّمْتُمُوهُ بِاللَّهِ حَتّى أشْرَكْتُمْ بِهِ غَيْرَهُ.
﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً في النُّجُومِ فَقالَ إنِّي سَقِيمٌ﴾ قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: كانُوا يَتَعاطَوْنَ عِلْمَ النُّجُومِ فَعامَلَهم بِذَلِكَ لِئَلّا يُنْكِرُوا عَلَيْهِ وذَلِكَ أنَّهُ أرادَ أنْ يُكايِدَهم في أصْنامِهِمْ لِتَلْزَمَهُمُ الحُجَّةُ في أنَّها غَيْرُ مَعْبُودَةٍ، وكانَ لَهم مِنَ الغَدِ يَوْمُ عِيدٍ يَخْرُجُونَ إلَيْهِ، وأرادَ أنْ يَتَخَلَّفَ عَنْهم فاعْتَلَّ بِالسَّقَمِ: وذَلِكَ أنَّهم كَلَّفُوهُ أنْ يَخْرُجَ مَعَهم إلى عِيدِهِمْ فَنَظَرَ إلى النُّجُومِ يُرِيهِمْ أنَّهُ مُسْتَدِلٌّ بِهِمْ عَلى حالِهِ، فَلَمّا نَظَرَ إلَيْها قالَ: إنِّي سَقِيمٌ أيْ: سَأسْقُمُ.
وقالَ الحَسَنُ: إنَّهم لَمّا كَلَّفُوهُ أنْ يَخْرُجَ مَعَهم تَفَكَّرَ فِيما يَعْمَلُ، فالمَعْنى عَلى هَذا أنَّهُ نَظَرَ فِيما نَجَمَ لَهُ مِنَ الرَّأْيِ أيْ: فِيما طَلَعَ لَهُ مِنهُ، فَعَلِمَ أنَّ كُلَّ شَيْءٍ يَسْقَمُ.
﴿فَقالَ إنِّي سَقِيمٌ﴾ قالَ الخَلِيلُ والمُبَرِّدُ: يُقالُ لِلرَّجُلِ إذا فَكَّرَ في الشَّيْءِ يُدَبِّرُهُ: نَظَرَ في النُّجُومِ وقِيلَ: كانَتِ السّاعَةُ الَّتِي دَعَوْهُ إلى الخُرُوجِ مَعَهم فِيها ساعَةً تَعْتادُهُ فِيها الحُمّى.
وقالَ الضَّحّاكُ: مَعْنى إنِّي سَقِيمٌ: سَأسْقُمُ سُقْمَ المَوْتِ، لِأنَّ مَن كُتِبَ عَلَيْهِ المَوْتُ يَسْقُمُ في الغالِبِ ثُمَّ يَمُوتُ، وهَذا تَوْرِيَةٌ وتَعْرِيضٌ كَما قالَ لِلْمَلِكِ لَمّا سَألَهُ عَنْ سارَّةَ هي أُخْتِي: يَعْنِي أُخُوَّةَ الدِّينِ.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: أشارَ لَهم إلى مَرَضٍ يُسْقِمُ ويُعْدِي وهو الطّاعُونُ وكانُوا يَهْرُبُونَ مِن ذَلِكَ.
ولِهَذا قالَ: ﴿فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ﴾ أيْ: تَرَكُوهُ وذَهَبُوا مَخافَةَ العَدْوى.
﴿فَراغَ إلى آلِهَتِهِمْ﴾ يُقالُ: راغَ يَرُوغُ رَوْغًا ورَوَغانًا: إذا مالَ، ومِنهُ طَرِيقٌ رائِغٌ، أيْ: مائِلٌ.
ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎فَيُرِيكَ مِن طَرَفِ اللِّسانِ حَلاوَةً ويَرُوغُ عَنْكَ كَما يَرُوغُ الثَّعْلَبُ
وقالَ السُّدِّيُّ: ذَهَبَ إلَيْهِمْ، وقالَ أبُو مالِكٍ: جاءَ إلَيْهِمْ، وقالَ الكَلْبِيُّ: أقْبَلَ عَلَيْهِمْ، والمَعْنى مُتَقارِبٌ ﴿فَقالَ ألا تَأْكُلُونَ﴾ أيْ: فَقالَ إبْراهِيمُ لِلْأصْنامِ الَّتِي راغَ إلَيْها اسْتِهْزاءً وسُخْرِيَةً: ألا تَأْكُلُونَ مِنَ الطَّعامِ الَّذِي كانُوا يَصْنَعُونَهُ لَها، وخاطَبَها كَما يُخاطَبُ مَن يَعْقِلُ، لِأنَّهم أنْزَلُوها بِتِلْكَ المَنزِلَةِ.
وكَذا قَوْلُهُ: ﴿ما لَكم لا تَنْطِقُونَ﴾ فَإنَّهُ خاطَبَهم خِطابَ مَن يَعْقِلُ، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّهَكُّمِ بِهِمْ لِأنَّهُ قَدْ عَلِمَ أنَّها جَماداتٌ لا تَنْطِقُ.
قِيلَ: إنَّهم تَرَكُوا عِنْدَ أصْنامِهِمْ طَعامَهم لِلتَّبَرُّكِ بِها ولِيَأْكُلُوهُ إذا رَجَعُوا مِن عِيدِهِمْ.
وقِيلَ: تَرَكُوهُ لِلسَّدَنَةِ، وقِيلَ: إنَّ إبْراهِيمَ هو الَّذِي قَرَّبَ إلَيْهِمُ الطَّعامَ مُسْتَهْزِئًا بِها.
﴿فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِاليَمِينِ﴾ أيْ: فَمالَ عَلَيْهِمْ يَضْرِبُهم ضَرْبًا بِاليَمِينِ فانْتِصابُهُ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، أوْ هو مَصْدَرٌ لِ: راغَ، لِأنَّهُ بِمَعْنى ضَرَبَ.
قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: يَعْنِي بِيَدِهِ اليُمْنى يَضْرِبُهم بِها. وقالَ السُّدِّيُّ: بِالقُوَّةِ والقُدْرَةِ لِأنَّ اليَمِينَ أقْوى اليَدَيْنِ. قالَ الفَرّاءُ وثَعْلَبٌ: ضَرْبًا بِالقُوَّةِ، واليَمِينُ القُوَّةُ.
وقالَ الضَّحّاكُ والرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: المُرادُ بِاليَمِينِ اليَمِينُ الَّتِي حَلَفَها حِينَ قالَ: ﴿وتاللَّهِ لَأكِيدَنَّ أصْنامَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٥٧] وقِيلَ: المُرادُ بِاليَمِينِ هُنا العَدْلُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الأقاوِيلِ لَأخَذْنا مِنهُ بِاليَمِينِ﴾ [الحاقة: ٤٤، ٤٥] أيْ: بِالعَدْلِ، واليَمِينُ كِنايَةٌ عَنِ (p-١٢٤٥)العَدْلِ كَما أنَّ الشِّمالَ كِنايَةٌ عَنِ الجَوْرِ، وأوَّلُ هَذِهِ الأقْوالِ أوْلاها.
﴿فَأقْبَلُوا إلَيْهِ يَزِفُّونَ﴾ أيْ: أقْبَلَ إلَيْهِ عَبَدَةُ تِلْكَ الأصْنامِ يُسْرِعُونَ لَمّا عَلِمُوا بِما صَنَعَهُ بِها، و( يَزِفُّونَ ) في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن فاعِلِ أقْبَلُوا.
قَرَأ الجُمْهُورُ يَزِفُّونَ بِفَتْحِ الياءِ مِن زَفَّ الظَّلِيمُ يَزُفُّ إذا عَدا بِسُرْعَةٍ، وقَرَأ حَمْزَةُ بِضَمِّ الياءِ مِن أزَفَّ يُزِفُّ أيْ: دَخَلَ في الزَّفِيفِ، أوْ يَحْمِلُونَ غَيْرَهم عَلى الزَّفِيفِ.
قالَ الأصْمَعِيُّ: أزْفَفْتُ الإبِلَ أيْ: حَمَلْتُها عَلى أنْ تَزِفَّ، وقِيلَ: هُما لُغَتانِ، يُقالُ: زَفَّ القَوْمُ وأزَفُّوا، وزُفَّتِ العَرُوسُ وأزْفَفْتُها، حُكِيَ ذَلِكَ عَنِ الخَلِيلِ.
قالَ النَّحّاسُ: زَعَمَ أبُو حاتِمٍ أنَّهُ لا يَعْرِفُ هَذِهِ اللُّغَةَ: يَعْنِي يُزِفُّونَ بِضَمِّ الياءِ، وقَدْ عَرَفَها جَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ مِنهُمُ الفَرّاءُ، وشَبَّهَها بِقَوْلِهِمْ أطْرَدْتُ الرَّحْلَ أيْ: صَيَّرْتُهُ إلى ذَلِكَ، وقالَ المُبَرِّدُ: الزَّفِيفُ الإسْراعُ. وقالَ الزَّجّاجُ: الزَّفِيفُ أوَّلُ عَدْوِ النَّعامِ. وقالَ قَتادَةُ والسُّدِّيُّ: ومَعْنى ( يَزِفُّونَ ) يَمْشُونَ. وقالَ الضَّحّاكُ: يَسْعَوْنَ. وقالَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ: يُرْعِدُونَ غَضَبًا. وقالَ مُجاهِدٌ: يَخْتالُونَ أيْ: يَمْشُونَ مَشْيَ الخُيَلاءِ، وقِيلَ: يَتَسَلَّلُونَ تَسَلُّلًا بَيْنَ المَشْيِ والعَدْوِ، والأُولى تَفْسِيرُ ( يَزِفُّونَ ) بِـ: يُسْرِعُونَ، وقُرِئَ " يُزَفُّونَ " عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، وقُرِئَ " يَزْفُونَ " كَ: يَرْمُونَ.
وحَكى الثَّعْلَبِيُّ عَنِ الحَسَنِ ومُجاهِدٍ، وابْنِ السَّمَيْفَعِ أنَّهم قَرَءُوا " يَرِفُّونَ " بِالرّاءِ المُهْمَلَةِ، وهي رَكْضٌ بَيْنَ المَشْيِ والعَدْوِ.
﴿قالَ أتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ﴾ لَمّا أنْكَرُوا عَلى إبْراهِيمَ ما فَعَلَهُ بِالأصْنامِ، ذَكَرَ لَهُمُ الدَّلِيلَ الدّالَّ عَلى فَسادِ عِبادَتِها فَقالَ مُبَكِّتًا لَهم ومُنْكِرًا عَلَيْهِمْ ﴿أتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ﴾ أيْ: أتَعْبُدُونَ أصْنامًا أنْتُمْ تَنْحِتُونَها، والنَّحْتُ النَّجْرُ والبَرْيُ، نَحَتَهُ يَنْحِتُهُ بِالكَسْرِ نَحْتًا أيْ: بَراهُ، والنُّحاتَةُ البُرايَةُ.
وجُمْلَةُ ﴿واللَّهُ خَلَقَكم وما تَعْمَلُونَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن فاعِلِ " تَعْبُدُونَ "، و" ما " في ﴿وما تَعْمَلُونَ﴾ مَوْصُولَةٌ أيْ: وخَلَقَ الَّذِي تَصْنَعُونَهُ عَلى العُمُومِ ويَدْخُلُ فِيها الأصْنامُ الَّتِي يَنْحِتُونَها دُخُولًا أوَّلِيًّا، ويَكُونُ مَعْنى العَمَلِ هُنا التَّصْوِيرَ والنَّحْتَ ونَحْوَهُما، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً أيْ: خَلَقَكم وخَلَقَ عَمَلَكم، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ اسْتِفْهامِيَّةً، ومَعْنى الِاسْتِفْهامِ التَّوْبِيخُ والتَّقْرِيعُ أيْ: وأيَّ شَيْءٍ تَعْمَلُونَ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ نافِيَةً، أيْ: إنَّ العَمَلَ في الحَقِيقَةِ لَيْسَ لَكم فَأنْتُمْ لا تَعْمَلُونَ شَيْئًا، وقَدْ طَوَّلَ صاحِبُ الكَشّافِ الكَلامَ في رَدِّ قَوْلِ مَن قالَ إنَّها مَصْدَرِيَّةٌ، ولَكِنْ بِما لا طائِلَ تَحْتَهُ، وجَعْلُها مَوْصُولَةً أوْلى بِالمَقامِ وأوْفَقُ بِسِياقِ الكَلامِ.
﴿قالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيانًا فَألْقُوهُ في الجَحِيمِ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كالجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها، قالُوا هَذِهِ المَقالَةَ لَمّا عَجَزُوا عَنْ جَوابِ ما أوْرَدَهُ عَلَيْهِمْ مِنَ الحُجَّةِ الواضِحَةِ، فَتَشاوَرُوا فِيما بَيْنَهم أنْ يَبْنُوا لَهُ حائِطًا مِن حِجارَةٍ ويَمْلَئُوهُ حَطَبًا ويُضْرِمُوهُ، ثُمَّ يُلْقُوهُ فِيهِ، والجَحِيمُ النّارُ الشَّدِيدَةُ الِاتِّقادِ قالَ الزَّجّاجُ وكُلُّ نارٍ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ فَهي جَحِيمٌ، واللّامُ في ( الجَحِيمِ ) عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ أيْ: في جَحِيمِ ذَلِكَ البُنْيانِ.
ثُمَّ لَمّا ألْقَوْهُ فِيها نَجّاهُ اللَّهُ مِنها وجَعَلَها عَلَيْهِ: بَرْدًا وسَلامًا، وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿فَأرادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْناهُمُ الأسْفَلِينَ﴾ الكَيْدُ: المَكْرُ والحِيلَةُ أيِ: احْتالُوا لِإهْلاكِهِ فَجَعَلْناهُمُ الأسْفَلِينَ المَقْهُورِينَ المَغْلُوبِينَ، لِأنَّها قامَتْ لَهُ بِذَلِكَ عَلَيْهِمُ الحُجَّةُ الَّتِي لا يَقْدِرُونَ عَلى دَفْعِها ولا يُمْكِنُهم جَحْدُها، فَإنَّ النّارَ الشَّدِيدَةَ الِاتِّقادِ العَظِيمَةَ الِاضْطِرامِ المُتَراكِمَةَ الجِمارِ إذا صارَتْ بَعْدَ إلْقائِهِ عَلَيْها بَرْدًا وسَلامًا، ولَمْ تُؤَثِّرْ فِيهِ أقَلَّ تَأْثِيرٍ كانَ ذَلِكَ مِنَ الحُجَّةِ بِمَكانٍ يَفْهَمُهُ كُلُّ مَن لَهُ عَقْلٌ، وصارَ المُنْكِرُ لَهُ سافِلًا ساقِطَ الحُجَّةِ ظاهِرَ التَّعَصُّبِ واضِحَ التَّعَسُّفِ وسُبْحانَ مَن يَجْعَلُ المِحَنَ لِمَن يَدْعُو إلى دِينِهِ مِنَحًا، ويَسُوقُ إلَيْهِمُ الخَيْرَ بِما هو مِن صِوَرِ الضَّيْرِ.
ولَمّا انْقَضَتْ هَذِهِ الوَقْعَةُ وأسْفَرَ الصُّبْحُ لِذِي عَيْنَيْنِ، وظَهَرَتْ حُجَّةُ اللَّهِ لِإبْراهِيمَ، وقامَتْ بَراهِينُ نُبُوَّتِهِ، وسَطَعَتْ أنْوارُ مُعْجِزَتِهِ.
﴿وقالَ إنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي﴾ أيْ: مُهاجِرٌ مِن بَلَدٍ قَوْمِي الَّذِينَ فَعَلُوا ما فَعَلُوا تَعَصُّبًا لِلْأصْنامِ وكُفْرًا بِاللَّهِ وتَكْذِيبًا لِرُسُلِهِ إلى حَيْثُ أمَرَنِي بِالمُهاجَرَةِ إلَيْهِ.
أوْ إلى حَيْثُ أتَمَكَّنُ مِن عِبادَتِهِ ﴿سَيَهْدِينِ﴾ أيْ: سَيَهْدِينِي إلى المَكانِ الَّذِي أمَرَنِي بِالذَّهابِ إلَيْهِ، أوْ إلى مَقْصِدِي.
وقِيلَ: إنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - أمَرَهُ بِالمَسِيرِ إلى الشّامِ، وقَدْ سَبَقَ بَيانُ هَذا في سُورَةِ الكَهْفِ مُسْتَوْفًى.
قالَ مُقاتِلٌ: فَلَمّا قَدِمَ الأرْضَ المُقَدَّسَةَ سَألَ رَبَّهُ الوَلَدَ فَقالَ: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصّالِحِينَ﴾ أيْ: ولَدًا صالِحًا مِنَ الصّالِحِينَ يُعِينُنِي عَلى طاعَتِكَ ويُؤْنِسُنِي في الغُرْبَةِ هَكَذا قالَ المُفَسِّرُونَ، وعَلَّلُوا ذَلِكَ بِأنَّ الهِبَةَ قَدْ غَلَبَ مَعْناها في الوَلَدِ، فَتُحْمَلُ عِنْدَ الإطْلاقِ عَلَيْهِ، وإذا ورَدَتْ مُقَيَّدَةً حُمِلَتْ عَلى ما قُيِّدَتْ بِهِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿ووَهَبْنا لَهُ مِن رَحْمَتِنا أخاهُ هارُونَ نَبِيًّا﴾ [مريم: ٥٣] .
وعَلى فَرْضِ أنَّها لَمْ تَغْلِبْ في طَلَبِ الوَلَدِ.
فَقَوْلُهُ: ﴿فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ ما أرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصّالِحِينَ﴾ إلّا الوَلَدَ، ومَعْنى " حَلِيمٍ ": أنْ يَكُونَ حَلِيمًا عِنْدَ كِبَرِهِ، فَكَأنَّهُ بُشِّرَ بِبَقاءِ ذَلِكَ الغُلامِ حَتّى يَكْبَرَ ويَصِيرَ حَلِيمًا، لِأنَّ الصَّغِيرَ لا يُوصَفُ بِالحِلْمِ.
قالَ الزَّجّاجُ: هَذِهِ البِشارَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ مُبَشَّرٌ بِابْنٍ ذَكَرٍ، وأنَّهُ يَبْقى حَتّى يَنْتَهِيَ في السِّنِّ ويُوَصَفَ بِالحِلْمِ.
﴿فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾ في الكَلامِ حَذْفٌ كَما تُشْعِرُ بِهِ هَذِهِ الفاءُ الفَصِيحَةُ والتَّقْدِيرُ: فَوَهَبْنا لَهُ الغُلامَ فَنَشَأ حَتّى صارَ إلى السِّنِّ الَّتِي يُسْعى فِيها مَعَ أبِيهِ في أُمُورِ دُنْياهُ.
قالَ مُجاهِدٌ: ﴿فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾ أيْ: شَبَّ وأدْرَكَ سَعْيُهُ سَعْيَ إبْراهِيمَ. وقالَ مُقاتِلٌ: لَمّا مَشى مَعَهُ. قالَ الفَرّاءُ كانَ يَوْمَئِذٍ ابْنَ ثَلاثَ عَشْرَةَ سَنَةً. وقالَ الحَسَنُ: هو سَعْيُ العَقْلِ الَّذِي تَقُومُ بِهِ الحُجَّةُ.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هو السَّعْيُ في العِبادَةِ، وقِيلَ: هو الِاحْتِلامُ ﴿قالَ يابُنَيَّ إنِّي أرى في المَنامِ أنِّي أذْبَحُكَ﴾ قالَ إبْراهِيمُ لِابْنِهِ لَمّا بَلَغَ مَعَهُ ذَلِكَ المَبْلَغَ: إنِّي رَأيْتُ في المَنامِ هَذِهِ الرُّؤْيا.
قالَ مُقاتِلٌ: رَأى إبْراهِيمُ ذَلِكَ ثَلاثَ لَيالٍ مُتَتابِعاتٍ. قالَ قَتادَةُ: رُؤْيا الأنْبِياءِ حَقٌّ إذا رَأوْا شَيْئًا فَعَلُوهُ. وقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في الذَّبِيحِ ؟ هَلْ هو إسْحاقُ أوْ إسْماعِيلُ. قالَ القُرْطُبِيُّ: فَقالَ أكْثَرُهُمُ: الذَّبِيحُ إسْحاقُ ومِمَّنْ قالَ بِذَلِكَ العَبّاسُ بْنُ عَبْدِ المَطَّلِبِ وابْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وهو (p-١٢٤٦)الصَّحِيحُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، ورَواهُ أيْضًا عَنْ جابِرٍ وعَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ، قالَ: فَهَؤُلاءِ سَبْعَةٌ مِنَ الصَّحابَةِ.
قالَ: ومِنَ التّابِعِينَ وغَيْرِهِمْ عَلْقَمَةُ والشَّعْبِيُّ ومُجاهِدٌ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وكَعْبُ الأحْبارِ، وقَتادَةُ ومَسْرُوقٌ وعِكْرِمَةُ والقاسِمُ بْنُ أبِي بَزَّةَ وعَطاءٌ ومُقاتِلٌ وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سابِطٍ والزُّهْرِيُّ والسُّدِّيُّ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي الهُذَيْلِ ومالِكُ بْنُ أنَسٍ كُلُّهم قالُوا الذَّبِيحُ إسْحاقُ، وعَلَيْهِ أهْلُ الكِتابَيْنِ اليَهُودُ والنَّصارى، واخْتارَهُ غَيْرُ واحِدٍ، مِنهُمُ النَّحّاسُ وابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ وغَيْرُهُما.
قالَ: وقالَ آخَرُونَ: هو إسْماعِيلُ، ومِمَّنْ قالَ بِذَلِكَ أبُو هُرَيْرَةَ وأبُو الطُّفَيْلِ عامِرُ بْنُ واثِلَةَ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، ومِنَ التّابِعِينَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ والشَّعْبِيُّ ويُوسُفُ بْنُ مِهْرانَ ومُجاهِدٌ والرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ والكَلْبِيُّ وعَلْقَمَةُ، وعَنِ الأصْمَعِيِّ قالَ: سَألْتُ أبا عَمْرِو بْنَ العَلاءِ عَنِ الذَّبِيحِ فَقالَ: يا أصْمَعِيُّ أيْنَ عَزَبَ عَنْكَ عَقْلُكَ، ومَتى كانَ إسْحاقُ بِمَكَّةَ ؟ وإنَّما كانَ إسْماعِيلُ بِمَكَّةَ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ: وقَدْ ذَهَبَ جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ إلى أنَّ الذَّبِيحَ هو إسْحاقُ، وحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ طائِفَةٍ مِنَ السَّلَفِ حَتّى يُقالَ: عَنْ بَعْضِ الصَّحابَةِ ولَيْسَ في ذَلِكَ كِتابٌ ولا سُنَّةٌ، وما أظُنُّ ذَلِكَ تُلُقِّيَ إلّا عَنْ أخْبارِ أهْلِ الكِتابِ، وأُخِذَ مُسَلَّمًا مِن غَيْرِ حُجَّةٍ، وكِتابُ اللَّهِ شاهِدٌ ومُرْشِدٌ إلى أنَّهُ إسْماعِيلُ، فَإنَّهُ ذَكَرَ البِشارَةَ بِالغُلامِ الحَلِيمِ، وذَكَرَ أنَّهُ الذَّبِيحُ، وقالَ بَعْدَ ذَلِكَ ﴿وبَشَّرْناهُ بِإسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ﴾ اهـ.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии