Аль-Вахиди (аль-Басит)Ар‑Рум · 30:27–31

Аль-Вахиди (аль-Басит) · Тафсир · на арабском

Ар-Рум 30:27–31

30:27Страница 407

وَهُوَ ٱلَّذِي يَبۡدَؤُاْ ٱلۡخَلۡقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥ وَهُوَ أَهۡوَنُ عَلَيۡهِۚ وَلَهُ ٱلۡمَثَلُ ٱلۡأَعۡلَىٰ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ٢٧

Он - Тот, Кто создает творения в первый раз, а затем воссоздает их, и сделать это для Него еще легче. Ему принадлежат наивысшие качества на небесах и на земле. Он - Могущественный, Мудрый.

قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ قال مقاتل: يعني خلق بني آدم بدأ خلقهم ولم يكونوا شيئًا ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ يعني: يبعثهم في الآخرة أحياء بعد موتهم كما كانوا، قال: ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [["تفسير مقاتل" 78 ب.]]. واختلفوا في هذا؛ فذهب كثير من أهل التفسير والمعاني أن ﴿أَهْوَنُ﴾ هاهنا بمعنى: هين، يقول: وهو هين عليه. وهذا قول الحسن، والربيع، وقتادة، والكلبي؛ قالوا: هو هين عليه، أول خلقه وآخره، وما شيء عليه بعزيز [[أخرجه ابن جرير 21/ 36، عن ابن عباس، وقتادة، والربيع بن خُثيم. وذكره الثعلبي 8/ 168 أ، عن الربيع بن خثيم، والحسن، وقال: وهو رواية العوفي عن ابن عباس. وذكره السيوطي عن الحسن، وعزاه لابن المنذر، "الدر المنثور" 6/ 491. و"تنوير المقباس" ص 340.]].

وهذا مذهب أبي عبيدة، وذكره المبرد والزجاج [["مجاز القرآن" 2/ 121، و"الكامل" 2/ 876. و"المقتضب" 3/ 246، و"معاني القرآن" للزجاج 4/ 183.]]؛ وقالوا: يجيء أفعل بمعنى الفاعل، وأنشد [[هكذا في النسختين؛ ولعل الصواب: وأنشدوا.]] لمعن بن أوس [[معن بن أوس بن نصر بن زياد المزنين شاعر فحل، من مخضرمي الجاهلية والإسلام، له مدائح في جماعة من الصحابة، رحل إلى الشام والبصرة، وكف بصره في أواخر أيامه. مات في المدينة. "خزانة الأدب" 7/ 261، "الأعلام" 7/ 273. وذكره ابن حجر في القسم الثالث؛ المخضرمين الذين أدركوا الجاهلية والإسلام، ولم يرد في خبر قط أنهم اجتمعوا بالنبي -ﷺ-. "الإصابة في معرفة الصحابة" 6/ 179.]]:

لعمرك ما أدري وإني لأَوجلُ

يعني لوجل [["مجاز القرآن" 2/ 121، وأنشد البيت كاملًا، ولم ينسبه، وعجزه: == على أيِّنا تعدو المنية أول

وهو في "ديوان معن بن أوس" ص 36، وأنشده المبرد، "الكامل" 2/ 876، و"المقتضب" 3/ 246، وابن جرير 21/ 37، ونسباه لمعن بن أوس. وأنشده ولم ينسبه الزجاج 4/ 183.]].

وقال الفرزدق:

بيتًا دعائمُه أعزُّ وأطولُ [["ديوان الفرزدق" 2/ 155، وصدره:

إن الذي سمك السماء بنى لنا

وأنشده ونسبه أبو عبيدة 2/ 121، والمبرد، في "الكامل" 2/ 877، وابن جرير 21/ 37.]]

وأنشد المبرد:

قُبَّحتُم يا آل زيدٍ نفرًا ... إلام قومٍ أصغرَا وأكبرَا [["الكامل" 2/ 877، و"المقتضب" 3/ 247، ولم ينسبه، وقال بعده: يريد: صغارًا وكبارًا. وفي "حاشية المقتضب": لم يعرف قائل البيت. وهو في "خزانة الأدب" 8/ 246، غير منسوب.]]

ومثله قولهم: الله أكبر؛ أي: الكبير، ورجل أوحد الناس؛ أي: أحد الناس [["مجاز القرآن"، لأبي عبيدة 2/ 121. ولم ينشد البيت. والزاهر في "معاني كلمات الناس" 1/ 29.]].

قال قتادة: وفي حرف ابن مسعود: ﴿وهو عليه هَيِّن﴾ [[أخرجه عبد الرزاق 2/ 102. لم أجدها عند ابن خالويه.]]. وهذا معنى رواية عطاء عن ابن عباس؛ قال: يريد: هان الأول والآخر عليه [[أخرجه ابن جرير 21/ 36، من طريق محمد بن سعد بسنده عن ابن عباس، ولفظه: كل شيء عليه هين.]].

القول الثاني في هذه الآية ما ذهب إليه عكرمة ومجاهد: الإنشاء أهون عليه من الابتداء، والإعادة أهون عليه من البدأ. وهو معنى رواية الوالبي عن ابن عباس [[أخرجه ابن جرير 21/ 36، عن ابن عباس، من طريق علي بن أبي طلحة، وأخرجه عن مجاهد، وعكرمة. وذكره الثعلبي 8/ 168 أ، عن مجاهد وعكرمة، وقال: وهي رواية الوالبي عن ابن عباس.]]. وهذا ليس على ظاهره؛ لأنه لا يجوز أن يكون شيء على الله أهون من شيء [[أخرجه بسنده الفراء، عن مجاهد، ثم قال: ولا أشتهي ذلك، والقول فيه: أنه مثل ضربه الله فقال: أتكفرون بالبعث، فابتداء خلقكم من لا شيء أشد. "معاني القرآن" 2/ 324.]]؟

ووجهه ما ذكره مقاتل، والمبرد، والفراء، والزجاج؛ قال مقاتل: يقول: البعث أيسر عليه عندكم يا معشر الكفار من الخلق الأول [["تفسير مقاتل" 78 ب.]].

وقال المبرد: ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ عندكم؛ لأنكم قد أقررتم بأنه بدأ الخلق، وإعادة الشيء عند المخلوقين أهون من ابتدائه [["المقتضب" 3/ 245، بلفظ: "تأويله: وهو عليه هين؛ لأنه لا يقال: شيء أهون عليه من شيء".]]. ونحو هذا قال الفراء [["معاني القرآن" للفراء 2/ 324.]]. واختار أبو إسحاق هذا الوجه؛ وقال: إن الله خاطب العباد بما يعقلون فأعلمهم أنه يجب عندهم أن يكون البعث أسهل من الابتداء والإنشاء [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 183.]].

وفي الآية قول ثالث؛ وهو: أن الكناية في ﴿عَلَيْهِ﴾ تعود إلى الخلق، والمعنى: أن الإعادة أهون على الخَلْقِ من الابتداء [[ذكر هذا القول ابن جرير 21/ 36، والزجاج 4/ 183، ولم ينسباه.]]. وهذا قول ابن عباس في رواية أبي صالح والسدي؛ قال ابن عباس: وهو أهون على المخلوق؛ لأنه يقول له يوم القيامة: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ [الأنعام: 73، النحل: 40، مريم: 35، يس: 82، غافر: 68]، وأول خلقه نطفة ثم علقة ثم مضغة [[أخرجه بسنده الفراء من طريق الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس. "معاني القرآن" 2/ 324. وذكره ابن قتيبة في "تأويل مشكل القرآن" ص 382، عن ابن عباس، من طريق أبي صالح. وذكره كذلك الثعلبي 8/ 168 أ.]].

وقال السدي: ليس يشتد على الله شيء، ولكن يعني به: المخلوق، يصاح به فيقوم سويًا؛ أهون عليه من أن يكون كما خلقه أولًا؛ نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم عظامًا ثم يعود رضيعًا ثم فطيمًا.

وقال عطاء: هو أهون على المخلوق أن يُبعث سميعًا بصيرًا، يَفهم ويفقه ويعقل، ليس مثل المولود لا يعقل حتى يكبر. قال أبو إسحاق: ومعنى هذا القول أن البعث أهون على الإنسان من إنشائه؛ لأنه يقاسي في النشأة ما لا يقاسيه في الإعادة والبعث [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 183. وقد اعترض على هذا القول أبو عبيدة، فقال بعد أن ذكر أن المراد في الآية: وهو هين عليه، قال: فإن احتج محتج فقال: إن الله لا يوصف بهذا، وإنما يوصف به المخلوق، فالحجة عليه قول الله تعالى: ﴿وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [الأحزاب: 19] وقوله: ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ [البقرة: 255]. "مجاز القرآن" 2/ 121.

ولم يرجح الواحدي شيئًا من هذه الأقوال، والذي يظهر من سياق الآيات أن المراد إثبات البعث والرد على المنكرين له، المستبعدين وقوعه، بعد موتهم وفنائهم، فأعلمهم الله -عز وجل- أن إقرارهم بالخلق الأول يستلزم الإيمان بإعادتهم، إذ هي أهون وأيسر، ويدل على ذلك تقدم الآيات في إثبات الربوبية، والتي منها == قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾. والله أعلم.]].

قوله تعالى: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ قال ابن عباس: أي ليس كمثله شيء [[أخرجه ابن جرير 21/ 38، من طريق علي بن أبي طلحة. وذكره عنه الثعلبي 8/ 168 أ.]].

وقال قتادة: مثله الأعلى أنه: لا إله إلا هو في السموات والأرض [[أخرجه ابن جرير 21/ 38، عن قتادة. و"تفسير مقاتل" 78 ب. بمعناه. واقتصر على هذا القول ابن قتيبة، "تأويل مشكل القرآن" ص 382، ولم ينسبه.]]. وعلى هذا يكون المثل بمعنى الصفة؛ يعني: وله الصفة العليا وهي أنه: لا إله غيره. وذكرنا قول من أجاز أن يكون المثَل بمعنى: الصفة، عند قوله: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾ في سورة الرعد [: 35] [[أطال الواحدي الكلام في تفسير هذه الآية عن وجه ارتفاع: ﴿مَثَلُ﴾ فذكر قول سيبويه والمبرد أنه مرفوع على الابتداء بتقدير: فيما نقص عليكم مثل الجنة، واختار هذا القول الأنباري وأبو علي، ثم قال: وقال قوم: المثل هاهنا: بمعنى الصفة؛ قالوا: ومعناها: صفة الجنة التي وعد المتقون، ونسبه لعمرو بن العلاء، ثم ذكر نقد المبرد وأبي علي لهذا القول، ولم يرجح الواحدي في هذه المسألة. وممن يمنع تفسيره بالصفة سيبويه، "الكتاب" 1/ 143.]]

وقال قوم: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ يعني: ما ضرب من المثل في الإعادة أهون على المخلوق من الابتداء؛ لأن من قدر على ابتداء شيء كان أحرى أن يقدر على إعادته. وهذا اختيار الفراء والزجاج؛ قال الزجاج: أعلمهم أن يجب عندهم أن يكون البعث أسهل من الابتداء، وجعله مثلًا لهم، ثم قال: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ أي قوله: ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ قد ضربه لكم مثلًا فيما يصعب ويسهل [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 183. و"معاني القرآن" للفراء 2/ 324، بنحوه.]].

وقال غيره من أهل المعاني مصححًا لهذه الطريقة: معنى قوله: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ أي: ما يمثل به في دليلاً صفته الذي هو طريق إلى معرفته من أن إنسانًا إذا نسخ كتابًا فإعادة نسخه عليه أهون، وكذلك إذا صاغ حُليًا، هذا في مقدور العباد مع نقصانهم، فمقدور من لا يلحقه النقص من وجهٍ أولى أن يسع الإعادة. وعلى هذا المثل الأعلى هو: المثل الذي ضربه الله لتحقيق بيان قدرته على الإعادة، ووصف هذا المثل بأنه: ﴿الْأَعْلَى﴾؛ لأنه مؤدٍّ إلى معرفةِ قدرة الله وصفتِه.

قوله: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ قال ابن عباس: ﴿الْعَزِيزُ﴾ في ملكه ﴿الْحَكِيمُ﴾ في خلقه.

30:28Страница 407

ضَرَبَ لَكُم مَّثَلٗا مِّنۡ أَنفُسِكُمۡۖ هَل لَّكُم مِّن مَّا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُكُم مِّن شُرَكَآءَ فِي مَا رَزَقۡنَٰكُمۡ فَأَنتُمۡ فِيهِ سَوَآءٞ تَخَافُونَهُمۡ كَخِيفَتِكُمۡ أَنفُسَكُمۡۚ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يَعۡقِلُونَ ٢٨

Он привел вам притчу о вас самих. Есть ли среди невольников, которыми овладели ваши десницы, совладельцы того, чем Мы наделили вас, которые имеют с вами одинаковые права на это и которых вы опасаетесь так, как опасаетесь друг друга? Так Мы разъясняем знамения для людей разумеющих.

قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا﴾ قال مقاتل: نزلت في كفار قريش؛ وذلك أنهم كانوا يقولون في إحرامهم: لبيك لا شريك لك إلا شريكًا هو لك، تملكه وما ملك، فقال الله: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ﴾ يقول: وَصَف لكم شَبهًا من أنفسكم [["تفسير مقاتل" 78 ب. ولم يذكره الواحدي في "أسباب النزول".]].

قال الكلبي: مِنْ مِثل خلقكم ﴿هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ يعني: من عبيدكم ﴿مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ من أموالكم وعبيدكم وأهليكم ﴿فَأَنْتُمْ﴾ وشركاؤكم من مماليككم فيما رزقناكم شرع ﴿سَوَاءٌ﴾ [["تنوير المقباس" ص 340، وذكره عنه الثعلبي 8/ 168 أ. هكذا وردت عنده: شرع سواء. وفي "تنوير المقباس": شرك. أي: من الشراكة؛ وهو أقرب. والله أعلم. قال ابن عباس: ﴿هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ في الآلهة، وفيه، تخافونهم أن == يرثوكم كما يرث بعضكم بعضًا. ذكره البخاري تعليقًا بصيغة الجزم، في التفسير، سورة: الروم، قال ابن حجر: الضمير في قوله: فيه، لله تعالى، أي: أن المثل لله وللأصنام. "فتح الباري" 8/ 510. وأخرجه ابن جرير 21/ 39، من طريق ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس.]].

وقوله: ﴿تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ قال ابن عباس: تخافون أن يرثوكم كما يرث بعضكم بعضًا [[أخرجه ابن جرير 21/ 39، من طريق عطاء الخرساني. وذكره عنه الثعلبي 8/ 168 أ.]]. وهو قول مقاتل، والسدي؛ قال: يقول: مِنْ مملوككم شركاؤكم في الميراث الذي ترثونه من آبائكم، فأنتم تخافون أن يدخل معكم مملوككم في ذلك الميراث، كما تدخلون أنتم فيه [["تفسير مقاتل" 78 ب، بنحوه. وذكر نحوه الماوردي عن السدي. "النكت والعيون" 4/ 311.]].

قال الكلبي: تخافون لائمتهم كما يخاف الرجل لائمة أخيه وأبيه وأقاربه [["تنوير المقباس" ص 340.]].

وقال أبو مجلز: تخافون أن يقاسموكم أموالكم كما يقاسم بعضكم بعضًا [[أخرجه ابن جرير 2/ 391. وذكره عنه الثعلبي 8/ 168أ.]].

فهذه ثلاثة أقوال في معنى قوله: ﴿تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ مرجعها إلى معنى واحد؛ وهو: أن عَبْدَ الرجل لا يكون مثله حتى يكون بينهما توارث، وخوف لائمةٍ ومقاسمةٍ. ومعنى الآية: أن الله تعالى يقول: كيف تعدلون بي عبيدي، وأنتم لا تعدلون عبيدكم بأنفسكم. قال قتادة: يقول: ليس مِن أحدٍ يرضى لنفسه أن يشاركه عبده في ماله وزوجه، حتى يكون مثله؛ يقول: قد رضي بذلك ناسٌ لله فجعلوا معه إلهًا شريكًا [[أخرجه عبد الرزاق 2/ 102، وفيه: ونفسه، بدل: وزوجه. وأخرجه بنحوه، ابن جرير 21/ 38.]]. هذا قول المفسرين في هذه الآية.

وقد شرح أصحاب المعاني هذه الآية أبين شرح؛ قال صاحب النظم: هذا مثل ضربه الله -عز وجل- للذين جعلوا له شريكًا، فقال: هل يرضى أحد منكم أن يكون عبده شريكًا له في ماله وولده حتى يكون هو ومملوكه في سواء يخافه كما يخافه غيره من شريكٍ له لو كان معه، فإذا لم ترضوا بذلك لأنفسكم فِلمَ تجعلون لي عبيدي شركاء؟ والفاء في قوله: ﴿فَأَنْتُمْ﴾ بمنزلة حتى، تأويله: حتى أنتم وعبيدكم فيه سواء. انتهى كلامه.

وقال ابن قتيبة: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ وذلك أقرب عليكم ﴿هَلْ لَكُمْ مِنْ﴾ شركاء من عبيدكم الذين تملكون ﴿فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ﴾ وعبيدكم ﴿سَوَاءٌ﴾ يأمرون فيه كأمركم، ويحكمون كحكمكم، وأنتم ﴿تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ أي: كما يخاف الرجلُ الحرُّ شريكه الحرَّ في المال يكون بينهما، فلا يأمر فيه بشيء دون أمره، ولا يُمضي فيه عطيةً بغير أمره، وهو مِثلُ قوله: ﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [الحجرات: 11] أي: لا تغيبوا إخوانكم من المسلمين. وقوله ﴿ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: 12] أي بأمثالهم من المؤمنين خيرًا، يقول: فإذا كنتم أنتم بهذه المنزلة فيما بينكم وبين أقاربكم وأرقائكم، فكيف تجعلون لله مِنْ عبيده شركاء في ملكه؟ ومثلُه قوله: ﴿وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ﴾ [النحل: 71] فجعل منكم المالك والمملوك ﴿فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا﴾ يعني السَّادة ﴿بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ مِنْ عبيدهم حتى يكونوا فيه شركاء. يريد: فإذا كان هذا لا يجوز بينكم فكيف تجعلونه لله [["تأويل مشكل القرآن" ص 382.]].

وقال أبو إسحاق: أعلم الله -عز وجل- أن مملوك الإنسان ليس بشريكه في ماله وزوجته، وأنه لا يخاف أن يرثه مملوكه، يقول: فقد جعلتم ما هو مُلكٌ لله مِنْ خلقه مثلَ الله وأنتم كلكم بشر ليس مماليككم بمنزلتكم في أموالكم، فالله -عز وجل- أجدرُ أن لا يُعدل به خلقُه. انتهى كلامه [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 184.]].

انتصب قوله: ﴿أَنْفُسِكُمْ﴾ وهو مضاف إلى الفاعل، كما تقول: عجبت من اشترائك عبدًا لا تحتاج إليه، فإذا أضيف المصدر إلى المفعول ارتفع ما بعده، تقول: عجبت من موافقتك كثرة شربِ الماء؛ لأن المعنى: من أن وافقك، والعرب تقول: عجبت من قيامكم أجمعون وأجمعين، فمن خفض أتبعه اللفظ؛ لأنه في الظاهر خفض، ومن رفع ذهب إلى التأويل، وذلك أنه في تأويل رفع؛ لأنهم الفاعلون. هذا قول الفراء [["معاني القرآن" للفراء 2/ 324.]].

قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ﴾ أي: كما بينا في ضرب المثل من أنفسكم. قال مقاتل: هكذا نبين الآيات ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ عن الله الأمثال فيوحدونه.

30:29Страница 407

بَلِ ٱتَّبَعَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓاْ أَهۡوَآءَهُم بِغَيۡرِ عِلۡمٖۖ فَمَن يَهۡدِي مَنۡ أَضَلَّ ٱللَّهُۖ وَمَا لَهُم مِّن نَّٰصِرِينَ ٢٩

Но нет! Беззаконники потакают своим желаниям без всякого знания. Кто наставит на прямой путь тех, кого Аллах ввел в заблуждение? Не будет для них помощников!

ثم ذكر الله الذين ضرب لهم المثل فقال: ﴿بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [["تفسير مقاتل" 78 ب.]] يعني: الذين أشركوا ﴿أَهْوَاءَهُمْ﴾ في الشرك ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ يعلمونه بأن مع الله شريكًا. قاله مقاتل [["تفسير مقاتل" 78 ب.]]. وقال ابن عباس: يريد: بغير علم جاءهم من الله.

قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ﴾ قال صاحب النظم: هذا استفهام، ومعناه: النفي والإنكار على معنى: فلا هادي لمن أضل الله، يدل على ذلك قوله في النَّسَق عليه: ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾.

30:30Страница 407

فَأَقِمۡ وَجۡهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفٗاۚ فِطۡرَتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيۡهَاۚ لَا تَبۡدِيلَ لِخَلۡقِ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلۡقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ ٣٠

Обрати свой лик к религии, как ханиф. Таково врожденное качество, с которым Аллах сотворил людей. Творение Аллаха не подлежит изменению. Такова правая вера, но большинство людей не знают этого.

قال مقاتل: ثم قال للنبي -ﷺ-: إن لم يوحدْ كفارُ مكة ربَّهم فوحدْ أنت ربَّك، وهو قوله: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ﴾ فالمعنى: فأخلص دينك [["تفسير مقاتل" 79 أ.]]. ونحوه قال سعيد بن جبير. وقال غيره: سدد عملك [[ذكره الماوردي عن الكلبي. "النكت والعيون" 4/ 311.]].

والوجه في اللغة: ما يُتوجه إليه، وعملُ الإنسان ودينُه مما يَتوجه إليه الإنسانُ لتسديده وإقامته. وذكرنا ذلك عند قوله: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾ [البقرة: 112] [[قال الواحدي في تفسير هذه الآية: معنى قوله: ﴿أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾ أي: بذل وجهه له في السجود، وعلى هذا أسلم بمعنى: سلم .. قال ابن الأنباري: والمسلم على هذا هو المخلص لله العبادة .. وقال قوم من أهل المعاني: ﴿أَسْلَمَ وَجْهَهُ﴾ أي: أسلم نفسه وجميع بدنه لأمر الله، والعرب تستعمل الوجه وهم يريدون نفس الشيء إلا أنهم يذكرونه باللفظ الأشرف كما قال: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: 88] وقال جماعة: الوجه قد يقع صلة في الكلام؛ فقوله: ﴿أَسْلَمَ وَجْهَهُ﴾ أي: انقاد هو لله. ومثله: ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ﴾ [آل عمران: 20].]].

قوله: ﴿لِلدِّينِ حَنِيفًا﴾ معناه على التقديم والتأخير، أي: حنيفًا للدين، أي: مائلاً إلى الطاعة، مستقيمًا عليها لا ترجع عنها.

قال أبو إسحاق: والحنيف الذي يميل إلى الشيء فلا يرجع عنه [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 184، وفيه: كالحَنَف في الرِجل، وهو ميلها إلى خارجها خِلقة، لا يملك الأحنف أن يَرد حَنفه.]].

قوله: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ قال عكرمة ومجاهد: الإسلام. وهو قول الحسن [[أخرجه ابن جرير 21/ 40، عن مجاهد من طريق الحسن، وأخرجه كذلك عن عكرمة 21/ 41.]].

وقال مقاتل: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ﴾ الملة، وهي: الإسلام والتوحيد الذي خلقهم عليه يوم أخذ الميثاق حين قال: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: 172] فأقروا له بالربوبية والمعرفة [["تفسير مقاتل" 79 أ. ونحوه قال ابن قتيبة، ولفظه: أي: خلقة الله التي خلق الناس عليها؛ وهي أن فطرهم جميعًا على أن يعلموا أن لهم خالقًا ومدبرًا. "غريب القرآن" ص 341.]]. ونحو هذا قال ابن زيد [[أخرجه ابن جرير 21/ 40.]]. واختاره الزجاج.

فذكره [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 184. قال ابن كثير 6/ 314: "فإن الله تعالى فطر خلقه على معرفته وتوحيده، وأنه لا إله غيره .. وسنذكر في الأحاديث أن الله تعالى فطر خلقه على الإسلام، ثم طرأ على بعضهم الأديان الفاسدة كاليهودية أو النصرانية أو المجوسية".]]. هذا قول المفسرين في هذه الآية، ويشكل هذا بأن يقال: الفطرة ابتداء الخلق، ولو كان الله تعالى خلق الخلق حين خلقهم على ملة الإسلام والتوحيد ما أشرك أحد ولا كفر أحد مع قيام الدليل بأن الله خلق أقوامًا للنار [[لعل الواحدي يشير بذلك إلى حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: دعي رسول الله -ﷺ- إلى جنازة صبي من الأنصار، فقلت: يا رسول الله طوبى لهذا عصفور من عصافير الجنة؛ لم يعمل السوء، ولم يدركه، قال: "أو غير ذلك يا عائشة، إن الله خلق للجنة أهلا خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم، وخلق للنار أهلا خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم". أخرجه مسلم 4/ 2050 في القدر (2662).]]، وهم لم يخلقوا على الإسلام والتوحيد وهو قوله: {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ} الآية [الأعراف: 179] والخبر قد ورد بتفصيل الفريقين يوم أخذ الميثاق حين أخرج الله تعالى من صلب آدم ذريته، بعضها سودًا وبعضها بيضًا، فقال: هؤلاء في الجنة وهؤلاء في النار [[أخذ الميثاق على ذرية آدم -عليه السلام-، ثابت في حديث أنس -رضي الله عنه-، عن النبي -ﷺ-: (إن الله يقول لأِهون أهل النار عذابا: لو أن لك ما في الأرض من شيء كنت تفتدي به؟ قال: نعم، قال: فقد سألتك ما هو أهون من هذا وأنت في صلب آدم أن لا تشرك بي فأبيت إلا الشرك). متفق عليه، البخاري، كتاب الأنبياء، رقم (3334)، "فتح الباري" 6/ 363، ومسلم 4/ 2160، كتاب صفات المنافقين، رقم (2805).

ومن ذلك أيضًا حديث كلثوم بن جبر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن النبي -ﷺ-، قال: "أخذ الله الميثاق من ظهر آدم فأخرج من صلبه ذرية ذراها فنثرهم نثرًا بين يديه كالذر، ثم كلمهم فقال: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (172) أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾. أخرجه الحاكم 1/ 80، كتاب: الإيمان، رقم (75)، وقال: حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه وقد احتج مسلم بكلثوم بن جبر، ووافقه الذهبي. وأخرجه من الطريق نفسه ابن أبي عاصم في كتاب السنة (89). ورجح ابن كثير 3/ 502، وقف هذا الحديث على ابن عباس. وحسن رفعه الألباني، "السلسلة الصحيحة" 4/ 158، رقم (1623)، لكونه واردًا في تفسير القرآن فيأخذ حكم الرفع، ولوروده من طرق أخرى مرفوعًا، وإن كان فيها ضعفٌ.

والأول غير مسلم؛ إذ إن الروايات الإسرائيلية في التفسير قد تصح إسنادًا إلى بعض الصحابة، ومصدرها الأخذ عن بني إسرائيل؛ فهل يُجزم بأخذها حكم المرفوع. والله أعلم. هذا ما يتعلق بأصل أخذ الميثاق وثبوته، أما ما ذكره الواحدي من تفصيلهم إلى فريقين، سود وبيض، فقد ورد ذكر ذلك في حديث أبي الدرداء -رضي الله عنه-، قال عبد الله بن الإمام أحمد: حدثني أبي ثنا هيثم وسمعته أنا منه قال ثنا أبو الربيع عن يونس عن أبي إدريس عن أبي الدرداء عن النبي -ﷺ-، قال: "خلق الله آدم حين خلقه فضرب كتفه اليمنى فأخرج ذرية بيضاء كأنهم الذَّر وضرب كتفه اليسرى فأخرج ذرية سوداء كأنهم الحَمَم، فقال للذي في يمينه إلى الجنة ولا أبالي، وقال == للذي في كفه اليسرى إلى النار ولا أبالي". "المسند" 10/ 417، رقم (27558). وصححه الألباني؛ السلسلة الصحيحة رقم (49).]].

وقال رسول الله -ﷺ- في الغلام الذي قتله الخضر: "طبعه والله يوم طبعه كافرًا" [[أخرجه مسلم 4/ 2050، كتاب: القدر، رقم (2661)، ولفظه: "إن الغلام الذي قتله الخضر طُبع كافرًا، ولو عاش لأرهق أبويه طغيانًا وكفرًا". وأخرجه الترمذي 5/ 292، كتاب "تفسير القرآن"، رقم (3150).]].

وبيان هذا الإشكال أن يقال: المراد بالناس هاهنا: المؤمنون الذين فطرهم الله على الإسلام يوم أخذ الميثاق؛ لأن المشرك لم يفطر على الإسلام، فلفظ الناس عام والمراد منه الخصوص. هذا وجه قول المفسرين في هذه الآية، وهو اختيار أبي الهيثم؛ قال في هذه الآية: هذه فطرة فُطر عليها المؤمن [[ذكره عن أبي الهيثم الأزهري، "تهذيب اللغة" 13/ 326. وما ذهب إليه الواحدي واختاره أبو الهيثم في دفع الإشكال في الجمع بين الآية والحديث غير وجيه؛ والصواب أن لفظ الناس في قوله تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ باقٍ على عمومه لم يدخله التخصيص، يشهد لذلك آية سورة الأعراف: 172 ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ ..﴾ فلم يُستثن من الذرية أحد، وعليه فحديث: كل مولود يولد على الفطرة، يدل على أن المولود ولد على الفطرة سليمًا، وولد على أن هذه الفطرة السليمة يغيرها الأبوان كما قدَّر الله تعالى ذلك وكتبه، كما مثل النبي -ﷺ- ذلك بقوله في آخر الحديث: (كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء) فبين أن البهيمة تولد سليمة ثم يُجدعها الناس؛ وذلك بقضاء الله وقدره فكذلك المولود يولد على الفطرة سليمًا ثم يفسده أبواه؛ وذلك أيضًا بقضاء الله وقدره "درء تعارض العقل والنقل" 8/ 361.

وأما حديث الغلام الذي قتله الخضر فقول النبي -ﷺ- فيه: "طبع يوم طبع كافرًا" معناه: طُبع في الكتاب أيَ قُدَّر وقُضي لا أنه كان كفره موجودًا قبل أن يولد فهو == مولود على الفطرة السليمة، وعلى أنه بعد ذلك يتغير فيكفر، كما طُبع كتابه يوم طُبع. ومن ظن أن المراد به الطبع على قلبه، وهو الطبع المذكور على قلوب الكفار، فهو غالط؛ فإن ذلك لا يُقال فحِه: طُبع يوم طُبع إذ كان الطبع على قلبه إنما يوجد بعد كفره. وقد ثبت في صحيح مسلم وغيره عن عياض بن حمار عن النبي -ﷺ- فيما يروي عن ربه تعالى أنه قال: "خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا". وهذا صريح في أنه خلقهم على الحنيفية وأن الشياطين اجتالتهم بعد ذلك. وكذلك في حديث الأسود بن سَرِيع الذي رواه أحمد وغيره قال بعث النبي -ﷺ- سرية، فأفضى بهم القتل إلى الذرية، فقال لهم النبي -ﷺ-: "ما حملكم على قتل الذرية؟ " قالوا: يا رسول الله أليسوا أولاد المشركين؟ قال: "أو ليس خياركم أولاد المشركين"، ثم قام النبي -ﷺ-، خطيبًا فقال: "ألا إن كل مولود يولد على الفطرة حتى يُعرب عنه لسانه". فخطبته لهم بهذا الحديث عقب نهيه لهم عن قتل أولاد المشركين، وقوله لهم: أو ليس خياركم أولاد المشركين، يبين أنه أراد أنهم ولدوا غير كفار ثم الكفر طرأ بعد ذلك، ولو كان أراد أن المولود حين يولد يكون إما كافرًا وإما مسلمًا على ما سبق له القدر لم يكن فيما ذكره حجة على ما قصده -ﷺ- من نهيه لهم عن قتل أولاد المشركين. "درء تعارض العقل والنقل" 8/ 362.

وحديث الأسود بن سَرِيع أخرجه الإمام أحمد 24/ 354، رقم (15588)، ط/ الرسالة، وقال محققو المسند: رجاله ثقات رجال الشيخين، إلا أن الحسن البصري لم يسمع من الأسود بن سَرِيع. وأخرج الحديث الحاكم 2/ 133، رقم (2566)، وقال: حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، قال الذهبي: تابعه يونس عن الحسن حدثنا الأسود بن سريع بهذا على شرط البخاري ومسلم. وأخرجه البيهقي، السنن الكبرى 9/ 130، قال البيهقي: قال الشافعي في رواية أبي عبد الرحمن عنه: "هي الفطرة التي فطر الله عليها الخلق فجعلهم ما لم يفصحوا بالقول لا حكم لهم في أنفسهم إنما الحكم لهم بآبائهم".]].

وذهب إسحاق [[هو إسحاق بن إبراهيم الحنظلي؛ صرح بذلك الأزهري، "تهذيب اللغة" 13/ 328 (فطر).]] في هذه الآية، وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي -ﷺ- قال: "كل مولود يولد على الفطرة" الحديث [[متفق عليه من حديث أبي هريرة، البخاري، كتاب: الجنائز، رقم (1359)، "فتح الباري" 3/ 219، ومسلم 4/ 2047، كتاب: القدر، رقم (2658).]]، مذهبًا حسنًا؛ وهو أنه قال: الفطرة: الخلقة التي خلقهم عليها، إما الجنة أو النار، حين أخرج من صلب آدم كل ذرية هو خالقها إلى يوم القيامة، فقال: هؤلاء في الجنة وهؤلاء للنار، فيقول: كل مولود يولد على الفطرة، وأبواه يهودانه أو ينصرانه، يقول: بالأبوين يتبين لكم ما تحتاجون إليه في أحكامكم من المواريث وغيرها. يقول: إذا كان الأبوان مؤمنين فاحكموا لولدهما بحكم الإيمان، وإن كانا كافرين فاحكموا لولدهما بحكم الكفر، وأما خلقته التي خُلق عليها فلا علم لكم بذلك، وهو قوله تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ أي: من الشقاوة والسعادة. والدليل على هذا قوله: ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ أي: لا تبديل لما خلقهم له من جنة أو نار [[ذكر قول إسحاق: الأزهري، "تهذيب اللغة" 13/ 329 (فطر).]].

وقال الأزهري: والقول قول أبي إسحاق [[هكذا في النسختين: أبي إسحاق؛ والصواب: إسحاق، كما في "تهذيب اللغة" 13/ 329.]] في تفسير الآية، ومعنى الحديث [[الصواب القول الأول الذي عليه المفسرون من الصحابة والتابعين؛ وهو أن الفطرة المراد بها: الإسلام، وقوله: ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ أي: لدين الله؛ قال ابن عبد البر: "وقال آخرون: الفطرة هاهنا: الإسلام؛ قالوا: وهو المعروف عند عامة السلف أهل التأويل، وقد أجمعوا في تأويل قوله -عز وجل-: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ على أن قالوا: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ﴾ دين الله الإسلام، واحتجوا بقول أبي هريرة في هذا الحديث: اقرأوا إن شئتم: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ وذكروا == عن عكرمة ومجاهد والحسن وإبراهيم والضحاك وقتادة في قول الله -عز وجل-: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ قالوا: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ﴾ دين الله الإسلام ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ قالوا لدين الله". نقله عنه شيخ الإسلام، "درء تعارض العقل والنقل" 8/ 367.

ويدل لذلك ما أخرجه ابن جرير 21/ 41، عن ابن عباس أنه سئل عن إخصاء البهائم فكرهه؛ وقال: ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ وعن عكرمة ومجاهد كذلك. قال شيخ الإسلام: "لا منافاة بينهما كما قال تعالى: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ [النساء: 119] فتغيير ما خلق الله عليه عباده من الدين تغيير لخلقه، والخِصاءُ وقطع الأُذن أيضًا تغيير لخلقه، ولهذا شبه النبي -ﷺ-، أحدهما بالآخر في قوله: "كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه، كما تُنتج البهيمة بهيمةً جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء" فأولئك يغيرون الدين، وهؤلاء يغيرون الصورة بالجَدْع والخِصاء، هذا تغيير لما خُلقت عليه نفسه، وهذا تغيير ما خُلق عليه بدنه".]]. وعلى هذا القول انتصب: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ﴾ على المصدر. وهو قول الأخفش قال: كأنه قال: فَطَرَ الله تلك فِطرَةً [["معاني القرآن" 2/ 657.]]. ونحو ذلك قال الفراء [["معاني القرآن" للفراء 2/ 324، ولفظه: يريد: دينَ الله، منصوب على الفعل.]].

معنى الآية: أن الكلام قد تم عند قوله: ﴿حَنِيفًا﴾ ثم أخبر -عز وجل- أنه خلق الخلق على ما أراد من شقاوة وسعادة، ولا تبديل لذلك. وفيه إشارة إلى أن الكفار الذين سبق ذكرهم خُلقوا للنار، وأن النبي -ﷺ- والمؤمنين خلقوا للجنة؛ لأن قوله: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ﴾ خطاب له وللمؤمنين، يدل عليه قوله بعد هذا: ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ﴾ بلفظ الجمع، وإن قلنا: إن ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ﴾ يعني: دين الله التوحيد، على ما ذكر المفسرون فانتصابها يكون بالإغراء، وهو قول الزجاج، وقال: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ﴾ منصوب، بمعنى: اتبع فطرة الله؛ لأن معنى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ﴾ اتبع الدين القيم، اتبع فطرة الله.

قوله تعالى: ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ قد ذكرنا معناه: لا تبديل لما خلقهم له. وقال مجاهد وإبراهيم: الدين: الإسلام، و ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ لدين الله [[أخرجه عبد الرزاق 2/ 103، عن قتادة وقال عبد الرزاق: وقال معمر: كان الحسن يقول: فطرة الله الإسلام. وأخرجه ابن جرير 21/ 41، عن مجاهد، وعكرمة، وقتادة، وسعيد بن جبير، والضحاك، وابن زيد، وإبراهيم النخعي. وصحح إسناد ابن جرير إلى مجاهد شيخ الإسلام ابن تيمية. "درء تعارض العقل والنقل" 8/ 374. وبوَّب البخاري في "صحيحه" فقال: باب ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾: لدين الله. "فتح الباري" 8/ 512.]]. وعلى هذا المراد بلفظ النفي: النهي، أي: لا تبدلوا دين الله الذي هو التوحيد بالشرك والكفر.

﴿ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ قال مقاتل: يعني التوحيد هو الدين المستقيم ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ﴾ يعني: كفار مكة ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ بتوحيد الله [["تفسير مقاتل" 79 أ.]].

30:31Страница 407

۞ مُنِيبِينَ إِلَيۡهِ وَٱتَّقُوهُ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَلَا تَكُونُواْ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ٣١

Обращайтесь к Нему с раскаянием, бойтесь Его, совершайте намаз и не будьте в числе многобожников,

قوله تعالى: ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ﴾ قال الأخفش: نصبه على الحال؛ لأنه حين قال: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ﴾ قد أمرَه، وأمرَ قومه حتى كأنه قال: فأقيموا وجوهكم منيبين [["معاني القرآن" للأخفش 2/ 657]]. وقال المبرد: لما قال: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ﴾ كانت له ولأمته قاطبة؛ وهذا أجودُ كلامٍ إذا كان واحداً حاضرًا أن تأمره بما يخصه، وتعم من وراءه من يأمره [[هكذا في النسختين؛ ولعل الصواب: وتعم من وراءه ممن يأتمر بأمره. ويوضح هذا المثال الذي ذكره بعد ذلك.]] كقولهم: يا زيد اتق عمرًا، واحذروا أن تظلموه، إذا كان زيد رئيس القوم؛ هم مأمورون بما أُمر به زيدٌ. ونحو هذا قال الفراء، وصاحب النظم [[قال الفراء في إعراب ﴿مُنِيبِينَ﴾: منصوبة على الفعل، وإن شئت على القطع، فأقم وجهك ومن معك منيبين مقبلين إليه. "معاني القرآن" 2/ 325.]].

وقال الزجاج: زعم جميع النحويين أن معنى هذا: فأقيموا وجوهكم منيبين؛ لأن مخاطبة النبي عليه السلام تدخل معه فيها: الأمة؛ والدليل على ذلك قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [الطلاق: 1] قال: ومعناه: راجعين إلى كل ما أمر الله به، مع التقوى وأداء الفرائض [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 185.]]، وهو قوله: ﴿وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾.

ثم أخبر أنه لا ينفع ذلك إلا بالإخلاص في التوحيد؛ فقال: ﴿وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾.

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English