Аль-Вахиди (аль-Басит)Ан‑Ниса · 4:137–146

Аль-Вахиди (аль-Басит) · Тафсир · на арабском

Ан-Ниса 4:137–146

4:137Страница 100

إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ ءَامَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ ٱزۡدَادُواْ كُفۡرٗا لَّمۡ يَكُنِ ٱللَّهُ لِيَغۡفِرَ لَهُمۡ وَلَا لِيَهۡدِيَهُمۡ سَبِيلَۢا ١٣٧

Воистину, Аллах не простит и не наставит на путь тех, которые уверовали, затем стали неверующими, затем опять уверовали, затем опять стали неверующими, а затем приумножили свое неверие.

قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا﴾ الآيةْ

اختلفوا في هذه الآية، فذهب الأكثرون إلى أن المراد به اليهود.

وهو قول ابن عباس في رواية عطاء، قال: "هم قريظة والنضير" [[لم أقف عليه.]].

ونحو ذلك قال الكلبي وقتادة: آمنت اليهود بالتوراة، ثم كفرت بمخالفتها، ثم آمنت بالإنجيل، ثم كفرت بمخالفته [[المأثور عن قتادة كما في الطبري 5/ 327 أن المراد اليهود والنصارى. وانظر: " الكشف والبيان" 4/ 133 أ، و"النكت والعيون" 1/ 535.]].

وقال بعضهم: إن اليهود آمنوا بالتوراة وموسى، ثم كفروا بعزير، ثم آمنوا بداود، ثم كفروا بعيسى [[نسب هذا القول لابن عباس. انظر: "زاد المسير" 2/ 225، و"تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 100.]].

وكيف ما كان الأمر فقد أخبر الله عنهم بترددهم في الكفر.

وقال مجاهد وابن زيد: نزلت في المنافقين، آمنوا، ثم ارتدوا، ثم آمنوا، ثم ارتدوا [[أخرج القول عنهما الطبري 5/ 327، وانظر: "النكت والعيون" 1/ 536 - 537، و"زاد المسير" 2/ 225 و"الدر المنثور" 2/ 415.]].

واختيار أبي علي أن هذا يُعني به المنافقون، قال: فالإيمان الأول دخولهم في الإسلام، وحقنُهم الدماء والأموال به، وكفرهم بعد نفاقهم، وأنَّ باطنهم على غير ظاهرهم. (وإيمانهم بعد نفيهم نفاقهم) [[في "الحجة" لأبي علي 1/ 324: "وإيمانهم بعد يقيهم نفاقهم".]] بقوله: ﴿إِنَّا مُؤْمِنُونَ﴾ [الدخان: 12]، في قوله: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا﴾ [البقرة: 14، 76]، فهذا بعد الإظهار منهم للإيمان ثانية، يدخلون به في حكم الإسلام بعد الكفر، كما أن من جاء من المؤمنات مظهرات للإسلام داخلات في حكمه، لقوله: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ﴾ [الممتحنة: 10] فعُلِمن مؤمنات بما أظهرنه من ذلك، فكذلك هؤلاء، يكونون مؤمنين بإظهارهم الإيمان، بعدما علم منهم النفاق، وكفرهم بعد هذا الإيمان الثاني، قولهم إذا خلوا إلى شياطينهم، أي أصحابهم: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة: 14] [["الحجة" لأبي علي 1/ 234.]].

وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا﴾ قال الكلبي وقتادة: بمحمد ﷺ والقرآن [[عن الكلبي انظر:"تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 100، أما عن قتادة فأخرجه الطبري 9/ 315.]].

وقال مجاهد والسدي والحسن: ماتوا على كفرهم [[أخرجه عن مجاهد: الطبري 5/ 327.

وانظر: "الكشف والبيان" 4/ 133 أ، وذكره عن الحسن الهواري في "تفسير كتاب الله العزيز" 1/ 431. ولم أقف عليه عن السدي. وقد أخرج ابن أبي حاتم مثله عن ابن عباس. انظر: "تفسير ابن كثير" 1/ 624، و"الدر المنثور" 2/ 415.]].

وقال أبو العالية: ثم ازدادوا كفرًا بذنوب أصابوها في كفرهم [[لم أقف عليه.]].

قال أبو عبيد: جعل أبو العالية إصابة الذنوب زيادة في الكفر، كما أن أعمال البر زيادةٌ في الإيمان [[لم أقف عليه.]].

وقال أبو علي: ما ازدادوه من الكفر إنما هو بقولهم: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة: 14] فهذا زيادة في الكفر. ويدل على أنَّ المستهزئ [[في المخطوط: "المستهزئين"، والتصويب من "الحجة" 1/ 234.]] باستهزائه كافر، فيزداد به كفرًا إلى كفره قوله تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ [النساء: 140]، فإذا كان المجالس مثلهم وإن لم يُظهر ذلك ولم يعتقده، فالقاتل لذلك أشد ذهابًا في الكفر [["الحجة" لأبي علي 1/ 234، 235.]].

وقوله تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ إن قيل: إن الله عز وجل لا يغفر الكفر وقد أخبر به، فلم قال ههنا فيمن آمن ثم كفر، ثم آمن ثم كفر: ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾؟

فالجواب: أن الله تعالى يغفر للكافرين [[هكذا في المخطوط، والإفراد أظهر.]] كفره إذا آمن، فإن كفر بعد إيمانه لن يغفر له الكفر الأول، لأنه إذا كفر بعد إيمانٍ قبله كفر، كان مُطالبًا بجميع كفره.

وهذا جواب ذكره الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 120.]]، وبه قال بعض الأصوليين [[لم أقف عليه.]].

وكذلك قالوا في الذنوب: أن من تاب من ذنب ثم عاد في مثله، فقال القاضي أبو بكر من أصحابنا [[لعله شيخ الواحدي: أبو بكر الحيري.]]: إن توبته الأولى انتقصت [[هكذا في المخطوط بالصاد المهملة، ولعلها بالضاد المعجمة.]] حتى يلقى الله مؤاخذًا بحكم الزلة الأولى التي تاب عنها [[لم أقف عليه.]].

وقال الآخرون -وهو الاختيار-: إنَّ حكم ما تاب عنه بات على الصحة، وإن عاد إلى مثل ما تاب عنه [[الراجح -حسب ما ورد به الدليل- هو القول الأول كما قال ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رجل: يا رسول الله، أنؤاخذ بما عملنا في الجاهلية؟ قال: "من أحسن في الإسلام لم يؤاخذ بما عمل في الجاهلية، ومن أساء في الإسلام أخذ بالأول والآخر". أخرجه البخاري (6921) كتاب: استتابة المرتدين، باب: إثم من أشرك بالله، ومسلم (120) كتاب: الإيمان، باب: هل يؤاخذ بأعمال الجاهلية، وانظر: "زاد المسير" 2/ 225، والقرطبي 5/ 415.]].

وعلى هذا فالجواب أن يقال: إن هذا إخبار عن قوم انتقلوا عن الكفر إلى الإيمان، وعن الإيمان إلى الكفر (... و .... [[هنا كلمة غير واضحة، ولعلها: "وتفحيش" أو "تقبيح".]]) لحالهم، وأفردوا بذكر نفي المغفرة عنهم، وإن كان الله تعالى لا يغفر كفرًا مرة واحدة، تخصيصًا بالوعيد، كتخصيص جبريل وميكائيل من جملة الملائكة بالذكر تشريفًا وتعظيمًا، كذلك جاء هذا في نقيضه، ولا فرق بين أن يقول: إن اليهود لا يغفر الله لهم، وبين أن يقول: إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا لا يغفر الله لهم، لأنهم هم المعينون [[هكذا في المخطوط، ولعل الصواب: "المعنيون" بتقديم النون.]] بهذا الوصف.

وأما من قال: إنه إذا كفر ثانيًا أخذ بالأول، فقد غلط [[هذا الحكم فيه نظر؛ لأنه تقدم الحديث الصحيح الذي يدل على أن من كفر بعد إسلامه، أخذ بالأول والآخر.]]، لأنه صار بالإيمان كمن لم يكفر، كما أن التائب من الذنب صار كمن لا ذنب له، فلا يؤاخذ به بعد أن ارتفع حكمه، كما لا يؤاخذ بما لم يعمله وإن عزم على عمله.

وقال الكلبي: "لم يكن الله ليغفر لهم ما أقاموا على ذلك" [[انظر: "زاد المسير" 2/ 225، و"تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 100.]].

وذلك أن الله تعالى أخبر أنه يغفر كفر الكافر إذا انتهى، فإذا أطلق القول بأنه لا يغفر لهم على [[هكذا في المخطوط، ولعلها: عُلم.]] أن المراد به ما أقاموا عليه.

وقوله تعالى: ﴿وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا﴾ قال الكلبي وغيره: سبيل هدى [[انظر: "الكشف والبيان" 4/ 133 أ، و"تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 100.]]. وقال الزجاج: معنى ﴿وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا﴾ أي: لا يجعلهم بكفرهم مهتدين [["معانى القرآن وإعرابه" 2/ 120.]].

وفي هذا دليل على أن الله تعالى لم يهد الكافر إلى الإيمان، خلافًا لقول القدرية [[انظر: "الكشف والبيان" 4/ 133 ب، والقرطبي 5/ 416.]].

4:138Страница 100

بَشِّرِ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ بِأَنَّ لَهُمۡ عَذَابًا أَلِيمًا ١٣٨

Обрадуй вестью о мучительных страданиях лицемеров,

قوله تعالى: ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾.

قال المفسرون: إن المنافقين كانوا يتولون اليهود فألحقوا بهم في التبشير بالعذاب [[انظر: "تفسير الهواري" 1/ 431، و"الكشف والبيان" 4/ 133 ب.]].

ومعنى بشرهم: أخبرهم، وذكرنا هذا في قوله: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: 25].

وقال أبو حاتم والزجاج: معناه: اجعل وضع إخبارهم بالعذاب الأليم موضع البشارة لهم، كقول عمرو:

وخيلٍ قد دَلْفتُ لهم بخيلٍ ... تحية بينهم ضرب وجيع [[البيت في الكتاب 2/ 323، و"معاني الزجاج" 2/ 120، و"الكشف والبيان" 4/ 133 ب والخيل: الفرسان، ودلفت: زحفت، ورجيع: موجع. ووجيع.]]

قال: والعرب تقول: تحيتك الضرب، وعتابك السيف [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 120، وانظر: "الكشف والبيان" 4/ 133 ب، و"زاد المسير" 2/ 226.]].

وقال بعضهم في وجه اتصال هذه الآية: أنَّ الذين ترددوا في الكفر هم كالمنافقين في التحير في الدين [[لم أقف على هذا القول. وقد قال ابن عطية: "في هذِه الآية دليل على أن التي قبلها إنما هي في المنافقين" "المحرر الوجيز" 4/ 262، وانظر: "البحر المحيط" 3/ 373.]].

4:139Страница 100

ٱلَّذِينَ يَتَّخِذُونَ ٱلۡكَٰفِرِينَ أَوۡلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَۚ أَيَبۡتَغُونَ عِندَهُمُ ٱلۡعِزَّةَ فَإِنَّ ٱلۡعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعٗا ١٣٩

которые берут своими помощниками и друзьями неверующих вместо верующих. Неужели они хотят обрести могущество с ними, если могущество целиком присуще Аллаху?

قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ﴾ هذا من صفة المنافقين الذين تقدم ذكرهم.

قال الكلبي: المراد بالكافرين ههنا: اليهود [["تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 100.]].

وقول عطاء عن ابن عباس في قوله: ﴿أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ﴾: يريد بني قينُقاع [[لم أقف عليه.]].

وأصل العزة في اللغة: الشدة، ومنه قيل للأرض الصلبة الشديدة: عزاز، ويقال: استعز عليّ المرض، إذا اشتد مرضه وكاد أن يهلك، وتعزز اللحم، إذا اشتد، ومنه: عز عليّ أن يكون كذا، بمعنى: اشتد، وعز الشيء، إذا قل حتى لا يكاد يوجد، لأنه اشتد مطلبه، واعتز فلان بفلان، إذا اشتد ظهره به، وشاة عزوز، تحلب بشدة لضيق أحاليلها. والعزة: القوة، منقولة عن الشدة لتقارب معنييهما. والعزيز القوي المنيع، خلاف الذليل [[انظر: الطبري 5/ 329، و"معاني الزجاج" 2/ 120، 121، و"تهذيب اللغة" 3/ 2420، 2421 (عز)، و"زاد المسير" 2/ 227.]].

والكلبي فسر العزة في قوله: ﴿أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ﴾ بالظهور على محمد وأصحابه [[انظر: "الكشف والبيان" 4/ 134 أ، و"زاد المسير" 2/ 226.]]. وهو راجع إلى معنى القوة، يعني: أيطلبون أن يتقووا بهم فيظهرون على المسلمين.

وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ أي الغلبة والقوة، والمعنى أنه لا تطلق صفة العزة إلا لله -عز وجل- [[لعل المراد أن العزة على وجه الإطلاق لا تكون إلا لله.]]، لأنه لا يُعتد بعزة أحد مع عزته، لصغرها واحتقارها في صفة عزته؛ ولأنه المقوِّي لجميع من له القوة من خلقه، فجميع العزة له؛ لأنه عزيز بعزة، ومعز من عز من عباده بما خلق له من العزة، فله العزة جميعًا من كل وجه.

4:140Страница 100

وَقَدۡ نَزَّلَ عَلَيۡكُمۡ فِي ٱلۡكِتَٰبِ أَنۡ إِذَا سَمِعۡتُمۡ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ يُكۡفَرُ بِهَا وَيُسۡتَهۡزَأُ بِهَا فَلَا تَقۡعُدُواْ مَعَهُمۡ حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيۡرِهِۦٓ إِنَّكُمۡ إِذٗا مِّثۡلُهُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ جَامِعُ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ وَٱلۡكَٰفِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا ١٤٠

Он уже ниспослал вам в Писании, чтобы вы не садились вместе с ними, если услышите, как они не веруют в знамения Аллаха и насмехаются над ними, пока они не увлекутся другим разговором. В противном случае вы уподобитесь им. Воистину, Аллах соберет вместе всех лицемеров и неверующих в Геенне.

قوله تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا﴾ الآية.

قال المفسرون: الذي نزّل في النهي عن مجالستهم ما نزل بمكة من قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ الآية [الأنعام: 68] وكان المنافقون يجلسون إلى أحبار اليهود، فيسخرون من القرآن ويكذبون به فنهى الله عز وجل المسلمين [[من "الكشف والبيان" 4/ 134 أبتصرف، وانظر: "بحر العلوم" 1/ 398، والبغوي 2/ 301، و"الكشاف" 1/ 305، و"زاد المسير" 2/ 228، و"الدر المنثور" 2/ 415.]].

وقوله تعالى: ﴿أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا﴾ أي إذا سمعتم الكفر بآيات الله والاستهزاء بها ، ولكن أوقع فعل السماع على الآيات والمراد بالسماع الاستهزاء [[انظر: القرطبى 5/ 417، 418.]].

قال الكسائي: وهو كمال تقول العرب: سمعت عبد الله يُلام، وأتيت عبد الله يُلام، إنما سمع اللوم فأوقع على الملوم [[لم أقف عليه عن الكسائي، وانظر: القرطبي 5/ 418.]].

وقوله تعالى: ﴿فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾.

أي يأخذوا في حديث غير الكفر والاستهزاء، فكنى عنه لأن الفعل يدل على المصدر.

وقوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾، قال ابن عباس: "يريد إنكم كافرون مثلهم" [[لم أقف عليه.]].

وهذا دليل على الوعيد لمن رضي بحالهم وما هم عليه من الكفر والاستهزاء [[انظر: الطبري 5/ 330.]]، أو من رضي بالكفر فهو كافر، ويدل على أن من رضي بمنكر وخالط أهله وإن لم يباشر ذلك كان في الإثم والمعصية بمنزلة المباشر، ألا ترى أن الله ذكر لفظ المماثلة في هذا الموضع [[انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 462، و"بحر العلوم" 1/ 398، والبغوي 2/ 301، والقرطبي 5/ 418.]]، وقد قال ابن عباس في قوله: ﴿فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ﴾: "يريد وأنتم تسمعون وتجالسونهم ولا تغضبون" [[لم أقف عليه.]] فدل هذا أن النهي عن القعود معهم على الرضا بما هم عليه. فأما إذا قعد ساخطًا منكرًا لفعلهم فإنه لا يكون مثلهم [[لم أجد مثل هذا القول عند المفسرين، وهو خلاف ظاهر الآية.]].

وقال ابن عباس في قوله في سورة الأنعام: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا﴾ الآية [الأنعام: 68]: "دخل فيها كل مُحدث في الدين وكل مبتدع إلى يوم القيامة" [["الكشف والبيان" 4/ 134 أ، وانظر: البغوي 2/ 301.]]. يريد أن من أحدث في الدين فقد خاض في آيات الله بالباطل.

وقد ورد النهي في هذه الآية التي نحن فيه [[هكذا في المخطوط، ولعل الصواب: "فيها".]] عن القعود مع الذين يخوضون في آيات الله بالباطل، فلا يجوز القعود عند كل صاحب بدعة وإحداث في الدين، سيما في القرآن وتفسيره [[انظر: الطبري 5/ 330]].

وقال أهل العلم: إنما ورد النهي عن القعود مطلقًا، لأن (المجالسة) [[هذه الكلمة غير واضحة في المخطوط، وما أثبته قريب.]] مع قوم يقتضي المؤانسة والمشاركة فيما يجرى من المحادثة، هذا هو الغالب في العادة، وقيل من يُجالس قومًا منكرًا عليهم بأخطاء لما يجري بينهم.

وكل من تمكن من إزالة منكر يرى قومًا عليه كان واجبًا عليه الإزالة وإذا لم يتمكن فالأولى أن يتباعد عنهم [[انظر: "بحر العلوم" 1/ 398، والقرطبي 5/ 418.]]، فإن لم يتباعد مع سخطه لما يرى لم يضره إن شاء الله [[هذا مخالف لظاهر هذه الآية من قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ﴾.]].

وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ يريد أنهم كما اجتمعوا على الاستهزاء بالآيات يجتمعون في جهنم على العذاب.

وأراد (جامعٌ) بالتنوين، لأنه لم يجمعهم قبل، ولكن حذف التنوين استخفافًا من اللفظ: وهو مراد في المعنى [[انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 462.]]، وقد تقدمت نظائره.

4:141Страница 101

ٱلَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمۡ فَإِن كَانَ لَكُمۡ فَتۡحٞ مِّنَ ٱللَّهِ قَالُوٓاْ أَلَمۡ نَكُن مَّعَكُمۡ وَإِن كَانَ لِلۡكَٰفِرِينَ نَصِيبٞ قَالُوٓاْ أَلَمۡ نَسۡتَحۡوِذۡ عَلَيۡكُمۡ وَنَمۡنَعۡكُم مِّنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَۚ فَٱللَّهُ يَحۡكُمُ بَيۡنَكُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۚ وَلَن يَجۡعَلَ ٱللَّهُ لِلۡكَٰفِرِينَ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ سَبِيلًا ١٤١

Они ждут, когда вас постигнет беда. Если Аллах одаряет вас победой, они говорят: «Разве мы не были с вами?». Если же доля достается неверующим, они говорят: «Разве мы не покровительствовали вам (или не помогали вам) и не защитили вас от верующих?». Аллах рассудит между вами в День воскресения. Аллах не откроет неверующим пути против верующих.

قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ﴾ الآية.

وهذا أيضًا من صفة المنافقين.

والتربص بالشيء أن ينتظر به يومًا [["العين" 7/ 120، و"تهذيب اللغة" 2/ 1344 (ربص)، وفي الأخير: "يومًا ما".]]، قال الشاعر:

تربَّص بها ريبَ المنونِ لعلها ... تُطَلَّق يومًا أو يموتُ حَليلُها [[في المخطوطة: "أخليلها"، والظاهر أنه تصحيف، انظر: "لسان العرب" 3/ 1558 (ربص). ولم أقف على قائل هذا البيت.]]

قال الكلبي: ينتظرون بكم الدوائر.

﴿فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ﴾ أي: ظهور على اليهود.

﴿قَالُوا﴾ للمؤمنين.

﴿أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ﴾ أي أعطونا من الغنيمة. قاله المفسرون [["تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 101.]].

﴿وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ﴾ يعني اليهود. قاله الكلبي [[الطبري 5/ 331، و"بحر العلوم" 1/ 398، و"الكشف والبيان" 4/ 134 ب.]].

﴿نَصِيبٌ﴾ قال ابن عباس: يريد ظفر على المسلمين [["تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 101.]].

﴿قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ﴾ قال الفراء. استحوذ عليهم، أي: غلب عليهم [["تهذيب اللغة" 1/ 694 (حوذ)، وانظر: "الكشف والبيان" 4/ 134 ب.]].

وقال الليث: استحوذ عليه الشيطان، إذا غلب عليه [["العين" 3/ 284، و"تهذيب اللغة" 1/ 694 (حوذ).]].

وقال أبو طالب: يقال أحوذ الشيء، إذا جمعه وضمه، ومنه يقال: استحوذ على كذا، إذا حواه [["تهذيب اللغة" 1/ 694 (حوذ) ولم يتبين من هو أبو طالب القائل.]]، قال لبيد:

إذا اجتمعت وأحوذَ جانبيها ... وأورَدَها على عُوجٍ طِوَالِ [[شعره ص 86، و"تهذيب اللغة" 1/ 694 (حوذ).]]

هذا هو الأصل، ثم جعلوا الاستحواذ بمعنى الاستيلاء على الشيء، لأن المستولي على الشيء بمنزلة المحيط به، وكذلك يقال: حاز الحمار أتنه إذ استولى عليها وجمعها [["تهذيب اللغة" 1/ 694.]]، ومنه قول العجاج:

يحُوذُهن وله حُوذِيُّ [["ديوانه" ص 524، والطبري 5/ 332، و"تهذيب اللغة" 1/ 694 (حوذ).]] قال النحويون: هذا الحرف خرج على الأصل من بين نظائره إشعارًا بالأصل إذا استمر بالإعلال في نظائره، نحو استعاروا، واستطاروا، واستقام، وما أشبه ذلك. ويجوز: استحاذ يستحيذ على قياس: أطاب، وهو لغة [[انظر: الطبري 5/ 333، و"معاني الزجاج" 2/ 122، و"إعراب القرآن" للنحاس 1/ 462، و"تهذيب اللغة" 1/ 694 (حوذ)، و"الكشف والبيان" 4/ 134 ب.]].

فأما معنى قوله: ﴿أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ﴾ فقال فيه كثير من أهل المعاني والتفسير، الزجاج وغيره: ألم نغلب عليكم بالموالاة لكم والإخبار بعورة محمد، ونطلعكم على سر المسلمين [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 122، وانظر: الطبري 5/ 332، و"بحر العلوم" 1/ 399، و"النكت والعيون" 1/ 537.]].

وهذا لا يظهر في تفسير هذا الحرف، إلا أن يقال: إن المنافقين غلبوا عليهم بهذا، حيث لم يقدروا هم على الاطلاع على عورة المسلمين ومعرفة أسرارهم إلا من جهة المنافقين، فهذا وجه لا يبعد.

وأظهر من هذا ما قاله المبرد، وهو أنه قال: معناه ألم نغلبكم على رأيكم ونصرفكم عن الدخول في جملة لمؤمنين [[انظر: البغوي 2/ 302، و"زاد المسير" 2/ 229.]]؟

وقوله تعالى: ﴿وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.

أي: (بتخذيلهم) عنكم، ومراسلتنا إياكم بأخبارهم.

قال أهل المعاني: ومراد المنافقين بهذا الكلام إظهار المنّة على الكافرين، أي: فاعرفوا لنا الحق في هذا عليكم [[انظر: "زاد المسير" 2/ 229.]].

وقوله تعالى: ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ يريد المؤمنين والمنافقين. قال ابن عباس: يريد أنه أخّر عقاب المنافقين إلى الموت ووضع عنهم السيف في الدنيا [[انظر: "زاد المسير" 2/ 230.]].

وقوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: 141].

أي حجة يوم القيامة. قاله ابن عباس والسدي، وهو قول علي -رضي الله عنه-، أن المراد بهذا في القيامة [[أخرج الآثار عن الثلاثة: الطبري 5/ 333، 334، وانظر: "زاد المسير" 2/ 230.]]؛ لأنه عطف على قوله: ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾.

قال أهل المعاني: وذلك أن الله تعالى يُظهر ثمرة إيمان المؤمنين ويصدّق موعودهم، ولم يشركهم الكفار في شيء من اللذات كما شاركوهم اليوم، حتى يعلموا أنَّ الحق معهم دونهم [[جاء عن علي وابن عباس رضي الله عنهما وغيرهما، أن ذلك كائن يوم القيامة وفي الآخرة. انظر: الطبري 5/ 333، 334، و"بحر العلوم" 1/ 399، و"النكت والعيون" 1/ 537 - 538، والبغوي 2/ 302.]].

4:142Страница 101

إِنَّ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ يُخَٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَهُوَ خَٰدِعُهُمۡ وَإِذَا قَامُوٓاْ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ قَامُواْ كُسَالَىٰ يُرَآءُونَ ٱلنَّاسَ وَلَا يَذۡكُرُونَ ٱللَّهَ إِلَّا قَلِيلٗا ١٤٢

Воистину, лицемеры пытаются обмануть Аллаха, но это Он обманывает их. Когда они встают на намаз, то встают неохотно, показывая себя перед людьми и поминая Аллаха лишь немного.

قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ﴾ قال ابن عباس: "يريد في الدنيا" [[لم أقف عليه.]]. والمعنى: أنهم يعملون عمل المُخادع بما يظهرونه ويبطنون خلافه من النفاق.

وقال الزجاج: أي: يخادعون (النبي) [[في المخطوط: "الشيء"، وهو تصحيف ظاهر كما يدل عليه باقي الكلام، وانظر: "معاني الزجاج" 2/ 122.]] بإظهارهم الإيمان وإبطانهم الكفر، فجعل الله عز وجل مخادعة النبي مخادعة (الله) [[هكذا في المخطوط، والصواب: له، أو لله، انظر: "معاني الزجاج" 2/ 123.]]، كما قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ [الفتح: 10] [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 122، 123.]].

وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ أي مجازيهم بالعقاب علي خداعهم [[انظر: "الكشف والبيان" 4/ 135 أ، والبغوي 2/ 302.]].

وقال ابن عباس والمفسرون: وهو خادعهم في الآخرة، وذلك أنهم يُعطون نوراً كما يُعطى المؤمنون، فإذا مضوا على الصراط طفى نورهم وبقوا في الظلمة [[عن ابن عباس بمعناه في "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 101. وهذا قول الحسن ومجاهد والسدي وعامة المفسرين.

انظر: الطبري 5/ 334، و"الكشف والبيان" 4/ 135 أ، والبغوي 2/ 302، و"زاد المسير" 2/ 231.]].

وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ﴾.

قال ابن عباس: "يريد مع المؤمنين" [[لم أقف عليه.]].

﴿قَامُوا كُسَالَى﴾ أي: متثاقلين متباطئين [[انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 101.]]. وهو معنى الكسل في اللغة.

قال ابن عباس: "أي لا يرجون لها ثوابًا، ولا يخافون على تركها عقابًا" [[لم أقف عليه، انظر: "زاد المسير" 2/ 231.]].

﴿يُرَاءُونَ النَّاسَ﴾ معنى الرياء: إظهار الجميل ليراه الناس، لا لاتباع أمر الله.

قال المفسرون: يراؤون الناس بصلاتهم لكي يراهم الناس مصلين، لا يريدون بها وجه الله [[انظر: الطبري 5/ 335، و"الكشف والبيان" 4/ 135 ب، و"الدر المنثور" 2/ 417.]].

وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ قال ابن عباس: "يقول إذا سمع الذاكر لله ومن يخافه ذكره معه، وأما وحده فلا يذكر الله" [[لم أقف عليه.]].

وقال الحسن: "إنما قل ذلك؛ لأنهم يعملونه رياءً وسمعة، ولو أرادوا به وجه الله لكان كثيراً" [[أخرجه بمعناه الطبري 5/ 335، وانظر: "الكشف والبيان" 4/ 135 ب، و"زاد المسير" 2/ 232، و"الدر المنثور" 2/ 417.]].

وقال قتادة: إنما قل لأن الله لم يقبله، وما رد الله فهو قليل، وما قبله فهو كثير [[أخرجه الطبري 5/ 335، وانظر: "الكشف والبيان" 4/ 135 ب، و"زاد المسير" 2/ 232، و"الدر المنثور" 2/ 417.]].

وقال بعض أهل المعاني: أي: إلا يسيرًا من نحو التكبير وما يظهر، دون القراءة والتسبيح، لأنهم يعملونه للناس [["النكت والعيون" 1/ 538، وانظر: "زاد المسير" 2/ 232.]].

4:143Страница 101

مُّذَبۡذَبِينَ بَيۡنَ ذَٰلِكَ لَآ إِلَىٰ هَٰٓؤُلَآءِ وَلَآ إِلَىٰ هَٰٓؤُلَآءِۚ وَمَن يُضۡلِلِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُۥ سَبِيلٗا ١٤٣

Они колеблются между этим (верой и неверием), но не принадлежат ни к тем, ни к другим. Для того, кого Аллах вводит в заблуждение, ты уже не найдешь дороги.

قوله تعالى: ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ الآية.

يقال: ذبذبه فتذبذب، أي: حركه فتحرك، وهو كتحريك شيء معلق بين السماء والأرض، ولهذا تسمى معاليق الهودج ذباذب [[انظر: "العين" 8/ 178، و"تهذيب اللغة" 2/ 1265، و"اللسان" 3/ 1485 (ذبب).]]، ويسمى الفرج ذبذبًا (لتحرك لا يتذبذب) [[هكذا في المخطوط، ولعله تصحيف، وقد جاء في "العين" 18/ 178 (ذب): "الذباذب ذكر الرجل، لأنه يتذبذب أي يتردد"، وانظر: "تهذيب اللغة" 2/ 1266، و"اللسان" 3/ 1485 (ذبب).]]، يقال: ذبذبه، أي: جعله يضطرب، فتذبذب أي: اضطراب [[انظر: الطبري 5/ 335، و"زاد المسير" 2/ 232.]]، قال النابغة:

ألم ترَ أن الله أعطاكَ سورةً ... ترى كُلَّ مَلْكٍ دونَها يتذَبْذَبُ [["ديوانه" ص 65، والطبري 5/ 335.]]

وقوله تعالى: ﴿بَيْنَ ذَلِكَ﴾.

أي: بين الكفر والإيمان، أو بين الكافرين والمؤمنين [[انظر: الطبري 5/ 336.]].

وذلك يشار به إلى الجماعة. وقد ذكرنا الكلام فيه عند قوله: ﴿عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ بأبلغ شرح [[انظر: [البقرة: 68].]].

وذكر الكافرين والمؤمنين قد جرى في هذه القصة عند قوله: ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ﴾ [النساء: 139] الآية، وإذا جرى ذكر الفريقين فقد جرى ذكر الكفر والإيمان.

قال ابن عباس: "يريد لا كافر ولا مؤمن" [[انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 101.]].

وإنما أراد ابن عباس لا كافر ظاهر الكفر، بدليل قول السدي: ليسوا بمشركين مُصرِّحين الشرك [[هكذا، وقد تكون: "بالشرك".]]، وليسوا بمؤمنين [[أخرجه بنحوه الطبري 5/ 336.]].

وقول قتادة: ليسوا بمؤمنين مخلصين، ولا مشركين مصرحين الشرك [[أخرجه الطبري 5/ 336، وابن المنذر. انظر: "الدر المنثور" 8/ 412 وفيه: "مصرحين بالشرك".]].

قال أهل المعاني: معنى ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ مترددين بين الكفر والإيمان، لا إلى المؤمنين بإخلاص الإيمان، ولا إلى المشركين فيخلصوا الشرك على الإظهار والإبطان [[انظر: الطبري 5/ 336، و"الكشف والبيان" 4/ 135 أ.]].

والمُذبذب المتردد المتحرك، ويكون ذلك بتحريك الغير، ولا أحد فعل ذلك إلا الله تعالى فهو قد ذبذبهم، وصيّرهم مترددين يتذبذبون.

وقوله تعالى: ﴿لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ﴾ إشارة إلى الفريقين الذين تقدم ذكرهما، وهما الكافرين والمؤمنين [[انظر: "الكشف والبيان" 4/ 135ب.

وهكذا جاء التعبير بالنصب "الكافرين والمؤمنين" والظاهر الرفع: "وهما الكافرون والمؤمنون" على أنه مبتدأ وخبر.]].

وقد ذكرنا أنَّ المراد بالكافرين في هذه القصة اليهود.

فإن قيل: كيف يجوز أن يُذموا بأنهم لا إلى الكافرين، وهم لا يستحقون المدح، وإن صاروا إليهم بإظهار الكفر.

والجواب: أنهم تركوا ذلك الكفر بكفر أشر منه وأوضع لصاحبه، وذلك أن المنافق أشرّ من المجاهر بالكفر، والمجاهر أحسن حالًا منه، لأن المجاهر يُرجى [[في المخطوط (يرجا) بالمحدودة.]] فلاحه بالاستدعاء إلى الحق، والمنافق ميئوس منه، فجاز أن يُذموا بترك كفر إلى كفرٍ أوضع منه.

وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ قال ابن عباس: "يريد من أضله الله فلن تجد له دينًا" [["تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 101.]].

4:144Страница 101

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ ٱلۡكَٰفِرِينَ أَوۡلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَۚ أَتُرِيدُونَ أَن تَجۡعَلُواْ لِلَّهِ عَلَيۡكُمۡ سُلۡطَٰنٗا مُّبِينًا ١٤٤

О те, которые уверовали! Не берите неверующих себе в помощники и друзья вместо верующих. Неужели вы хотите предоставить Аллаху очевидный довод против вас самих?

قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ﴾ الآية. قال المفسرون: لما ذم الله المنافقين بأنهم مرة إلى الكفار ومرة إلى المسلمين من غير أن يقرُّوا مع أحد الفريقين، نهى المسلمين في هذه الآية أن يصنعوا كصنيع المنافقين فقال: ﴿لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ﴾ يعني [[في المخطوط معنى، بالميم بدل الياء.]] اليهود من قريظة والنضير [[انظر: "بحر العلوم" 1/ 399، و"زاد المسير" 2/ 233.]]. وذلك أنَّ الأنصار بالمدينة كان لهم رضاع وحلف ومودة، فقالوا لرسول الله ﷺ: من نتولى [[في المخطوط: يتولى.]]؟ فقال: "المهاجرين"، ونزلت هذه الآية.

وهذا معنى قول ابن عباس في رواية عطاء [[لم أقف عليه.]].

وقال مقاتل: "كانوا يظهرون المودة للمشركين الذين بمكة، فنهاهم الله (ذلك) [[هكذا في المخطوط، ولعل الصواب: عن ذلك.]] " [[هذا الأثر عن مقاتل لم أقف عليه.]].

فعلى هذا المراد بالكافرين المشركون، والقول الأول أظهر.

ومعنى الولي الذي يتولى صاحبه بالنُّصرة.

وقوله تعالى: ﴿أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾.

قال ابن عباس: "يريد حجة بينة" [[عزاه إلى عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه في "الدر المنثور" 2/ 418.]].

وقال قتادة: "عذرًا مبينًا" [[أخرجه الطبري 5/ 337.]].

والمعنى: أَتُرِيدونَ أَن تَجْعَلُواْ لله عَلَيْكُمْ في عقابكم حجة بموالاة الكفار، أي: أنكم إذا واليتموهم صارت الحجة عليكم في العقاب.

4:145Страница 101

إِنَّ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ فِي ٱلدَّرۡكِ ٱلۡأَسۡفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمۡ نَصِيرًا ١٤٥

Воистину, лицемеры окажутся на нижайшей ступени Огня, и ты не найдешь для них помощника,

قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾

اختلفوا في معنى الدرك، فقال شمر: الدَّرك أسفل كل شيء ذي عمقٍ، كالرَّكيَّة ونحوها [["تهذيب اللغة" 2/ 1176 (درك).]].

وقال أبو عدنان [[لم أقف له على ترجمة.]]: درك الرّكيَّة: قعرها الذي أُدرك فيه الماء [["تهذيب اللغة" 10/ 110 (درك).]].

وقال الليث: الدَّرك: أقصى قعر الشيء، كالبحر ونحوه [["العين" 5/ 327، و"تهذيب اللغة" 10/ 110 (درك).]].

فعلى هذا المراد بالدرك الأسفل أقصى قعر جهنم.

وبهذا قال ابن عباس، فقال: معناه في أسفل النار [["تفسيره" ص (163)، وأخرجه من طريق علي: الطبري 9/ 339.]]. وكذلك قال عكرمة [[لم أقف عليه]].

وقال آخرون: الدَّرك: الطبق من أطباق جهنم. رواه ثعلب عن ابن الأعرابي [["تهذيب اللغة" 10/ 110 (درك)]]. وقال الليث: الدَّرك: واحد من أدراك جهنم من السبع [["العين" 5/ 327، و"تهذيب اللغة" 10/ 110 (درك)]].

وأصل هذا من الإدراك، بمعنى اللحوق، ففيه إدراك الطعام وإدراك الغلام، فالدرك ما يلحق من الطبقة [[انظر: "العين" 5/ 328، و"تهذيب اللغة" 10/ 110 (درك)]].

والظاهر أن جهنم طبقات، السفلى أشدها.

قال الأخفش وأبو عبيدة: جهنم أدراك، أي منازل، وكل منزلة منها درك [["مجاز القرآن" 1/ 242، ولم أجده عن الأخفش.]]. وقال الضحاك: (الدَّرج) إذا كان بعضها فوق بعض، و (الدَّرك) إذا كان بعضها أسفل من بعض [[لم أقف عليه.]].

وقال ابن جُريج: "سمعنا أن جهنم أدراك" [[أخرجه الطبري بسنده 5/ 338، ولكن بالسياق واللفظ التالي:

" ... عن ابن جريج قال: قال لي عبد الله بن كثير: قوله: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء: 145]. قال: سمعنا أن جهنم أدراك، منازل".]].

وقال الفراء: ﴿فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ﴾ أي: في أسفل درج النار [["معاني القرآن" 1/ 292، وانظر: "الزاهر" 1/ 518، و"تهذيب اللغة" 10/ 110 درك.]].

واختلف القراء في (الدَّرك)، فقرئ بفتح الراء وجزمه [[قرأ بسكون الراء عاصم وحمزة والكسائي وخلف، وقرأ الباقون بفتحها. انظر: "الحجة" 3/ 188، و"المبسوط" ص 159.]].

قال الفراء: هما لغتان، وجمعهما أدراك [[انظر: "معاني القرآن" 1/ 292، و"تهذيب اللغة" 2/ 1177 (درك)]].

وقال الزجاج: اللغتان جميعًا حكاهما أهل اللغة، إلا أن الاختيار فتح الراء، لأنه أكثر في الاستعمال [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 124 يتصرف، وانظر: "الكشف عن وجوه القراءات السبع" 1/ 401.]].

وقال أبو حاتم: جمع الدَّرَك: أدراك: كقوله: أجمال وأفراس، في جمع جمل وفرس. وجمع الدَّرْك: أدْرُك، مثل: أفلُس وأكلب [[لم أقف عليه.]].

قال أبو علي: هما لغتان في الكلمة، مثل: الشَّمَع والشّمَع -في الصحيح-، والقصّ والقصصَ -في المضاعف-، والعيب والعاب، والذيم والذَّام -في المعتل [["الحجة" 3/ 188.]].

قال أبو بكر ابن الأنباري: قد قال الله تعالى في المنافقين: إنهم في الدرك الأسفل من النار، وقال في آل فرعون: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: 46] فأيهما أشد عذابًا، المنافقون أم آل فرعون؟ قيل: الدرك الأسفل يجوز أن يكون هو أشد العذاب، فسمي باسمين مختلفين، كما يقول القائل: أدخل فلانًا المطبق، ثم يقول بعد ذلك: أدخله أضيق المجالس وأشدها، فيكون هذا موافقًا للأول، غير مخالف له [[لم أقف عليه.]].

وقوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾ أي مانعًا يمنعهم من عذاب الله، من جهة شفاعة أو غير ذلك من وجوه النصر المتوهم أنه ينفعهم. قاله الزجاج وغيره [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 124.]].

4:146Страница 101

إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُواْ وَأَصۡلَحُواْ وَٱعۡتَصَمُواْ بِٱللَّهِ وَأَخۡلَصُواْ دِينَهُمۡ لِلَّهِ فَأُوْلَٰٓئِكَ مَعَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَۖ وَسَوۡفَ يُؤۡتِ ٱللَّهُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ أَجۡرًا عَظِيمٗا ١٤٦

если только они не раскаются и исправят содеянное, крепко ухватятся за Аллаха и очистят свою веру перед Ним. Такие окажутся вместе с верующими, а ведь Аллах одарит верующих великой наградой.

قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ قال المفسرون: من النفاق، ﴿وَأَصْلَحُوا﴾ العمل [["الكشف والبيان" 4/ 136 ب، وانظر: الطبري 5/ 339.]].

﴿وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ﴾ وثقوا به والتجأوا إليه [["الكشف والبيان" 4/ 136 ب، وقال بعض المفسرين أن معنى ﴿وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ﴾ أي تمسكوا بدينه ووفوا بعهده. انظر: الطبري 9/ 341، و"بحر العلوم" 1/ 400.]].

﴿وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ﴾ من شائب رياء الناس [[انظر: "زاد المسير" 2/ 235.]].

قال علي -رضي الله عنه-: "إن المنافقين أشر من كفر بالله، وأولاهم بمقته، وأبعدهم من الإنابة إليه، لأنه شرط عليهم في التوبة الإصلاح والاعتصام، ولم يشرط ذلك على غيرهم، ثم شرط الإخلاص، لأنَّ النفاق ذنب القلب، والإخلاص توبة القلب" [[لم أقف عليه عن علي، وجاء نحوه في "تأويل مشكل القرآن" ص 7، و"بحر العلوم" 1/ 400.]].

ثم قال: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قال ابن قتيبة: حاد عن كلامهم غيظًا [[في "الكشف والبيان" 4/ 136 ب: "غيظًا عليهم".]]، ولم يُقل: فأولئك المؤمنون، أو من المؤمنين [["تأويل مشكل القرآن" ص 7، 8، و"الكشف والبيان" 4/ 136 ب.]].

قال ابن عباس في قوله: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾: "يريد أدنى منهم" [[لم أقف عليه.]].

ثم أوقع أجر المؤمنين، لانضمام المنافقين إليهم فقال: ﴿وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾.

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English