As-Sam'ani · Tafsir · in Arabic
آل عمران
Ali 'Imran
Family of Imran · Medinan · 200 ayahs
3:1–2Page 50
الٓمٓ ١
Alif, Lām, Meem.1
ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡحَيُّ ٱلۡقَيُّومُ ٢
Allāh - there is no deity except Him, the Ever-Living, the Self-Sustaining.1
تَفْسِير سُورَة آل عمرَان
وَهِي مَدَنِيَّة
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم
قَالَ الشَّيْخ الإِمَام الْأَجَل - رَضِي الله عَنهُ - لقد ورد فِي فضل هَذِه السُّورَة وَسورَة الْبَقَرَة أَخْبَار مِنْهَا: مَا رُوِيَ عَن رَسُول الله [أَنه] قَالَ: " تعملوا الْبَقَرَة وَآل عمرَان فَإِنَّهُمَا الزهروان تظلان صَاحبهمَا يَوْم الْقِيَامَة ".
وروى عَنهُ أَنه قَالَ: " تَجِيء الْبَقَرَة وَآل عمرَان يَوْم الْقِيَامَة كَأَنَّهُمَا غمامتان أَو غيايتان أَو فرقان من طير صواف ".
قَوْله تَعَالَى: ﴿آلم الله﴾
فالألف: هُوَ الله، وَاللَّام: جِبْرِيل، وَالْمِيم: مُحَمَّد، وَفِيه إِشَارَة لما أنزل الله، على لِسَان جِبْرِيل، على مُحَمَّد.
وَقد ذكرنَا الْأَقْوَال فِي حُرُوف التهجي.
وَإِنَّمَا فتح الْمِيم عِنْد الْوَصْل، وَإِن كَانَ السَّاكِن إِذا حرك حرك إِلَى الْكسر؛ لأَنهم استثقلوا الكسرة بعد [الْجَزْم، وَالْيَاء فِيهِ جزم] .
﴿لَا إِلَه إِلَّا هُوَ﴾ لَا معبود سواهُ. ﴿الْحَيّ القيوم﴾ فالحي: الدَّائِم الَّذِي لَا يزل. .
وَأما القيوم فقد سبق تَفْسِيره، وَقيل: هُوَ الَّذِي لَا يَزُول وَلَا يحول. وَقَالَ جَعْفَر بن مُحَمَّد [بن] الزبير: هُوَ دَائِم الْوُجُود. وَقَرَأَ عمر، وَابْن مَسْعُود ﴿الْحَيّ الْقيام﴾ وَهُوَ فِي الشواذ.
3:3–4Page 50
نَزَّلَ عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ مُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ وَأَنزَلَ ٱلتَّوۡرَىٰةَ وَٱلۡإِنجِيلَ ٣
He has sent down upon you, [O Muḥammad], the Book in truth, confirming what was before it. And He revealed the Torah and the Gospel
مِن قَبۡلُ هُدٗى لِّلنَّاسِ وَأَنزَلَ ٱلۡفُرۡقَانَۗ إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ لَهُمۡ عَذَابٞ شَدِيدٞۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٞ ذُو ٱنتِقَامٍ ٤
Before, as guidance for the people. And He revealed the Criterion [i.e., the Qur’ān]. Indeed, those who disbelieve in the verses of Allāh will have a severe punishment, and Allāh is Exalted in Might, the Owner of Retribution.1
قَوْله تَعَالَى: ﴿نزل عَلَيْك الْكتاب بِالْحَقِّ﴾ الْكتاب: الْقُرْآن، وسمى كتابا؛ لِأَنَّهُ يجمع الْآي والحروف، وَهُوَ من الْكتب وَهُوَ: الْجمع، وَمِنْه: الكتيبة و [هِيَ] السّريَّة لِاجْتِمَاعِهِمْ.
وَمِنْه يُقَال: كتبت البغلة، إِذا جمع بَين شفريها بِحَلقَة. وَقَوله: ﴿بِالْحَقِّ﴾ أَي: بِالصّدقِ فِي الدلالات والإخبارات، والوعد والوعيد.
وَقَوله: ﴿مُصدقا لما بَين يَدَيْهِ﴾ يَعْنِي: الْقُرْآن مُصدق لما قبله من التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل.
وَإِنَّمَا قَالَ: ﴿لما بَين يَدَيْهِ﴾ ؛ لِأَنَّهُ فِي تَصْدِيق مَا قبله، وَإِظْهَار صدقه، كالشيء الْحَاضِر بَين يَدَيْهِ.
﴿وَأنزل التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل من قبل هدى للنَّاس﴾ فَذكر هَا هُنَا ﴿أنزل﴾ وَذكر فِي الِابْتِدَاء ﴿نزل الْكتاب﴾ ، لِأَنَّهُ أنزل التَّوْرَاة جملَة وَالْإِنْجِيل جملَة، وَنزل الْقُرْآن مفصلا.
وَأما التَّوْرَاة أَصْلهَا وورية من الورى، من قَوْلهم ورى الزند إِذا أَضَاء، وَخرجت ناره، وَيُقَال: ورى زندي عِنْد فلَان؛ إِذا أَضَاء أمره عِنْده.
فَسمى وورية؛ لضيائها وَكَونهَا نورا، وقلبت الْوَاو تَاء فَصَارَت تورية. وَأما الْإِنْجِيل من " النجل " وَهُوَ الأَصْل فَسمى بِهِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ أصلا من الْأُصُول فِي الْعلم.
﴿وَأنزل الْفرْقَان﴾ قيل: هُوَ الْقُرْآن، وَهُوَ المفرق بَين الْحَلَال وَالْحرَام، وَقيل: كل مَا أنزل الله فَهُوَ فرقان؛ لكَونه مفرقا بَين الْحَلَال وَالْحرَام، وَفِي الْآيَة تَقْدِيم وَتَأْخِير، وَتَقْدِيره وَأنزل التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل من قبل، وَأنزل الْفرْقَان هدى للنَّاس.
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن الَّذين كفرُوا بآيَات الله لَهُم عَذَاب شَدِيد﴾ " نزلت فِي وَفد نَجْرَان من النَّصَارَى، قدمُوا على رَسُول الله، وَفِيهِمْ السَّيِّد وَالْعَاقِب: كَانَا رجلَيْنِ مِنْهُم، وهم سِتُّونَ رَاكِبًا، وَقيل قَرِيبا من عشْرين رَاكِبًا، فَدَخَلُوا الْمَسْجِد، وَالنَّبِيّ قد صلى الْعَصْر، فوقفوا يصلونَ نَحْو الْمشرق صلَاتهم، فَلَمَّا فرغوا سَأَلَهُمْ رَسُول الله عَن عِيسَى، فَاخْتَلَفُوا فِيهِ، فَقَالَ بَعضهم: الله. وَقَالَ بَعضهم: ابْن الله، وَقَالَ بَعضهم: ثَالِث ثَلَاثَة، فَقَالَ: أَسْلمُوا، فَقَالُوا نَحن مُسلمُونَ، فَقَالَ: كَذبْتُمْ؛ يمنعكم من ذَلِك قَوْلكُم عِيسَى ولد الله. فَأنْزل الله تَعَالَى فيهم بضع وَثَمَانِينَ آيَة، من أول سُورَة آل عمرَان فِي الْحجَّاج، وَالدّلَالَة عَلَيْهِم، ورد قَوْلهم، وَهَذِه الْآيَة من جملها نزلت فيهم ".
﴿وَالله عَزِيز ذُو انتقام﴾ فالعزيز: المنيع الَّذِي لَا يقدر عَلَيْهِ، وَمِنْه: الأَرْض العزاء، وَهِي الصلبة الشاقة المسلك، وَقيل: الْعَزِيز: الْغَالِب الَّذِي لَا يفوتهُ شَيْء، وَمِنْه: يُقَال: من عز بز أَي من غلب سلب، والمنتقم المعاقب على (الْجِنَايَة} ، والنقمة: الْعقُوبَة.
3:5Page 50
إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَخۡفَىٰ عَلَيۡهِ شَيۡءٞ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا فِي ٱلسَّمَآءِ ٥
Indeed, from Allāh nothing is hidden in the earth nor in the heaven.
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن الله لَا يخفي عَلَيْهِ شَيْء فِي الأَرْض وَلَا فِي السَّمَاء﴾ وَهَذَا لَا شكّ فِيهِ.
3:6Page 50
هُوَ ٱلَّذِي يُصَوِّرُكُمۡ فِي ٱلۡأَرۡحَامِ كَيۡفَ يَشَآءُۚ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ٦
It is He who forms you in the wombs however He wills. There is no deity except Him, the Exalted in Might, the Wise.
﴿هُوَ الَّذِي يصوركم فِي الْأَرْحَام كَيفَ يَشَاء﴾ هَذَا فِي الرَّد على وَفد نَجْرَان؛ حَيْثُ قَالُوا: عِيسَى ولد الله، فَكَأَنَّهُ يَقُول: هُوَ الَّذِي صوره فِي الرَّحِم، (فَكيف يكون ولد لَهُ) ؟ !
وَقد روى عَن ابْن مَسْعُود - رَضِي الله عَنهُ - قَالَ: إِن النُّطْفَة إِذا وَقعت فِي الرَّحِم تكون أَرْبَعِينَ يَوْمًا نُطْفَة، ثمَّ أَرْبَعِينَ يَوْمًا علقَة، ثمَّ أَرْبَعِينَ يَوْمًا مُضْغَة، ثمَّ يبْعَث الله تَعَالَى ملكا يَأْخُذ تُرَابا بَين أصبعيه فيخلطه بالمضغة، ثمَّ يصوره بِإِذن الله كَيفَ (شَاءَ) ، أَحْمَر أَو أسود أَو أَبيض، طَويلا أَو قَصِيرا، حسنا أَو قبيحا، ثمَّ يكْتب رزقه وَعَمله وأثره وأجله وشقى أَو سعيد، ثمَّ إِذا مَاتَ يدْفن فِي التربة الَّتِي أَخذ مِنْهَا التُّرَاب. (٦ لَا إِلَه إِلَّا هُوَ الْعَزِيز) فِي أمره ﴿الْحَكِيم﴾ فِي سُلْطَانه.
3:7Page 50
هُوَ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ مِنۡهُ ءَايَٰتٞ مُّحۡكَمَٰتٌ هُنَّ أُمُّ ٱلۡكِتَٰبِ وَأُخَرُ مُتَشَٰبِهَٰتٞۖ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمۡ زَيۡغٞ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَٰبَهَ مِنۡهُ ٱبۡتِغَآءَ ٱلۡفِتۡنَةِ وَٱبۡتِغَآءَ تَأۡوِيلِهِۦۖ وَمَا يَعۡلَمُ تَأۡوِيلَهُۥٓ إِلَّا ٱللَّهُۗ وَٱلرَّٰسِخُونَ فِي ٱلۡعِلۡمِ يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِۦ كُلّٞ مِّنۡ عِندِ رَبِّنَاۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّآ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ ٧
It is He who has sent down to you, [O Muḥammad], the Book; in it are verses [that are] precise - they are the foundation of the Book - and others unspecific.1 As for those in whose hearts is deviation [from truth], they will follow that of it which is unspecific, seeking discord and seeking an interpretation [suitable to them]. And no one knows its [true] interpretation except Allāh. But those firm in knowledge say, "We believe in it. All [of it] is from our Lord." And no one will be reminded except those of understanding,
قَوْله تَعَالَى ﴿هُوَ الَّذِي أنزل عَلَيْكُم الْكتاب مِنْهُ آيَات محكمات هن أم الْكتاب وَأخر متشابهات﴾ اخْتلفُوا فِي المحكمات والمتشابهات، قَالَ ابْن عَبَّاس: المحكمات هِيَ الْآيَات الثَّلَاث الَّتِي فِي آخر سُورَة الْأَنْعَام، وَذَلِكَ قَوْله: ﴿قل تَعَالَوْا﴾ إِلَى ﴿آيَات محكمات هن أم الْكتاب وَأخر متشابهات فَأَما الَّذين فِي قُلُوبهم زيغ فيتبعون﴾
آخر الْآيَات الثَّلَاث، وَأما المتشابهات: حُرُوف التهجي فِي اوائل السُّور. وَقَالَ عِكْرِمَة وَمُجاهد: المحكمات: الْحَلَال وَالْحرَام، وَمَا سواهُ كُله من المتشابهات؛ لِأَنَّهُ يشبه بَعْضهَا بَعْضًا فِي الْحق، والتصديق، يصدق بعضه بَعْضهَا.
وَقَالَ الضَّحَّاك: المحكمات: الناسخات، والمتشابهات: المنسوخات.
وَقَالَ جَابر بن عبد الله الْأنْصَارِيّ: المحكمات مَا أوقف الله تَعَالَى الْخلق على مَعْنَاهَا، والمتشابهات مَا لَا يعقل مَعْنَاهَا، وَلَا يعلمهَا إِلَّا الله. وَفِيه قَولَانِ آخرَانِ: أَحدهمَا: أَن المحكمات مَا لَا يشْتَبه مَعْنَاهَا، والمتشابهات مَا يشْتَبه ويلتبس مَعْنَاهَا. وَالْقَوْل الثَّانِي: أَن المحكمات مَا يسْتَقلّ بِنَفسِهِ فِي الْمَعْنى، [والمتشابهات] مَا لَا يسْتَقلّ بِنَفسِهِ فِي الْمَعْنى إِلَّا بِنَوْع اسْتِدْلَال، أَو رد إِلَى غَيره؛ وَإِنَّمَا سميت محكمات من الإحكام؛ (كَأَنَّهُ) أحكمها؛ فَمنع الْخلق من التَّصَرُّف فِيهَا؛ لظهورها (ووضوح) مَعْنَاهَا.
﴿هن أم الْكتاب﴾ أَي: أصل الْكتاب، فَإِن قَالَ قَائِل: لم لم يقل: هن أُمَّهَات الْكتاب؟ قيل: قَالَ الْفراء: تَقْدِيره: هن الشَّيْء الَّذِي هُوَ أصل الْكتاب. وَقَالَ غَيره: مَعْنَاهُ: كل وَاحِدَة مِنْهُنَّ أصل الْكتاب، كَمَا يُقَال: الْقَوْم أَسد على، أَي: كل وَاحِد مِنْهُم أَسد على، وَمَعْنَاهُ: هن أصل الْكتاب؛ لِأَن الْخلق يفزعون إِلَيْهِ، كَمَا تفزع الْفُرُوع إِلَى الْأُصُول، فَإِن قَالَ قَائِل: كَيفَ فرق هَا هُنَا بَين المحكمات والمتشابهات، وسمى كل الْقُرْآن متشابها فِي قَوْله تَعَالَى ﴿الله نزل أحسن الحَدِيث كتابا متشابها﴾ . وسمى الْكل محكما حَيْثُ قَالَ: ﴿الر. كتاب أحكمت آيَاته﴾ ؟ قُلْنَا: لما ذكر هُنَالك ﴿كتابا متشابه﴾ على معنى: أَنه يشبه بعضه بَعْضًا فِي الْحق والصدق، وَإِنَّمَا ذكر فِي الْموضع الآخر ﴿أحكمت آيَاته﴾ على معنى أَن الْكل حق وجد، لَيْسَ فِيهِ عَبث وَلَا هزل، ثمَّ ذكر تَفْصِيلًا آخر بعده، فَجعل الْبَعْض محكما وَالْبَعْض متشابها.
﴿فَأَما الَّذين فِي قُلُوبهم زيغ﴾ قَالَ مُجَاهِد: الزيغ: اللّبْس. وَقيل: هُوَ الشّرك، وَقيل: هُوَ الشُّبُهَات الَّتِي تتَعَلَّق بِالْقَلْبِ ﴿فيتبعون مَا تشابه مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَة وابتغاء تَأْوِيله﴾ يَعْنِي: أَن الَّذين فِي قُلُوبهم زيغ يغلون فِي طلب التَّأْوِيل للمتشابه؛ فيقعون على التَّأْوِيل المظلم؛ فَذَلِك ابْتِغَاء الْفِتْنَة؛ لِأَن من غلا فِي الدّين، وَطلب تَأْوِيل مَا لَا يُعلمهُ إِلَّا الله، يَقع فِي الْفِتْنَة، وَيكون مفتونا، وَخير الدّين: النمط الْأَوْسَط الَّذِي لَيْسَ فِيهِ غلو وَلَا تَقْصِير.
ثمَّ اخْتلفُوا فِي الَّذين يتبعُون مَا تشابه من هم؟ قيل: هم الْيَهُود الَّذين قَالُوا: مُدَّة أمة مُحَمَّد على حُرُوف التهجي، وَقيل: هم النَّصَارَى من وَفد نَجْرَان، حَيْثُ قَالُوا لرَسُول الله: مَا تَقول فِي عِيسَى؟ فَقَالَ: عبد الله وَرَسُوله، قَالُوا: فَهَل تَقول: أَنه كلمة الله وروح مِنْهُ؟ فَقَالَ: نعم، قَالُوا: حَسبنَا الله. وَاتبعُوا مَا تشابه من قَوْله: كلمة الله وروح مِنْهُ. وَقيل: هم الغالون فِي طلب التَّأْوِيل وَاتِّبَاع الْمُتَشَابه، وروت عَائِشَة " أَن النَّبِي قَرَأَ هَذِه الْآيَة، ثمَّ قَالَ: إِذا رَأَيْتُمْ الَّذين يجادلون فِي الْآيَات فاحذروهم فهم هم ".
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا يعلم تَأْوِيله إِلَّا الله﴾ اسْتَأْثر الله تَعَالَى بِعلم التَّأْوِيل، وَقطع أفهام الْعباد عَنهُ، وَالْفرق بَين التَّأْوِيل وَالتَّفْسِير: أَن التَّفْسِير: هُوَ ذكر الْمَعْنى الْوَاضِح، كَمَا تَقول فِي قَوْله: ﴿لَا ريب فِيهِ﴾ أَي: لَا شكّ فِيهِ، وَأما التَّأْوِيل: هُوَ مَا يؤول الْمَعْنى إِلَيْهِ، ويستقر عَلَيْهِ. ثمَّ الْكَلَام فِي الْوَقْف، فَاعْلَم: أَن أبي بن كَعْب وَعَائِشَة وَابْن عَبَّاس - فِي رِوَايَة طَاوس عَنهُ - (رأو) الْوَقْف على قَول ﴿إِلَّا الله﴾ ، وَهُوَ قَول الْحسن، وَأكْثر التَّابِعين، وَبِه قَالَ الْكسَائي، وَالْفراء، والأخفش، وَأَبُو عبيد، وَأَبُو حَاتِم، قَالُوا: إِن الْوَاو فِي قَوْله: ﴿والراسخون﴾ وَاو الإبتداء؛ وَالدَّلِيل على صِحَّته قِرَاءَة ابْن عَبَّاس " وَيَقُول الراسخون فِي الْعلم آمنا بِهِ " وروى ابْن جريج، عَن مُجَاهِد، عَن ابْن عَبَّاس - فِي رِوَايَة أُخْرَى -: الْوَاو للنسق، وَلَا وقف (على قَوْله) ﴿إِلَّا الله﴾ (وَأَن الراسخون) فِي الْعلم يعلمُونَ التَّأْوِيل، قَالَ ابْن عَبَّاس: وَأَنا مِمَّن يعلم تَأْوِيله، وَقد ثَبت عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " اللَّهُمَّ فقهه فِي الدّين وَعلمه التَّأْوِيل "، قَالُوا: وَالصَّحِيح رِوَايَة طَاوس، عَن ابْن عَبَّاس، كَمَا ذكرنَا، وَعَلِيهِ إِجْمَاع الْقُرَّاء؛ وَلِأَن على قَضِيَّة قَول مُجَاهِد لَا يَسْتَقِيم.
قَوْله: ﴿والراسخون فِي الْعلم يَقُولُونَ﴾ قَالَ النُّحَاة: وَإِنَّمَا يَسْتَقِيم أَن تَقول: وَمَا يعلم تَأْوِيله إِلَّا الله والراسخون فِي الْعلم قائلين ﴿أمنا بِهِ﴾ (و) لِأَنَّهُ قَالَ: ﴿والراسخون فِي الْعلم يَقُولُونَ آمنا بِهِ كل من عِنْد رَبنَا﴾ ؛ وَلَو علمُوا التَّأْوِيل لم يكن لقَولهم هَذَا معنى، وَقد روى عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ: " أنزل الْقُرْآن على أَرْبَعَة أوجه " الْحَلَال وَالْحرَام، وعربية تعرفها الْعَرَب، وَمِمَّا يعلم الْعباد تَأْوِيله، وَمَا لَا يعلم تَأْوِيله إِلَّا الله " وَهَذَا يشْهد لما قُلْنَا؛ فَدلَّ أَن الْوَقْف على قَوْله: ﴿إِلَّا الله﴾ . وَالْوَاو: وَاو الِابْتِدَاء فِي قَول ﴿والراسخون فِي الْعلم يَقُولُونَ آمنا بِهِ كل من عِنْد رَبنَا﴾ قَالُوا: وَمن رسوخهم فِي الْعلم يَقُولُونَ ذَلِك ﴿وَمَا يذكر إِلَّا أولُوا الْأَلْبَاب﴾ .
3:8Page 50
رَبَّنَا لَا تُزِغۡ قُلُوبَنَا بَعۡدَ إِذۡ هَدَيۡتَنَا وَهَبۡ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحۡمَةًۚ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡوَهَّابُ ٨
[Who say], "Our Lord, let not our hearts deviate after You have guided us and grant us from Yourself mercy. Indeed, You are the Bestower.1
قَوْله تَعَالَى: ﴿رَبنَا لَا تزغ قُلُوبنَا﴾ أَي: لَا تمل قُلُوبنَا ﴿بعد إِذْ هديتنا﴾ وَهَذَا دُعَاء للتثبيت والإدامة عَلَيْهِ، وَقد رَوَت أم سَلمَة عَن النَّبِي أَنه كَانَ يَقُول: " يَا مُقَلِّب الْقُلُوب ثَبت قلبِي على دينك " ﴿وهب لنا من لَدُنْك رَحْمَة﴾ نصْرَة ومعونة ﴿إِنَّك أَنْت الْوَهَّاب﴾ .
3:9Page 50
رَبَّنَآ إِنَّكَ جَامِعُ ٱلنَّاسِ لِيَوۡمٖ لَّا رَيۡبَ فِيهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُخۡلِفُ ٱلۡمِيعَادَ ٩
Our Lord, surely You will gather the people for a Day about which there is no doubt. Indeed, Allāh does not fail in His promise."
قَوْله تَعَالَى: ﴿رَبنَا إِنَّك جَامع النَّاس ليَوْم لَا ريب فِيهِ﴾ أَي: لَا شكّ فِيهِ عِنْد أهل الْحق، وَقيل: أَرَادَ لَا ريب فِيهِ: يَوْم الْقِيَامَة إِذا قَامَت وَظَهَرت.
﴿إِن الله لَا يخلف الميعاد﴾ فَلَا تزغ قُلُوبنَا، وارحمنا، وَلكنه أوجزه وَلم يذكر تَمام الدُّعَاء.
3:10Page 51
إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَن تُغۡنِيَ عَنۡهُمۡ أَمۡوَٰلُهُمۡ وَلَآ أَوۡلَٰدُهُم مِّنَ ٱللَّهِ شَيۡـٔٗاۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمۡ وَقُودُ ٱلنَّارِ ١٠
Indeed, those who disbelieve - never will their wealth or their children avail them against Allāh at all. And it is they who are fuel for the Fire.
قَوْله تَعَالَى ﴿إِن الَّذين كفرُوا لن تغني عَنْهُم أَمْوَالهم وَلَا أَوْلَادهم من الله شَيْئا﴾ هُوَ قَول الْكَافرين يَوْم الْقِيَامَة: شَغَلَتْنَا عَن الْحق أَمْوَالنَا وَأَهْلُونَا، يَقُول لَا عذر لَهُم فِيهِ، وَلَا يغنيهم ذَلِك ﴿وَأُولَئِكَ هم وقود النَّار﴾ .
3:11Page 51
كَدَأۡبِ ءَالِ فِرۡعَوۡنَ وَٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمۡۗ وَٱللَّهُ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ ١١
[Theirs is] like the custom of the people of Pharaoh and those before them. They denied Our signs, so Allāh seized them for their sins. And Allāh is severe in penalty.
قَوْله تَعَالَى: ﴿كدأب آل فِرْعَوْن﴾ الدأب: الشَّأْن، والدأب: الْعَادة، وَمعنى الْآيَة: أَن هَؤُلَاءِ الْكفَّار فِي تَكْذِيب الرَّسُول، وَجحد الْحق، والتظاهر على الْكفْر؛ كعادة آل فِرْعَوْن، وَآل فِرْعَوْن: فِرْعَوْن وَقَومه.
﴿وَالَّذين من قبلهم﴾ يَعْنِي: عادا وَثَمُود ﴿كذبُوا بآيتنا فَأَخذهُم الله بِذُنُوبِهِمْ﴾ ، عاقبهم بجرائمهم، ﴿وَالله شَدِيد الْعقَاب﴾ لِأَنَّهُ دَائِم، عِقَابه لَا يَنْقَطِع؛ وكل دَائِم شَدِيد.
3:12Page 51
قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغۡلَبُونَ وَتُحۡشَرُونَ إِلَىٰ جَهَنَّمَۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمِهَادُ ١٢
Say to those who disbelieve, "You will be overcome and gathered together to Hell, and wretched is the resting place."
قَوْله تَعَالَى: ﴿قل للَّذين كفرُوا﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس: وَسبب نزُول الْآيَة مَا روى: " أَنه لما فرغ رَسُول الله من قتال الْمُشْركين يَوْم بدر جمع الْيَهُود بقينقاع، وَقَالَ لَهُم: أَسْلمُوا قبل أَن ينزل بكم مَا نزل بالمشركين من بَأْس الله، فَقَالُوا: إِنَّك لقِيت قوما أَغْمَارًا لَا يعْرفُونَ الْقِتَال، فَلَو قَاتَلْتنَا لَوَلَّيْت " فَنزل قَوْله تَعَالَى: ﴿قل للَّذين كفرُوا ستغلبون وتحشرون إِلَى جَهَنَّم وَبئسَ المهاد﴾ يَعْنِي: ستغلبون فِي الدُّنْيَا، وتحشرون فِي الْآخِرَة إِلَى جَهَنَّم، ﴿وَبئسَ المهاد﴾ وَقَالَ مقَاتل وَجَمَاعَة: هُوَ خطاب لأولئك الْمُشْركين يَوْم بدر، يَقُول الله: قا للْمُشْرِكين: ستغلبون، وتحشرون إِلَى جَهَنَّم، وَقد غلبوا وحشروا إِلَى جَهَنَّم، وَيقْرَأ: " سيغلبون ويحشرون " بِالْيَاءِ - وَهُوَ بِمَعْنى الأول، قَالَ الْفراء: وَهُوَ مثل قَول الرجل: قل لزيد: إِنَّك قَائِم. هُوَ بِمَعْنى قَوْله: قل لزيد: إِنَّه قَائِم؛ فهما فِي الْمَعْنى سَوَاء، وَيحْتَمل أَن يكون هَذَا خطاب للْيَهُود، يَعْنِي: قل للَّذين كفرُوا من الْيَهُود: سيغلب الْمُشْركُونَ، ويحشرون إِلَى جَهَنَّم، وَبئسَ المهاد، أَي: بئْسَمَا مهدوا لأَنْفُسِهِمْ، أَو بئْسَمَا مهد لَهُم.
3:13Page 51
قَدۡ كَانَ لَكُمۡ ءَايَةٞ فِي فِئَتَيۡنِ ٱلۡتَقَتَاۖ فِئَةٞ تُقَٰتِلُ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَأُخۡرَىٰ كَافِرَةٞ يَرَوۡنَهُم مِّثۡلَيۡهِمۡ رَأۡيَ ٱلۡعَيۡنِۚ وَٱللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصۡرِهِۦ مَن يَشَآءُۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَعِبۡرَةٗ لِّأُوْلِي ٱلۡأَبۡصَٰرِ ١٣
Already there has been for you a sign in the two armies which met [in combat at Badr] - one fighting in the cause of Allāh and another of disbelievers. They saw them [to be] twice their [own] number by [their] eyesight.1 But Allāh supports with His victory whom He wills. Indeed in that is a lesson for those of vision.
قَوْله تَعَالَى: ﴿قد كَانَ لكم آيَة﴾ أَي: معْجزَة وعلامة، ﴿فِي فئتين﴾ فِي فرْقَتَيْن ﴿التقتا﴾ أجتمعتا، من الالتقاء: وَهُوَ الإجتماع، وَمِنْه: " يَوْم التلاق "؛ لِأَنَّهُ يجْتَمع فِيهِ أهل السَّمَاء وَأهل الأَرْض ﴿فِئَة تقَاتل فِي سَبِيل الله﴾ يَعْنِي: الْمُسلمين يَوْم بدر ﴿وَأُخْرَى كَافِرَة﴾ يَعْنِي الْمُشْركين ﴿يرونهم مثليهم رأى الْعين﴾ يَعْنِي الْمُسلمين رأو الْمُشْركين مثلى عَددهمْ، وَكَانُوا ثَلَاثَة أمثالهم؛ لِأَن عدد الْمُسلمين يَوْم بدر كَانَ ثلثمِائة وَثَلَاثَة عشر نَفرا أَو أَرْبَعَة عشر نَفرا، وَكَانَ عدد الْمُشْركين تِسْعمائَة وَخمسين {يرونهم مثليهم رَأْي الْعين وَالله يُؤَيّد بنصره من يَشَاء إِن فِي ذَلِك لعبرة لأولي
نَفرا، وَعَن عَليّ وَابْن مَسْعُود: أَن عدد الْمُشْركين كَانُوا ألفا، فَرَآهُمْ الْمُسلمُونَ نيفا وسِتمِائَة. قَالَ ابْن مَسْعُود: رأيناهم ضعفى عددنا، ثمَّ رأيناهم مثل عددنا؛ رجل [بِرَجُل] وَهَذَا معنى قَوْله تَعَالَى فِي سُورَة الْأَنْفَال ﴿وَإِذا يريكهم إِذْ التقيتم فِي أعينكُم قَلِيلا ويقللكم فِي أَعينهم ليقضي الله أمرا كَانَ مَفْعُولا﴾ فَرَآهُمْ الْمُسلمُونَ أقل من عَددهمْ، وَكَذَلِكَ الْمُشْركُونَ رَأَوْا الْمُسلمين أقل من عَددهمْ، وَكَانَت الْحِكْمَة فِيهِ إِذا رَأَوْهُمْ أقل مِمَّا كَانُوا لَا يحجمون، وَلَا يفترون عَن الْقِتَال؛ لِأَن الله تَعَالَى قد أخْبرهُم أَن الْوَاحِد مِنْهُم يُقَاوم اثْنَيْنِ من الْمُشْركين، وَكَذَلِكَ الْمُشْركُونَ إِذا رَأَوْا الْمُسلمين أقل مِمَّا كَانُوا لَا يمتنعون عَن الْقِتَال؛ ﴿ليقضي الله أمرا كَانَ مَفْعُولا﴾ ، وَذَلِكَ من قتل رُؤَسَائِهِمْ وَقَادَتهمْ، بِإِذن الله تَعَالَى.
قَالَ الْفراء: إِنَّمَا رَأَوْهُمْ على عَددهمْ كَمَا كَانُوا، وَإِنَّمَا قَالَ: ﴿يرونهم مثليهم﴾ يَعْنِي: مثليهم سوى عَددهمْ، وَهَذَا مثل قَول الرجل - وَعِنْده دِرْهَم -: أَنا أحتاج إِلَى مثلى هَذَا الدِّرْهَم، يَعْنِي إِلَى مثلَيْهِ سواهُ. وَالْأول أصح.
وقرىء: " ترونهم " بِالتَّاءِ فَيكون خطابا للْيَهُود، وَكَانَ جمَاعَة مِنْهُم حَضَرُوا قتال بدر؛ لينظروا على من الدبرة، فرأو الْمُشْركين مثلى عدد الْمُسلمين، ورأو النُّصْرَة مَعَ ذَلِك للْمُسلمين، وَكَانَ ذَلِك معْجزَة، وَآيَة للرسول فِي أَعينهم. وعَلى الْقِرَاءَة الأولى يكون الْخطاب مَعَ الْمُسلمين فِي قَوْله: ( ﴿قد كَانَ لكم آيَة فِي فئتين﴾ وَالله يُؤَيّد بنصره من يَشَاء) ؛ لِأَنَّهُ نصر الْمُؤمنِينَ يَوْمئِذٍ.
﴿إِن فِي ذَلِك لعبرة لأولى الْأَبْصَار﴾ أَي: عَلامَة لأولى البصائر فِي الدّين، ولذوي الْعُقُول أَجْمَعِينَ.
3:14Page 51
زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوَٰتِ مِنَ ٱلنِّسَآءِ وَٱلۡبَنِينَ وَٱلۡقَنَٰطِيرِ ٱلۡمُقَنطَرَةِ مِنَ ٱلذَّهَبِ وَٱلۡفِضَّةِ وَٱلۡخَيۡلِ ٱلۡمُسَوَّمَةِ وَٱلۡأَنۡعَٰمِ وَٱلۡحَرۡثِۗ ذَٰلِكَ مَتَٰعُ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ وَٱللَّهُ عِندَهُۥ حُسۡنُ ٱلۡمَـَٔابِ ١٤
Beautified for people is the love of that which they desire - of women and sons, heaped-up sums of gold and silver, fine branded horses, and cattle and tilled land. That is the enjoyment of worldly life, but Allāh has with Him the best return [i.e., Paradise].
قَوْله تَعَالَى: ﴿زين للنَّاس حب الشَّهَوَات من النِّسَاء والبنين﴾ قَالَ الْحسن: المزين: هُوَ الشَّيْطَان؛ لِأَن الله تَعَالَى ذمّ الدُّنْيَا بأبلغ ذمّ، فَلَا يزينه فِي الْأَعْين. وَقَالَ عَامَّة الْمُفَسّرين: المزين: هُوَ الله تَعَالَى، وتزيينه: أَنه حبب فِي قُلُوبهم شَهْوَة النِّسَاء والبنين ﴿والقناطير المقنطرة من الذَّهَب وَالْفِضَّة﴾ ، فالقناطير: جمع القنطار، وَهُوَ مَال كثير، ثمَّ اخْتلفُوا؛ قَالَ معَاذ وَأبي بن كَعْب: القنطار: ألف وَمِائَتَا أُوقِيَّة، وَقَالَ ابْن عَبَّاس وَالضَّحَّاك: هُوَ ألف دِينَار أَو اثْنَا عشر ألف دِرْهَم. وَقَالَ سعيد بن الْمسيب: هُوَ ثَمَانُون ألف دِرْهَم. وَقَالَ مُجَاهِد: هُوَ سَبْعُونَ ألف دِينَار. وَقَالَ قَتَادَة: هُوَ مائَة رَطْل من ذهب أَو فضَّة. وَقَالَ أَبُو نَضرة: هُوَ ملْء مسك ثَوْر من ذهب أَو فضَّة. وسمى قِنْطَارًا؛ من الْأَحْكَام والتوثيق، وَأما المقنطرة: فَهِيَ الْمَجْمُوعَة المملكة. قَالَ الْفراء: القناطير ثَلَاثَة، والمقنطرة تِسْعَة.
قَوْله: ﴿وَالْخَيْل المسمومة﴾ قَالَ مُجَاهِد: هِيَ الحسان المطهمة، وَقَالَ سعيد ابْن جُبَير: المسومة: الراعية. يُقَال: أسام الْخَيل من الرعى. وَفِيه قَول ثَالِث، المسومة: المعلمة من السيما، وَهِي الْعَلامَة. مِنْهُم من قَالَ: سيماها: الشّبَه. وَمِنْهُم من قَالَ: سيماها الكي ﴿والأنعام﴾ : هِيَ الْإِبِل وَالْبَقر وَالْغنم ﴿والحرث﴾ : هِيَ الْأَرَاضِي المهيأة للزِّرَاعَة ﴿ذَلِك مَتَاع الْحَيَاة الدُّنْيَا﴾ فِيهِ إِشَارَة إِلَى أَنه مَتَاع يفنى.
﴿وَالله عِنْده حسن المآب﴾ فِيهِ تزهيد فِي الدُّنْيَا وترغيب فِي الْآخِرَة، ثمَّ أكده
3:15Page 51
۞ قُلۡ أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيۡرٖ مِّن ذَٰلِكُمۡۖ لِلَّذِينَ ٱتَّقَوۡاْ عِندَ رَبِّهِمۡ جَنَّٰتٞ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا وَأَزۡوَٰجٞ مُّطَهَّرَةٞ وَرِضۡوَٰنٞ مِّنَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ بَصِيرُۢ بِٱلۡعِبَادِ ١٥
Say, "Shall I inform you of [something] better than that? For those who fear Allāh will be gardens in the presence of their Lord beneath which rivers flow, wherein they abide eternally, and purified spouses and approval from Allāh. And Allāh is Seeing [i.e., aware] of [His] servants -
بقوله تَعَالَى: ﴿قل أؤنبئكم بِخَير من ذَلِكُم للَّذين اتَّقوا عِنْد رَبهم جنَّات تجْرِي من تحتهَا الْأَنْهَار خَالِدين فِيهَا وَأَزْوَاج مطهرة ورضوان من الله﴾ وقرىء " رضوَان " بِضَم الرَّاء، وهما فِي الْمَعْنى سَوَاء يُقَال: رضى يرضى رِضَاء ورضوانا. ورضوانا، وَفِي الْخَبَر عَن النَّبِي: " أَن أهل الْجنَّة؛ إِذا دخلُوا الْجنَّة يَقُول الله تَعَالَى: إِن لكم عِنْدِي موعدا، وَأَنا منجزكموه، فَيَقُولُونَ: قد أَعطيتنَا كل مَا نتمنى، فَمَا هُوَ يارب؟ فَيَقُول: أنزل عَلَيْكُم رِضْوَانِي وَلَا أَسخط عَلَيْكُم أبدا ".
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالله بَصِير بالعباد الَّذين يَقُولُونَ﴾
3:16Page 52
ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ إِنَّنَآ ءَامَنَّا فَٱغۡفِرۡ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ ١٦
Those who say, 'Our Lord, indeed we have believed, so forgive us our sins and protect us from the punishment of the Fire,' "
فَقَوله: ﴿الَّذين يَقُولُونَ﴾ يحْتَمل أَن يكون فِي مَوضِع الْخَفْض، وَتَقْدِيره: بالعباد الَّذين يَقُولُونَ، وَيحْتَمل أَن يكون فِي مَوضِع الرّفْع، وَتَقْدِيره: يَقُولُونَ على الِابْتِدَاء، وَيحْتَمل أَن يكون فِي مَوضِع النصب، وَتَقْدِيره: أعنى: الَّذين يَقُولُونَ: ﴿رَبنَا إننا آمنا فَاغْفِر لنا ذنوبنا وقنا عَذَاب النَّار﴾ .
3:17Page 52
ٱلصَّٰبِرِينَ وَٱلصَّٰدِقِينَ وَٱلۡقَٰنِتِينَ وَٱلۡمُنفِقِينَ وَٱلۡمُسۡتَغۡفِرِينَ بِٱلۡأَسۡحَارِ ١٧
The patient, the true, the obedient, those who spend [in the way of Allāh], and those who seek forgiveness before dawn.
﴿الصابرين﴾ يحْتَمل أَن يكون فِي مَوضِع الْخَفْض، وَيحْتَمل فِي مَوضِع النصب، يَعْنِي: الصابرين على الشدائد والمصائب، وعَلى الطَّاعَات، وَعَن الْمعاصِي ﴿والصادقين﴾ الَّذين استقامت أَحْوَالهم وأفعالهم ﴿والقانتين﴾ : المقيمين على الطَّاعَة، المداومين عَلَيْهَا ﴿والمنفقين﴾ يَعْنِي: المتصدقين، قيل فِي الْجِهَاد، وَقيل: فِي كل أَبْوَاب الْبر ﴿والمستغفرين بالأسحار﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس: هم المصلون بِاللَّيْلِ. وَقَالَ أنس: هم السائلون بالمغفرة. وَقَالَ زيد بن أسلم: المصلون صَلَاة الصُّبْح فِي الْجَمَاعَة، وَإِنَّمَا قَيده ﴿بالأسحار﴾ لقرب صَلَاة الصُّبْح من السحر.
3:18Page 52
شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ وَأُوْلُواْ ٱلۡعِلۡمِ قَآئِمَۢا بِٱلۡقِسۡطِۚ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ١٨
Allāh witnesses that there is no deity except Him, and [so do] the angels and those of knowledge - [that He is] maintaining [creation] in justice. There is no deity except Him, the Exalted in Might, the Wise.
قَوْله تَعَالَى: ﴿شهد الله﴾ أَي: بَين وَأعلم؛ وكل شَاهد مُبين ومعلم ﴿أَنه لَا إِلَه إِلَّا هُوَ﴾ لنَفسِهِ بالوحدانية؛ وَذَلِكَ أَن وَفد نَجْرَان قد أَنْكَرُوا وحدانيته، وَهَذِه الْآيَة من الْآيَات الَّتِي نزلت فِي شَأْنهمْ، وَالْحجاج عَلَيْهِم ﴿وَالْمَلَائِكَة﴾ أَي: وَشهِدت الْمَلَائِكَة، ﴿وَأولُوا الْعلم﴾ قيل: هم عُلَمَاء بني إِسْرَائِيل، وَذَلِكَ مثل: عبد الله بن سَلام، وَمن ﴿أَنه لَا إِلَه إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَة وَأولُوا الْعلم قَائِما بِالْقِسْطِ لَا إِلَه إِلَّا هُوَ الْعَزِيز الْحَكِيم حاجوك فَقل أسلمت وَجْهي لله وَمن اتبعن وَقل للَّذين أُوتُوا الْكتاب والأميين﴾
آمن مَعَه، وَقيل: هم الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَار، وَقيل: هم جَمِيع عُلَمَاء الْأمة.
﴿قَائِما﴾ نصب على الْحَال، فَهُوَ الله تَعَالَى قَائِم بتدبير الْخلق ﴿بِالْقِسْطِ﴾ : بِالْعَدْلِ، يُقَال: قسط يقسط إِذا جَار. وأقسط يقسط؛ إِذا عدل، فالقاسط: الجائر، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى ﴿وَأما القاسطون فَكَانُوا لِجَهَنَّم حطبا﴾ والمقسط: الْعَادِل، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: ( ﴿إِن الله يحب المقسطين﴾ لَا إِلَه إِلَّا هُوَ الْعَزِيز الْحَكِيم)
3:19Page 52
إِنَّ ٱلدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلۡإِسۡلَٰمُۗ وَمَا ٱخۡتَلَفَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ إِلَّا مِنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلۡعِلۡمُ بَغۡيَۢا بَيۡنَهُمۡۗ وَمَن يَكۡفُرۡ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ فَإِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ ١٩
Indeed, the religion in the sight of Allāh is Islām. And those who were given the Scripture did not differ except after knowledge had come to them - out of jealous animosity between themselves. And whoever disbelieves in the verses of Allāh, then indeed, Allāh is swift in [taking] account.
﴿إِن الدّين عِنْد الله الْإِسْلَام﴾ وَيقْرَأ: " أَن الدّين " بِفَتْح الْألف، فَمن قَرَأَ بِكَسْر الْألف؛ فَهُوَ على الِابْتِدَاء وَقَرَأَ الْكسَائي بِالنّصب، وَتَقْدِيره: شهد الله أَن الدّين عِنْد الله الْإِسْلَام؛ فَإِنَّهُ لَا إِلَه إِلَّا هُوَ وَالْإِسْلَام: هُوَ الأنقياد والإستسلام، وَقد يكون مُجَرّد الاستسلام من غير العقيدة فرقا بَينه وَبَين الْإِيمَان على مَا سَيَأْتِي.
وَالْإِسْلَام الْمَعْرُوف فِي الشَّرْع: هُوَ الْإِتْيَان بِالشَّهَادَتَيْنِ مَعَ سَائِر الْأَركان الْخمس، وَفِي الْأَخْبَار: " أَنه يُؤْتى بِالْأَعْمَالِ يَوْم الْقِيَامَة، فَيُؤتى بِالصَّلَاةِ على صُورَة، فَتَقول: يَا رب، إِنِّي الصَّلَاة، فَيَقُول الله تَعَالَى: إِنَّك بِخَير، وَيُؤْتى بِالزَّكَاةِ على صُورَة، فَتَقول: يَا رب، إِنِّي الزَّكَاة، فَيَقُول الله: إِنَّك بِخَير، وَهَكَذَا الصَّوْم وَالْحج، ثمَّ يُؤْتى بِالْإِسْلَامِ على أحسن الصُّور، فَيَقُول يَا رب، إِنِّي الْإِسْلَام، فَيَقُول الله تَعَالَى: إِنَّك إِلَى خير، بك أَخذ الْيَوْم وَبِك أعطي ".
وَحكي عَن غَالب الْقطَّان أَنه قَالَ: أتيت الْكُوفَة للتِّجَارَة فَنزلت قَرِيبا من الْأَعْمَش، فَكنت أختلف إِلَيْهِ وأسمع مِنْهُ الحَدِيث، فقصدت مِنْهُ لَيْلَة أَن أنحدر مِنْهُ إِلَى الْبَصْرَة، فَوَجَدته يتجهد فِي الْمَسْجِد، فَمر بِهَذِهِ الْآيَة ﴿شهد الله انه لَا إِلَه إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَة {وألوا الْعلم قَائِما بِالْقِسْطِ لَا إِلَه إِلَّا هُوَ الْعَزِيز الْحَكِيم﴾ ثمَّ قَالَ: وَأشْهد بِمَا شهد الله بِهِ، وأستودع الله هَذِه الشَّهَادَة؛ لتَكون وَدِيعَة لي عِنْده، ثمَّ قَالَ: ﴿إِن الدّين عِنْد الله الْإِسْلَام﴾ كَرَّرَه مرَارًا، فَقلت فِي نَفسِي: لقد سمع فِيهِ شَيْئا، فَمَكثَ، وَصليت مَعَه الصُّبْح، ثمَّ قلت لَهُ: مَرَرْت بِهَذِهِ الْآيَة، وَكنت تكررها ﴿فَقَالَ: أما بلغك مَا ورد فِيهَا؟﴾
قلت: أَنا عنْدك مُنْذُ سنتَيْن وَلم تُحَدِّثنِي، وَقد قصدت الإنحدار إِلَى الْبَصْرَة، فَقَالَ: وَالله لَا أحَدثك سنة، فَمَكثت بِالْكُوفَةِ وكتبت على بَابه ذَلِك الْيَوْم، فَلَمَّا تمت السّنة أَتَيْته، فَقلت: يَا أَبَا مُحَمَّد، قد تمت السّنة. فَقَالَ: حَدثنِي أَبُو وَائِل، عَن عبد الله بن مَسْعُود، عَن النَّبِي - أَنه قَالَ: " يجاء بصاحبها يَوْم الْقِيَامَة، فَيَقُول الله تَعَالَى: إِن لعبدي هَذَا عِنْدِي عهدا (وَأَنا) أَحَق من وفى بالعهد، أدخلُوا عَبدِي الْجنَّة ".
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا أختلف الَّذين أُوتُوا الْكتاب﴾ يَعْنِي: الْيَهُود وَالنَّصَارَى ﴿إِلَّا من بعد مَا جَاءَهُم الْعلم بغيا بَينهم﴾ أَي: حسدا بَينهم. ﴿وَمن يكفر بآيَات الله فَإِن الله سريع الْحساب﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
3:20Page 52
فَإِنۡ حَآجُّوكَ فَقُلۡ أَسۡلَمۡتُ وَجۡهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِۗ وَقُل لِّلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡأُمِّيِّـۧنَ ءَأَسۡلَمۡتُمۡۚ فَإِنۡ أَسۡلَمُواْ فَقَدِ ٱهۡتَدَواْۖ وَّإِن تَوَلَّوۡاْ فَإِنَّمَا عَلَيۡكَ ٱلۡبَلَٰغُۗ وَٱللَّهُ بَصِيرُۢ بِٱلۡعِبَادِ ٢٠
So if they argue with you, say, "I have submitted myself to Allāh [in Islām], and [so have] those who follow me." And say to those who were given the Scripture and [to] the unlearned,1 "Have you submitted yourselves?" And if they submit [in Islām], they are rightly guided; but if they turn away - then upon you is only the [duty of] notification. And Allāh is Seeing of [His] servants.
قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِن حاجوك﴾ أَي: فَإِن جادلوك ﴿فَقل أسلمت وَجْهي لله وَمن أتبعن﴾ أَي: قصدت بعبادتي الله تَعَالَى ﴿وَقل للَّذين أُوتُوا الْكتاب﴾ يَعْنِي: الْيَهُود وَالنَّصَارَى ﴿والأميين﴾ يَعْنِي: الْمُشْركين.
﴿أأسلمتم يَعْنِي: أَسْلمُوا، وَقيل: ذكره على التهديد؛ كَمَا يُقَال: أَقبلت هَذَا مني؟ على وَجه التهديد {فَإِن أَسْلمُوا فقد اهتدوا وَإِن توَلّوا فَإِنَّمَا عَلَيْك الْبَلَاغ وَالله بَصِير بالعباد﴾ أَي: عَلَيْك تَبْلِيغ الرسَالَة وَلَيْسَ عَلَيْك الْهِدَايَة (وَالله بَصِير بالعباد) بالضال مِنْهُم والمهتدي.
وتلخيص معنى الْآيَة: أَن الله تَعَالَى يَقُول: " فَإِن جادلوك بِالْبَاطِلِ، فَقل: أسلمت وَجْهي لله، أَي: أخلصت عَمَلي لله، أَو قصدت بعبادتي إِلَى الله الَّذِي لَا تقرون لَهُ بالخلق والتربية؛ فَإِنَّهُم كَانُوا مقرين بِأَن الله خالقهم ومربيهم، فَأَنا أقصد إِلَيْهِ بعبادي وَلَا أتبع هواى كَمَا تتبعون أهواءكم.
ثمَّ قَالَ: ﴿وَقل للَّذين أوتو الْكتاب والأميين أأسلمتم﴾ أَي: أَسْلمُوا. كَمَا قَالَ: ﴿فَهَل أَنْتُم مُنْتَهُونَ﴾ أَي: انْتَهوا، وَإِنَّمَا سمى الْمُشْركين أُمِّيين؛ لأَنهم لم يَكُونُوا قراء، وَقيل: نسبهم إِلَى أم الْقرى وَهِي مَكَّة لسكونهم فِيهَا.
3:21Page 52
إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكۡفُرُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَيَقۡتُلُونَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ بِغَيۡرِ حَقّٖ وَيَقۡتُلُونَ ٱلَّذِينَ يَأۡمُرُونَ بِٱلۡقِسۡطِ مِنَ ٱلنَّاسِ فَبَشِّرۡهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ٢١
Those who disbelieve in the signs of Allāh and kill the prophets without right and kill those who order justice from among the people - give them tidings of a painful punishment.
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن الَّذين يكفرون بآيَات الله﴾ أَرَادَ بِهِ الْيَهُود م بني إِسْرَائِيل. ﴿وَيقْتلُونَ النَّبِيين بِغَيْر حق﴾ إِنَّمَا قَالَ: بِغَيْر حق تَأْكِيدًا، لِأَن قتل النَّبِيين لَا يَنْقَسِم إِلَى الْحق وَالْبَاطِل.
وروى أَبُو عُبَيْدَة بن الْجراح، عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " أَشد النَّاس عذَابا يَوْم الْقِيَامَة من قتل نَبيا أَو قَتله نَبِي ". ثمَّ روى فِي هَذَا الْخَبَر أَنه قَالَ: " قتلت بَنو إِسْرَائِيل اثْنَيْنِ وَأَرْبَعين نَبيا فِي سَاعَة وَاحِدَة، فَقَامَ إِلَيْهِم مائَة وَاثنا عشر رجلا من زهادهم وعبادهم، وَأمرُوا بِالْمَعْرُوفِ، فَقَتَلُوهُمْ " فَهَذَا قَوْله تَعَالَى: (وَيقْتلُونَ الَّذين يأمرون بِالْقِسْطِ من النَّاس) أَي: بِالْعَدْلِ ﴿فبشرهم بِعَذَاب أَلِيم﴾ وَإِنَّمَا خَاطب أَبْنَاءَهُم بِهِ، مَعَ أَن (الْجِنَايَة) وجدت من آبَائِهِم؛ (لأَنهم) رَضوا بفعلهم، ودانوا بدينهم، فاستوجبوا هَذَا (الْعَذَاب) .
3:22Page 52
أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ حَبِطَتۡ أَعۡمَٰلُهُمۡ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِ وَمَا لَهُم مِّن نَّٰصِرِينَ ٢٢
They are the ones whose deeds have become worthless in this world and the Hereafter, and for them there will be no helpers.
قَوْله تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ الَّذين حبطت أَعْمَالهم﴾ أَي: بطلت، والحبوط والبطلان، فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة، وَبطلَان الْعَمَل فِي الدُّنْيَا: أَلا يقبل، وَفِي الْآخِرَة: أَنه لَا يجازى عَلَيْهِ بالثواب، ﴿وَمَا لَهُم من ناصرين﴾ من يمْنَع عَنْهُم الْعَذَاب.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences