As-SamarqandiAl‑Hujurat · 49:1–18

As-Samarqandi · Tafsir · in Arabic

الحجرات

Al-Hujurat

The Rooms · Medinan · 18 ayahs

49:1Page 515

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُقَدِّمُواْ بَيۡنَ يَدَيِ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٞ ١

O you who have believed, do not put [yourselves] before Allāh and His Messenger1 but fear Allāh. Indeed, Allāh is Hearing and Knowing.

وهي ثمان عشرة آية مدنية

قوله تبارك وتعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ يقال: يا نداء، وها تنبيه، والَّذِينَ إشارة. وآمَنُوا مدحه. روي عن الضحاك أنه كان يقرأ: لاَ تُقَدِّمُوا بنصب التاء والدال. وقراءة العامة لاَ تُقَدِّمُوا برفع التاء، وكسر الدال. فمن قرأ بالنصب، فهو في الأصل لا تتقدموا، فحذفت إحدى التاءين لتكون أخف. ومن قرأ بالضم فهو من قدم تقدم.

يقال: فلان تقدم بين يدي أبيه، وبين يدي الإمام. يعني: تعجل بالأمر، وانتهى بدونه.

يعني: لا تقدموا الكلام بين يدى الله، ورسوله. ومعناه: لا تقولوا قبل أن يقول الرسول ﷺ. ويقال: معناه إذا أمرتم بأمر فلا تفعلوه قبل الوقت الذي أمرتم به. وقال الحسن:

إن قوماً ذبحوا قبل أن يصلي النبيّ ﷺ يوم النحر، فأمرهم النبي ﷺ أن يذبحوا آخر، فنزل يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وقال مسروق: كنا عند عائشة يوم الشك فأُتي بلبن، فناولتني، فقلت: إني صائم. فقالت عائشة رضي الله عنها: وقد نهي عن هذا. وقرأت هذه الآية وقالت هذه الآية نزلت في الصوم وغيره. وقال مقاتل: نزلت الآية في ثلاثة نفر، وذلك أن النبي ﷺ بعث سرية، وأمر عليهم المنذر بن عمرو. فخرج بنو عامر بن صعصعة عند بئر معونة، فرصدوهم على الطريق، وقتلوهم. فرجع ثلاثة منهم، فلما دنوا إلى المدينة، خرج رجلان من بني سليم صلحاً لرسول الله ﷺ، وقد كان أهداهما، وكساهما، فقالا: نحن من بني عامر، لأن بني عامر كانوا أقرب إلى المدينة، فقتلوهما، وأخذوا من ثيابهما، وجاءوا بها إلى النبيّ ﷺ، فنزل يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ يعني:

لا تعجلوا بقتل، ولا بأمر، حتى تستأمروا رسول الله ﷺ. وروي عن الحسن في رواية أُخرى أنه قال: لا تعملوا بخلاف الكتاب والسنة.

ثم قال: وَاتَّقُوا اللَّهَ يعني: اخشوا الله عز وجل فيما يأمركم، وينهاكم، ولا تخالفوا أمر الله ورسوله.

وقوله: إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ يعني: سميع الدعاء، عليم بخلقه. ويقال: سميع لقول المستأمنين، عليم بنيات الذين قتلوهما. وفي الآية بيان رأفة الله عَزَّ وَجَلَّ عَلَى عباده، حيث سماهم مؤمنين مع معصيتهم.

49:2–3Page 515

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَرۡفَعُوٓاْ أَصۡوَٰتَكُمۡ فَوۡقَ صَوۡتِ ٱلنَّبِيِّ وَلَا تَجۡهَرُواْ لَهُۥ بِٱلۡقَوۡلِ كَجَهۡرِ بَعۡضِكُمۡ لِبَعۡضٍ أَن تَحۡبَطَ أَعۡمَٰلُكُمۡ وَأَنتُمۡ لَا تَشۡعُرُونَ ٢

O you who have believed, do not raise your voices above the voice of the Prophet or be loud to him in speech like the loudness of some of you to others, lest your deeds become worthless while you perceive not.

إِنَّ ٱلَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصۡوَٰتَهُمۡ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱمۡتَحَنَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمۡ لِلتَّقۡوَىٰۚ لَهُم مَّغۡفِرَةٞ وَأَجۡرٌ عَظِيمٌ ٣

Indeed, those who lower their voices before the Messenger of Allāh - they are the ones whose hearts Allāh has tested for righteousness. For them is forgiveness and great reward.

فقال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ولم يقل: يا أيها الذين عصوا وقد ذكرنا من قبل أن النداء على ست مراتب، وهذا نداء مدح.

قوله عز وجل: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ نزلت في وفد بني تميم قدموا على النبيّ ﷺ، وهم سبعون أو ثمانون، منهم الأقرع بن حابس، والزبرقان بن بدر، وعطارد بن الحجاب، وذلك حين قالوا: ائذن لشاعرنا، وخطيبنا في الكلام، فعلت الأصوات، واللغط، فنزلت الآية لاَ تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ ويقال: نزلت في ثابت بن قيس بن شماس، وكان في أذنه وقر، فكان إذا تكلم، رفع صوته.

ثم قال: وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ يعني: لا تدعوه باسمه، كما يدعو الرجل الرجل منكم باسمه، ولكن عظموه، ووقروه، وقولوا: يا نبي الله، ويا رسول الله.

ثم قال: أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ وَأَنْتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ أن ذلك يحبطها. يعني: إن فعلتم ذلك، فتحبط حسناتكم. وقال بعضهم: من عمل كبيرة من الكبائر حبط جميع ما عمل من الحسنات واحتج بهذه الآية: أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ ولكن نحن نقول: الكبيرة لا تبطل العمل ما لم يكفر، وإنما ذكر هاهنا إبطال العمل، لأن في ذلك استخفافا بالنبي ﷺ. ومن قصد الاستخفاف بالنبي ﷺ كفر. فلما نزلت هذه الآية، دخل ثابت بن قيس بيته، وجعل يبكي، ويقول: أنا من أهل النار. فذكر ذلك للنبي ﷺ، فبعث إليه، وقال: «إنَّكَ مِنْ أهْلِ الجَنَّةِ بَلْ غَيْرُكَ مِنْ أهْل النَّار» . فقال: يا رسول الله لا أتكلم بعد ذلك إلا سراً، أو ما كان يشبه السر فنزل: إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ روى ثابت عن أنس قال: لما نزل لاَ تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ وكان ثابت بن قيس رفيع الصوت. فقال: أنا الذي كنت أرفع صوتي، وحبط عملي. أنا من أهل النارِ. وجلس في بيته يبكي، ففقده رسول الله ﷺ، فأخبروه بما قال، فقال ﷺ: «بَلْ هُوَ مِنْ أهْلِ الجَنَّةِ» . فقال أنس: لكنا نراه يمشي بين أظهرنا، ونحن نعلم أنه من أهل الجنة. فلما كان يوم اليمامة، فكان فينا بعض الانكشاف، فجاء ثابت بن قيس وقد تحنط، ولبس كفنه، فقال: بئس ما تعودون أقرانكم، فقاتلهم حتى قتل. ثم قال: إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى يعني: أخلص الله قلوبهم. ويقال: أصفى الله عز وجل قلوبهم للتقوى من المعصية. يعني: يجعل قلوبهم موضعاً للتقوى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ لذنوبهم وَأَجْرٌ عَظِيمٌ أي: ثواب وافر في الجنة. يعني:

يجعل ثوابهم في الدنيا أن يخلص قلوبهم للتقوى، وفي الآخرة أجر عظيم.

49:4–8Page 515

إِنَّ ٱلَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَآءِ ٱلۡحُجُرَٰتِ أَكۡثَرُهُمۡ لَا يَعۡقِلُونَ ٤

Indeed, those who call you, [O Muḥammad], from behind the chambers - most of them do not use reason.

وَلَوۡ أَنَّهُمۡ صَبَرُواْ حَتَّىٰ تَخۡرُجَ إِلَيۡهِمۡ لَكَانَ خَيۡرٗا لَّهُمۡۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٥

And if they had been patient until you [could] come out to them, it would have been better for them. But Allāh is Forgiving and Merciful.

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِن جَآءَكُمۡ فَاسِقُۢ بِنَبَإٖ فَتَبَيَّنُوٓاْ أَن تُصِيبُواْ قَوۡمَۢا بِجَهَٰلَةٖ فَتُصۡبِحُواْ عَلَىٰ مَا فَعَلۡتُمۡ نَٰدِمِينَ ٦

O you who have believed, if there comes to you a disobedient one with information, investigate, lest you harm a people out of ignorance and become, over what you have done, regretful.

وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ فِيكُمۡ رَسُولَ ٱللَّهِۚ لَوۡ يُطِيعُكُمۡ فِي كَثِيرٖ مِّنَ ٱلۡأَمۡرِ لَعَنِتُّمۡ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ حَبَّبَ إِلَيۡكُمُ ٱلۡإِيمَٰنَ وَزَيَّنَهُۥ فِي قُلُوبِكُمۡ وَكَرَّهَ إِلَيۡكُمُ ٱلۡكُفۡرَ وَٱلۡفُسُوقَ وَٱلۡعِصۡيَانَۚ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلرَّٰشِدُونَ ٧

And know that among you is the Messenger of Allāh. If he were to obey you in much of the matter, you would be in difficulty, but Allāh has endeared to you the faith and has made it pleasing in your hearts and has made hateful to you disbelief, defiance and disobedience. Those are the [rightly] guided.

فَضۡلٗا مِّنَ ٱللَّهِ وَنِعۡمَةٗۚ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ ٨

[It is] as bounty from Allāh and favor. And Allāh is Knowing and Wise.

وقوله عز وجل: إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ فالحجرات جمع الحجرة.

يقال: حجرة وحجرات، مثل ظلمة وظلمات. وقرئ في الشاذ: الحجَرات بنصب الجيم.

وقرأه العامة بالضم. ومعناهما: واحد. نزلت الآية في شأن نفر من بني تميم، وذلك أن النبيّ ﷺ بعث أسامة بن زيد، فانتهى إلى قبيلة، وكانت تسمى بني العنبر، فأغار عليهم، وسبى ذراريهم، فجاء جماعة منهم ليشتروا أسراهم، أو يفدوهم، فنادوه وكان وقت الظهيرة، وكان النبيّ ﷺ في الحجرة. فنادوه من وراء الحجرة، وكان لأزواج النبيّ ﷺ حجرات. فلما خرج النبي كلموه في أمر الزراري، فقال لواحد منهم: احكم. فقال: حكمت أن تخلي نصف الأسارى، وتبيع النصف منا. ففعل النبيّ ﷺ. فنزلت الآية إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ لأنهم لو لم ينادوه، لكان يعتقهم كلهم. وروى معمر عن قتادة أن رجلاً جاء إلى النبي ﷺ، فناداه من وراء الحجرات، فقال: يا محمد إن مَدْحِي زَيْن، وإِن شَتْمِي شين. فخرج النبيّ ﷺ فقال:

«وَيْلَكَ ذَلَّكَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ» . فَنَزل إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ الآية.

ثم قال عز وجل: وَاللَّهُ غَفُورٌ لمن تاب رَحِيمٌ بهم بعد التوبة.

قوله عز وجل: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ الآية. نزلت في الوليد بن عقبة بعثه رسول الله ﷺ إلى بني المصطلق ليقبض الصدقات، فخرجوا إليه ليبجلوه، ويعظموه، فخشي منهم، لأنه كان بينه وبينهم عداوة في الجاهلية. فرجع إلى النبيّ ﷺ وقال:

خرجوا إِليَّ بأسلحتهم، ومنعوا مني الصدقات وطرحوني وأرادوا قتلي فهم رسول الله ﷺ أن يبعث لقتالهم، فجاؤوا إلى المدينة، وقالوا: يا رسول الله لما بلغنا قدوم رسولك، خرجنا نبجله، ونعظمه، فانصرف عنا، فاغتم رسول الله ﷺ بما فعل الوليد بن عقبة، فنزل يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ يعني: بحديث كذب وبخبر كذب فَتَبَيَّنُوا يعني: وتعرفوا ولا تعجلوا أَنْ تُصِيبُوا يعني: كيلا تصيبوا قَوْماً بِجَهالَةٍ وأنتم لا تعلمون بأمرهم فَتُصْبِحُوا يعني: فتصيروا عَلى مَا فَعَلْتُمْ نادِمِينَ. قرأ حمزة، والكسائي: فَتَثَبَّتُوا بالثاء.

وقرأ الباقون: فَتَبَيَّنُوا مثل ما في سورة النساء.

ثم قال للمؤمنين رضي الله عنهم: وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ يعني: ما أمرتم به، لأن الناس كانوا قد حرضوه على إرسالهم لقتال بني المصطلق، لَعَنِتُّمْ يعني: لأثمتم. وروى أبو نضرة، عن أبي سعيد الخدري أنه قرأ. هذه الآية: لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ يعني: هذا نبيكم، وخياركم لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ فكيف بكم اليوم. ويقال: لَعَنِتُّمْ أي: لهلكتم. وأصله من عنت البعير إذا انكسرت رجله.

ثم ذكر لهم النعم فقال: وَلكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ يعني: جعل حب الإيمان في قلوبكم وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ يعني: حسنه للثواب الذي وعدكم. ويقال: دلكم عليه بالحجج القاطعة. ويقال: زينه في قلوبكم بتوفيقه إياكم لقبوله وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيانَ يعني: بغض إليكم المعاصي، والكفر لما بينه من العقوبة.

ثم قال: أُولئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ يعني: المهتدون. فذكر أول الآية على وجه المخاطبة، وآخر الآية بالمغايبة. ثم قال: أُولئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ ليعلم أن جميع من كان حاله هكذا، فقد دخل في هذا المدح. وفي الآية دليل أن من كان مؤمناً، فإنه لا يحب الفسوق والمعصية، لأن الله تعالى قال: وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيانَ والمؤمن إذا ابتلي بالمعصية، فإن شهوته وغفلته تحمله على ذلك، لا لحبه للمعصية. ثم قال: أي ذلك التحبيب والتبغيض فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً يعني: كان الإيمان الذي حببه إليكم، والكفر الذي بغضه إليكم، كان فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً يعني: رحمة وَاللَّهُ عَلِيمٌ بخلقه حَكِيمٌ في أمره وقضائه.

49:9–11Page 516

وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٱقۡتَتَلُواْ فَأَصۡلِحُواْ بَيۡنَهُمَاۖ فَإِنۢ بَغَتۡ إِحۡدَىٰهُمَا عَلَى ٱلۡأُخۡرَىٰ فَقَٰتِلُواْ ٱلَّتِي تَبۡغِي حَتَّىٰ تَفِيٓءَ إِلَىٰٓ أَمۡرِ ٱللَّهِۚ فَإِن فَآءَتۡ فَأَصۡلِحُواْ بَيۡنَهُمَا بِٱلۡعَدۡلِ وَأَقۡسِطُوٓاْۖ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُقۡسِطِينَ ٩

And if two factions among the believers should fight, then make settlement between the two. But if one of them oppresses the other, then fight against the one that oppresses until it returns to the ordinance of Allāh. And if it returns, then make settlement between them in justice and act justly. Indeed, Allāh loves those who act justly.

إِنَّمَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ إِخۡوَةٞ فَأَصۡلِحُواْ بَيۡنَ أَخَوَيۡكُمۡۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمۡ تُرۡحَمُونَ ١٠

The believers are but brothers, so make settlement between your brothers. And fear Allāh that you may receive mercy.

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا يَسۡخَرۡ قَوۡمٞ مِّن قَوۡمٍ عَسَىٰٓ أَن يَكُونُواْ خَيۡرٗا مِّنۡهُمۡ وَلَا نِسَآءٞ مِّن نِّسَآءٍ عَسَىٰٓ أَن يَكُنَّ خَيۡرٗا مِّنۡهُنَّۖ وَلَا تَلۡمِزُوٓاْ أَنفُسَكُمۡ وَلَا تَنَابَزُواْ بِٱلۡأَلۡقَٰبِۖ بِئۡسَ ٱلِٱسۡمُ ٱلۡفُسُوقُ بَعۡدَ ٱلۡإِيمَٰنِۚ وَمَن لَّمۡ يَتُبۡ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ ١١

O you who have believed, let not a people ridicule [another] people; perhaps they may be better than them; nor let women ridicule [other] women; perhaps they may be better than them. And do not insult one another and do not call each other by [offensive] nicknames. Wretched is the name [i.e., mention] of disobedience after [one's] faith. And whoever does not repent - then it is those who are the wrongdoers.

قوله عز وجل: وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما وذلك أن النبيّ ﷺ خرج إلى الأنصار ليكلمهم في أمر من الأمور وهو على حماره، فبال الحمار وهو راكب عليه يكلم الأنصار. فقال عبد الله بن أبي المنافق: خل للناس سبيل الريح من نتن هذا الحمار، ثم قال: أف. وأمسك على أنفه فشق على النبيّ ﷺ قوله، فانصرف عبد الله بن رواحة. فقال:

اتقوا هذا لحمار رسول الله ﷺ، والله لبوله أطيب ريحاً منك. فاقتتلا فاجتمع قوم ابن رواحة وهم الأوس، وقوم عبد الله بن أبي وهم الخزرج، فكان بينهم ضرب النعال، والأيدي، والسعف، ورجع النبيّ ﷺ فأصلح بينهم. فأنزل الله تعالى: وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بالعدل فكره بعضهم الصلح، فأنزل قوله: فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى يعني: استطالت فلم ترجع إلى الصُّلح فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي يعني: تظلم حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللَّهِ يعني: ترجع إلى ما أمر الله عز وجل. وروى أسباط عن السدي قال: كانت امرأة من الأنصار يقال لها أم زيد، فأبغضت زوجها، وأرادت أن تلحق بأهلها، وكان قد جعلها في غرفة له، وأمر أهله أن يحفظوها، وخرج إلى حاجة له، فأرسلت إلى أهلها، فجاء ناس من أهلها، وأرادوا أن يذهبوا بها، فاقتتلوا بالنعال، والتلاطم. فنزل قوله تعالى: وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا الآية. ثم صارت الآية عامة في جميع المسلمين. إذا اقتتل فريقان من المسلمين، وجب على المؤمنين الإصلاح بين الفريقين. فإن ظهر أن أحد الفريقين ظالم، فإنه يقاتل ذلك الفريق حتى يرجع إلى حكم الله.

ثم قال: فَإِنْ فاءَتْ يعني: رجعت إلى الصلح فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالْعَدْلِ يعني:

بالحق وَأَقْسِطُوا يعني: اعدلوا بين الفريقين، ولا تميلوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ يعني:

العادلين.

ثم قال عز وجل: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ يعني: كالأخوة في التعاون لأنهم على دين واحد. كما قال النبيّ ﷺ: «المُؤْمِنَ للمُؤْمِن كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعضُهُ بَعْضاً» وَرُوي عنه أنه قال:

«المُؤْمِنُونَ كَعُضْوٍ وَاحِدٍ إِذَا اشْتَكَى عُضْوٌ تَدَاعَى سَائِر الأَعْضَاءِ إِلَى الحُمَّى وَالسَّهَرِ» .

ثم قال: فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ يعني: الفريقين من المؤمنين مثل الأوس والخزرج.

فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ قرأ ابن سيرين: إِخْوَانِكُم بالنون. وقرأ يعقوب الحضرمي: بَيْنَ إِخْوَتِكُمْ بالتاء. يعني: جمع الأخ. وقراءة العامة أَخَوَيْكُمْ بالياء على تثنية الأخ. يعني: بين كل أخوين.

ثم قال: وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ يعني: اخشوا الله عز وجل، ولا تعصوه، لكي ترحموا، فلا تعذبوا.

قوله عز وجل: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ يعني: لا يستهزئ الرجل من أخيه. وقال بعضهم: الآية نزلت في ثابت بن قيس، حيث عيّر الذي لم يوسع له في المكان، وقال بعضهم: الآية نزلت في الذين ينادونه من وراء الحجرات. استهزءوا من ضعفاء المسلمين، عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ يعني: أفضل منهم، وأكرم على الله تعالى وَلا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ يعني: لا تستهزئ امرأة من امرأة، وذلك أن عائشة رضي الله عنها قالت: إن أم سلمة جميلة لولا أنها قصيرة عَسى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ يعني: أفضل. ثم صارت الآية عامة في الرجال والنساء، فلا يجوز أحد أن يسخر من صاحبه، أو من أحد من خلق الله تعالى. وقال ابن مسعود رضي الله عنه: البلاء موكل بالقول لو سخرت من كلب خشيت أن أكون مثله.

ثم قال: وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ يعني: لا يطعن بعضكم بعضاً. وقال القتبي: ولا تغتابوا إخوانكم من المسلمين لأنهم كأنفسكم كما قال: ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً [النور: 12] . يعني: بأمثالهم.

ثم قال: وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ يعني: لا تسموا باللقب. وقال محمد بن كعب القرظي: هو الرجل يكون على دين من الأديان، فيسلم، فيدعونه بدينه الأول: يا يهودي، ويا نصراني. ويقال: لا تعيروا المسلم بالملة التي كان عليها، ولا تسموه بغير دين الإسلام. وقال أهل اللغة: الألقاب والأنباز واحد. ومنه قيل في الحديث: «قومٌ نَبْزُهُمُ الرَّافِضَةُ» أي: لقبهم وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ أي: لا تداعوا بها. ويقال: هو اللقب الذي يكرهه الرجل. يعني: أنه ينبغي للمؤمن أن يخاطب أخاه بأحب الأسماء إليه. وقرأ بعضهم وَلا تَلْمِزُوا بضم الميم.

وقراءة العامة: بالكسر، وهما لغتان. يقال: لمز فلان فلاناً، يلمز ويلمزه إذا عابه. وذكر في التفسير أن الآية نزلت في مالك بن أبي مالك، وعبد الله بن أبي حدرد، وذلك أن أبا مالك كان على المقاسم. فقال لعبد الله بن أبي حدرد الأسلمي: يا أعرابي. فقال له عبد الله: يا يهودي. فأمرهما رسول الله ﷺ أن يدخلا عليه، حتى تظهر توبتهما، فنزل بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمانِ يعني: بئس التسمية لإخوانكم بالكفر وهم مؤمنون وَمَنْ لَمْ يَتُبْ من قوله فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ فأوثقا أنفسهما حتى قبلت توبتهما.

49:12–14Page 517

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱجۡتَنِبُواْ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلظَّنِّ إِنَّ بَعۡضَ ٱلظَّنِّ إِثۡمٞۖ وَلَا تَجَسَّسُواْ وَلَا يَغۡتَب بَّعۡضُكُم بَعۡضًاۚ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمۡ أَن يَأۡكُلَ لَحۡمَ أَخِيهِ مَيۡتٗا فَكَرِهۡتُمُوهُۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ تَوَّابٞ رَّحِيمٞ ١٢

O you who have believed, avoid much [negative] assumption. Indeed, some assumption is sin. And do not spy or backbite each other. Would one of you like to eat the flesh of his brother when dead? You would detest it. And fear Allāh; indeed, Allāh is Accepting of Repentance and Merciful.

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقۡنَٰكُم مِّن ذَكَرٖ وَأُنثَىٰ وَجَعَلۡنَٰكُمۡ شُعُوبٗا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوٓاْۚ إِنَّ أَكۡرَمَكُمۡ عِندَ ٱللَّهِ أَتۡقَىٰكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٞ ١٣

O mankind, indeed We have created you from male and female and made you peoples and tribes that you may know one another. Indeed, the most noble of you in the sight of Allāh is the most righteous1 of you. Indeed, Allāh is Knowing and Aware.

۞ قَالَتِ ٱلۡأَعۡرَابُ ءَامَنَّاۖ قُل لَّمۡ تُؤۡمِنُواْ وَلَٰكِن قُولُوٓاْ أَسۡلَمۡنَا وَلَمَّا يَدۡخُلِ ٱلۡإِيمَٰنُ فِي قُلُوبِكُمۡۖ وَإِن تُطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ لَا يَلِتۡكُم مِّنۡ أَعۡمَٰلِكُمۡ شَيۡـًٔاۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٌ ١٤

The bedouins say, "We have believed." Say, "You have not [yet] believed; but say [instead], 'We have submitted,' for faith has not yet entered your hearts. And if you obey Allāh and His Messenger, He will not deprive you from your deeds1 of anything. Indeed, Allāh is Forgiving and Merciful."

قوله عز وجل: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ يعني: لا تحققوا الظن إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ يعني: معصية أي: إِنَّ ظن السوء بالمسلم معصية. وقال سفيان الثوري:

الظن ظنان. ظن فيه إثم، وظن لا إثم فيه. فالظن الذي فيه إثم، أن يظن ويتكلم به. وأما الظن الذي لا إثم فيه، فهو أن يظن، ولا يتكلم به، لأنه قال: إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ولم يقل: جميع الظن إثم.

ثم قال: وَلا تَجَسَّسُوا يعني: لا تطلبوا، ولا تبحثوا عن عيب أخيكم وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً روى أسباط عن السدي قال: كان سلمان الفارسي في سفر مع ناس فيهم عمر، فنزلوا منزلاً، فضربوا خيامهم، وصنعوا طعامهم، ونام سلمان، فقال بعض القوم لبعض: ما يريد هذا العبد إلا أن يجد خياماً مضروبة، وطعاماً مصنوعاً، فلما استيقظ سلمان، قالوا له: انطلق إلى رسول الله ﷺ، والتمس لنا إداماً نأتدم به. فأتى رسول الله ﷺ، فقال- عليه السلام-: «أَخْبِرْهُمْ أَنَّهُمْ قَدِ ائْتَدَمُوا» . فأخبرهم. فقالوا: ما طعمنا بعد، وما كذب رسول الله ﷺ. فأتوه، فقال: «ائْتَدَمْتُمْ مِنْ صَاحِبِكُمْ، حِينَ قُلْتُمْ مَا قُلْتُمْ وَهُوَ نَائِمٌ» ، ثم قرأ:

وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ يعني: فكما تكرهون أكل لحمه ميتاً، فكذلك اجتنبوا ذكره بالسوء وهو غائب. ويقال: كان سلمان في سفر مع أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، وكان يطبخ لهما، فنزلوا منزلاً، فلم يجد ما يصلح لهم أمر الطعام، فبعثاه إلى النبيّ ﷺ لينظر عنده شيئاً من الطعام، فقال أسامة: لم يبق عند النبيّ ﷺ شيء من الطعام، فرجع إليهما، فقالا: إنه لو ذهب إلى بئر كذا، ليبس ماؤها، فنزلت هذه الآية. ويقال: نزلت في شأن زيد بن ثابت، وذلك أن نفراً ذكروا فيه شيئاً، فنزل:

وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً قرأ نافع: مَيِّتاً بتشديد الياء، والخفض. والباقون بالجزم. وقال أهل اللغة: الميت. والميت واحد مثل ضيق وضيّق، وهين وهيّن، ولين وليّن.

ثم قال: وَاتَّقُوا اللَّهَ في الغيبة، وتوبوا إليه إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ يعني: قابل التوبة رَحِيمٌ بهم بعد التوبة.

قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ قال مقاتل: وذلك أن النبيّ ﷺ لما فتح مكة، أمر بلالاً ليؤذن. فقال الحارث بن هشام. أما وجد رسول الله ﷺ غير هذا الغراب. يعني: بلال. فنزل يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى يعني: آدم وحواء وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ يعني: رؤوس القبائل، مثل مضر، وربيعة وَقَبائِلَ يعني: الأفخاذ مثل بني سعد، وبني عامر. لِتَعارَفُوا في النسب إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ يعني: وإن كان عبداً حبشياً أسود مثل بلال. وقال في رواية الكلبي: نزلت في ثابت بن قيس، كان في أذنيه ثقل، وكان يدنو من رسول الله ﷺ ليسمع كلامه فأبطأ يوماً واحداً وقد أخذ الناس مجالسهم فجاء فتخطى رقابهم حتى جلس قريباً من النبيّ ﷺ. فقال رجل من القوم: هذا يتخطى رقابنا، فلم لا يجلس حيث وجد المكان؟ فقال ثابت: من هذا؟ فقالوا: فلان. فقال ثابت: يا ابن فلانة، وكان يعيّر بأمه، فخجل. فنزلت هذه الآية. فقال النبيّ ﷺ: «مَنْ عَيَّرَ فُلاناً بِأُمِّهِ» ؟ فقال ثابت بن قيس: أنا قد ذكرت شيئاً. فقرأ هذه الآية عليه، فاستغفر ثابت. وروى سعيد بن جبير، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: القبائل، والأفخاذ: الصغار، والشعوب: الجمهور مثل مضر. وقال الضحاك: الشعوب: الأفخاذ الصغار، والقبائل مثل بني تميم، وبني أسد. وقال القتبي:

الشعوب أكثر من القبيلة. وقال الزجاج: الشعب أعظم من القبيلة، ومعناه: إني لم أخلقكم شعوباً وقبائل لتتفاخروا، وإنما خلقناكم كذلك لتعارفوا. روي عن النبيّ ﷺ أنه قال: «إذا كان يَوْمُ الْقِيَامَةِ، يقولُ الله عَزَّ وَجَلَّ: إنَّكُمْ جَعَلْتُمْ لأنْفُسِكُمْ نَسَباً، وَجَعَلْتُ لِنَفْسِي نَسَباً، فَرفَعْتُم نَسَبَكُم، وَوَضَعْتُمْ نَسَبي، فَالْيَوْمَ أَرْفَعُ نَسَبِي، وَأَضَعُ نَسَبَكُم. يعني: قلت: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ وقلتم: أنتم فلان وفلان» .

ثم قال: إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بأتقيائكم خَبِيرٌ بافتخاركم قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قال ابن عباس: نزلت في بني أسد، قدموا على رسول الله ﷺ في قحط أصابهم، فجاؤوا بأهاليهم، وذراريهم، يطلبون الصدقة، وأظهروا الإسلام، وقالوا: يا رسول الله نحن أسلمنا طوعاً، وقدمنا بأهالينا، فأعطنا من الغنيمة أكثر مما تعطي غيرنا. ويقال: كانت قبيلتان جهينة، ومزينة، قدموا بأهاليهم. فنزلت الآية قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا يعني: صدقنا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا يعني: لم تصدقوا في السر، كما صدقتم في العلانية وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا يعني: دخلنا في الانقياد، والخضوع. ويقال: استسلمنا مخافة القتل والسبي وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ يعني:

التصديق. ويقال: لم يدخل حب الإيمان في قلوبكم وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ في السر، كما تطيعونه في العلانية لاَ يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمالِكُمْ شَيْئاً يعني: لا ينقصكم من ثواب أعمالكم شيئاً. قرأ أبو عمرو: لا يألتكم بالألف والهمز. والباقون: لاَ يَلِتْكُمْ بغير ألف ولا همز. ومعناهما واحد يقال: لاته يلته وألته يألته إذا نقص حقه إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ لو صدقوا بقلوبهم، ثم بيّن الله عز وجل لهم من المصدق.

49:15–18Page 517

إِنَّمَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ثُمَّ لَمۡ يَرۡتَابُواْ وَجَٰهَدُواْ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۚ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلصَّٰدِقُونَ ١٥

The believers are only the ones who have believed in Allāh and His Messenger and then doubt not but strive with their properties and their lives in the cause of Allāh. It is those who are the truthful.

قُلۡ أَتُعَلِّمُونَ ٱللَّهَ بِدِينِكُمۡ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۚ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ ١٦

Say, "Would you acquaint Allāh with your religion while Allāh knows whatever is in the heavens and whatever is on the earth, and Allāh is Knowing of all things?"

يَمُنُّونَ عَلَيۡكَ أَنۡ أَسۡلَمُواْۖ قُل لَّا تَمُنُّواْ عَلَيَّ إِسۡلَٰمَكُمۖ بَلِ ٱللَّهُ يَمُنُّ عَلَيۡكُمۡ أَنۡ هَدَىٰكُمۡ لِلۡإِيمَٰنِ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ١٧

They consider it a favor to you that they have accepted Islām. Say, "Do not consider your Islām a favor to me. Rather, Allāh has conferred favor upon you that He has guided you to the faith, if you should be truthful."

إِنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ غَيۡبَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ وَٱللَّهُ بَصِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ ١٨

Indeed, Allāh knows the unseen [aspects] of the heavens and the earth. And Allāh is Seeing of what you do.

فقال عز وجل: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ يعني: المصدقون في إيمانهم الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا يعني: لم يشكوا في إيمانهم وَجاهَدُوا الأعداء بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أي: في طاعة الله أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ في إيمانهم. فلما نزلت هذه الآية، أتوا رسول الله ﷺ، فحلفوا بالله أنهم لمصدقوه في السر، فنزل: قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ الذي أنتم عليه وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَّا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ يعني: سر أهل السموات، وسر أهل الأرض وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ أي: يعلم ما في قلوبكم من التصديق وغيره.

قوله عز وجل: يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا يعني: بقولهم جئناك بأهالينا، وأولادنا قُلْ لاَّ تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ يعني: وفقكم للإيمان إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ بأنكم مخلصون في السر، والعلانية.

قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يعني: سر أهل السموات، وسر أهل الأرض. وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ قرأ ابن كثير، وعاصم، في رواية إبان يَعْمَلُونَ بالياء على معنى الخبر عنهم. وقرأ الباقون: بالتاء على معنى المخاطبة. أي: بصير بما يعملون من التصديق وغيره، والخير، والشر، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском