As-Samin al-Halabi · Tafsir · in Arabic
طه
Taha
Ta-Ha · Meccan · 135 ayahs
قد تقدَّم الكلامُ في الحروفِ المُقَطَّعةِ أولَ هذا الموضوعِ، و «طه» مِنْ ذاك، هذا هو الصحيح. وقيل: إنَّ معنى «طه» يا رجلُ في لغةِ عَك، وقيل: عُكْل، وقيل: هي لغة يمانية. وحكى الكلبي أنك لو قلتَ في عَكّ: يا رجلُ، لم يُجِبْ حتى تقولَ: طه.
وقال الطبري: «طه في عَكّ بمعنى: يا رجلُ» ، وأنشدَ قولَ شاعرهم:
3269 - دَعَوْتُ بِطهَ في القتالِ فلم يُجِبْ ... فَخِفْتُ عليهِ أَنْ يكونَ مُوائِلا وقول آخر:
3270 - إنَّ السَّفاهةَ طه في خلائِقِكمْ ... لا قَدَّسَ اللهُ أرواحَ المَلاعينِ
قال الزمخشري: «وأثرُ الصَّنْعَةِ ظاهرٌ في البيت المستشهدِ به» فذكره، وقال السدي: «معناه: يا فلانُ» . وقال الزمخشري أيضاً: «ولعل عَكَّاً تَصَرَّفوا في» يا هذا «، كأنهم في لغتهم قالبون الياءَ طاءً، فقالوا: في يا: طا، واختصروا» هذا «فاقتصورا على» ها «. يعني فكأنه قيل في الآية الكريمة: يا هذا. وفيه بُعدٌ كبيرٌ.
قال الشيخ:» ثم تَخَرَّص وحَزَرَ على عَك ما لم يَقُلْه نحويٌّ: وهو أنهم يقلبون يا التي للنداء طاءً، ويحذفون اسم الإِشارة ويقتصرون منه على «ها» التي للتنبيه «. قلت: وهذا وإن كان قريباً مما قاله عنه إلاَّ أنه أنحى عليه في عبارته بقوله» تَخَرَّص «.
وقيل:» طه «أصلُه طَأْها بهمزة» طَأْ «أمراً مِنْ وَطِىء يَطَأُ، و» ها «ضميرُ مفعولٍ يعودُ على الأرض، ثم أبدل الهمزَة لسكونها ألفاً، ولم يَحْذِفْها في الأمرِ نظراً إلى أصلها أي: طَأ الأرضَ بقدمَيْكَ. وقد جاء في التفسير:» أنه قام حتى تَوَرَّمَتْ قدماه «.
وقرأ الحسنُ وعكرمةُ وأبو حنيفةَ وورشٌ في اختياره/ بإسقاطِ الألفِ بعد الطاء، وهاءٍ ساكنة. وفيها وجهان، أحدهما: أنَّ الأصلَ» طَأْ «بالهمز أمراً أيضاً مِنْ وَطِىء يَطَأُ، ثم أبدلَ الهمزةَ هاءً كإبدالهم لها في» هَرَقْتُ «و» هَرَحْتُ «و» هَبَرْتُ «. والأصلُ: أَرَقْتُ وأَرَحْتُ وأَبَرْت. والثاني: أنه أبدل الهمزةَ ألفاً، كأنه أَخَذه مِنْ وَطِي يَطا بالبدل كقوله:
3271 -. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... . . . . . . . . . . . لا هَنَاكِ المَرْتَعُ
ثم حَذَفَ الألفَ حَمْلاً للأمرِ على المجزومِ وتناسِياً لأصل الهمز ثم ألحق هاءَ السكتِ، وأجرى الوصلَ مُجْرى الوقفِ. وقد تقدَّم في أولِ يونس الكلامُ على إمالةِ طا وها فأغنى عن أعادتِه هنا.
20:2Page 312
مَآ أَنزَلۡنَا عَلَيۡكَ ٱلۡقُرۡءَانَ لِتَشۡقَىٰٓ ٢
We have not sent down to you the Qur’ān that you be distressed
قوله: {أَنَزَلْنَا} : هذه قراءةُ العامَّةِ. وقرأ طلحةُ «ما نُزِّلَ» مبنياً للمفعول، «القرآنُ» رُفِعَ لقيامه مَقامَ فاعلِه.
وهذه الجملةُ يجوزُ أَنْ تكونَ مستأنفةً إِنْ جُعِلت «طه» تعديداً لأسماءِ الحروفِ، ويجوز أن تكونَ خبراً ل طه إنْ جَعَلْتَها اسماً للسورة ويكون القرآنُ ظاهراً واقعاً موقعَ المضمرِ؛ لأنَّ طه قرآنٌ أيضاً، ويجوز أن تكونَ جوابَ قسمٍ، إنْ جَعَلْتَ طه مُقْسَماً به، وقد تقدَّم تفصيلُ القول في هذا.
قوله: {إِلاَّ تَذْكِرَةً} : في نصبه أوجهٌ، أحدها: أن تكونَ مفعولاً من أجله. والعاملُ فيه فِعْلُ الإِنزال، وكذلك «تَشْقَى» علةٌ له أيضاً، ووجبَ مجيءُ الأولِ مع اللام لأنه ليس لفاعلِ الفعلِ المُعَلَّل، ففاتَتْه شريطةُ الانتصابِ على المفعولية، والثاني جاز قطع اللام عنه ونصبه لاستجماعه الشرائط. هذا كلام الزمخشري، ثم قال: «فإن قلتَ:» هل يجوزُ أن تقولَ: ما أَنْزَلْنا، أن تَشقى كقوله {أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ} [الحجرات: 2] ؟ قلت: بلى ولكنها نصبةٌ طارئة كالنصبةِ في {واختار موسى قَوْمَهُ} [الأعراف: 155] وأما النصبةُ في «تَذْكِرةً» فهي كالتي في «ضَرَبْت زيداً» لأنه أحدُ المفاعيلِ الخمسةِ التي هي أصولٌ وقوانينُ لغيرِها «.
قلت: قد منع أبو البقاء أن تكونَ» تَذْكرةً «مفعولاً له لأَنْزَلْنا المذكورةِ، لأنها قد تعدَّتْ إلى مفعولٍ له وهو» لتشقى «فلا تتعدى إلى آخرَ مِنْ جنسِه. وهذا المنعُ ليس بشيءٍ؛ لأنه يجوزُ أَنْ يُعَلَّلَ الفعلُ بعلتين فأكثرَ، وإنما هذا بناءً منه على أنه لا يُفضِي العاملُ من هذه الفَضَلاتِ إلاَّ شيئاً واحداً، إلاَّ بالبدلية أو العطف.
الثاني: أن تكونَ» تذكرة «بدلاً مِنْ محلِّ» لتَشْقَى «وهو رأيُ الزجاج، وتبعه ابنُ عطية، واستبعده أبو جعفر، ورَدَّه الفارسيُّ بأنَّ التذكرةَ ليسَتْ بشقاءٍ. وهو ردٌّ واضحٌ. وقد أوضح الزمخشريُّ هذا فقال:» فإنْ قلتَ: هل يجوزُ أن تكونَ «تذكرةً» بدلاً مِنْ محلِّ «لِتشْقى» ؟ قلت: لا؛ لاختلافِ الجنسينِ ولكنها نُصِبَتْ على الاستثناءِ المنقطع الذي «إلاَّ» فيه بمعنى «لكن» .
قال الشيخُ: «يعني باختلافِ الجنسَيْنِ أن نَصْبَةَ» تذكرةً «نصبةٌ صحيحةٌ ليست بعارضةٍ، والنصبةُ التي تكون في» لِتشقى «بعد نَزْعِ الخافضِ نصبةُ عارضةٌ. والذي نقول: إنه ليس له محلٌّ البتَةَ فيتوهمُ البدلُ منه» . قلت: ليس مُرادُ الزمخشري باختلافِ الجنسين إلاَّ ما ذكرتُه عن الفارسيِّ ردَّاً على الزجاج، وأيُّ أثرٍ لاختلاف النصبين في ذلك؟
الثالث: أن يكونَ منصوباً على الاستثناء المنقطع أي: لكنْ أَنْزَلْناه تذكرةً. الرابع: أنه مصدرٌ مؤكدٌ لفعلٍ مقدرٍ، أي: لكنْ ذَكَّرْنا، أو تذكَّرْ به أنت تَذْكِرة. الخامس: أنه مصدرٌ في موضع الحال أي: إلاَّ مُذَكِّراً. السادس: أنه بدلٌ من «القرآن» ، ويكون القرآنُ هو التذكرةَ، قاله الحوفي. السابع: أنه مفعولٌ له أيضاً، ولكن العاملَ فيه «لِتَشْقَى» ويكون المعنى كما قال الزمخشريُّ: «إنا أَنْزَلْنا عليك القرآنَ لتحتمل متاعبَ التبليغِ ومقاولةَ العُتاةِ من أعداءِ الإِسلام ومقاتلتَهم، وغيرَ ذلك من أنواعِ المشاقِّ وتكاليفِ النبوة، وما أنزلنا عليك هذا المَتْعَبَ الشاقَّ إلاَّ ليكونَ تذكرةً.
وعلى هذا الوجهِ يجوزُ أن يكونَ «تذكرةً» حالاً ومفعولاً له «انتهى.
فإنْ قلتَ: مِنْ أين أَخَذْتَ أنه لمَّا جعله حالاً ومفعولاً له أنَّ العاملَ فيه» لِتَشْقَى «؟ وما المانعُ أن يريدَ بالعاملِ فيه فعلَ الإِنزال؟ فالجوابُ أنَّ هذا الوجهَ قد تقدَّم له في قولِه:» وكلُّ واحدٍ مِنْ «لتشقى» و «تذكرةً» علةٌ للفعل «. وأيضاً فإنَّ تفسيرَه للمعنى المذكور منصبٌّ على تسلُّطِ» لِتَشْقَى «على» تذكرةً «. إلاَّ أنَّ أبا البقاء لمَّا لم يظهرْ له هذا المعنى الذي ظهر للزمخشري مَنَعَ مِنْ عملِ» لِتَشْقَى «في» تذكرةً «فقال:» ولا يَصِحُّ أن يعملَ فيها «لِتَشْقى» لفساد المعنى «وجوابُه ما تقدَّم. ولا غَرْوَ في تسميةِ التعبِ شقاءً. قال الزمخشري:» والشقاءُ يجيء في معنى التعب. ومنه المثل: «أتعبُ مِنْ رائضِ مُهْر» و «أشقى مِنْ رائض مُهْر» .
و {لِّمَن يخشى} متصلٌ ب «تذكرةً» . وزيدت اللام في المفعولِ تقويةً للعاملِ لكونِه فَرْعاً، ويجوز أن يكونَ متعلقاً بمحذوفٍ على أنه صفةٌ ل «تذكرةً» .
20:4Page 312
تَنزِيلٗا مِّمَّنۡ خَلَقَ ٱلۡأَرۡضَ وَٱلسَّمَٰوَٰتِ ٱلۡعُلَى ٤
A revelation from He who created the earth and highest heavens,
قوله: {تَنزِيلاً} : في نصبِه أوجهٌ، أحدها: أن يكونَ بدلاً مِنْ «تذكرةً» إذا جُعِل حالاً لا إذا كان مفعولاً [له] لأنَّ الشيءَ لا يعَلَّلُ بنفسِه. قلت: لأنه يصيرُ التقديرُ: ما أنزَلْنا القرآنَ إلاَّ للتنزيل. الثاني: أن ينتصبَ ب نزَّل مضمراً. الثالث: أن ينتصبَ ب «أَنْزَلْنا» لأنَّ معنى ما أنزلناه إلاَّ تذكرةً: أنزَلْناه تذكرةً. الرابع: أن ينتصبَ على المدحِ والاختصاصِ.
الخامس: أن ينتصبَ ب «يخشى» مفعولاً به أي: أنزله للتذكرةِ لمَنْ يخشى تنزيلَ الله، وهو معنى حسنٌ وإعرابٌ بيِّن.
قال الشيخُ: ولم يُنْصِفْه «والأحسنُ ما قدَّمناه أولاً من أنه منصوبٌ ب» نَزَّل «مضمرةً. وما ذكره الزمخشري مِنْ نصبه على غيره فمتكلَّفٌ: أمَّا الأولُ ففيه جَعْلُ تذكرةً وتنزيلاً حالين، وهما مصدران. وجَعْلُ المصدرِ/ حالاً لا ينقاسُ.
وأيضاً فمدلولُ» تذكرةً «ليس مدلولَ» تنزيلَ «، ولا» تنزيلاً «بعضُ تذكرة. فإن كان بدلاً فيكونُ بدلَ اشتمالٍ على مذهبِ مَنْ يرى أن الثاني مشتملٌ على الأولِ؛ لأنَّ التنزيلَ مشتملٌ على التذكرة وغيرِها. وأمَّا قولُه:» لأنَّ معنى ما أنزلناه إلاَّ تذكرة: أَنْزَلْناه تذكرةً «فليس كذلك لأنَّ معنى الحصرِ يَفُوت في قولِه أنزلناه تذكرةً. وأمَّا نصبُه على المدحِ فبعيدٌ. وأمَّا نصبُه ب» يخشى «ففي غاية البُعْدِ لأنَّ» يخشى «رأسُ آيةٍ وفاصلٌ، فلا يناسبُ أن يكونَ» تنزيلاً «منصوباً ب» يخشى «، وقوله فيه» وهو حسنٌ وإعرابٌ بيِّنٌ «عُجمةٌ وبُعْدٌ عن إدراك الفصاحة» .
قلت: ويَكْفيه ردُّه الشيءَ الواضحَ مِنْ غير دليل، ونسبةُ هذا الرجلِ إلى عدمِ الفصاحةِ ووجودِ العُجْمة.
قوله: {مِّمَّنْ خَلَق} يجوز في «مِنْ» أن تتعلق ب «تنزيلاً» ، وأن تتعلقَ بمحذوفٍ على أنه صفةٌ ل «تنزيلاً» . وفي «خَلَق» التفاتٌ مِنْ تَكَلُّمٍ في قوله « أَنْزَلْنا» إلى الغَيْبة. وجوَّز الزمخشري أن يكونَ «ما أنزَلْنا» حكايةً لكلامِ جبريل وبعضِ الملائكة فلا التفاتَ على هذا.
وقوله: {العلى} جمع عُلْيا نحو: دنيا ودُنا. ونظيرُه في الصحيح كُبْرى وكُبَر، وفُضْلى وفُضَل.
20:5Page 312
ٱلرَّحۡمَٰنُ عَلَى ٱلۡعَرۡشِ ٱسۡتَوَىٰ ٥
The Most Merciful [who is] above the Throne established.1
قوله: {الرحمن} : العامَّةُ على رفعهِ، وفيه أوجهٌ، أحدُها: أنه بدلٌ من الضميرِ المستكنِّ في «خَلَق» . ذكره ابنُ عطية. وردَّه الشيخُ بأن البدلَ يَحُلُّ مَحَلَّ المبدلِ منه، ولو حَلَّ هنا مَحَلَّه لم يَجُزْ لخلوِّ الجملةِ الموصولِ بها مِنْ رابطٍ يربطُها به. الثاني: أن يرتفعَ على خبرِ مبتدأ مضمرٍ، تقديرُه: هو الرحمن. الثالث: أن يرتفعَ على الابتداءِ مشاراً بلامِه إلى مَنْ خَلَقَ، والجملةُ بعده خبرُه.
وقرأ جناح بن حبيش «الرحمنِ» مجروراً. وفيه وجهان، أحدهما: أنه بدلٌ من الموصولِ. لا يقال إنه يؤدي إلى البدلِ بالمشتق وهو قليلٌ؛ لأنَّ الرحمنَ جرى مَجْرى الجوامدِ لكثرة إيلائِه العواملَ. والثاني: أن يكونَ صفةً للموصول أيضاً.
قال الشيخ: «ومذهبُ الكوفيين أنَّ الأسماءَ النواقصَ ك» مَنْ « و» ما «لا يُوصَف منها إلاَّ» الذي «وحدَه، فعلى مذهبِهم لا يجوز أن يكونَ صفةً» . قال ذلك كالرادِّ على الزمخشري.
والجملةُ مِنْ قولِه {عَلَى العرش استوى} خبرٌ لقولِه «الرحمنُ» على القول بأنه مبتدأٌ، أو خبرُ مبتدأ مضمرٍ إنْ قيل: إنه مرفوعٌ على خبر مبتدأ مضمر، وكذلك في قراءةِ مَنْ جَرَّه.
وفاعلُ «استوى» ضميرٌ يعودُ على الرحمنِ، وقيل: بل فاعلُه «ما» الموصولةُ «بعده أي: استوى الذي له في السماوات، قال أبو البقاء:» ويقال بعضُ الغلاةِ: «ما» فاعلُ «استوى» . وهذا بعيدٌ، ثم هو غيرُ نافعٍ له في التأويل، إذ يبقى قولُه {الرحمن عَلَى العرش} كلاماً تاماً ومنه هرب «. قلت: هذا يُروى عن ابنِ عباس، وأنه كان يقف على لفظ» العرش «، ثم يبتدِىءُ» استوى له ما في السماوات «وهذا لا يَصِحُّ عنه.
20:6Page 312
لَهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَا وَمَا تَحۡتَ ٱلثَّرَىٰ ٦
To Him belongs what is in the heavens and what is on the earth and what is between them and what is under the soil.
قوله: {الثرى} : هو الترابُ النديُّ، ولامُه ياءٌ بدليل تثنية على ثَرَيَيْن، وقولهم ثَرِيَتْ الأرَضُ تَثْرَى ثَرَىً. والثرى يستعمل في انقطاعِ المودة. قال جرير:
3272 - فلا تَنْبُشُوا بيني وبينَكُمُ الثرى ... فإنَّ الذي بيني وبينَكُمُ مُثْرِي والثَّراءُ بالمدِّ: كثرةُ المالِ قال:
3273 - أَماوِيَّ ما يُغْني الثراءُ عن الفتى ... إذا حَشَرَجَتْ يوماً وضاقَ بها الصدرُ
وما أحسنَ قولَ ابنِ دريد:
3274 - يوماً تصيرُ إلى الثَّرى ... ويفوزُ غيرُك بالثَّراءِ
فجمع في هذه القصيدةِ بين الممدودِ والمقصورِ باختلاف معنىً.
20:7Page 312
وَإِن تَجۡهَرۡ بِٱلۡقَوۡلِ فَإِنَّهُۥ يَعۡلَمُ ٱلسِّرَّ وَأَخۡفَى ٧
And if you speak aloud - then indeed, He knows the secret and what is [even] more hidden.
قوله: {وأخفى} : جَوَّزوا فيه وجهين، أحدهما: أنه أفعلُ تفضيل، أي: وأخْفَى من السِّر. والثاني: أنه فعلٌ ماضٍ أي: وأَخْفى اللهُ عن عبادهِ غيبَه كقولِه: {وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً} [طه: 110] .
20:8Page 312
ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ لَهُ ٱلۡأَسۡمَآءُ ٱلۡحُسۡنَىٰ ٨
Allāh - there is no deity except Him. To Him belong the best names.
والجلالةُ: إمَّا مبتدأٌ، والجملةُ المنفيةُ خبرُها، وإمَّا خبرٌ لمبتدأ محذوفٍ أي: هو الله. و «الحُسْنى» تأنيثُ الأحسن. وقد تقدَّم غيرَ مرة أنَّ جمعَ التكسيرِ في غير العقلاء يُعامَلُ معاملةَ المؤنثة الواحدة.
No commentary for this ayah
20:10Page 312
إِذۡ رَءَا نَارٗا فَقَالَ لِأَهۡلِهِ ٱمۡكُثُوٓاْ إِنِّيٓ ءَانَسۡتُ نَارٗا لَّعَلِّيٓ ءَاتِيكُم مِّنۡهَا بِقَبَسٍ أَوۡ أَجِدُ عَلَى ٱلنَّارِ هُدٗى ١٠
When he saw a fire and said to his family, "Stay here; indeed, I have perceived a fire; perhaps I can bring you a torch or find at the fire some guidance."
قوله: {إِذْ رأى} : يجوز أَنْ يكونَ منصوباً بالحديث وهو الظاهرُ. ويجوز أن ينتصِبَ ب «اذكر» مقدَّراً، كما قاله أبو البقاء، أو بمحذوفٍ بعدَه أي: إذ رأى ناراً كان كيتَ وكيتَ، كما قاله الزمخشريُّ.
و «هل» على بابها مِنْ كونِها استفهامَ تقريرٍ، وقيل: بمعنى قد، وقيل: بمعنى النفي. وقرأ «لأهلِهُ امكثُوا» بضم الهاء حمزة وقد تقدم أنه الأصلُ وهو لغةُ الحجاز، وقال أبو البقاء: «إن الضمَّ للإِتباع» .
قوله: {آنَسْتُ} أي: أبصرْتُ. والإِيناسُ: الإِبصارُ البيِّنُ، ومنه إنسانُ العينِ؛ لأنه يُبْصَر به الأشياءُ، وقيل: هو الوِجْدان، وقيل: الإِحساسُ فهو أعمُّ من الإِبصار، وأنشدوا للحارث بن حِلِّزة:
3275 - آنسَتْ نَبْأَةً وأَفْزَعَها القُنْ ... ناصُ عَصْراً وقد دنا الإِمْساءُ
والقَبَسُ: الجَذْوَةُ من النار، وهي الشُّعْلةُ في رأسِ عُوْدٍ أو قَصَبةٍ ونحوِهما. وهو فَعَلٌ بمعنى مَفْعول كالقَبَض والنَّقَضِ بمعنى المَقْبوض والمَنْقوض. ويقال: أَقْبَسْتُ الرجلَ علماً وقَبَسْتُه ناراً، ففرقوا بينهما، هذا قولُ المبردِ. وقال الكسائيُّ: إن فَعَلَ وأَفْعَلَ يُقالان في المعنيين، فيقال: قَبَسْتُه ناراً وعلماً، وأَقْبَسْته أيضاً عِلْماً وناراً.
وقوله {مِّنْهَا} يجوز أَنْ يتعلق/ ب «آتِيكم» أو بمحذوفٍ على أنه حالٌ مِنْ قَبَس. وأمال بعضُهم ألفَ «هدى» وقفاً. والجيدُ أَنْ لا تُمالَ لأنَّ الأشهر أنها بدلٌ من التنوين.
20:11Page 312
فَلَمَّآ أَتَىٰهَا نُودِيَ يَٰمُوسَىٰٓ ١١
And when he came to it, he was called, "O Moses,
قوله: {نُودِيَ} : القائمُ مَقامَ الفاعلِ ضميرُ موسى وقيل: ضميرُ المصدرِ أي: نُودي النداء. وهو ضعيفٌ، ومنعوا أن يكونَ القائمُ مَقامه الجملةَ مِنْ «يا موسى» ؛ لأنَّ الجملةَ لا تكونَ فاعلاً.
20:12Page 312
إِنِّيٓ أَنَا۠ رَبُّكَ فَٱخۡلَعۡ نَعۡلَيۡكَ إِنَّكَ بِٱلۡوَادِ ٱلۡمُقَدَّسِ طُوٗى ١٢
Indeed, I am your Lord, so remove your sandals. Indeed, you are in the blessed valley of Ṭuwā.
قوله: {إني} : قرأ ابن كثير وأبو عمرو بالفتح، على تقديرِ الباءِ بأني؛ لأنَّ النداءَ يُوْصَلُ بها تقول: نادَيْتُه بكذا. قال الشاعر: أنشده الفارسيُّ
3276 - نادَيْتُ باسمِ ربيعةَ بنِ مُكَدَّمٍ ... إنَّ المُنَوَّهَ باسمِه المَوْثُوْقُ
وجَوَّز ابنُ عطية أن يكون بمعنى لأجْلِ. وليس بظاهر. والباقون بالكسرِ: إمَّا على إضمارِ القولِ كما هو رأيُ البصريين، وإمَّا لأنَّ النداءَ في معنى القولِ عند الكوفيين.
وقوله: {أَنَاْ} يجوزُ أن يكونَ مبتدأ، وما بعده خبرُه، والجملةُ خبرُ «إنَّ» . ويجوزُ أن يكونَ توكيداً للضميرِ المنصوب، ويجوزُ أَنْ يكونَ فَصْلاً.
قوله: «طوى» قرأ الكوفيون وابنُ عامر «طُوىً» بضمِّ الطاءِ والتنوين. والباقون بضمِّها من غيرِ تنوين. وقرأ الحسنُ والأعمش وأبو حيوةَ وابن محيصن بكسرٍ الطاءِ منوَّناً. وابو زيدٍ عن أبي عمروٍ بكسرِها غيرَ منونٍ.
فمَنْ ضَمَّ ونَوَّنَ فإنه صَرَفَه لأنَّه أَوَّله بالمكان. ومَنء مَنَعه فيحتمل أوجهاً، أحدها: أنه مَنَعه للتأنيث باعتبار البُقْعَةِ والعَلَمِيَّة. الثاني: أنه مَنَعه للعَدْل إلى فُعَل، وإن لم يُعْرَفِ اللفظُ المعدولُ عنه، وجعله كعُمَر وزُفَر. والثالث: أنه اسمٌ أعجمي فَمَنْعُه للعَلَمِيَّة والعُجْمة.
ومَنْ كَسَر ولم يُنَوِّن فباعتبارِ البُقْعة أيضاً. فإن كان اسماً فهو نظيرُ عِنَب، وإن كان صفةً فهو نظير عِدَى وسِوَى. ومَنْ نَوَّنَه فباعتبار المكان. وعن الحسنِ البَصْريِّ أنه بمعنى الثنى بالكسرِ والقَصْر، والثنى: المكررُ مرتين، فيكون معنى هذه القراءة أنه ظهر مرتين، فيكون مصدراً منصوباً بلفظ «المقدَّس» لأنه بمعناه كأنه قيل: المقدَّس مرتين، من التقديس.
وقرأ عيسى بن عمر والضحَّاك «طاوِيْ اذهَبْ» .
و «طوى» : إمَّا بدلٌ من الوادي، أو عطفُ بيانٍ له، أو مرفوعٌ على إضمارِ مبتدأ، أو منصوبٌ على إضمار أعني.
20:13Page 313
وَأَنَا ٱخۡتَرۡتُكَ فَٱسۡتَمِعۡ لِمَا يُوحَىٰٓ ١٣
And I have chosen you, so listen to what is revealed [to you].
قوله: {وَأَنَا اخترتك} : قرأ حمزةُ في آخرين «وأنَّا اخترناك» بفتحِ الهمزة بضمير المتكلمِ المعظمِ نفسَه. وقرأ السلميُّ والأعمش وابن هرمز كذلك، إلاَّ أنهم كسروا الهمزةَ. والباقون «وأنا اخْتَرْتُك» بضميرِ المتكلم وحدَه. وقرأ أُبَيٌّ «وأني اخترتك» بفتح الهمزة.
فأمَّا قراءةُ حمزة فعطفٌ على قوله {إني أَنَاْ رَبُّكَ} ، وذلك أنه بفتح الهمزة هناك، ففعل ذلك لَمَّا عطف غيرَها عليها. ومَنْ كسرها فلأنه يقرأ «إنِّي أنا ربك» بالكسر. وقراءة أُبَيّ كقراءةِ حمزة بالنسبة للعطف. وجَوَّز أبو البقاء أن يكونَ الفتحُ على تقديرِ: ولأنَّا اخترناك فاستمع، فعلَّقه باستمع. والأولُ أَوْلَى. ومفعولُ «اخترتك» الثاني محذوف أي: اخترتك مِنْ قومك.
قوله {لِمَا يوحى} الظاهرُ تعلُّقه ب «استمِعْ» . ويجوزُ أن تكونَ اللامُ مزيدةً في المفعول على حَدِّ قولِه تعالى: {رَدِفَ لَكُم} [النمل: 72] . وجَوَّز الزمخشريُّ وغيرُه أن تكونَ المسألة من باب التنازع بين «اخْتَرْتُك» وبين «استمع» كأنه قيل: اخترتُك لِما يوحى فاستمع لِما يوحى. قال الزمخشري: «فَعَلَّق اللامَ ب» استمعْ «أو ب» اخترتُك «.
وقد رَدَّ الشيخُ هذا بأنْ قال:» ولا يجوزُ التعليقُ ب «اخترتك» لأنَّه مِنْ بابِ الإِعمال، يجب أو يُختار إعادةُ الضميرِ مع الثاني فكان يكونُ: فاستمعْ له لِما يوحى، فَدَلَّ على أنه من باب إعمال الثاني «. قلت: الزمخشريُّ عنى التعليقَ المعنويَّ من حيث الصلاحيةُ، وأما تقديرُ الصناعةِ فلم يَعْنِه.
و» ما «يجوزُ أَنْ تكونَ مصدريةً، وبمعنى الذي أي: فاستمعْ للوحيِ أو للذي يوحى.
20:14Page 313
إِنَّنِيٓ أَنَا ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنَا۠ فَٱعۡبُدۡنِي وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِذِكۡرِيٓ ١٤
Indeed, I am Allāh. There is no deity except Me, so worship Me and establish prayer for My remembrance.
قوله: {لذكري} : يجوزُ أَنْ يكونَ المصدرُ مضافاً لفاعلِه ِأي: لأنِّي ذكرتُها في الكتب، أو لأنِّي أذكرُك. ويجوز أن يكونَ مضافاً لمفعولِه أي: لأِنْ تذكرَني. وقيل: معناه ذِكْرُ الصلاةِ بعد نِسْيانِها كقولِه عليه السلام: «مَنْ نام عن صلاةٍ أو نَسِيها فَلْيُصَلِّها إذا ذكرها» قال الزمخشري: «وكان حقٌّ العبارة:» لذكرها «. ثم قال:» ومَنْ يَتَمَحَّلْ له أن يقول: إذا ذَكَر الصلاة فقد ذكر [اللهَ] ، أو على حذفِ مضاف أي: لذكر صلاتي، أو لأنَّ الذِّكْرَ والنيسانَ من الله تعالى في الحقيقة «.
وقرأ أبو رجاء والسُّلمي» للذكرى «بلام التعريف وألفِ التأنيث. وبعضهم» لذكرى «منكرةً، وبعضهم» للذكر «بالتعريف والتذكير.
قوله: {أَكَادُ أُخْفِيهَا} العامةُ على ضمِّ الهمزةِ مِنْ» أُخْفيها «. وفيها تأويلاتٌ، أحدُها: أن الهمزةَ في» أُخْفيها «للسَّلْبِ والإِزالةِ أي: أُزيل خفاءَها نحو: أعجمتُ الكتابَ أي: أزلْتُ عُجْمَتَه. ثم في ذلك معنيان، أحدهما: أنَّ الخفاءَ بمعنى السَّتْر، ومتى أزال سَتْرَها فقد أظهرَها. والمعنى: أنها لتحقُّق وقوعِها وقُرْبِها أكادُ أُظْهِرُها لولا ما تَقْتضيه الحكمةُ من التأخير. والثاني: أنَّ الخفاءَ هو الظهورُ كما سيأتي. والمعنى: أزيلُ ظهورَها، وإذا أزالَ ظهورَها فقد استترَتْ. والمعنى: أني لِشدَّةِ أبهامها أكاد أُخْفيها فلا أُظْهِرُها/ البتةَ، وإن كان لا بد من إظهارِها؛ ولذلك يوجدُ في بعض المصاحف كمصحف أُبَيّ: أكاد أُخْفيها مِنْ نفسي فكيف أُظْهِرُكُمْ عليها؟ وهو على عادةِ العرب في المبالغة في الإِخفاء قال:
3277 - أيامَ تَصْحَبُني هندٌ وأُخْبِرُها ... ما كِدْت أكتُمُه عني من الخبرِ
وكيف يُتَصَوَّرُ كِتْمانُه مِنْ نفسه؟
والتأويلُ الثاني: أنَّ» كاد «زائدةٌ. قاله ابنُ جُبَيْر. وأنشدَ غيرُه شاهداً عليه قولَ زيدِ الخيل:
3278 - سريعٌ إلى الهَيْجاء شاكٍ سلاحُه ... فما إنْ يكادُ قِرْنُه يتنفَّسُ
وقال آخر:
3279 - وألاَّ ألومَ النفسَ فيما أصابني ... وألا أكادَ بالذي نِلْتُ أَبْجَحُ
ولا حُجَّةَ في شيءٍ منه.
والتأويل الثالث: أنَّ الكَيْدُوْدَةَ بمعنى الإِرادة ونُسِبت للأخفش وجماعةٍ، ولا ينفعُ فيما قصدوه.
والتأويل الرابع: أنَّ خبرَها محذوفٌ تقديره: أكاد آتي به لقُرْبها. وأنشدوا قول ضابىء البرجمي:
3280 - هَمَمْتُ ولم أفْعَلْ وكِدْتُ وليتني ... تَرَكْتُ على عثمانَ تَبْكي حلائِلُهْ
أي: وكِدْتُ أفعلُ، فالوقفُ على» أكادُ «، والابتداء ب» أُخْفيها «، واستحسنه أبو جعفر.
وقرأ أبو الدرداء وابنُ جبير والحسنُ ومجاهدٌ وحميدٌ» أَخْفيها «بفتح الهمزة. والمعنى: أُظْهرها، بالتأويل المتقدم يقال: خَفَيْتُ الشيءَ: أظهَرْتُه، وأَخْفَيْتُه: سترته، هذا هو المشهور. وقد نُقِل عن أبي الخطاب أنَّ خَفَيْتُ وأَخْفَيْتُ بمعنىً. وحُكي عن أبي عبيد أنَّ» أَخْفى «من الأضدادِ يكون بمعنى أظهر وبمعنى سَتَر، وعلى هذا تَتَّحد القراءتان. ومِنْ مجيءِ خَفَيْتُ بمعنى أظهَرْت قولُ امرىء القيس: 3281 - خَفَاهُنَّ مِنْ أَنْفاقِهِنَّ كأنما ... خفاهُنَّ وَدْقٌ مِنْ عَشِيٍّ مُجَلِّبِ
وقول الآخر:
3282 - فإنْ تَدْفِنوا الداءَ لا نَخْفِهِ ... وإنْ تُوْقِدُوْا الحربَ لا نَقْعُدِ
قوله: {لتجزى} هذه لامُ كي، وليسَتْ بمعنى القسمِ أي: لَتُجْزَيَنَّ كما نقله أبو البقاء عَنْ بعضهم. وتتعلَّق هذه اللامُ ب «اُخْفيها» . وجعلها بعضُهم متعلقةً ب «آتيةٌ» وهذا لا يَتِمُّ إلاَّ إذا قَدَّرْتَ أنَّ «أكاد أُخْفيها» معترضةٌ بين المتعلَّقِ والمتعلَّقِ به، أمَّا إذا جعلتَها صفةً لآتِيَةٌ فلا يتجه على مذهب البصريين؛ لأن اسمَ الفاعلِ متى وُصِفَ لم يعملْ، فإنْ عَمِل ثم وُصِف جاز.
وقال أبو البقاء: «وقيل ب» آتِيَةٌ «، ولذلك وَقَفَ بعضُهم عليه وَقْفَةً يسيرةً إيذاناً بانفصالِها عن أخفيها» .
قوله: {بِمَا تسعى} متعلقٌ ب «تجزى» . و «ما» يجوز أَنْ تكونَ مصدريةً أو موصولةً اسميةً، ولا بدَّ من مضاف أي: تُجْزى بعقابِ سَعْيها أو بعقابِ ما سَعَتْه.
20:15Page 313
إِنَّ ٱلسَّاعَةَ ءَاتِيَةٌ أَكَادُ أُخۡفِيهَا لِتُجۡزَىٰ كُلُّ نَفۡسِۭ بِمَا تَسۡعَىٰ ١٥
Indeed, the Hour is coming - I almost conceal it1 - so that every soul may be recompensed according to that for which it strives.
No commentary for this ayah
20:16Page 313
فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنۡهَا مَن لَّا يُؤۡمِنُ بِهَا وَٱتَّبَعَ هَوَىٰهُ فَتَرۡدَىٰ ١٦
So do not let one avert you from it1 who does not believe in it and follows his desire, for you [then] would perish.
قوله: {فَلاَ يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَن لاَّ يُؤْمِنُ بِهَا} : {مَن لاَّ يُؤْمِنُ} هو المَنْهيٌّ صورةً، والمرادُ غيرُه، فهو من بابِ «لا أُرَيَنَّك هَهنا» . وقيل: إنَّ صَدَّ الكافر عن التصديقِ بها سببٌ للتكذيب، فذكر السببَ ليدُلَّ على المسبَّب. والضميران في «عنها» و «بها» للساعة. وقيل: للصلاة. وقيل في «عنها» للصلاة، وفي «بها» للساعة.
قوله: {فتردى} يجوزُ فيه أَنْ ينتصبَ في جوابِ النهيِ بإضمارِ «أنْ» ، وأن يرتفعَ على خبرِ ابتداءٍ مضمرٍ تقديرُه: فأنت تردى. وقرأ يحيى «تردى» بكسر التاء. وقد تقدم أنها لغةٌ. والردى: الهلاك يقال: رَدِيَ يردى رَدى.
قال دُرَيْدُ بن الصِّمَّة:
3283 - تنادَوْا فقالوا أَرْدَتِ الخيلُ فارساً ... فقلتُ أَعَبْدُ اللهِ ذلكُمُ الرَّدِي
قوله: {وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ} : «ما» مبتدأةٌ استفهامية. و «تلك» خبره. و «بيمنيك» متعلقٌ بمحذوفٍ لأنه حال كقوله: {وهذا بَعْلِي شَيْخاً} [هود: 72] . والعاملُ في الحال المقدرة معنى الإِشارة. وجَوَّز الزمخشريُّ أَنْ تكونَ «تلك» موصولةً بمعنى التي، و «بيمينك» صلتُها. ولم يذكر ابنُ عطية غيره، وهذا ليس مذهبَ البصريين، لأنهم لم يجعلوا من أسماءِ الإِشارة موصولاً إلاَّ «ذا» بشروطٍ ذكرْتُها أولَ هذا الكتابِ. وأمَّا الكوفيون فيُجيزون ذلك في جميعها، ومنه هذه الآيةُ عندهم أي: «وما التي بيمينك» وأنشدوا أيضاً:
3284 -. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ...
نَجَوْتِ وهذا تحملينَ طَليقُ
أي: والذي تحملين.
20:18Page 313
قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّؤُاْ عَلَيۡهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَـَٔارِبُ أُخۡرَىٰ ١٨
He said, "It is my staff; I lean upon it, and I bring down leaves for my sheep and I have therein other uses."
قوله: {هِيَ عَصَايَ} : «هي» تعود على المُسْتَفْهَمِ عنه. وقرأ العامَّةُ «عصايَ» بفتح الياء، والجحدري وابن أبي إسحاق «عَصَيَّ» بالقلب والإِدغام. وقد تقدم في أول البقرة توجيهُ ذلك، ولمَنْ تُنْسَبُ هذه اللغةُ، والشعرُ المَرْوِيُّ في ذلك. ورُوي عن أبي عمرو وابن أبي إسحاق أيضاً «عَصَاْيْ» بسكونها وصلاً. وقد فَعَلَ نافعٌ مثلَ ذلك في «مَحْيَاْيْ» فجمع بين ساكنين وصلاً، وتقدَّم الكلام هناك.
قوله: {أَتَوَكَّأُ} يجوز أن يكونَ خبراً ثانياً ل «هي» ، ويجوز أن يكونَ حالاً: إمَّا مِنْ «عصايَ» ، وإمَّا من الياء. وفيه بُعْدٌ؛ لأنَّ مجيءَ الحالِ من المضاف/ إليه قليلٌ، وله مع ذلك شروطٌ ليس فيه شيءٌ منها هنا. ويجوز أن تكون جملةً مستأنفةً. وجَوزَّ أبو البقاء نقلاً عن غيره أن تكونَ «عصايَ» منصوبةً بفعل مقدَّر، و «أتوكَّأُ» هو الخبر، ولا ينبغي أَنْ يقال ذلك.
والتوَكُّؤ: التحامُلُ على الشيءِ، وهو بمعنى الاتكاء. وقد تقدَّم تفسيرُه في يوسف فهما من مادةٍ واحدة، وذكَرْتُه هنا لاختلاف وَزْنَيْهما.
والهَشُّ بالمعجمةِ الخَبْطُ. يقال: هَشَشْتُ الوَرَقَ أَهُشُّه أي: خَبَطْتُه ليسقطَ، وأمَّا هَشَّ يَهِش بكسر العين في المضارع فبمعنى البَشاشة، وقد قرأ النخعي بذلك فقيل: هو بمعنى أهُشُّ بالضمِّ، والمفعولُ محذوفٌ في القراءتين أي: أهشُّ الورقَ أو الشجرَ. وقيل: هو في هذه القراءةِ مِنْ هَشَّ هَشاشةً إذا مال. وقرأ الحسن وعكرمة «وأَهُسُّ» بضم الهاءِ والسينِ المهملة وهو السَّوْقُ، ومنه الهَسُّ والهَساس، وعلى هذا فكان ينبغي أن يتعدى بنفسه، ولكنه ضُمِّنَ معنى ما يتعدَّى ب «على» وهو أَقوم. ونقل ابن خالويه عن النخعي أنه قرأ «وأُهِشُّ» بضم الهمزة وكسر الهاء مِنْ «أَهَشَّ» رباعياً وبالمهملة، ونقلها عنه الزمخشري بالمعجمة فيكون عنه قراءات.
ونقل صاحب «اللوامح» عن مجاهد وعكرمة «وأَهُشُ» بضم الهاء وتخفيف الشين قال: «ولا أعرف لها وجهاً» إلاَّ أَنْ يكونَ قد استثقل التضعيف مع تفشِّي الشين فخفف، وهو بمعنى قراءة العامة.
وقرأ بعضهم «غَنْمي» بسكون النون ولا ينقاس. والمآرب: جمع مَأْرَبة وهي الحاجة وكذلك الإِرْبة أيضاً. وفي راء «المأربة» الحركاتُ الثلاثُ.
و «أخرى» كقوله: {الأسمآء الحسنى} [الإسراء: 110] وقد تقدم قريباً. قال أبو البقاء: «ولو قيل» أُخَر «لكانَ على اللفظ» يعني: «أُخَر» بضمِّ الهمزة وفتح الخاء، وباللفظ لفظ الجمع. ونقل الأهوازي عن شيبة والزهري «مارب» قال «بغيرِ همزٍ» كذا أَطْلق. والمرادُ بغير همز محقق بل مُسَهَّلٌ بين بين، وإلاَّ فالحذفُ بالكليَّةِ شاذٌّ.
No commentary for this ayah
20:20Page 313
فَأَلۡقَىٰهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٞ تَسۡعَىٰ ٢٠
So he threw it down, and thereupon it was a snake, moving swiftly.
قوله: {تسعى} : يجوز أن يكون خبراً ثانياً عند مَنْ يُجَوِّز ذلك. ويجوز أن يكونَ صفةً ل «حيَّة» .
20:21Page 313
قَالَ خُذۡهَا وَلَا تَخَفۡۖ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا ٱلۡأُولَىٰ ٢١
[Allāh] said, "Seize it and fear not; We will return it to its former condition.
قوله: {سِيَرتَهَا} : في نصبها أوجه، أحدها: أن تكونَ منصوبةً على الظرف أي: في سيرتها أي: طريقتها. الثاني: أنها منصوبةٌ على أنها بدلٌ من ها «سنعيدها» بدلُ اشتمال؛ لأن السيرةَ الصفة أي: سنعيدها صفتها وشكلها. الثالث: أنها منصوبة على إسقاط الخافض أي: إلى سيرتها. قال الزمخشري: «ويجوز أن يكون مفعولاً، مِنْ عاده أي: عاد إليه، فيتعدى لمفعولَيْنِ، ومنه بيتُ زهير:
3285 -. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... وعادَكَ أَنْ تُلاَقِيَها العَداءُ وهذا هو معنى قولِ مَنْ قال: إنه على إسقاط إلى، وكان قد جَوَّز أن يكونَ ظرفاً كما تقدَّم. إلاَّ أن الشيخ ردَّه بأنه ظرفٌ مختص، ولا يَصِلُ إليه الفعلُ إلاَّ بوساطة» في «إلاَّ فيما شَذَّ.
والسِّيرة: فِعْلَة تدل على الهيئة من السَيْر كالرِّكْبَة من الركوب، ثم اتُّسِع فعُبِّر بها عن المذهب والطريقة. قال خالد الهُذَلي:
3286 - فلا تغْضَبَنْ مِنْ سِيرَةٍ أنت سِرْتَها ... فأولُ راضٍ سيرةً مَنْ يَسِيرُها
وجَوَّز أيضاً أن ينتصبَ بفعلٍ مضمرٍ أي: يسير سيرتَها الأولى، وتكون هذه الجملةُ المقدرةُ في محلِّ نصبٍ على الحال أي: سنعيدها سائرةً سيرتَها.
20:22Page 313
وَٱضۡمُمۡ يَدَكَ إِلَىٰ جَنَاحِكَ تَخۡرُجۡ بَيۡضَآءَ مِنۡ غَيۡرِ سُوٓءٍ ءَايَةً أُخۡرَىٰ ٢٢
And draw in your hand to your side; it will come out white without disease - another sign,
قوله: {واضمم} : لا بدَّ هنا مِنْ حَذْف، والتقدير: واضمُمْ يَدك تنضمَّ، وأَخْرِجْها تَخْرُجْ، فحذف من الأول والثاني، وأبقى مقابلَيْهما ليدلا على ذلك إيجازاً واختصاراً، وإنما احتيج إلى هذا لأنه لا يترتَّبُ على مجردِ الضمِّ الخروجُ.
قوله: {بَيْضَآءَ} حالٌ مِنْ فاعل «تَخْرُجْ» .
قوله: {مِنْ غَيْرِ سواء} يجوز أن يكونَ متعلِّقاً ب «تخرجْ» ، وأن تكونَ متعلقةً ب «بيضاءَ» لِما فيها من معنى الفعل نحو: ابيضَّتْ من غيرِ سوءٍ. ويجوز أن تكونَ متعلقةً بمحذوفٍ على أنها حال من الضمير في «بيضاء» . وقوله: {مِنْ غَيْرِ سواء} يُسَمَّى عند أهل البيان «الاحتراس» وهو: أن يؤتى بشيءٍ يرفعُ تَوَهُّمَ مَنْ يتوهَّمُ غيرَ المراد؛ وذلك أن البياضَ قد يُرادُ به البَرَصُ والبَهَقُ، فأتى بقوله: {مِنْ غَيْرِ سواء} نفياً لذلك.
قوله: {آيَةً} فيها أوجهٌ، أحدها: أن تكونَ حالاً أعنى أنها بدلٌ مِنْ «بيضاءَ» الواقعةِ حالاً. الثاني: أنها حالٌ من الضمير في «بيضاءَ» . الثالث: أنها حالٌ من الضمير في الجارِّ والمجرور. الرابع: أنها منصوبةٌ بفعلٍ محذوفٍ. فقدَّره أبو البقاء: جَعَلْناها آيةً، أو آتَيْناك آيةً. وقَدَّره الزمخشري: خُذْ آيةً، وقدَّر أيضاً: دنوكَ آية. وردَّ الشيخُ هذا: بأن من باب الإِغراء. ولا يجوز إضمارُ الظروفِ في الإِغراء. قال: لأنَّ العاملَ حُذِفَ، وناب هذا مَنابَه فلا يجوز أن يُحْذَفَ النائبُ أيضاً. وأيضاً فإنَّ أحكامَها تخالفُ العاملَ الصريحَ، فلا يجوز إضمارُها، وإنْ جاز إضمارُ الأفعال.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences