Ash-Shawkani · Tafsir · in Arabic
النساء
An-Nisa
The Women · Medinan · 176 ayahs
4:1–4Page 77
يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفۡسٖ وَٰحِدَةٖ وَخَلَقَ مِنۡهَا زَوۡجَهَا وَبَثَّ مِنۡهُمَا رِجَالٗا كَثِيرٗا وَنِسَآءٗۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِي تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلۡأَرۡحَامَۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيۡكُمۡ رَقِيبٗا ١
O mankind, fear your Lord, who created you from one soul and created from it its mate and dispersed from both of them many men and women. And fear Allāh, through whom1 you ask one another,2 and the wombs.3 Indeed Allāh is ever,4 over you, an Observer.5
وَءَاتُواْ ٱلۡيَتَٰمَىٰٓ أَمۡوَٰلَهُمۡۖ وَلَا تَتَبَدَّلُواْ ٱلۡخَبِيثَ بِٱلطَّيِّبِۖ وَلَا تَأۡكُلُوٓاْ أَمۡوَٰلَهُمۡ إِلَىٰٓ أَمۡوَٰلِكُمۡۚ إِنَّهُۥ كَانَ حُوبٗا كَبِيرٗا ٢
And give to the orphans their properties and do not substitute the defective [of your own] for the good [of theirs]. And do not consume their properties into your own. Indeed, that is ever a great sin.
وَإِنۡ خِفۡتُمۡ أَلَّا تُقۡسِطُواْ فِي ٱلۡيَتَٰمَىٰ فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ ٱلنِّسَآءِ مَثۡنَىٰ وَثُلَٰثَ وَرُبَٰعَۖ فَإِنۡ خِفۡتُمۡ أَلَّا تَعۡدِلُواْ فَوَٰحِدَةً أَوۡ مَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُكُمۡۚ ذَٰلِكَ أَدۡنَىٰٓ أَلَّا تَعُولُواْ ٣
And if you fear that you will not deal justly with the orphan girls, then marry those that please you of [other] women, two or three or four. But if you fear that you will not be just, then [marry only] one or those your right hands possess [i.e., slaves]. That is more suitable that you may not incline [to injustice].
وَءَاتُواْ ٱلنِّسَآءَ صَدُقَٰتِهِنَّ نِحۡلَةٗۚ فَإِن طِبۡنَ لَكُمۡ عَن شَيۡءٖ مِّنۡهُ نَفۡسٗا فَكُلُوهُ هَنِيٓـٔٗا مَّرِيٓـٔٗا ٤
And give the women [upon marriage] their [bridal] gifts1 graciously. But if they give up willingly to you anything of it, then take it in satisfaction and ease.2
(p-٢٦٦)هِيَ مَدَنِيَّةٌ كُلُّها. قالَ القُرْطُبِيُّ: إلّا آيَةً واحِدَةً نَزَلَتْ بِمَكَّةَ عامَ الفَتْحِ في عُثْمانَ بْنِ طَلْحَةَ الحَجْبِيِّ، وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكم أنْ تُؤَدُّوا الأماناتِ إلى أهْلِها﴾ [النساء: ٥٨] عَلى ما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ، قالَ النَّقّاشُ: وقِيلَ: نَزَلَتْ عِنْدَ هِجْرَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مِن مَكَّةَ إلى المَدِينَةِ، وعَلى ما تَقَدَّمَ عَنْ بَعْضِ أهْلِ العِلْمِ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: يا أيُّها النّاسُ حَيْثُما وقَعَ فَإنَّهُ مَكِّيٌّ يُلْزِمُ أنْ يَكُونَ هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيًّا، وبِهِ قالَ عَلْقَمَةُ وغَيْرُهُ.
وقالَ النَّحّاسُ: هَذِهِ الآيَةُ مَكِّيَّةٌ. قالَ القُرْطُبِيُّ: والصَّحِيحُ الأوَّلُ، فَإنَّ في صَحِيحِ البُخارِيِّ عَنْ عائِشَةَ أنَّها قالَتْ: ما نَزَلَتْ سُورَةُ النِّساءِ إلّا وأنا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ. يَعْنِي قَدْ بَنى بِها. ولا خِلافَ بَيْنَ العَماءِ أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ إنَّما بَنى بِعائِشَةَ بِالمَدِينَةِ، ومَن تَبَيَّنَ أحْكامَها عَلِمَ أنَّها مَدَنِيَّةٌ لا شَكَّ فِيها.
قالَ: وأمّا مَن قالَ: يا أيُّها النّاسُ مَكِّيٌّ حَيْثُ وقَعَ فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ، فَإنَّ البَقَرَةَ مَدَنِيَّةٌ وفِيها يا أيُّها النّاسُ في مَوْضِعَيْنِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ في فَضائِلِهِ والنَّحّاسُ في ناسِخِهِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ النِّساءِ بِالمَدِينَةِ، وفي إسْنادِهِ العَوْفِيُّ وهو ضَعِيفٌ، وكَذا أخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ وزَيْدِ بْنِ ثابِتٍ، وأخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ.
وقَدْ ورَدَ في فَضْلِ هَذِهِ السُّورَةِ ما أخْرَجَهُ الحاكِمُ في مُسْتَدْرَكِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قالَ: إنَّ في سُورَةِ النِّساءِ لَخَمْسَ آياتٍ ما يَسُرُّنِي أنَّ لِي بِها الدُّنْيا وما فِيها ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ﴾ الآيَةَ [النساء: ٤٠]، ﴿إنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ الآيَةَ [النساء: ٣١]، ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨] الآيَةَ، ﴿ولَوْ أنَّهم إذْ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ﴾ الآيَةَ [النساء: ٦٤] . ثُمَّ قالَ: هَذا إسْنادٌ صَحِيحٌ إنْ كانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ سَمِعَ مِن أبِيهِ، وقَدِ اخْتُلِفَ في ذَلِكَ.
وأخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ رَجُلٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: خَمْسُ آياتٍ مِنَ النِّساءِ هُنَّ أحَبُّ إلَيَّ مِنَ الدُّنْيا جَمِيعًا ﴿إنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ الآيَةَ [النساء: ٣٥] ﴿وإنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها﴾ الآيَةَ [النساء: ٣٠] ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ الآيَةَ [النساء: ٤٨] ﴿ومَن يَعْمَلْ سُوءًا أوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ﴾ الآيَةَ [النساء: ١١٠] ﴿والَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ ولَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أحَدٍ مِنهم﴾ الآيَةَ [النساء: ١٥٢] . ورَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
ثُمَّ رُوِيَ مِن طَرِيقِ صالِحٍ المُرِّيِّ عَنْ قَتادَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ثَمانُ آياتٍ نَزَلَتْ في سُورَةِ النِّساءِ هُنَّ خَيْرٌ لِهَذِهِ الأُمَّةِ مِمّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ وغَرَبَتْ، وذَكَرَ ما ذَكَرَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وزادَ ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ الآيَةَ [النساء: ٢٦] ﴿واللَّهُ يُرِيدُ أنْ يَتُوبَ عَلَيْكم﴾ الآيَةَ [النساء: ٢٧] ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُخَفِّفَ عَنْكم﴾ الآيَةَ [النساء: ٢٨] . وأخْرَجَ أحْمَدُ وابْنُ الضُّرَيْسِ ومُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ عَنْ عائِشَةَ أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «مَن أخْذَ السَّبْعَ فَهو حَبْرٌ» .
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ واثِلَةَ بْنِ الأسْقَعِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «أُعْطِيتُ مَكانَ التَّوْراةِ السَّبْعَ الطِّوالَ والمِئِينُ: كُلُّ سُورَةٍ بَلَغَتْ مِائَةً فَصاعِدًا، والمَثانِي: كُلُّ سُورَةٍ دُونَ المِئِينَ وفَوْقَ المُفَصَّلِ» . وأخْرَجَ أبُو يَعْلى وابْنُ خُزَيْمَةَ وابْنُ حِبّانَ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ أنَسٍ قالَ: «وجَدَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ذاتَ لَيْلَةٍ شَيْئًا فَلَمّا أصْبَحَ قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ أثَرَ الوَجَعِ عَلَيْكَ لَبَّيِّنٌ، قالَ: أما إنِّي عَلى ما تَرَوْنَ بِحَمْدِ اللَّهِ قَدْ قَرَأْتُ السَّبْعَ الطِّوالَ» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ عَنْ حُذَيْفَةَ قالَ: «قُمْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَقَرَأ السَّبْعَ الطِّوالَ في سَبْعِ رَكَعاتٍ» . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْ بَعْضِ أهْلِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ «أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قَرَأ بِالسَّبْعِ الطِّوالِ في رَكْعَةٍ واحِدَةٍ» .
وأخْرَجَ الحاكِمُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: ( سَلُونِي عَنْ سُورَةِ النِّساءِ فَإنِّي قَرَأْتُ القُرْآنَ وأنا صَغِيرٌ ) قالَ الحاكِمُ: صَحِيحٌ عَلى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ ولَمْ يُخْرِجاهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في المُصَنَّفِ عَنْهُ قالَ: ( مَن قَرَأ سُورَةَ النِّساءِ فَعَلِمَ ما يُحْجَبُ مِمّا لا يُحْجَبُ عَلِمَ الفَرائِضَ ) .
* *
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
المُرادُ بِالنّاسِ المَوْجُودُونَ عِنْدَ الخِطابِ مِن بَنِي آدَمَ، ويَدْخُلُ مَن سَيُوجَدُ؛ بِدَلِيلٍ خارِجِيٍّ وهو الإجْماعُ عَلى أنَّهم مُكَلَّفُونَ بِما كُلِّفَ بِهِ المَوْجُودُونَ، أوْ تَغْلِيبُ المَوْجُودِينَ عَلى مَن لَمْ يُوجَدْ كَما غَلَّبَ الذُّكُورَ عَلى الإناثِ في قَوْلِهِ: اتَّقُوا رَبَّكُمُ لِاخْتِصاصِ ذَلِكَ بِجَمْعِ المُذَكَّرِ. والمُرادُ بِالنَّفْسِ الواحِدَةِ هُنا آدَمَ.
وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ ( واحِدٍ ) بِغَيْرِ هاءٍ عَلى مُراعاةِ المَعْنى، فالتَّأْنِيثُ بِاعْتِبارِ اللَّفْظِ، والتَّذْكِيرُ بِاعْتِبارِ المَعْنى. قَوْلُهُ: ﴿وخَلَقَ مِنها زَوْجَها﴾ قِيلَ: هو مَعْطُوفٌ عَلى مُقَدَّرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ الكَلامُ؛ أيْ: خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ خَلَقَها أوَّلًا، وخَلَقَ مِنها زَوْجَها، وقِيلَ: عَلى خَلْقِكم، فَيَكُونُ الفِعْلُ الثّانِي داخِلًا مَعَ الأوَّلِ في حَيِّزِ الصِّلَةِ.
والمَعْنى: وخَلَقَ مِن تِلْكَ النَّفْسِ الَّتِي هي عِبارَةٌ عَنْ آدَمَ زَوْجَها وهي حَوّاءُ. وقَدْ تَقَدَّمَ في البَقَرَةِ مَعْنى التَّقْوى والرَّبِّ والزَّوْجِ والبَثِّ، والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: مِنها راجِعٌ إلى آدَمَ وحَوّاءُ المُعَبِّرُ عَنْها بِالنَّفْسِ والزَّوْجِ.
وقَوْلُهُ: كَثِيرًا وصْفٌ مُؤَكَّدٌ لِما تُفِيدُهُ صِيغَةُ الجَمْعِ لِكَوْنِها مِن جُمُوعِ الكَثْرَةِ، وقِيلَ: هو نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: بَثًّا كَثِيرًا. وقَوْلُهُ: ونِساءً أيْ كَثِيرَةً، وتَرَكَ التَّصْرِيحَ بِهِ اسْتِغْناءً بِالوَصْفِ الأوَّلِ.
قَوْلُهُ: (p-٢٦٧)﴿واتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَساءَلُونَ بِهِ والأرْحامَ﴾ قَرَأ أهْلُ الكُوفَةِ بِحَذْفِ التّاءِ الثّانِيَةِ، وأصْلُهُ تَتَساءَلُونَ تَخْفِيفًا لِاجْتِماعِ المِثْلَيْنِ. وقَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وابْنُ عامِرٍ بِإدْغامِ التّاءِ في السِّينِ، والمَعْنى: يَسْألُ بَعْضُكم بَعْضًا بِاللَّهِ والرَّحِمِ، فَإنَّهم كانُوا يَقْرِنُونَ بَيْنَهُما في السُّؤالِ والمُناشَدَةِ، فَيَقُولُونَ: أسْألُكَ بِاللَّهِ والرَّحِمِ، وأنْشُدُكَ اللَّهَ والرَّحِمَ، وقَرَأ النَّخَعِيُّ وقَتادَةُ والأعْمَشُ وحَمْزَةُ ( والأرْحامِ ) بِالجَرِّ.
وقَرَأ الباقُونَ بِالنَّصْبِ. وقَدِ اخْتَلَفَ أئِمَّةُ النَّحْوِ في تَوْجِيهِ قِراءَةِ الجَرِّ، فَأمّا البَصْرِيُّونَ فَقالُوا: هي لَحْنٌ لا تَجُوزُ القِراءَةُ بِها. وأمّا الكُوفِيُّونَ فَقالُوا: هي قِراءَةٌ قَبِيحَةٌ. قالَ سِيبَوَيْهِ في تَوْجِيهِ هَذا القُبْحِ: إنَّ المُضْمَرَ المَجْرُورَ بِمَنزِلَةِ التَّنْوِينِ، والتَّنْوِينُ لا يُعْطَفُ عَلَيْهِ.
وقالَ الزَّجّاجُ وجَماعَةٌ بِقُبْحِ عَطْفِ الِاسْمِ الظّاهِرِ عَلى المُضْمَرِ في الخَفْضِ إلّا بِإعادَةِ الخافِضِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَخَسَفْنا بِهِ وبِدارِهِ الأرْضَ﴾ [القصص: ٨١] وجَوَّزَ سِيبَوَيْهِ ذَلِكَ في ضَرُورَةِ الشِّعْرِ، وأنْشَدَ:
؎فاليَوْمَ قَرَّبْتَ تَهْجُونا وتَمْدَحُنا فاذْهَبْ فَما بِكَ والأيّامِ مِن عَجَبِ
ومِثْلُهُ قَوْلُ الآخَرِ:
؎تُعَلَّقُ في مِثْلِ السَّوارِي سُيُوفُنا ∗∗∗ وما بَيْنَها والكَعْبِ بَهْوٌ نَفانِفُ
بِعَطْفِ الكَعْبِ عَلى الضَّمِيرِ في بَيْنِها. وحَكى أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ أنَّ المُبَرِّدَ قالَ: لَوْ صَلَّيْتُ خَلْفَ إمامٍ يَقْرَأُ ( واتَّقَوُا اللَّهَ الَّذِي تَساءَلُونَ بِهِ والأرْحامِ ) بِالجَرِّ، لَأخَذْتُ نَعْلَيَّ ومَضَيْتُ. وقَدْ رَدَّ الإمامُ أبُو نَصْرٍ القُشَيْرِيُّ ما قالَهُ القادِحُونَ في قِراءَةِ الجَرِّ فَقالَ: ومِثْلُ هَذا الكَلامِ مَرْدُودٌ عِنْدَ أئِمَّةِ الدِّينِ؛ لِأنَّ القِراءاتِ الَّتِي قَرَأ بِها أئِمَّةُ القُرّاءِ أُثْبِتَتْ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ تَواتُرًا، ولا يَخْفى عَلَيْكَ أنْ دَعْوى التَّواتُرِ باطِلَةٌ يَعْرِفُ ذَلِكَ مَن يَعْرِفُ الأسانِيدَ الَّتِي رَوَوْها بِها، ولَكِنْ يَنْبَغِي أنْ يُحْتَجَّ لِلْجَوازِ بِوُرُودِ ذَلِكَ في أشْعارِ العَرَبِ كَما تَقَدَّمَ، وكَما في قَوْلِ بَعْضِهِمْ:
؎وحَسْبُكَ والضَّحّاكِ سَيْفُ مُهَنَّدُ
وقَوْلِ الآخَرِ:
؎وقَدْ رامَ آفاقُ السَّماءِ فَلَمْ يَجِدْ ∗∗∗ لَهُ مِصْعَدًا فِيها ولا الأرْضِ مَقْعَدا، وقَوْلِ الآخَرِ:
؎ما إنْ بِها والأُمُورِ مِن تَلَفٍ
وقَوْلِ الآخَرِ:
؎أكُرُّ عَلى الكَتِيبَةِ لَسْتُ أدْرِي ∗∗∗ أحَتْفِي كانَ فِيها أمْ سِواها
فَسِواها في مَوْضِعِ جَرٍّ عَطْفًا عَلى الضَّمِيرِ في فِيها، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وجَعَلْنا لَكم فِيها مَعايِشَ ومَن لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ﴾ [الحجر: ٢٠] . وأمّا قِراءَةُ النَّصْبِ فَمَعْناها واضِحٌ جَلِيٌّ؛ لِأنَّهُ عَطَفَ الرَّحِمَ عَلى الِاسْمِ الشَّرِيفِ؛ أيِ: اتَّقُوا اللَّهَ واتَّقُوا الأرْحامَ فَلا تَقْطَعُوها، فَإنَّها مِمّا أمَرَ اللَّهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ، وقِيلَ: إنَّهُ عَطْفٌ عَلى مَحَلِّ الجارِّ والمَجْرُورِ في قَوْلِهِ: ( بِهِ ) كَقَوْلِكَ: مَرَرْتُ بِزَيْدٍ وعُمْرًا؛ أيِ: اتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَساءَلُونَ بِهِ وتَتَساءَلُونَ بِالأرْحامِ.
والأوَّلُ أوْلى. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ والأرْحامُ بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرُ مُقَدَّرٌ؛ أيْ: والأرْحامُ صِلُوها أوْ والأرْحامُ أهْلٌ أنْ تُوصَلَ، وقِيلَ: إنَّ الرَّفْعَ عَلى الإغْراءِ عِنْدَ مَن يَرْفَعُ بِهِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎إنَّ قَوْمًا مِنهم عَمِيرٌ وأشْبا ∗∗∗ هُ عَمِيرٍ ومِنهُمُ السَّفّاحُ
؎لَجَدِيرُونَ بِاللِّقاءِ إذا قا ∗∗∗ لَ أخُ النَّجْدَةِ السِّلاحُ السِّلاحُ
والأرْحامُ: اسْمٌ لِجَمِيعِ الأقارِبِ مِن غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ المُحَرَّمِ وغَيْرِهِ، لا خِلافَ في هَذا بَيْنَ أهْلِ الشَّرْعِ ولا بَيْنَ أهْلِ اللُّغَةِ.
وقَدْ خَصَّصَ أبُو حَنِيفَةَ وبَعْضُ الزَّيْدِيَّةِ الرَّحِمَ بِالمُحَرَّمِ في مَنعِ الرُّجُوعِ في الهِبَةِ مَعَ مُوافَقَتِهِمْ عَلى أنَّ مَعْناها أعَمُّ، ولا وجْهَ لِهَذا التَّخْصِيصِ. قالَ القُرْطُبِيُّ: اتَّفَقَتِ المِلَّةُ عَلى أنَّ صِلَةَ الرَّحِمِ واجِبَةٌ، وأنْ قَطِيعَتَها مُحَرَّمَةٌ انْتَهى.
وقَدْ ورَدَتْ بِذَلِكَ الأحادِيثُ الكَثِيرَةُ الصَّحِيحَةُ. والرَّقِيبُ: المُراقِبُ وهي صِيغَةُ مُبالَغَةٍ، يُقالُ: رَقَبْتُ أرْقُبُ رُقْبَةً ورُقْبانًا: إذا انْتَظَرْتَ.
قَوْلُهُ: ﴿وآتُوا اليَتامى أمْوالَهُمْ﴾ خِطابٌ لِلْأوْلِياءِ والأوْصِياءِ. والإيتاءُ: الإعْطاءُ. واليَتِيمُ: مَن لا أبَ لَهُ. وقَدْ خَصَّصَهُ الشَّرْعُ بِمَن لَمْ يَبْلُغِ الحُلُمَ.
وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مَعْناهُ في البَقَرَةِ مُسْتَوْفًى، وأطْلَقَ اسْمَ اليَتِيمِ عَلَيْهِمْ عِنْدَ إعْطائِهِمْ أمْوالَهم، مَعَ أنَّهم لا يُعْطَوْنَها إلّا بَعْدَ ارْتِفاعِ اسْمِ اليُتْمِ بِالبُلُوغِ مَجازًا بِاعْتِبارِ ما كانُوا عَلَيْهِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِاليَتامى المَعْنى الحَقِيقِيَّ، وبِالإيتاءِ ما يَدْفَعُهُ الأوْلِياءُ والأوْصِياءُ إلَيْهِمْ مِنَ النَّفَقَةِ والكُسْوَةِ، لا دَفْعُها جَمِيعِها، وهَذِهِ الآيَةُ مُقَيَّدَةٌ بِالآيَةِ الأُخْرى وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ آنَسْتُمْ مِنهم رُشْدًا فادْفَعُوا إلَيْهِمْ أمْوالَهم﴾ [النساء: ٦] فَلا يَكُونُ مُجَرَّدُ ارْتِفاعِ اليُتْمِ بِالبُلُوغِ مُسَوِّغًا لِدَفْعِ أمْوالِهِمْ إلَيْهِمْ حَتّى يُؤْنَسَ مِنهُمُ الرُّشْدُ. قَوْلُهُ: ﴿ولا تَتَبَدَّلُوا الخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾ نَهْيٌ لَهم عَنْ أنْ يَصْنَعُوا صُنْعَ الجاهِلِيَّةِ في أمْوالِ اليَتامى، فَإنَّهم كانُوا يَأْخُذُونَ الطَّيِّبَ مِن أمْوالِ اليَتامى ويُعَوِّضُونَهُ بِالرَّدِيءِ مِن أمْوالِهِمْ ولا يَرَوْنَ بِذَلِكَ بَأْسًا، وقِيلَ: المَعْنى: لا تَأْكُلُوا أمْوالَ اليَتامى وهي مُحَرَّمَةٌ خَبِيثَةٌ وتَدَعُوا الطَّيِّبَ مِن أمْوالِكم.
وقِيلَ: المُرادُ لا تَتَعَجَّلُوا أكْلَ الخَبِيثِ مِن أمْوالِهِمْ وتَدَعُوا انْتِظارَ الرِّزْقِ الحَلالِ مِن عِنْدِ اللَّهِ. والأوَّلُ أوْلى، فَإنَّ تَبَدُّلَ الشَّيْءِ بِالشَّيْءِ في اللُّغَةِ أخْذُهُ مَكانَهُ، وكَذَلِكَ اسْتِبْدالُهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن يَتَبَدَّلِ الكُفْرَ بِالإيمانِ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ﴾ [البقرة: ١٠٨] وقَوْلُهُ: ﴿أتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هو أدْنى بِالَّذِي هو خَيْرٌ﴾ [البقرة: ٦١] .
وأمّا التَّبْدِيلُ فَقَدْ يُسْتَعْمَلُ كَذَلِكَ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وبَدَّلْناهم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ﴾ وأُخْرى بِالعَكْسِ كَما في قَوْلِكَ: بَدَّلْتُ الحَلْقَةَ بِالخاتَمِ، إذا أذَبْتَها وجَعَلْتَها خاتَمًا، نَصَّ عَلَيْهِ الأزْهَرِيُّ. قَوْلُهُ: ﴿ولا تَأْكُلُوا أمْوالَهم إلى أمْوالِكم﴾ ذَهَبَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ المَنهِيَّ عَنْهُ في هَذِهِ الآيَةِ هو الخَلْطُ فَيَكُونُ الفِعْلُ مُضَمَّنًا مَعْنى الضَّمِّ؛ أيْ: لا تَأْكُلُوا أمْوالَهم مَضْمُومَةً إلى أمْوالِكم، ثُمَّ نَسَخَ هَذا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ تُخالِطُوهم فَإخْوانُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٠] وقِيلَ: إنَّ إلى بِمَعْنى مَعَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن أنْصارِي إلى اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٥٢] .
والأوَّلُ أوْلى. والحُوبُ: الإثْمُ يُقالُ: حابَ الرَّجُلُ يَحُوبُ حُوبًا: إذا أثِمَ، وأصْلُهُ الزَّجْرُ لِلْإبِلِ، فَسُمِّيَ الإثْمُ حُوبًا لِأنَّهُ يُزْجَرُ عَنْهُ. والحَوْبَةُ: الحاجَةُ. والحُوبُ أيْضًا: (p-٢٦٨)الوَحْشَةُ، وفِيهِ ثَلاثُ لُغاتٍ: ضَمُّ الحاءِ وهي قِراءَةُ الجُمْهُورِ. وفَتْحُ الحاءِ وهي قِراءَةُ الحَسَنِ، قالَ الأخْفَشُ: وهي لُغَةُ تَمِيمٍ. والثّالِثَةُ الحابُ.
وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ حابًا عَلى المَصْدَرِ كَقالَ قالًا. والتَّحَوُّبُ التَّحَزُّنُ، ومِنهُ قَوْلُ طُفَيْلٍ:
؎فَذُوقُوا كَما ذُقْنا عَداهُ يُحَجَّرُ ∗∗∗ مِنَ الغَيْظِ في أكْبادِنا والتَّحَوُّبِ
قَوْلُهُ: ﴿كَبِيرًا وإنْ خِفْتُمْ ألّا تُقْسِطُوا في اليَتامى فانْكِحُوا﴾ وجْهُ ارْتِباطِ الجَزاءِ بِالشَّرْطِ أنَّ الرَّجُلَ كانَ يَكْفُلُ اليَتِيمَةَ لِكَوْنِهِ ولِيًّا لَها ويُرِيدُ أنْ يَتَزَوَّجَها فَلا يُقْسِطُ لَها في مَهْرِها؛ أيْ: يَعْدِلُ فِيهِ ويُعْطِيها ما يُعْطِيها غَيْرُهُ مِنَ الأزْواجِ، فَنَهاهُمُ اللَّهُ أنْ يَنْكِحُوهُنَّ إلّا أنْ يُقْسِطُوا لَهُنَّ ويَبْلُغُوا بِهِنَّ أعْلى ما هو لَهُنَّ مِنَ الصَّداقِ، وأُمِرُوا أنْ يَنْكِحُوا ما طابَ لَهم مِنَ النِّساءِ سِواهُنَّ، فَهَذا سَبَبُ نُزُولِ الآيَةِ كَما سَيَأْتِي، فَهو نَهْيٌ يَخُصُّ هَذِهِ الصُّورَةَ.
وقالَ جَماعَةٌ مِنَ السَّلَفِ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ ناسِخَةٌ لِما كانَ في الجاهِلِيَّةِ وفي أوَّلِ الإسْلامِ مِن أنَّ لِلرَّجُلِ أنْ يَتَزَوَّجَ مِنَ الحَرائِرِ ما شاءَ، فَقَصَرَهم بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أرْبَعٍ، فَيَكُونُ وجْهُ ارْتِباطِ الجَزاءِ بِالشَّرْطِ أنَّهم إذا خافُوا ألّا يُقْسِطُوا في اليَتامى فَكَذَلِكَ يَخافُونَ ألّا يُقْسِطُوا في النِّساءِ؛ لِأنَّهم كانُوا يَتَحَرَّجُونَ في اليَتامى ولا يَتَحَرَّجُونَ في النِّساءِ والخَوْفُ مِنَ الأضْدادِ، فَإنَّ المَخُوفَ قَدْ يَكُونُ مَعْلُومًا، وقَدْ يَكُونُ مَظْنُونًا، ولِهَذا اخْتَلَفَ الأئِمَّةُ في مَعْناهُ في الآيَةِ، فَقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ( خِفْتُمْ ) بِمَعْنى أيْقَنْتُمْ. وقالَ آخَرُونَ: ( خِفْتُمْ ) بِمَعْنى ظَنَنْتُمْ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهو الَّذِي اخْتارَهُ الحُذّاقُ وأنَّهُ عَلى بابِهِ مِنَ الظَّنِّ لا مِنَ اليَقِينِ، والمَعْنى: مَن غَلَبَ عَلى ظَنِّهِ التَّقْصِيرُ في العَدْلِ لِلْيَتِيمَةِ فَلْيَتْرُكْها ويَنْكِحْ غَيْرَها. وقَرَأ النَّخَعِيُّ وابْنُ وثّابٍ ( تَقْسِطُوا ) بِفَتْحِ التّاءِ مِن قَسَطَ: إذا جارَ، فَتَكُونُ هَذِهِ القِراءَةُ عَلى تَقْدِيرِ زِيادَةِ لا، كَأنَّهُ قالَ: وإنْ خِفْتُمْ أنْ تَقْسِطُوا.
وحَكى الزَّجّاجُ أنَّ أقْسَطَ يُسْتَعْمَلُ اسْتِعْمالَ قَسَطَ، والمَعْرُوفُ عِنْدَ أهْلِ اللُّغَةِ أنَّ أقْسَطَ بِمَعْنى عَدَلَ، وقَسَطَ بِمَعْنى جارَ، وما في قَوْلِهِ: ما طابَ مَوْصُولَةٌ، وجاءَ بِما مَكانَ مِن؛ لِأنَّهُما قَدْ يَتَعاقَبانِ فَيَقَعُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما مَكانَ الآخَرِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿والسَّماءِ وما بَناها﴾ [الشمس: ٢] ﴿فَمِنهم مَن يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ ومِنهم مَن يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ ومِنهم مَن يَمْشِي عَلى أرْبَعٍ﴾ [النور: ٤٥] . وقالَ البَصْرِيُّونَ: إنَّ " ما " تَقَعُ لِلنُّعُوتِ كَما تَقَعُ لِما لا يَعْقِلُ، يُقالُ: ما عِنْدَكَ، فَيُقالُ: ظَرِيفٌ وكَرِيمٌ، فالمَعْنى: فانْكِحُوا الطَّيِّبَ مِنَ النِّساءِ؛ أيِ: الحَلالَ، وما حَرَّمَهُ اللَّهُ فَلَيْسَ بِطَيِّبٍ، وقِيلَ: إنَّ ما هُنا مُدِّيَّةٌ؛ أيْ: ما دُمْتُمْ مُسْتَحْسِنِينَ لِلنِّكاحِ، وضَعَّفَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ.
وقالَ الفَرّاءُ: إنَّ " ما " هاهُنا مَصْدَرِيَّةٌ. قالَ النَّحّاسُ: وهَذا بَعِيدٌ جِدًّا.
وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ ( فانْكِحُوا مَن طابَ ) . وقَدِ اتَّفَقَ أهْلُ العِلْمِ عَلى أنَّ هَذا الشَّرْطَ المَذْكُورَ في الآيَةِ لا مَفْهُومَ لَهُ، وأنَّهُ يَجُوزُ لِمَن لَمْ يَخَفْ أنْ يُقْسِطَ في اليَتامى أنْ يَنْكِحَ أكْثَرَ مِن واحِدَةٍ، ومَن في قَوْلِهِ: مِنَ النِّساءِ إمّا بَيانِيَّةٌ أوْ تَبْعِيضِيَّةٌ؛ لِأنَّ المُرادَ غَيْرُ اليَتائِمِ.
قَوْلُهُ: ﴿مَثْنى وثُلاثَ ورُباعَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى البَدَلِ مِن ما كَما قالَهُ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ، وقِيلَ عَلى الحالِ، وهَذِهِ الألْفاظُ لا تَتَصَرَّفُ لِلْعَدْلِ والوَصْفِيَّةِ كَما هو مُبَيَّنٌ في عِلْمِ النَّحْوِ. والأصْلُ: انْكِحُوا ما طابَ لَكم مِنَ النِّساءِ اثْنَتَيْنِ اثْنَتَيْنِ، وثَلاثًا ثَلاثًا، وأرْبَعًا أرْبَعًا. وقَدِ اسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى تَحْرِيمِ ما زادَ عَلى الأرْبَعِ، وبَيَّنُوا ذَلِكَ بِأنَّهُ خِطابٌ لِجَمِيعِ الأُمَّةِ، وأنَّ كُلَّ ناكِحٍ لَهُ أنْ يَخْتارَ ما أرادَ مِن هَذا العَدَدِ، كَما يُقالُ لِلْجَماعَةِ: اقْتَسِمُوا هَذا المالَ وهو ألْفُ دِرْهَمٍ، أوْ هَذا المالَ الَّذِي في البُدْرَةِ دِرْهَمَيْنِ دِرْهَمَيْنِ، وثَلاثَةً ثَلاثَةً، وأرْبَعَةً أرْبَعَةً.
وهَذا مُسَلَّمٌ إذا كانَ المَقْسُومُ قَدْ ذُكِرَتْ جُمْلَتُهُ أوْ عُيِّنَ مَكانُهُ، أمّا لَوْ كانَ مُطْلَقًا كَما يُقالُ: اقْتَسِمُوا الدَّراهِمَ، ويُرادُ بِهِ ما كَسَبُوهُ فَلَيْسَ المَعْنى هَكَذا. والآيَةُ مِنَ البابِ الآخَرِ لا مِنَ البابِ الأوَّلِ.
عَلى أنَّ مَن قالَ لِقَوْمٍ يَقْتَسِمُونَ مالًا مُعَيَّنًا كَثِيرًا: اقْتَسِمُوهُ مَثْنى وثُلاثَ ورُباعَ، فَقَسَمُوا بَعْضَهُ بَيْنَهم دِرْهَمَيْنِ دِرْهَمَيْنِ، وبَعْضَهُ ثَلاثَةً ثَلاثَةً، وبَعْضَهُ أرْبَعَةً أرْبَعَةً كانَ هَذا هو المَعْنى العَرَبِيُّ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ إذا قالَ القائِلُ: جاءَنِي القَوْمُ مَثْنى وهم مِائَةُ ألْفٍ، كانَ المَعْنى أنَّهم جاءُوهُ اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ، وهَكَذا في جاءَ القَوْمُ ثُلاثَ ورُباعَ، والخِطابُ لِلْجَمِيعِ بِمَنزِلَةِ الخِطابِ لِكُلِّ فَرْدٍ فَرْدٍ كَما في قَوْلِهِ: اقْتُلُوا المُشْرِكِينَ [التوبة: ٥] أقِيمُوا الصَّلاةَ آتُوا الزَّكاةَ ونَحْوِها، فَقَوْلُهُ: ﴿فانْكِحُوا ما طابَ لَكم مِنَ النِّساءِ مَثْنى وثُلاثَ ورُباعَ﴾ مَعْناهُ لِيَنْكِحْ كُلُّ فَرْدٍ مِنكم ما طابَ لَهُ مِنَ النِّساءِ اثْنَتَيْنِ اثْنَتَيْنِ، وثَلاثًا ثَلاثًا، وأرْبَعًا أرْبَعًا، هَذا ما تَقْتَضِيهِ لُغَةُ العَرَبِ. فالآيَةُ تَدُلُّ عَلى خِلافِ ما اسْتَدَلُّوا بِها عَلَيْهِ، ويُؤَيِّدُ هَذا قَوْلُهُ تَعالى في آخِرِ الآيَةِ: ﴿فَإنْ خِفْتُمْ ألّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً﴾ فَإنَّهُ وإنْ كانَ خِطابًا لِلْجَمِيعِ فَهو بِمَنزِلَةِ الخِطابِ لِكُلِّ فَرْدٍ فَرْدٍ.
فالأوْلى أنْ يُسْتَدَلَّ عَلى تَحْرِيمِ الزِّيادَةِ عَلى الأرْبَعِ بِالسُّنَّةِ لا بِالقُرْآنِ. وأمّا اسْتِدْلالُ مَنِ اسْتَدَلَّ بِالآيَةِ عَلى جَوازِ نِكاحِ التِّسْعِ بِاعْتِبارِ الواوِ الجامِعَةِ، فَكَأنَّهُ قالَ: انْكِحُوا مَجْمُوعَ هَذا العَدَدِ المَذْكُورِ، فَهَذا جَهْلٌ بِالمَعْنى العَرَبِيِّ، ولَوْ قالَ: انْكِحُوا اثْنَتَيْنِ وثَلاثًا وأرْبَعًا كانَ هَذا القَوْلُ لَهُ وجْهٌ وأمّا مَعَ المَجِيءِ بِصِيغَةِ العَدْلِ فَلا، وإنَّما جاءَ سُبْحانَهُ بِالواوِ الجامِعَةِ دُونَ أوْ؛ لِأنَّ التَّخْيِيرَ يُشْعِرُ بِأنَّهُ لا يَجُوزُ إلّا أحَدُ الأعْدادِ المَذْكُورَةِ دُونَ غَيْرِهِ، وذَلِكَ لَيْسَ بِمُرادٍ مِنَ النَّظْمِ القُرْآنِيِّ.
وقَرَأ النَّخَعِيُّ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ ( ثُلُثَ ورُبُعَ ) بِغَيْرِ ألِفٍ. قَوْلُهُ: ﴿فَإنْ خِفْتُمْ ألّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً﴾ فانْكِحُوا واحِدَةً كَما يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فانْكِحُوا ما طابَ﴾ وقِيلَ: التَّقْدِيرُ فالزَمُوا أوْ فاخْتارُوا واحِدَةً.
والأوَّلُ أوْلى، والمَعْنى: فَإنْ خِفْتُمْ ألّا تَعْدِلُوا بَيْنَ الزَّوْجاتِ في القَسْمِ ونَحْوِهِ فانْكِحُوا واحِدَةً، وفِيهِ المَنعُ مِنَ الزِّيادَةِ عَلى الواحِدَةِ لِمَن خافَ ذَلِكَ. وقُرِئَ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ والخَبَرُ مَحْذُوفٌ.
قالَ الكِسائِيُّ أيْ: فَواحِدَةٌ تُقْنِعُ، وقِيلَ التَّقْدِيرُ: فَواحِدَةٌ فِيها كِفايَةٌ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ " واحِدَةٌ " عَلى قِراءَةِ الرَّفْعِ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: فالمُقْنِعُ واحِدَةٌ. قَوْلُهُ: ﴿أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى واحِدَةٍ؛ أيْ: فانْكِحُوا واحِدَةً أوِ انْكِحُوا ما مَلَكَتْ أيْمانُكم مِنَ السَّرارِيِّ وإنْ كَثُرَ (p-٢٦٩)عَدَدُهُنَّ كَما يُفِيدُهُ المَوْصُولُ.
والمُرادُ نِكاحُهُنَّ بِطَرِيقِ المِلْكِ لا بِطَرِيقِ النِّكاحِ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ لا حَقَّ لِلْمَمْلُوكاتِ في القَسْمِ كَما يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ جَعْلُهُ قَسِيمًا لِلْواحِدَةِ في الأمْنِ مِن عَدَمِ العَدْلِ، وإسْنادُ المِلْكِ إلى اليَمِينِ، لِكَوْنِها المُباشِرَةَ لِقَبْضِ الأمْوالِ وإقْباضِها ولِسائِرِ الأُمُورِ الَّتِي تُنْسَبُ إلى الشَّخْصِ في الغالِبِ، ومِنهُ:
؎إذا ما رايَةٌ نُصِبَتْ لِمَجْدٍ ∗∗∗ تَلَقّاها عَرابَةُ بِاليَمِينِ
قَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ أدْنى ألّا تَعُولُوا﴾ أيْ: ذَلِكَ أقْرَبُ إلى ألّا تَعُولُوا؛ أيْ: تَجُورُوا، مِن عالَ الرَّجُلُ يَعُولُ: إذا مالَ وجارَ، ومِنهُ قَوْلُهم: عالَ السَّهْمُ عَنِ الهَدَفِ، مالَ عَنْهُ، وعالَ المِيزانُ إذا مالَ، ومِنهُ: قالُوا اتَّبَعْنا رَسُولَ اللَّهِ واطَّرَحُوا قَوْلَ الرَّسُولِ وعالُوا في المَوازِينِ. ومِنهُ قَوْلُ أبِي طالِبٍ:
؎بِمِيزانِ صِدْقٍ لا يَغُلُّ شَعِيرَةً ∗∗∗ لَهُ شاهِدٌ مِن نَفْسِهِ غَيْرُ عائِلِ
ومِنهُ أيْضًا:
؎فَنَحْنُ ثَلاثَةٌ وثَلاثُ ذَوْدٍ ∗∗∗ لَقَدْ عالَ الزَّمانُ عَلى عِيالِ
والمَعْنى: إنْ خِفْتُمْ عَدَمَ العَدْلِ بَيْنَ الزَّوْجاتِ، فَهَذِهِ الَّتِي أُمِرْتُمْ بِها أقْرَبُ إلى عَدَمِ الجَوْرِ، ويُقالُ: عالَ الرَّجُلُ يَعِيلُ: إذا افْتَقَرَ وصارَ عالَةً، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾ [التوبة: ٢٨]، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎وما يَدْرِي الفَقِيرُ مَتى غِناهُ ∗∗∗ وما يَدْرِي الغَنِيُّ مَتى يَعِيلُ
وقالَ الشّافِعِيُّ ﴿ألّا تَعُولُوا﴾ ألّا تَكْثُرَ عِيالُكم. قالَ الثَّعْلَبِيُّ: وما قالَ هَذا غَيْرُهُ، وإنَّما يُقالُ أعالَ يُعِيلُ: إذا كَثُرَ عِيالُهُ.
وذَكَرَ ابْنُ العَرَبِيِّ أنَّ عالَ تَأْتِي لِسَبْعَةِ مَعانٍ: الأوَّلُ عالَ: مالَ. الثّانِي: زادَ.
الثّالِثُ: جارَ. الرّابِعُ: افْتَقَرَ.
الخامِسُ: أثْقَلَ. السّادِسُ: قامَ بِمَئُونَةِ العِيالِ، ومِنهُ قَوْلُهُ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «وابْدَأْ بِمَن تَعُولُ» .
السّابِعُ عالَ: غَلَبَ، ومِنهُ عِيلَ صَبْرِي، قالَ: ويُقالُ: أعالَ الرَّجُلُ؛ كَثُرَ عِيالُهُ. وأما عالَ بِمَعْنى كَثُرَ عِيالُهُ فَلا يَصِحُّ، ويُجابُ عَنْ إنْكارِ الثَّعْلَبِيِّ لِما قالَهُ الشّافِعِيُّ، وكَذَلِكَ إنْكارُ ابْنِ العَرَبِيِّ لِذَلِكَ، بِأنَّهُ قَدْ سَبَقَ الشّافِعِيَّ إلى القَوْلِ بِهِ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ وجابِرُ بْنُ زَيْدٍ وهُما إمامانِ مِن أئِمَّةِ المُسْلِمِينَ لا يُفَسِّرانِ القُرْآنَ هُما والإمامُ الشّافِعِيُّ بِما لا وجْهَ لَهُ في العَرَبِيَّةِ.
وقَدْ أخْرَجَ ذَلِكَ عَنْهُما الدّارَقُطْنِيُّ في سُنَنِهِ. وقَدْ حَكاهُ القُرْطُبِيُّ عَنِ الكِسائِيِّ وأبِي عُمَرَ الدُّورِيِّ وابْنِ الأعْرابِيِّ، وقالَ أبُو حاتِمٍ: كانَ الشّافِعِيُّ أعْلَمَ بِلُغَةِ العَرَبِ مِنّا ولَعَلَّهُ لُغَةٌ.
وقالَ الثَّعْلَبِيُّ: قالَ أُسْتاذُنا أبُو القاسِمِ بْنُ حَبِيبٍ: سَألْتُ أبا عُمَرَ الدُّورِيَّ عَنْ هَذا وكانَ إمامًا في اللُّغَةِ غَيْرَ مُدافَعٍ، فَقالَ: هي لُغَةُ حِمْيَرٍ، وأنْشَدَ:
؎وإنَّ المَوْتَ يَأْخُذُ كُلَّ حَيٍّ ∗∗∗ بِلا شَكٍّ وإنْ أمَشى وعالا
أيْ: وإنْ كَثُرَتْ ماشِيَتُهُ وعِيالُهُ. وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ ( أنْ لا تُعِيلُوا ) قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَدَحَ الزَّجّاجُ في تَأْوِيلِ عالَ مِنَ العِيالِ بِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ قَدْ أباحَ كَثْرَةَ السَّرارِيِّ، وفي ذَلِكَ تَكْثِيرُ العِيالِ، فَكَيْفَ يَكُونُ أقْرَبَ إلى أنْ لا يُكْثِرُوا، وهَذا القَدْحُ غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأنَّ السَّرارِيَّ إنَّما هي مالٌ يُتَصَرَّفُ فِيهِ بِالبَيْعِ، وإنَّما العِيالُ: الحَرائِرُ ذَواتُ الحُقُوقِ الواجِبَةِ.
وقَدْ حَكى ابْنُ الأعْرابِيِّ أنَّ العَرَبَ تَقُولُ: عالَ الرَّجُلُ إذا كَثُرَ عِيالُهُ، وكَفى بِهَذا. وقَدْ ورَدَ عالَ لَمَعانٍ غَيْرِ السَّبْعَةِ الَّتِي ذَكَرَها ابْنُ العَرَبِيِّ، مِنها عالَ: اشْتَدَّ وتَفاقَمَ، حَكاهُ الجَوْهَرِيُّ، وعالَ الرَّجُلُ في الأرْضِ: إذا ضَرَبَ فِيها، حَكاهُ الهَرَوِيُّ، وعالَ: إذا أعْجَزَ، حَكاهُ الأحْمَرُ، فَهَذِهِ ثَلاثَةُ مَعانٍ غَيْرُ السَّبْعَةِ، والرّابِعُ عالَ كَثُرَ عِيالُهُ، فَجُمْلَةُ مَعانِي عالَ أحَدَ عَشَرَ مَعْنًى.
قَوْلُهُ: ﴿وآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ الخِطابُ لِلْأزْواجِ، وقِيلَ: لِلْأوْلِياءِ. والصَّدُقاتُ بِضَمِّ الدّالِ جَمْعُ صَدَقَةٍ كَثَمَرَةٍ، قالَ الأخْفَشُ: وبَنُو تَمِيمٍ يَقُولُونَ: صَدَقَةٌ والجَمَعُ صَدَقاتٌ، وإنْ شِئْتَ فَتَحْتَ وإنْ شِئْتَ أسْكَنْتَ.
والنِّحْلَةُ بِكَسْرِ النُّونِ وضَمِّها لُغَتانِ، وأصْلُها العَطاءُ نَحَلْتُ فُلانًا: أعْطَيْتُهُ، وعَلى هَذا فَهي مَنصُوبَةٌ عَلى المَصْدَرِيَّةِ؛ لِأنَّ الإيتاءَ بِمَعْنى الإعْطاءِ، وقِيلَ: النِّحْلَةُ التَّدَيُّنُ فَمَعْنى ( نِحْلَةً ) تَدَيُّنًا، قالَهُ الزَّجّاجُ، وعَلى هَذا فَهي مَنصُوبَةٌ عَلى المَفْعُولِ لَهُ. وقالَ قَتادَةُ: النِّحْلَةُ الفَرِيضَةُ، وعَلى هَذا فَهي مَنصُوبَةٌ عَلى الحالِ، وقِيلَ: النِّحْلَةُ طِيبَةُ النَّفْسِ، قالَ أبُو عُبَيْدٍ: ولا تَكُونُ النِّحْلَةُ إلّا عَنْ طِيبَةِ نَفْسٍ.
ومَعْنى الآيَةِ عَلى كَوْنِ الخِطابِ لِلْأزْواجِ: أعْطُوا النِّساءَ اللّاتِي نَكَحْتُمُوهُنَّ مُهُورَهُنَّ الَّتِي لَهُنَّ عَلَيْكم عَطِيَّةً أوْ دِيانَةً مِنكم أوْ فَرِيضَةً عَلَيْكم أوْ طِيبَةً مِن أنْفُسِكم. ومَعْناها عَلى كَوْنِ الخِطابِ لِلْأوْلِياءِ: أعْطُوا النِّساءَ مِن قَراباتِكُمُ الَّتِي قَبَضْتُمْ مُهُورَهُنَّ مِن أزْواجِهِنَّ تِلْكَ المُهُورَ.
وقَدْ كانَ الوَلِيُّ يَأْخُذُ مَهْرَ قَرِيبَتِهِ في الجاهِلِيَّةِ ولا يُعْطِيها شَيْئًا، حُكِيَ ذَلِكَ عَنْ أبِي صالِحٍ والكَلْبِيِّ. والأوَّلُ أوْلى لِأنَّ الضَّمائِرَ مِن أوَّلِ السِّياقِ لِلْأزْواجِ.
وفِي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الصَّداقَ واجِبٌ عَلى الأزْواجِ لِلنِّساءِ، وهو مُجْمَعٌ عَلَيْهِ كَما قالَ القُرْطُبِيُّ، قالَ: وأجْمَعَ العُلَماءُ أنَّهُ لا حَدَّ لِكَثِيرِهِ، واخْتَلَفُوا في قَلِيلِهِ. وقَرَأ قَتادَةُ ( صُدْقاتِهِنَّ ) بِضَمِّ الصّادِ وسُكُونِ الدّالِ.
وقَرَأ النَّخَعِيُّ وابْنُ وثّابٍ بِضَمِّهِما. وقَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ الصّادِ وضَمِّ الدّالِ.
قَوْلُهُ: ﴿فَإنْ طِبْنَ لَكم عَنْ شَيْءٍ مِنهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ الضَّمِيرُ في مِنهُ راجِعٌ إلى الصَّداقِ الَّذِي هو واحِدُ الصَّدُقاتِ، أوْ إلى المَذْكُورِ وهو الصَّدُقاتُ، أوْ هو بِمَنزِلَةِ اسْمِ الإشارَةِ، كَأنَّهُ قالَ مِن ذَلِكَ، ونَفْسًا: تَمْيِيزٌ. وقالَ أصْحابُ سِيبَوَيْهِ: مَنصُوبٌ بِإضْمارِ فِعْلٍ لا تَمْيِيزٌ؛ أيْ: أعْنِي نَفْسًا. والأوَّلُ أوْلى. وبِهِ قالَ الجُمْهُورُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences