Ash-ShawkaniAl‑Mumtahanah · 60:1–9

Ash-Shawkani · Tafsir · in Arabic

الممتحنة

Al-Mumtahanah

She that is to be examined · Medinan · 13 ayahs

60:1–3Page 549

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمۡ أَوۡلِيَآءَ تُلۡقُونَ إِلَيۡهِم بِٱلۡمَوَدَّةِ وَقَدۡ كَفَرُواْ بِمَا جَآءَكُم مِّنَ ٱلۡحَقِّ يُخۡرِجُونَ ٱلرَّسُولَ وَإِيَّاكُمۡ أَن تُؤۡمِنُواْ بِٱللَّهِ رَبِّكُمۡ إِن كُنتُمۡ خَرَجۡتُمۡ جِهَٰدٗا فِي سَبِيلِي وَٱبۡتِغَآءَ مَرۡضَاتِيۚ تُسِرُّونَ إِلَيۡهِم بِٱلۡمَوَدَّةِ وَأَنَا۠ أَعۡلَمُ بِمَآ أَخۡفَيۡتُمۡ وَمَآ أَعۡلَنتُمۡۚ وَمَن يَفۡعَلۡهُ مِنكُمۡ فَقَدۡ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ ١

O you who have believed, do not take My enemies and your enemies as allies,1 extending to them affection while they have disbelieved in what came to you of the truth, having driven out the Prophet and yourselves [only] because you believe in Allāh, your Lord. If you have come out for jihād [i.e., fighting or striving] in My cause and seeking means to My approval, [take them not as friends]. You confide to them affection [i.e., instruction], but I am most knowing of what you have concealed and what you have declared. And whoever does it among you has certainly strayed from the soundness of the way.

إِن يَثۡقَفُوكُمۡ يَكُونُواْ لَكُمۡ أَعۡدَآءٗ وَيَبۡسُطُوٓاْ إِلَيۡكُمۡ أَيۡدِيَهُمۡ وَأَلۡسِنَتَهُم بِٱلسُّوٓءِ وَوَدُّواْ لَوۡ تَكۡفُرُونَ ٢

If they gain dominance over you, they would be [i.e., behave] to you as enemies and extend against you their hands and their tongues with evil, and they wish you would disbelieve.

لَن تَنفَعَكُمۡ أَرۡحَامُكُمۡ وَلَآ أَوۡلَٰدُكُمۡۚ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ يَفۡصِلُ بَيۡنَكُمۡۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ ٣

Never will your relatives or your children benefit you; the Day of Resurrection He will judge between you. And Allāh, of what you do, is Seeing.

وهي مَدَنِيَّةٌ.

قالَ القُرْطُبِيُّ: في قَوْلِ الجَمِيعِ.

وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والنَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ المُمْتَحَنَةِ بِالمَدِينَةِ.

وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ.

والمُمْتَحِنَةُ بِكَسْرِ الحاءِ اسْمُ فاعِلٍ أُضِيفَ الفِعْلُ إلَيْها مَجازًا، كَما سُمِّيَتْ سُورَةُ بَراءَةَ الفاضِحَةَ لِكَشْفِها عَنْ عُيُوبِ المُنافِقِينَ، وقِيلَ: المُمْتَحَنَةُ بِفَتْحِ الحاءِ اسْمُ مَفْعُولٍ إضافَةً إلى المَرْأةِ الَّتِي نَزَلَتْ فِيها، وهي أُمُّ كُلْثُومِ بِنْتُ عُقْبَةَ بْنِ أبِي مُعَيْطٍ، لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أعْلَمُ بِإيمانِهِنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠] .

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

قالَ المُفَسِّرُونَ: نَزَلَتْ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكم أوْلِياءَ﴾ في حاطِبِ بْنِ أبِي بَلْتَعَةَ حِينَ كَتَبَ إلى مُشْرِكِي قُرَيْشٍ بِمَسِيرِ النَّبِيِّ ﷺ إلَيْهِمْ، وسَيَأْتِي ذِكْرُ القِصَّةِ آخِرَ البَحْثِ إنْ شاءَ اللَّهُ، وقَوْلُهُ: عَدُوِّي هو المَفْعُولُ الأوَّلُ وعَدُوَّكم مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ، والمَفْعُولُ الثّانِي أوْلِياءَ، وأضافَ سُبْحانَهُ العَدُوَّ إلى نَفْسِهِ تَعْظِيمًا لِجُرْمِهِمْ، والعَدُوُّ مَصْدَرٌ يُطْلَقُ عَلى الواحِدِ والِاثْنَيْنِ والجَماعَةِ، والآيَةُ تَدُلُّ عَلى النَّهْيِ عَنْ مُوالاةِ الكُفّارِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ ﴿تُلْقُونَ إلَيْهِمْ بِالمَوَدَّةِ﴾ أيْ تُوصِلُونَ إلَيْهِمُ المَوَدَّةَ؛ عَلى أنَّ الباءَ زائِدَةٌ، أوْ هي سَبَبِيَّةٌ.

والمَعْنى: تُلْقُونَ إلَيْهِمْ أخْبارَ النَّبِيِّ ﷺ بِسَبَبِ المَوَدَّةِ الَّتِي بَيْنَكم وبَيْنَهم.

قالَ الزَّجّاجُ: تُلْقُونَ إلَيْهِمْ أخْبارَ النَّبِيِّ ﷺ وسِرَّهُ بِالمَوَدَّةِ الَّتِي بَيْنَكم وبَيْنَهم، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصَبٍ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ " تَتَّخِذُوا " ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُسْتَأْنَفَةً لِقَصْدِ الإخْبارِ بِما تَضَمَّنَتْهُ أوْ لِتَفْسِيرِ مُوالاتِهِمْ إيّاهم، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ صِفَةً لِأوْلِياءَ، وجُمْلَةُ ﴿وقَدْ كَفَرُوا بِما جاءَكم مِنَ الحَقِّ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن فاعِلِ " تُلْقُونَ "، أوْ مِن فاعِلِ " لا تَتَّخِذُوا "، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُسْتَأْنَفَةً لِبَيانِ حالِ الكُفّارِ.

قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿بِما جاءَكُمْ﴾ بِالباءِ المُوَحَّدَةِ.

وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ، وعاصِمٌ في رِوايَةٍ عَنْهُ " لِما جاءَكم " بِاللّامِ: أيْ لِأجْلِ ما جاءَكم مِنَ الحَقِّ عَلى حَذْفِ المَكْفُورِ بِهِ: أيْ كَفَرُوا بِاللَّهِ والرَّسُولِ لِأجْلِ ما جاءَكم مِنَ الحَقِّ، أوْ عَلى جَعْلِ ما هو سَبَبٌ لِلْإيمانِ سَبَبًا لِلْكُفْرِ تَوْبِيخًا لَهم ﴿يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وإيّاكُمْ﴾ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ كُفْرِهِمْ، أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، وقَوْلُهُ: ﴿أنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْإخْراجِ: أيْ يُخْرِجُونَكم لِأجْلِ إيمانِكم، أوْ كَراهَةَ أنْ تُؤْمِنُوا ﴿إنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهادًا في سَبِيلِي وابْتِغاءَ مَرْضاتِي﴾ جَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ، أيْ: إنْ كُنْتُمْ كَذَلِكَ فَلا تُلْقُوا إلَيْهِمْ بِالمَوَدَّةِ، أوْ إنْ كُنْتُمْ كَذَلِكَ فَلا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُّوَّكم أوْلِياءَ، وانْتِصابُ " جِهادًا " و" ابْتِغاءَ " عَلى العِلَّةِ: أيْ إنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ لِأجْلِ الجِهادِ في سَبِيلِي ولِأجْلِ ابْتِغاءِ مَرْضاتِي، وجُمْلَةُ ﴿تُسِرُّونَ إلَيْهِمْ بِالمَوَدَّةِ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ: أيْ تُسِرُّونَ إلَيْهِمُ الأخْبارَ بِسَبَبِ المَوَدَّةِ، وقِيلَ: هي بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: تُلْقُونَ ثُمَّ أخْبَرَ سُبْحانَهُ بِأنَّهُ لا يَخْفى عَلَيْهِ مِن أحْوالِهِمْ (p-١٤٨٢)شَيْءٌ، فَقالَ: ﴿وأنا أعْلَمُ بِما أخْفَيْتُمْ وما أعْلَنْتُمْ﴾ والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ بِما أضْمَرْتُمْ وما أظْهَرْتُمْ، والباءُ في " بِما " زائِدَةٌ: يُقالُ عَلِمْتُ كَذا وعَلِمْتُ بِكَذا، هَذا عَلى أنَّ " أعْلَمَ " مُضارِعٌ، وقِيلَ: هو أفْعَلُ تَفْضِيلٍ، أعْلَمُ مِن كُلِّ أحَدٍ بِما تُخْفُونَ وما تُعْلِنُونَ ﴿ومَن يَفْعَلْهُ مِنكم فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ﴾ أيْ مَن يَفْعَلْ ذَلِكَ الِاتِّخاذَ لِعَدُوِّي وعَدُوِّكم أوْلِياءَ ويُلْقِي إلَيْهِمْ بِالمَوَدَّةِ فَقَدْ أخْطَأ طَرِيقَ الحَقِّ والصَّوابِ وضَلَّ عَنْ قَصْدِ السَّبِيلِ.

﴿إنْ يَثْقَفُوكم يَكُونُوا لَكم أعْداءً﴾ أيْ إنْ يَلْقَوْكم ويُصادِفُوكم يُظْهِرُوا لَكم ما في قُلُوبِهِمْ مِنَ العَداوَةِ، ومِنهُ المُثاقَفَةُ، وهي طَلَبُ مُصادَفَةِ الغُرَّةِ في المُسابَقَةِ، وقِيلَ: المَعْنى: إنْ يَظْفَرُوا بِكم ويَتَمَكَّنُوا مِنكم، والمَعْنَيانِ مُتَقارِبانِ ﴿ويَبْسُطُوا إلَيْكم أيْدِيَهم وألْسِنَتَهم بِالسُّوءِ﴾ أيْ يَبْسُطُوا إلَيْكم أيْدِيَهم بِالضَّرْبِ ونَحْوِهِ، وألْسِنَتَهم بِالشَّتْمِ ونَحْوِهِ ﴿ووَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ﴾ هَذا مَعْطُوفٌ عَلى جَوابِ الشَّرْطِ، أوْ عَلى جُمْلَةِ الشَّرْطِ والجَزاءِ، ورَجَّحَ هَذا أبُو حَيّانَ، والمَعْنى: أنَّهم تَمَنُّوا ارْتِدادَهم ووَدُّوا رُجُوعَهم إلى الكُفْرِ.

﴿لَنْ تَنْفَعَكم أرْحامُكم ولا أوْلادُكُمْ﴾ أيْ لا تَنْفَعُكُمُ القُراباتُ عَلى عُمُومِها ولا الأوْلادُ، وخَصَّهم بِالذِّكْرِ مَعَ دُخُولِهِمْ في الأرْحامِ لِمَزِيدِ المَحَبَّةِ لَهم والحُنُوِّ عَلَيْهِمْ، والمَعْنى: أنَّ هَؤُلاءِ لا يَنْفَعُونَكم حَتّى تُوالُوا الكُفّارَ لِأجْلِهِمْ كَما وقَعَ في قِصَّةِ حاطِبِ بْنِ أبِي بَلْتَعَةَ، بَلِ الَّذِي يَنْفَعُكم هو ما أمَرَكُمُ اللَّهُ بِهِ مِن مُعاداةِ الكُفّارِ وتَرْكِ مُوالاتِهِمْ، وجُمْلَةُ ﴿يَوْمَ القِيامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكم﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ عَدَمِ نَفْعِ الأرْحامِ والأوْلادِ في ذَلِكَ اليَوْمِ، ومَعْنى ﴿يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ﴾ يُفَرِّقُ بَيْنَكم، فَيُدْخِلُ أهْلَ طاعَتِهِ الجَنَّةَ، وأهْلَ مَعْصِيَتِهِ النّارَ.

وقِيلَ: المُرادُ بِالفَصْلِ بَيْنَهم أنَّهُ يَفِرُّ كُلٌّ مِنهم مِنَ الآخَرِ مِن شِدَّةِ الهَوْلِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ المَرْءُ مِن أخِيهِ﴾ الآيَةَ.

قِيلَ: ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ " يَوْمَ القِيامَةِ " بِما قَبْلَهُ: أيْ لَنْ تَنْفَعَكم أرْحامُكم ولا أوْلادُكم يَوْمَ القِيامَةِ، فَيُوقَفُ عَلَيْهِ. ويُبْتَدَأُ بِقَوْلِهِ: ﴿يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ﴾ والأوْلى أنْ يَتَعَلَّقَ بِما بَعْدَهُ كَما ذَكَرْنا ﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن أقْوالِكم وأفْعالِكم، فَهو مُجازِيكم عَلى ذَلِكَ.

قَرَأ الجُمْهُورُ " يُفْصَلُ " بِضَمِّ الياءِ وتَخْفِيفِ الفاءِ وفَتْحِ الصّادِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عُبَيْدٍ.

وقَرَأ عاصِمٌ بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ الصّادِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ.

وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الفاءِ وكَسْرِ الصّادِ مُشَدَّدَةً.

وقَرَأ عَلْقَمَةُ بِالنُّونِ.

وقَرَأ قَتادَةُ، وأبُو حَيْوَةَ بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الصّادِ مُخَفَّفَةً.

وقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما «عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنا والزُّبَيْرُ، والمِقْدادُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: انْطَلِقُوا حَتّى تَأْتُوا رَوْضَةَ خاخٍ فَإنَّ بِها ظَعِينَةً مَعَها كِتابٌ فَخُذُوهُ مِنها فَأْتُونِي بِهِ، فَخَرَجْنا حَتّى أتَيْنا الرَّوْضَةَ، فَإذا نَحْنُ بِالظَّعِينَةِ، فَقُلْنا: أخْرِجِي الكِتابَ، قالَتْ: ما مَعِي مِن كِتابٍ، فَقُلْنا: لِتُخْرِجِنَّ الكِتابَ أوْ لِتُلْقِيَنَّ الثِّيابَ، فَأخْرَجَتْهُ مِن عِقاصِها، فَأتَيْنا بِهِ النَّبِيَّ ﷺ، فَإذا فِيهِ: مِن حاطِبِ بْنِ أبِي بَلْتَعَةَ إلى أُناسٍ مِنَ المُشْرِكِينَ بِمَكَّةَ يُخْبِرُهم بِبَعْضِ أمْرِ النَّبِيِّ ﷺ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: ما هَذا يا حاطِبُ ؟ قالَ: لا تَعْجَلْ عَلَيَّ يا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي كُنْتُ امْرَأً مُلْصَقًا في قُرَيْشٍ ولَمْ أكُنْ مِن أنْفُسِها، وكانَ مَن مَعَكَ مِنَ المُهاجِرِينَ لَهم قُراباتٌ يَحْمُونَ بِها أهْلِيهِمْ وأمْوالَهم بِمَكَّةَ، فَأحْبَبْتُ إذْ فاتَنِي ذَلِكَ مِنَ النَّسَبِ فِيهِمْ أنْ أصْطَنِعَ إلَيْهِمْ يَدًا يَحْمُونَ بِها قَرابَتِي، وما فَعَلْتُ ذَلِكَ كُفْرًا ولا ارْتِدادًا عَنْ دِينِي، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: صَدَقَ، فَقالَ عُمَرُ: دَعْنِي أضْرِبْ عُنُقَهُ، فَقالَ: إنَّهُ شَهِدَ بَدْرًا، وما يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللَّهَ اطَّلَعَ عَلى أهْلِ بَدْرٍ فَقالَ: " اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكم " . ونَزَلَتْ ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكم أوْلِياءَ تُلْقُونَ إلَيْهِمْ بِالمَوَدَّةِ﴾» .

وفِي البابِ أحادِيثُ مُسْنَدَةٌ ومُرْسَلَةٌ مُتَضَمِّنَةٌ لِبَيانِ هَذِهِ القِصَّةِ، وأنَّ هَذِهِ الآياتِ إلى قَوْلِهِ: ﴿قَدْ كانَتْ لَكم أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ في إبْراهِيمَ﴾ [الممتحنة: ٤] نازِلَةٌ في ذَلِكَ.

60:4–9Page 549

قَدۡ كَانَتۡ لَكُمۡ أُسۡوَةٌ حَسَنَةٞ فِيٓ إِبۡرَٰهِيمَ وَٱلَّذِينَ مَعَهُۥٓ إِذۡ قَالُواْ لِقَوۡمِهِمۡ إِنَّا بُرَءَٰٓؤُاْ مِنكُمۡ وَمِمَّا تَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ كَفَرۡنَا بِكُمۡ وَبَدَا بَيۡنَنَا وَبَيۡنَكُمُ ٱلۡعَدَٰوَةُ وَٱلۡبَغۡضَآءُ أَبَدًا حَتَّىٰ تُؤۡمِنُواْ بِٱللَّهِ وَحۡدَهُۥٓ إِلَّا قَوۡلَ إِبۡرَٰهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسۡتَغۡفِرَنَّ لَكَ وَمَآ أَمۡلِكُ لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن شَيۡءٖۖ رَّبَّنَا عَلَيۡكَ تَوَكَّلۡنَا وَإِلَيۡكَ أَنَبۡنَا وَإِلَيۡكَ ٱلۡمَصِيرُ ٤

There has already been for you an excellent pattern1 in Abraham and those with him, when they said to their people, "Indeed, we are disassociated from you and from whatever you worship other than Allāh. We have denied you, and there has appeared between us and you animosity and hatred forever until you believe in Allāh alone" - except for the saying of Abraham to his father, "I will surely ask forgiveness for you, but I have not [power to do] for you anything against Allāh. Our Lord, upon You we have relied, and to You we have returned, and to You is the destination.

رَبَّنَا لَا تَجۡعَلۡنَا فِتۡنَةٗ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ وَٱغۡفِرۡ لَنَا رَبَّنَآۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ٥

Our Lord, make us not [objects of] torment for the disbelievers and forgive us, our Lord. Indeed, it is You who is the Exalted in Might, the Wise."

لَقَدۡ كَانَ لَكُمۡ فِيهِمۡ أُسۡوَةٌ حَسَنَةٞ لِّمَن كَانَ يَرۡجُواْ ٱللَّهَ وَٱلۡيَوۡمَ ٱلۡأٓخِرَۚ وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡغَنِيُّ ٱلۡحَمِيدُ ٦

There has certainly been for you in them an excellent pattern for anyone whose hope is in Allāh and the Last Day. And whoever turns away - then indeed, Allāh is the Free of need, the Praiseworthy.

۞ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَجۡعَلَ بَيۡنَكُمۡ وَبَيۡنَ ٱلَّذِينَ عَادَيۡتُم مِّنۡهُم مَّوَدَّةٗۚ وَٱللَّهُ قَدِيرٞۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٧

Perhaps Allāh will put, between you and those to whom you have been enemies among them, affection. And Allāh is competent,1 and Allāh is Forgiving and Merciful.

لَّا يَنۡهَىٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ لَمۡ يُقَٰتِلُوكُمۡ فِي ٱلدِّينِ وَلَمۡ يُخۡرِجُوكُم مِّن دِيَٰرِكُمۡ أَن تَبَرُّوهُمۡ وَتُقۡسِطُوٓاْ إِلَيۡهِمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُقۡسِطِينَ ٨

Allāh does not forbid you from those who do not fight you because of religion and do not expel you from your homes - from being righteous toward them and acting justly toward them. Indeed, Allāh loves those who act justly.

إِنَّمَا يَنۡهَىٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ قَٰتَلُوكُمۡ فِي ٱلدِّينِ وَأَخۡرَجُوكُم مِّن دِيَٰرِكُمۡ وَظَٰهَرُواْ عَلَىٰٓ إِخۡرَاجِكُمۡ أَن تَوَلَّوۡهُمۡۚ وَمَن يَتَوَلَّهُمۡ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ ٩

Allāh only forbids you from those who fight you because of religion and expel you from your homes and aid in your expulsion - [forbids] that you make allies1 of them. And whoever makes allies of them, then it is those who are the wrongdoers.

لَمّا فَرَغَ سُبْحانَهُ مِنَ النَّهْيِ عَنْ مُوالاةِ المُشْرِكِينَ والذَّمِّ لِمَن وقَعَ مِنهُ ذَلِكَ ضَرَبَ لَهم إبْراهِيمَ مَثَلًا حِينَ تَبَرَّأ مِن قَوْمِهِ، فَقالَ: ﴿قَدْ كانَتْ لَكم أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ أيْ خَصْلَةٌ حَمِيدَةٌ تَقْتَدُونَ بِها، يُقالُ: لِي بِهِ أُسْوَةٌ في هَذا الأمْرِ، أيِ اقْتِداءٌ، فَأرْشَدَهم سُبْحانَهُ إلى الِاقْتِداءِ بِهِ في ذَلِكَ إلّا في اسْتِغْفارِهِ لِأبِيهِ.

قَرَأ الجُمْهُورُ " إسْوَةٌ " بِكَسْرِ الهَمْزَةِ: وقَرَأ عاصِمٌ بِضَمِّها وهُما لُغَتانِ، وأصْلُ الأُسْوَةِ بِالضَّمِّ والكَسْرِ القُدْوَةُ، ويُقالُ: هو أُسْوَتُكَ، أيْ: مِثْلُكَ وأنْتَ مِثْلُهُ: وقَوْلُهُ ﴿فِي إبْراهِيمَ والَّذِينَ مَعَهُ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِأُسْوَةٍ، أوْ بِحَسَنَةٍ، أوْ هو نَعْتٌ لِأُسْوَةٍ، أوْ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ في حَسَنَةٍ، أوْ خَبَرُ " كانَ "، و" لَكم " لِلْبَيانِ، والَّذِينَ مَعَهُ هم أصْحابُهُ المُؤْمِنُونَ.

وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هُمُ الأنْبِياءُ.

قالَ الفَرّاءُ: يَقُولُ أفَلا تَأسَّيْتَ يا حاطِبُ بِإبْراهِيمَ فَتَتَبَرَّأ مِن أهْلِكَ كَما تَبْرَّأ إبْراهِيمُ مِن أبِيهِ وقَوْمِهِ، والظَّرْفُ في قَوْلِهِ: ﴿إذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ﴾ هو خَبَرُ " كانَ "، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِهِ، أيْ: وقْتَ قَوْلِهِمْ لِقَوْمِهِمِ الكُفّارِ ﴿إنّا بُرَآءُ مِنكُمْ﴾ جَمْعُ بَرِيءٍ، مِثْلُ شُرَكاءَ وشَرِيكٍ، وظُرَفاءَ وظَرِيفٍ.

قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿بُرَآءُ﴾ بِضَمِّ الباءِ وفَتْحِ الرّاءِ وألِفٍ بَيْنَ (p-١٤٨٣)هَمْزَتَيْنِ، كَكُرَماءَ في كِرِيمٍ.

وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ بِكَسْرِ الباءِ وهَمْزَةٍ واحِدَةٍ بَعْدَ ألِفٍ، كَكِرامٍ في جَمْعِ كَرِيمٍ.

وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ بِضَمِّ الباءِ وهَمْزَةٍ بَعْدَ ألِفٍ.

﴿ومِمّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ وهي الأصْنامُ ﴿كَفَرْنا بِكُمْ﴾ أيْ: بِما آمَنتُمْ بِهِ مِنَ الأوْثانِ أوْ بِدِينِكم أوْ بِأفْعالِكم ﴿وبَدا بَيْنَنا وبَيْنَكُمُ العَداوَةُ والبَغْضاءُ أبَدًا﴾ أيْ: هَذا دَأْبُنا مَعَكم ما دُمْتُمْ عَلى كُفْرِكم ﴿حَتّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وحْدَهُ﴾ وتَتْرُكُوا ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ، فَإذا فَعَلْتُمْ ذَلِكَ صارَتْ تِلْكَ العَداوَةُ مُوالاةً والبَغْضاءُ مَحَبَّةً ﴿إلّا قَوْلَ إبْراهِيمَ لِأبِيهِ لَأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾ هو اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ مِن قَوْلِهِ ﴿فِي إبْراهِيمَ﴾ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ مَحْذُوفٍ لِيَصِحَّ الِاسْتِثْناءُ، أيْ: قَدْ كانَتْ لَكم أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ في مَقالاتِ إبْراهِيمَ إلّا قَوْلَهُ لِأبِيهِ، أوْ مِن أُسْوَةٍ حَسَنَةٍ، وصَحَّ ذَلِكَ لِأنَّ القَوْلَ مِن جُمْلَةِ الأُسْوَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: قَدْ كانَتْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ في إبْراهِيمَ في جَمِيعِ أقْوالِهِ وأفْعالِهِ إلّا قَوْلَهُ لِأبِيهِ، أوْ مِنَ التَّبَرِّي والقَطِيعَةِ الَّتِي ذُكِرَتْ، أيْ: لَمْ يُواصِلْهُ إلّا قَوْلَهُ، ذَكَرَ هَذا ابْنُ عَطِيَّةَ، أوْ هو مُنْقَطِعٌ، أيْ: لَكِنْ قَوْلُ إبْراهِيمَ لِأبِيهِ " لَأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ " فَلا تَأْتَسُوا بِهِ، فَتَسْتَغْفِرُونَ لِلْمُشْرِكِينَ، فَإنَّهُ كانَ عَنْ مَوْعِدَةٍ وعَدَها إيّاهُ، أوْ أنَّ ذَلِكَ إنَّما وقَعَ مِنهُ لِأنَّهُ ظَنَّ أنَّهُ قَدْ أسْلَمَ فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ أنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأ مِنهُ وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُ هَذا في سُورَةِ بَراءَةَ ﴿وما أمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ﴾ هَذا مِن تَمامِ القَوْلِ المُسْتَثْنى: يَعْنِي ما أُغْنِي عَنْكَ وما أدْفَعُ عَنْكَ مِن عَذابِ اللَّهِ شَيْئًا، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن فاعِلِ " لَأسْتَغْفِرَنَّ "، فالِاسْتِثْناءُ مُتَوَجِّهٌ إلى الِاسْتِغْفارِ لا إلى هَذا القَيْدِ، فَإنَّهُ إظْهارٌ لِلْعَجْزِ وتَفْوِيضٌ لِلْأمْرِ إلى اللَّهِ، وذَلِكَ مِن خِصالِ الخَيْرِ ﴿رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا وإلَيْكَ أنَبْنا وإلَيْكَ المَصِيرُ﴾ هَذا مِن دُعاءِ إبْراهِيمَ وأصْحابِهِ ومِمّا فِيهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ يُقْتَدى بِهِ فِيها، وقِيلَ: هو تَعْلِيمٌ لِلْمُؤْمِنِينَ أنْ يَقُولُوا هَذا القَوْلَ، والتَّوَكُّلُ هو تَفْوِيضُ الأُمُورِ إلى اللَّهِ، والإنابَةُ الرُّجُوعُ، والمَصِيرُ المَرْجِعُ، وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ لِقَصْرِ التَّوَكُّلِ والإنابَةِ والمَصِيرِ عَلى اللَّهِ.

﴿رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قالَ الزَّجّاجُ: لا تُظْهِرْهم عَلَيْنا فَيَظُنُّوا أنَّهم عَلى حَقٍّ فَيُفْتَنُوا بِذَلِكَ.

وقالَ مُجاهِدٌ: لا تُعَذِّبْنا بِأيْدِيهِمْ ولا بِعَذابٍ مِن عِنْدِكَ، فَيَقُولُوا: لَوْ كانَ هَؤُلاءِ عَلى حَقٍّ ما أصابَهم هَذا ﴿واغْفِرْ لَنا رَبَّنا إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ﴾ أيِ الغالِبُ الَّذِي لا يُغالَبُ الحَكِيمُ ذُو الحِكْمَةِ البالِغَةِ.

﴿لَقَدْ كانَ لَكم فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ أيْ لَقَدْ كانَ لَكم في إبْراهِيمَ والَّذِينَ مَعَهُ قُدْوَةٌ حَسَنَةٌ، وكَرَّرَ هَذا لِلْمُبالَغَةِ والتَّأْكِيدِ.

وقِيلَ: إنَّ هَذا نَزَلَ بَعْدَ الأوَّلِ بِمُدَّةٍ.

﴿لِمَن كانَ يَرْجُو اللَّهَ واليَوْمَ الآخِرَ﴾ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ لَكم بَدَلُ بَعْضٍ مِن كَلِّ.

والمَعْنى: أنَّ هَذِهِ الأُسْوَةَ إنَّما تَكُونُ لِمَن يَخافُ اللَّهَ ويَخافُ عِقابَ الآخِرَةِ، أوْ يَطْمَعُ في الخَيْرِ مِنَ اللَّهِ في الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ ﴿ومَن يَتَوَلَّ فَإنَّ اللَّهَ هو الغَنِيُّ الحَمِيدُ﴾ أيْ يُعْرِضُ عَنْ ذَلِكَ، فَإنَّ اللَّهَ هو الغَنِيُّ عَنْ خَلْقِهِ الحَمِيدُ إلى أوْلِيائِهِ.

﴿عَسى اللَّهُ أنْ يَجْعَلَ بَيْنَكم وبَيْنَ الَّذِينَ عادَيْتُمْ مِنهم مَوَدَّةً﴾ وذَلِكَ بِأنْ يُسْلِمُوا فَيَصِيرُوا مِن أهْلِ دِينِكم، وقَدْ أسْلَمَ قَوْمٌ مِنهم بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ، وحَسُنَ إسْلامُهم، ووَقَعَتْ بَيْنَهم وبَيْنَ مَن تَقَدَّمَهم في الإسْلامِ مَوَدَّةٌ وجاهَدُوا وفَعَلُوا الأفْعالَ المُقَرِّبَةَ إلى اللَّهِ.

وقِيلَ: المُرادُ بِالمَوَدَّةِ هُنا تَزْوِيجُ النَّبِيِّ ﷺ بِأُمِّ حَبِيبَةَ بِنْتِ أبِي سُفْيانَ.

ولا وجْهَ لِهَذا التَّخْصِيصِ وإنْ كانَ مِن جُمْلَةِ ما صارَ سَبَبًا إلى المَوَدَّةِ.

فَإنَّ أبا سُفْيانَ بَعْدَ ذَلِكَ تَرَكَ ما كانَ عَلَيْهِ مِنَ العَداوَةِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ولَكِنَّها لَمْ تَحْصُلِ المَوَدَّةُ إلّا بِإسْلامِهِ يَوْمَ الفَتْحِ وما بَعْدَهُ، ﴿واللَّهُ قَدِيرٌ﴾ أيْ بَلِيغُ القُدْرَةِ كَثِيرُها ﴿واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أيْ: بَلِيغُهُما كَثِيرُهُما.

ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ ما يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِينَ مِن مُعاداةِ الكُفّارِ وتَرْكِ مُوادَّتِهِمْ فَصَّلَ القَوْلَ فِيمَن يَجُوزُ بِرُّهُ مِنهم ومَن لا يَجُوزُ فَقالَ: ﴿لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكم في الدِّينِ ولَمْ يُخْرِجُوكم مِن دِيارِكم﴾ أيْ: لا يَنْهاكم عَنْ هَؤُلاءِ أنْ تَبَرُّوهم، هَذا بَدَلٌ مِنَ المَوْصُولِ، بَدَلُ اشْتِمالٍ.

وكَذا قَوْلُهُ: ﴿وتُقْسِطُوا إلَيْهِمْ﴾ يُقالُ: أقَسَطْتُ إلى الرَّجُلِ، إذا عامَلْتَهُ بِالعَدْلِ.

قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى وتَعْدِلُوا فِيما بَيْنَكم وبَيْنَهم مِنَ الوَفاءِ بِالعَهْدِ ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ﴾ أيِ العادِلِينَ، ومَعْنى الآيَةِ: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ لا يَنْهى عَنْ بِرِّ أهْلِ العَهْدِ مِنَ الكُفّارِ الَّذِينَ عاهَدُوا المُؤْمِنِينَ عَلى تَرْكِ القِتالِ، وعَلى أنْ لا يُظاهِرُوا الكُفّارَ عَلَيْهِمْ. ولا يَنْهى عَنْ مُعامَلَتِهِمْ بِالعَدْلِ.

قالَ ابْنُ زَيْدٍ: كانَ هَذا في أوَّلِ الإسْلامِ عِنْدَ المُوادَعَةِ وتَرْكِ الأمْرِ بِالقِتالِ ثُمَّ نُسِخَ.

قالَ قَتادَةُ: نَسَخَتْها ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهم﴾ وقِيلَ: هَذا الحُكْمُ كانَ ثابِتًا في الصُّلْحِ بَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ وبَيْنَ قُرَيْشٍ، فَلَمّا زالَ الصُّلْحُ بِفَتْحِ مَكَّةَ نُسِخَ الحُكْمُ.

وقِيلَ: هي خاصَّةٌ في حُلَفاءِ النَّبِيِّ ﷺ ومَن بَيْنَهُ وبَيْنَهُ عَهْدٌ. قالَهُ الحَسَنُ.

وقالَ الكَلْبِيُّ: هم خُزاعَةُ وبَنُو الحارِثِ بْنِ عَبْدِ مَنافٍ.

وقالَ مُجاهِدٌ: هي خاصَّةٌ في الَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يُهاجِرُوا، وقِيلَ: هي خاصَّةٌ بِالنِّساءِ والصِّبْيانِ.

وحَكى القُرْطُبِيُّ عَنْ أكْثَرِ أهْلِ التَّأْوِيلِ أنَّها مُحْكَمَةٌ.

ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ مَن لا يَحِلُّ بِرُّهُ ولا العَدْلُ في مُعامَلَتِهِ فَقالَ: ﴿إنَّما يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكم في الدِّينِ وأخْرَجُوكم مِن دِيارِكم﴾ وهم صَنادِيدُ الكُفْرِ مِن قُرَيْشٍ ﴿وظاهَرُوا عَلى إخْراجِكُمْ﴾ أيْ عاوَنُوا الَّذِينَ قاتَلُوكم عَلى ذَلِكَ، وهم سائِرُ أهْلِ مَكَّةَ ومَن دَخَلَ مَعَهم في عَهْدِهِمْ، وقَوْلُهُ: ﴿أنْ تَوَلَّوْهم﴾ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنَ المَوْصُولِ كَما سَلَفَ ﴿ومَن يَتَوَلَّهم فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ أيِ الكامِلُونَ في الظُّلْمِ لِأنَّهم تَوَلَّوْا مَن يَسْتَحِقُّ العَداوَةَ لِكَوْنِهِ عَدُوًّا لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ ولِكِتابِهِ وجَعَلُوهم أوْلِياءَ لَهم.

وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿إلّا قَوْلَ إبْراهِيمَ لِأبِيهِ﴾ قالَ: نُهُوا أنْ يَتَأسَّوْا بِاسْتِغْفارِ إبْراهِيمَ لِأبِيهِ، وقَوْلُهُ: ﴿رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ لا تُعَذِّبْنا بِأيْدِيهِمْ ولا بِعَذابٍ مِن عِنْدِكَ، فَيَقُولُونَ لَوْ كانَ هَؤُلاءِ عَلى الحَقِّ ما أصابَهم هَذا.

وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْهُ ﴿لَقَدْ كانَ لَكم فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ قالَ: في صَنِيعِ إبْراهِيمَ كُلِّهِ إلّا في الِاسْتِغْفارِ لِأبِيهِ، (p-١٤٨٤)وهُوَ مُشْرِكٌ.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قالَ: لا تُسَلِّطْهم عَلَيْنا فَيَفْتِنُونا.

وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: أوَّلُ مَن قاتَلَ أهْلَ الرِّدَّةِ عَلى إقامَةِ دِينِ اللَّهِ أبُو سُفْيانَ بْنُ حَرْبٍ وفِيهِ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿عَسى اللَّهُ أنْ يَجْعَلَ بَيْنَكم وبَيْنَ الَّذِينَ عادَيْتُمْ مِنهم مَوَدَّةً﴾ .

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اسْتَعْمَلَ أبا سُفْيانَ بْنَ حَرْبٍ عَلى بَعْضِ اليَمَنِ، فَلَمّا قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أقْبَلَ فَلَقِيَ ذا الخِمارِ مُرْتَدًّا، فَكانَ أوَّلَ مَن قاتَلَ في الرِّدَّةِ وجاهَدَ عَنِ الدِّينِ.

قالَ: وهو فِيمَن قالَ اللَّهُ فِيهِ: ﴿عَسى اللَّهُ أنْ يَجْعَلَ بَيْنَكم وبَيْنَ الَّذِينَ عادَيْتُمْ مِنهم مَوَدَّةً﴾»

وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ عَدِيٍّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ وابْنُ عَساكِرَ مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: كانَتِ المَوَدَّةُ الَّتِي جَعَلَ بَيْنَهم تَزْوِيجَ النَّبِيِّ ﷺ أُمَّ حَبِيبَةَ بِنْتَ أبِي سُفْيانَ، فَصارَتْ أُمَّ المُؤْمِنِينَ، فَصارَ مُعاوِيَةُ خالَ المُؤْمِنِينَ.

وفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ أبا سُفْيانَ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ ثَلاثٌ أعْطِنِيهِنَّ. قالَ: نَعَمْ، قالَ: تُؤَمِّرُنِي حَتّى أُقاتِلَ الكُفّارَ كَما كُنْتُ أُقاتِلُ المُسْلِمِينَ، قالَ: نَعَمْ، قالَ: ومُعاوِيَةُ تَجْعَلُهُ كاتِبًا بَيْنَ يَدَيْكَ، قالَ: نَعَمْ، قالَ: وعِنْدِي أحْسَنُ العَرَبِ وأجْمَلُهُ أُمُّ حَبِيبَةَ بِنْتُ أبِي سُفْيانَ أُزَوِّجُكَها» الحَدِيثَ.

وأخْرَجَ الطَّيالِسِيُّ، وأحْمَدُ، والبَزّارُ، وأبُو يَعْلى، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والنَّحّاسُ في ناسِخِهِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ قالَ: قَدِمَتْ قَتِيلَةُ بِنْتُ عَبْدِ العُزّى عَلى ابْنَتِها أسْماءَ بِنْتِ أبِي بَكْرٍ بِهَدايا: ضِبابٍ وأقِطٍ وسَمْنٍ، وهي مُشْرِكَةٌ، فَأبَتْ أسْماءُ أنْ تَقْبَلَ هَدِيَّتَها أوْ تُدْخِلَها بَيْتَها حَتّى أرْسَلَتْ إلى عائِشَةَ أنْ سَلِي عَنْ هَذا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَسَألَتْهُ.

فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكم في الدِّينِ﴾ الآيَةَ، فَأمَرَها أنْ تَقْبَلَ هَدِيَّتَها وتُدْخِلَها بَيْتَها، وزادَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ في المُدَّةِ الَّتِي كانَتْ بَيْنَ قُرَيْشٍ ورَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وفي البُخارِيِّ وغَيْرِهِ «عَنْ أسْماءَ بِنْتَ أبِي بَكْرٍ قالَتْ: أتَتْنِي أُمِّي راغِبَةً وهي مُشْرِكَةٌ في عَهْدِ قُرَيْشٍ إذْ عاهَدُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَسَألْتُ النَّبِيَّ ﷺ أأصِلُها ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ﴾ الآيَةَ، فَقالَ: نَعَمْ صِلِي أُمَّكِ» .

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском