Ash-ShawkaniAl‑Munafiqun · 63:1–11

Ash-Shawkani · Tafsir · in Arabic

المنافقون

Al-Munafiqun

The Hypocrites · Medinan · 11 ayahs

63:1–8Page 554

إِذَا جَآءَكَ ٱلۡمُنَٰفِقُونَ قَالُواْ نَشۡهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُۥ وَٱللَّهُ يَشۡهَدُ إِنَّ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ لَكَٰذِبُونَ ١

When the hypocrites come to you, [O Muḥammad], they say, "We testify that you are the Messenger of Allāh." And Allāh knows that you are His Messenger, and Allāh testifies that the hypocrites are liars.

ٱتَّخَذُوٓاْ أَيۡمَٰنَهُمۡ جُنَّةٗ فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِۚ إِنَّهُمۡ سَآءَ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٢

They have taken their oaths as a cover, so they averted [people] from the way of Allāh. Indeed, it was evil that they were doing.

ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ ءَامَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ فَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ فَهُمۡ لَا يَفۡقَهُونَ ٣

That is because they believed, and then they disbelieved; so their hearts were sealed over, and they do not understand.

۞ وَإِذَا رَأَيۡتَهُمۡ تُعۡجِبُكَ أَجۡسَامُهُمۡۖ وَإِن يَقُولُواْ تَسۡمَعۡ لِقَوۡلِهِمۡۖ كَأَنَّهُمۡ خُشُبٞ مُّسَنَّدَةٞۖ يَحۡسَبُونَ كُلَّ صَيۡحَةٍ عَلَيۡهِمۡۚ هُمُ ٱلۡعَدُوُّ فَٱحۡذَرۡهُمۡۚ قَٰتَلَهُمُ ٱللَّهُۖ أَنَّىٰ يُؤۡفَكُونَ ٤

And when you see them, their forms please you, and if they speak, you listen to their speech. [They are] as if they were pieces of wood propped up1 - they think that every shout is against them. They are the enemy, so beware of them. May Allāh destroy them; how are they deluded?

وَإِذَا قِيلَ لَهُمۡ تَعَالَوۡاْ يَسۡتَغۡفِرۡ لَكُمۡ رَسُولُ ٱللَّهِ لَوَّوۡاْ رُءُوسَهُمۡ وَرَأَيۡتَهُمۡ يَصُدُّونَ وَهُم مُّسۡتَكۡبِرُونَ ٥

And when it is said to them, "Come, the Messenger of Allāh will ask forgiveness for you," they turn their heads aside and you see them evading while they are arrogant.

سَوَآءٌ عَلَيۡهِمۡ أَسۡتَغۡفَرۡتَ لَهُمۡ أَمۡ لَمۡ تَسۡتَغۡفِرۡ لَهُمۡ لَن يَغۡفِرَ ٱللَّهُ لَهُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡفَٰسِقِينَ ٦

It is all the same for them whether you ask forgiveness for them or do not ask forgiveness for them; never will Allāh forgive them. Indeed, Allāh does not guide the defiantly disobedient people.

هُمُ ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنفِقُواْ عَلَىٰ مَنۡ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ حَتَّىٰ يَنفَضُّواْۗ وَلِلَّهِ خَزَآئِنُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَلَٰكِنَّ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ لَا يَفۡقَهُونَ ٧

They are the ones who say, "Do not spend on those who are with the Messenger of Allāh until they disband." And to Allāh belong the depositories of the heavens and the earth, but the hypocrites do not understand.

يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعۡنَآ إِلَى ٱلۡمَدِينَةِ لَيُخۡرِجَنَّ ٱلۡأَعَزُّ مِنۡهَا ٱلۡأَذَلَّۚ وَلِلَّهِ ٱلۡعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِۦ وَلِلۡمُؤۡمِنِينَ وَلَٰكِنَّ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ لَا يَعۡلَمُونَ ٨

They say, "If we return to al-Madīnah, the more honored [for power] will surely expel therefrom the more humble." And to Allāh belongs [all] honor, and to His Messenger, and to the believers, but the hypocrites do not know.

وهي مَدَنِيَّةٌ.

قالَ القُرْطُبِيُّ: في قَوْلِ الجَمِيعِ.

وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والنَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ المُنافِقِينَ بِالمَدِينَةِ.

وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ.

وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، والطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ، قالَ السُّيُوطِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ في صَلاةِ الجُمُعَةِ بِسُورَةِ الجُمُعَةِ فَيُحَرِّضُ بِها عَلى المُؤْمِنِينَ، وفي الثّانِيَةِ بِسُورَةِ المُنافِقِينَ فَيُقَرِّعُ بِها المُنافِقِينَ» .

وأخْرَجَ البَزّارُ، والطَّبَرانِيُّ عَنْ أبِي عِنَبَةَ الخَوْلانِيِّ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

قَوْلُهُ: ﴿إذا جاءَكَ المُنافِقُونَ﴾ أيْ: إذا وصَلُوا إلَيْكَ وحَضَرُوا مَجْلِسَكَ، وجَوابُ الشَّرْطِ قالُوا، وقِيلَ: مَحْذُوفٌ وقالُوا حالٌ، والتَّقْدِيرُ: جاءُوكَ قائِلِينَ كَيْتَ وكَيْتَ فَلا تَقْبَلُ مِنهم.

وقِيلَ: الجَوابُ ﴿اتَّخَذُوا أيْمانَهم جُنَّةً﴾ وهو بَعِيدٌ ﴿قالُوا نَشْهَدُ إنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ أكَّدُوا شَهادَتَهم بِإنَّ واللّامِ لِلْإشْعارِ بِأنَّها صادِرَةٌ مِن صَمِيمِ قُلُوبِهِمْ مَعَ خُلُوصِ اعْتِقادِهِمْ، والمُرادُ بِالمُنافِقِينَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ وأصْحابُهُ، ومَعْنى نَشْهَدُ نَحْلِفُ، فَهو يَجْرِي مَجْرى القَسَمِ، ولِذَلِكَ يُتَلَقّى بِما يُتَلَقّى بِهِ القَسَمُ، ومِن هَذا قَوْلُ قَيْسِ بْنِ ذُرَيْحٍ:

؎وأشْهَدُ عِنْدَ اللَّهِ أنِّي أُحِبُّها فَهَذا لَها عِنْدِي فَما عِنْدَها لِيا

ومِثْلُ نَشْهَدُ نَعْلَمُ، فَإنَّهُ يَجْرِي مَجْرى القَسَمِ كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ:

؎ولَقَدْ عَلِمْتُ لَتَأْتِيَنَّ مَنِيَّتِي ∗∗∗ إنَّ المَنايا لا تَطِيشُ سِهامُها

وجُمْلَةُ ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ إنَّكَ لَرَسُولُهُ﴾ مُعْتَرِضَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها، وهو ما أظْهَرُوهُ مِنَ الشَّهادَةِ، وإنْ كانَتْ بَواطِنُهم عَلى خِلافِ ذَلِكَ ﴿واللَّهُ يَشْهَدُ إنَّ المُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ﴾ أيْ في شَهادَتِهِمُ الَّتِي زَعَمُوا أنَّها مِن صَمِيمِ القَلْبِ وخُلُوصِ الِاعْتِقادِ، لا إلى مَنطُوقِ كَلامِهِمْ، وهو الشَّهادَةُ بِالرِّسالَةِ، فَإنَّهُ حَقٌّ.

والمَعْنى: واللَّهُ يَشْهَدُ إنَّهم لَكاذِبُونَ فِيما تَضَمَّنَهُ كَلامُهم مِنَ التَّأْكِيدِ الدّالِّ عَلى أنَّ شَهادَتَهم بِذَلِكَ صادِرَةٌ عَنْ خُلُوصِ اعْتِقادٍ وطُمَأْنِينَةِ قَلْبٍ ومُوافَقَةِ باطِنٍ لِظاهِرٍ ﴿اتَّخَذُوا أيْمانَهم جُنَّةً﴾ أيْ: جَعَلُوا حَلِفَهُمُ الَّذِي حَلَفُوا لَكم بِهِ إنَّهم لِمِنكم وإنَّ مُحَمَّدًا لَرَسُولُ اللَّهِ وِقايَةً تَقِيهِمْ مِنكم وسُتْرَةً يَسْتَتِرُونَ بِها مِنَ القَتْلِ والأسْرِ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ كَذِبِهِمْ وحَلِفِهِمْ عَلَيْهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُ مَن قالَ إنَّها جَوابُ الشَّرْطِ.

قَرَأ الجُمْهُورُ أيْمانَهم بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، وقَرَأ الحَسَنُ بِكَسْرِها، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا في سُورَةِ المُجادَلَةِ ﴿فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيْ مَنَعُوا النّاسَ عَنِ الإيمانِ والجِهادِ وأعْمالِ الطّاعَةِ بِسَبَبِ ما يَصْدُرُ مِنهم مِنَ التَّشْكِيكِ والقَدْحِ في النُّبُوَّةِ.

وهَذا مَعْنى الصَّدِّ الَّذِي بِمَعْنى الصَّرْفِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِنَ الصُّدُودِ، أيْ: أعْرَضُوا عَنِ الدُّخُولِ في سَبِيلِ اللَّهِ وإقامَةِ أحْكامِهِ ﴿إنَّهم ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ مِنَ النِّفاقِ والصَّدِّ.

وفِي ساءَ مَعْنى التَّعَجُّبِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ الكَذِبِ والصَّدِّ وقُبْحِ الأعْمالِ، وهو مُبْتَدَأٌ وخَبُرُهُ ﴿بِأنَّهم آمَنُوا﴾ أيْ بِسَبَبِ أنَّهم آمَنُوا في الظّاهِرِ نِفاقًا ثُمَّ كَفَرُوا في الباطِنِ، أوْ أظْهَرُوا الإيمانَ لِلْمُؤْمِنِينَ وأظْهَرُوا الكُفْرَ لِلْكافِرِينَ، وهَذا صَرِيحٌ في كُفْرِ المُنافِقِينَ، وقِيلَ: نَزَلَتِ الآيَةُ في قَوْمٍ آمَنُوا ثُمَّ ارْتَدُّوا، والأوَّلُ أوْلى كَما يُفِيدُهُ السِّياقُ ﴿فَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ أيْ خَتَمَ عَلَيْها بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ.

قَرَأ الجُمْهُورُ فَطُبِعَ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، والقائِمُ مَقامَ الفاعِلِ الجارُّ والمَجْرُورِ بَعْدَهُ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ، والفاعِلُ ضَمِيرٌ يَعُودُ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ، ويَدُلُّ عَلى هَذا قِراءَةُ الأعْمَشِ " فَطَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ " فَهم لا يَفْقَهُونَ ما فِيهِ مِن صَلاحِهِمْ ورَشادِهِمْ وهو الإيمانُ.

﴿وإذا رَأيْتَهم تُعْجِبُكَ أجْسامُهم﴾ أيْ هَيْئاتِهِمْ ومَناظِرِهِمْ، يَعْنِي أنَّ لَهم أجْسامًا (p-١٤٩٤)تُعْجِبُ مَن يَراها لِما فِيها مِنَ النَّضارَةِ والرَّوْنَقِ ﴿وإنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾ فَتَحْسَبُ أنَّ قَوْلَهم حَقٌّ وصِدْقٌ لِفَصاحَتِهِمْ وذَلاقَةِ ألْسِنَتِهِمْ، وقَدْ كانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ رَأْسُ المُنافِقِينَ فَصِيحًا جَسِيمًا جَمِيلًا، وكانَ يَحْضُرُ مَجْلِسَ النَّبِيِّ ﷺ، فَإذا قالَ سَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ مَقالَتَهُ.

قالَ الكَلْبِيُّ: المُرادُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ، وجَدُّ بْنُ قَيْسٍ،، ومُعَتِّبُ بْنُ قَيْسٍ كانَتْ لَهم أجْسامٌ ومَنظَرٌ وفَصاحَةٌ، والخِطابُ لِلنَّبِيِّ ﷺ، وقِيلَ: لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لَهُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ مَن قَرَأ " يُسْمَعْ " عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، وجُمْلَةُ ﴿كَأنَّهم خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ لِتَقْرِيرِ ما تَقَدَّمَ مِن أنَّ أجْسامَهم تُعْجِبُ الرّائِيَ وتَرُوقُ النّاظِرَ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّها خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، شُبِّهُوا في جُلُوسِهِمْ في مَجالِسِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُسْتَنِدِينَ بِها بِالخُشُبِ المَنصُوبَةِ المُسْنَدَةِ إلى الحائِطِ الَّتِي لا تَفْهَمُ ولا تَعْلَمُ، وهم كَذَلِكَ لِخُلُوِّهِمْ عَنِ الفَهْمِ النّافِعِ والعِلْمِ الَّذِي يَنْتَفِعُ بِهِ صاحِبُهُ، قالَ الزَّجّاجُ: وصَفَهم بِتَمامِ الصُّوَرِ، ثُمَّ أعْلَمَ أنَّهم في تَرْكِ الفَهْمِ والِاسْتِبْصارِ بِمَنزِلَةِ الخُشُبِ.

قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿خُشُبٌ﴾ بِضَمَّتَيْنِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ وقُنْبُلٌ بِإسْكانِ الشِّينِ، وبِها قَرَأ البَراءُ بْنُ عازِبٍ، واخْتارَها أبُو عُبَيْدٍ لِأنَّ واحِدَتَها خَشَبَةٌ كَبَدَنَةٍ وبُدُنٍ، واخْتارَ القِراءَةَ الأُولى أبُو حاتِمٍ.

وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وسَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ بِفَتْحَتَيْنِ، ومَعْنى ﴿مُسَنَّدَةٌ﴾ أنَّها أُسْنِدَتْ إلى غَيْرِها، مِن قَوْلِهِمْ: أسْنَدْتُ كَذا إلى كَذا، والتَّشْدِيدُ لِلتَّكْثِيرِ.

ثُمَّ عابَهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِالجُبْنِ فَقالَ: ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ يَسْمَعُونَها واقِعَةً عَلَيْهِمْ نازِلَةً بِهِمْ لِفَرْطِ جُبْنِهِمْ ورُعْبِ قُلُوبِهِمْ، وفي المَفْعُولِ الثّانِي لِلْحُسْبانِ وجْهانِ: أحَدُهُما أنَّهُ " عَلَيْهِمْ " ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿هُمُ العَدُوُّ﴾ جُمْلَةً مُسْتَأْنَفَةً لِبَيانِ أنَّهُمُ الكامِلُونَ في العَداوَةِ لِكَوْنِهِمْ يُظْهِرُونَ غَيْرَ ما يُبْطِنُونَ، والوَجْهُ الثّانِي أنَّ المَفْعُولَ الثّانِيَ لِلْحُسْبانِ هو قَوْلُهُ: ﴿هُمُ العَدُوُّ﴾، ويَكُونُ قَوْلُهُ: عَلَيْهِمْ مُتَعَلِّقًا بِـ صَيْحَةٍ، وإنَّما جاءَ بِضَمِيرِ الجَماعَةِ بِاعْتِبارِ الخَبَرِ، وكانَ حَقُّهُ أنْ يُقالَ: هو العَدُوُّ، والوَجْهُ الأوَّلُ أوْلى.

قالَ مُقاتِلٌ، والسُّدِّيُّ، أيْ: إذا نادى مُنادٍ في العَسْكَرِ أوِ انْفَلَتَتْ دابَّةٌ أوْ أُنْشِدَتْ ضالَّةٌ ظَنُّوا أنَّهُمُ المُرادُونَ لِما في قُلُوبِهِمْ مِنَ الرُّعْبِ، ومِن هَذا قَوْلُ الشّاعِرِ:

؎ما زِلْتَ تَحْسَبُ كُلَّ شَيْءٍ بَعْدَهم ∗∗∗ خَيْلًا تَكُرُّ عَلَيْهِمُ ورِجالًا

وقِيلَ: كانَ المُنافِقُونَ عَلى وجَلٍ مِن أنْ يَنْزِلَ فِيهِمْ ما يَهْتِكُ أسْتارَهم ويُبِيحُ دِماءَهم وأمْوالَهم.

ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ بِأنْ يَأْخُذَ حَذَرَهُ مِنهم فَقالَ: فاحْذَرْهم أنْ يَتَمَكَّنُوا مِن فُرْصَةٍ مِنكَ أوْ يَطَّلِعُوا عَلى شَيْءٍ مِن أسْرارِكَ لِأنَّهم عُيُونٌ لِأعْدائِكَ مِنَ الكُفّارِ.

ثُمَّ دَعا عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿قاتَلَهُمُ اللَّهُ أنّى يُؤْفَكُونَ﴾ أيْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ، وقَدْ تَقُولُ العَرَبُ هَذِهِ الكَلِمَةَ عَلى طَرِيقَةِ التَّعَجُّبِ، كَقَوْلِهِمْ: قاتَلَهُ اللَّهُ مِن شاعِرٍ، أوْ ما أشْعَرَهُ، ولَيْسَ بِمُرادٍ هُنا، بَلِ المُرادُ ذَمُّهم وتَوْبِيخُهم، وهو طَلَبٌ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ طَلَبَهُ مِن ذاتِهِ عَزَّ وجَلَّ أنْ يَلْعَنَهم ويُخْزِيَهم، أوْ هو تَعْلِيمٌ لِلْمُؤْمِنِينَ أنْ يَقُولُوا ذَلِكَ، ومَعْنى ﴿أنّى يُؤْفَكُونَ﴾ كَيْفَ يُصْرَفُونَ عَنِ الحَقِّ ويَمِيلُونَ عَنْهُ إلى الكُفْرِ.

قالَ قَتادَةُ: مَعْناهُ يَعْدِلُونَ عَنِ الحَقِّ.

وقالَ الحَسَنُ مَعْناهُ يُصْرَفُونَ عَنِ الرُّشْدِ.

﴿وإذا قِيلَ لَهم تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكم رَسُولُ اللَّهِ﴾ أيْ: إذا قالَ لَهُمُ القائِلُ مِنَ المُؤْمِنِينَ قَدْ نَزَلَ فِيكم ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ فَتُوبُوا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ وتَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكم رَسُولُ اللَّهِ ﴿لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ﴾ أيْ حَرَّكُوها اسْتِهْزاءً بِذَلِكَ.

قالَ مُقاتِلٌ: عَطَفُوا رُءُوسَهم رَغْبَةً عَنِ الِاسْتِغْفارِ.

قَرَأ الجُمْهُورُ لَوَّوْا بِالتَّشْدِيدِ، وقَرَأ نافِعٌ بِالتَّخْفِيفِ واخْتارَ القِراءَةَ الأُولى أبُو عَبِيدٍ، ﴿ورَأيْتَهم يَصُدُّونَ﴾ أيْ يُعْرِضُونَ عَنْ قَوْلِ مَن قالَ لَهم: تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكم رَسُولُ اللَّهِ، أوْ يُعْرِضُونَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وجُمْلَةُ ﴿وهم مُسْتَكْبِرُونَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن فاعِلِ الحالِ الأُولى، وهي يَصُدُّونَ؛ لِأنَّ الرُّؤْيَةَ بَصَرِيَّةٌ فَ يَصُدُّونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، والمَعْنى: ورَأيْتَهم صادِّينَ مُسْتَكْبِرِينَ.

﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ أسْتَغْفَرْتَ لَهم أمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهم﴾ أيِ الِاسْتِغْفارُ وعَدَمُهُ سَواءٌ لا يَنْفَعُهم ذَلِكَ لِإصْرارِهِمْ عَلى النِّفاقِ واسْتِمْرارِهِمْ عَلى الكُفْرِ.

قَرَأ الجُمْهُورُ أسْتَغْفَرْتَ بِهَمْزَةٍ مَفْتُوحَةٍ مِن غَيْرِ مَدٍّ، وحَذَفَ هَمْزَةَ الِاسْتِفْهامِ ثِقَةً بِدَلالَةِ " أمْ " عَلَيْها.

وقَرَأ يَزِيدُ بْنُ القَعْقاعِ بِهَمْزَةٍ ثُمَّ ألِفٍ ﴿لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ أيْ: ما دامُوا عَلى النِّفاقِ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾ أيِ الكامِلِينَ في الخُرُوجِ عَنِ الطّاعَةِ والِانْهِماكِ في مَعاصِي اللَّهِ، ويَدْخُلُ فِيهِمُ المُنافِقُونَ دُخُولًا أوَلِيًّا.

ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ بَعْضَ قَبائِحِهِمْ فَقالَ: ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَن عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتّى يَنْفَضُّوا﴾ أيْ حَتّى يَتَفَرَّقُوا عَنْهُ، يَعْنُونَ بِذَلِكَ فُقَراءَ المُهاجِرِينَ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ جارِيَةٌ مَجْرى التَّعْلِيلِ لِفِسْقِهِمْ، أوْ لِعَدَمِ مَغْفِرَةِ اللَّهِ لَهم.

قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿يَنْفَضُّوا﴾ مِنَ الِانْفِضاضِ، وهو التَّفَرُّقُ، وقَرَأ الفَضْلُ بْنُ عِيسى الرَّقاشِيُّ " يُنْفِضُوا " مِن أنْفَضَ القَوْمُ: إذا فَنِيَتْ أزْوادُهم، يُقالُ نَفَضَ الرَّجُلُ وِعاءَهُ مِنَ الزّادِ فانْفَضَّ.

ثُمَّ أخْبَرَ سُبْحانَهُ بِسَعَةِ مُلْكِهِ فَقالَ: ﴿ولِلَّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ إنَّهُ هو الرَّزّاقُ لِهَؤُلاءِ المُهاجِرِينَ؛ لِأنَّ خَزائِنَ الرِّزْقِ لَهُ فَيُعْطِي مَن شاءَ ما شاءَ ويَمْنَعُ مَن شاءَ ما شاءَ ﴿ولَكِنَّ المُنافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ﴾ ذَلِكَ ولا يَعْلَمُونَ أنَّ خَزائِنَ الأرْزاقِ بِيَدِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وأنَّهُ الباسِطُ القابِضُ المُعْطِي المانِعُ.

ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ مَقالَةً شَنْعاءَ قالُوها فَقالَ: ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنا إلى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنها الأذَلَّ﴾ القائِلُ لِهَذِهِ المَقالَةِ هو عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ رَأسُ المُنافِقِينَ، وعَنى بِالأعَزِّ نَفْسَهَ ومَن مَعَهُ، وبِالأذَلِّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ومَن مَعَهُ، ومُرادُهُ بِالرُّجُوعِ رُجُوعُهم مِن تِلْكَ الغَزْوَةِ، وإنَّما أُسْنِدَ القَوْلُ إلى المُنافِقِينَ مَعَ كَوْنِ القائِلِ هو فَرْدٌ مِن أفْرادِهِمْ وهو عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ لِكَوْنِهِ كانَ رَئِيسَهم وصاحِبَ أمْرِهِمْ وهم راضُونَ بِما يَقُولُهُ سامِعُونَ لَهُ مُطِيعُونَ.

ثُمَّ رَدَّ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَلى قائِلِ تِلْكَ المَقالَةِ، فَقالَ: ﴿ولِلَّهِ العِزَّةُ ولِرَسُولِهِ ولِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أيِ القُوَّةُ والغَلَبَةُ لِلَّهِ وحْدَهُ ولِمَن أفاضَها عَلَيْهِ مِن رُسُلِهِ وصالِحِي (p-١٤٩٥)عِبادِهِ لا لِغَيْرِهِمْ.

اللَّهُمَّ كَما جَعَلْتَ العِزَّةَ لِلْمُؤْمِنِينَ عَلى المُنافِقِينَ فاجْعَلِ العِزَّةَ لِلْعادِلِينَ مِن عِبادِكَ، وأنْزِلِ الذِّلَّةَ عَلى الجائِرِينَ الظّالِمِينَ ﴿ولَكِنَّ المُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ بِما فِيهِ النَّفْعُ فَيَفْعَلُونَهُ، وبِما فِيهِ الضُّرُّ فَيَجْتَنِبُونَهُ، بَلْ هم كالأنْعامِ لِفَرْطِ جَهْلِهِمْ ومَزِيدِ حَيْرَتِهِمْ والطَّبْعِ عَلى قُلُوبِهِمْ.

وقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ زَيْدِ بْنِ أرْقَمَ قالَ: «خَرَجْنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في سَفَرٍ فَأصابَ النّاسَ شِدَّةٌ، فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ» لِأصْحابِهِ: لا تُنْفِقُوا عَلى مَن عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتّى يَنْفَضُّوا مِن حَوْلِهِ، وقالَ: لَئِنْ رَجَعْنا إلى المَدِينَةِ لِيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنها الأذَلَّ. فَأتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَأخْبَرْتُهُ بِذَلِكَ فَأرْسَلَ إلى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ فَسَألَهُ، فاجْتَهَدَ يَمِينَهُ ما فَعَلَ، فَقالُوا: كَذَبَ زَيْدٌ رَسُولَ اللَّهِ، فَوَقَعَ في نَفْسِي مِمّا قالُوا شِدَّةٌ حَتّى أنْزَلَ اللَّهُ تَصْدِيقِي في " إذا جاءَكَ المُنافِقُونَ " فَدَعاهُمُ النَّبِيُّ ﷺ لِيَسْتَغْفِرَ لَهم فَلَوَّوْا رُءُوسَهم، وهو قَوْلُهُ ﴿كَأنَّهم خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾ قالَ: كانُوا رِجالًا أجْمَلَ شَيْءٍ.

وأخْرَجَهُ عَنْهُ بِأطْوَلَ مِن هَذا ابْنُ سَعْدٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ وابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ.

وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّما سَمّاهُمُ اللَّهُ مُنافِقِينَ لِأنَّهم كَتَمُوا الشِّرْكَ وأظْهَرُوا الإيمانَ.

وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ ﴿اتَّخَذُوا أيْمانَهم جُنَّةً﴾ قالَ: حَلِفُهم بِاللَّهِ إنَّهم لَمِنكُمُ، اجْتَنَوْا بِأيْمانِهِمْ مِنَ القَتْلِ والحَرْبِ.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿كَأنَّهم خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾ قالَ: نَخْلٌ قِيامٌ.

وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والضِّياءُ في المُخْتارَةِ عَنْهُ أيْضًا، قالَ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَن عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتّى يَنْفَضُّوا﴾ في عَسِيفٍ لِعُمَرَ بْنَ الخَطّابِ.

وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أرْقَمَ، وابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُما قَرَآ " لا تُنْفِقُوا عَلى مَن عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ حَتّى يَنْفَضُّوا مِن حَوْلِهِ " .

وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: «كُنّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ في غَزاةٍ - قالَ سُفْيانُ: يَرَوْنَ أنَّها غَزْوَةُ بَنِي المُصْطَلِقِ - فَكَسَعَ رَجُلٌ مِنَ المُهاجِرِينَ رَجُلًا مِنَ الأنْصارِ، فَقالَ المُهاجِرِيُّ يالَلْمُهاجِرِينَ. وقالَ الأنْصارِيُّ يالَلْأنْصارِ، فَسَمِعَ ذَلِكَ النَّبِيُّ ﷺ فَقالَ: ما بالُ دَعْوَةِ الجاهِلِيَّةِ ؟ قالُوا: رَجُلٌ مِنَ المُهاجِرِينَ كَسَعَ رَجُلًا مِنَ الأنْصارِ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: دَعُوها فَإنَّها مُنْتِنَةٌ. فَسَمِعَ ذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ فَقالَ: أوَقَدْ فَعَلُوها، واللَّهِ لَئِنْ رَجَعْنا إلى المَدِينَةِ لِيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنها الأذَلَّ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ، فَقامَ عُمَرُ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ دَعْنِي أضْرِبْ عُنُقَ هَذا المُنافِقِ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: دَعْهُ، لا يَتَحَدَّثِ النّاسُ أنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أصْحابَهُ زادَ التِّرْمِذِيُّ فَقالَ لَهُ ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ: واللَّهُ لا تَنْفَلِتُ حَتّى تُقِرَّ أنَّكَ الذَّلِيلُ، ورَسُولَ اللَّهِ العَزِيزُ، فَفَعَلَ» .

63:9–11Page 555

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُلۡهِكُمۡ أَمۡوَٰلُكُمۡ وَلَآ أَوۡلَٰدُكُمۡ عَن ذِكۡرِ ٱللَّهِۚ وَمَن يَفۡعَلۡ ذَٰلِكَ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ ٩

O you who have believed, let not your wealth and your children divert you from the remembrance of Allāh. And whoever does that - then those are the losers.

وَأَنفِقُواْ مِن مَّا رَزَقۡنَٰكُم مِّن قَبۡلِ أَن يَأۡتِيَ أَحَدَكُمُ ٱلۡمَوۡتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوۡلَآ أَخَّرۡتَنِيٓ إِلَىٰٓ أَجَلٖ قَرِيبٖ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ١٠

And spend [in the way of Allāh] from what We have provided you before death approaches one of you and he says, "My Lord, if only You would delay me for a brief term so I would give charity and be of the righteous."

وَلَن يُؤَخِّرَ ٱللَّهُ نَفۡسًا إِذَا جَآءَ أَجَلُهَاۚ وَٱللَّهُ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ ١١

But never will Allāh delay a soul when its time has come. And Allāh is Aware of what you do.

لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ قَبائِحَ المُنافِقِينَ رَجَعَ إلى خِطابِ المُؤْمِنِينَ مُرَغِّبًا لَهم في ذِكْرِهِ فَقالَ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكم أمْوالُكم ولا أوْلادُكم عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ فَحَذَّرَهم عَنْ أخْلاقِ المُنافِقِينَ الَّذِينَ ألْهَتْهم أمْوالُهم وأوْلادُهم عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، ومَعْنى ﴿لا تُلْهِكُمْ﴾ لا تَشْغَلْكم، والمُرادُ بِالذِّكْرِ فَرائِضُ الإسْلامِ، قالَهُ الحَسَنُ.

وقالَ الضَّحّاكُ: الصَّلَواتُ الخَمْسُ وقِيلَ: قِراءَةُ القُرْآنِ، وقِيلَ: هو خِطابٌ لِلْمُنافِقِينَ، ووَصْفُهم بِالإيمانِ لِكَوْنِهِمْ آمَنُوا ظاهِرًا، والأوَّلُ أوْلى ﴿ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ أيْ يَلْتَهِي بِالدُّنْيا عَنِ الدِّينِ ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ أيِ الكامِلُونَ في الخُسْرانِ.

﴿وأنْفِقُوا مِمّا رَزَقْناكُمُ﴾ الظّاهِرُ أنَّ المُرادَ الإنْفاقُ في الخَيْرِ عَلى عُمُومِهِ، و" مَن " لِلتَّبْعِيضِ أيْ أنْفِقُوا بَعْضَ ما رَزَقْناكم في سَبِيلِ الخَيْرِ، وقِيلَ: المُرادُ الزَّكاةُ المَفْرُوضَةُ مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ أحَدَكُمُ المَوْتُ بِأنْ تَنْزِلَ بِهِ أسْبابُهُ ويُشاهِدَ حُضُورَ عَلاماتِهِ، وقُدِّمَ المَفْعُولُ عَلى الفاعِلِ لِلِاهْتِمامِ ﴿فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أخَّرْتَنِي إلى أجَلٍ قَرِيبٍ﴾ أيْ يَقُولُ عِنْدَ نُزُولِ ما نَزَلَ بِهِ مُنادِيًا لِرَبِّهِ هَلّا أمْهَلْتَنِي وأخَّرْتَ مَوْتِي إلى أجَلٍ قَرِيبٍ، أيْ: أمَدٍ قَصِيرٍ ﴿فَأصَّدَّقَ﴾ أيْ فَأتَصَدَّقَ بِمالِي ﴿وأكُنْ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿فَأصَّدَّقَ﴾ بِإدْغامِ التّاءِ في الصّادِ، وانْتِصابُهُ عَلى أنَّهُ جَوابُ التَّمَنِّي، وقِيلَ: إنَّ " لا " في لَوْلا زائِدَةٌ، والأصْلُ لَوْ أخَّرْتَنِي.

وقَرَأ أُبَيٌّ وابْنُ مَسْعُودٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ " فَأتَصَدَّقَ " بِدُونِ إدْغامٍ، عَلى الأصْلِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ وأكُنْ بِالجَزْمِ عَلى مَحَلِّ فَأتَصَدَّقَ، كَأنَّهُ قِيلَ: إنْ قِيلَ: إنْ أخَّرْتَنِي أتَصَدَّقْ وأكُنْ. قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ هَلّا أخَّرْتَنِي. وجَزْمُ " أكُنْ " عَلى مَوْضِعِ " فَأصَّدَّقَ "؛ لِأنَّهُ عَلى مَعْنى: إنْ أخَّرْتَنِي أصَّدَّقَ أكُنْ.

وكَذا قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ، وابْنُ عَطِيَّةَ وغَيْرُهم.

وقالَ سِيبَوَيْهِ حاكِيًا عَنِ الخَلِيلِ: إنَّهُ جُزِمَ عَلى تَوَهُّمِ الشَّرْطِ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ التَّمَنِّي، وجَعَلَ سِيبَوَيْهِ هَذا نَظِيرَ قَوْلِ زُهَيْرٍ:

؎بَدا لِي أنِّي لَسْتُ مُدْرِكَ ما مَضى ولا سابِقَ شَيْئًا إذا كانَ جائِيًا

فَخَفَضَ " ولا سابِقَ " عَطْفًا عَلى " مُدْرِكَ " الَّذِي هو خَبَرُ " لَيْسَ " عَلى تَوَهُّمِ زِيادَةِ الباءِ فِيهِ.

وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، ومُجاهِدٌ " وأكُونَ " بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى " فَأصَّدَّقَّ " ووَجْهُها واضِحٌ.

ولَكِنْ قالَ أبُو عُبَيْدٍ: رَأيْتُ في مُصْحَفِ عُثْمانَ " وأكُنْ " بِغَيْرِ واوٍ، وقَرَأ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ " وأكُونُ " بِالرَّفْعِ عَلى الِاسْتِئْنافِ، أيْ: وأنا أكُونُ.

قالَ الضَّحّاكُ: لا يَنْزِلُ بِأحَدٍ المَوْتُ لَمْ يَحُجَّ ولَمْ يُؤَدِّ زَكاةً إلّا سَألَ الرَّجْعَةَ، وقَرَأ هَذِهِ الآيَةَ.

ثُمَّ أجابَ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَنْ هَذا المُتَمَنِّي فَقالَ: ﴿ولَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إذا جاءَ أجَلُها﴾ أيْ إذا حَضَرَ أجَلُها وانْقَضى عُمُرُها ﴿واللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنهُ فَهو مُجازِيكم بِأعْمالِكم.

قَرَأ الجُمْهُورُ تَعْمَلُونَ بِالفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ، وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ، والسُّلَمِيِّ بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى الخَبَرِ.

(p-١٤٩٦)وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «فِي قَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ﴾ الآيَةَ قالَ: هم عِبادٌ مِن أُمَّتِي، الصّالِحُونَ مِنهم - لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ ولا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، وعَنِ الصَّلَواتِ الخَمْسِ المَفْرُوضَةِ» .

وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَن كانَ لَهُ مالٌ يُبَلِّغُهُ حَجَّ بَيْتِ اللَّهِ، أوْ تَجِبُ عَلَيْهِ فِيهِ الزَّكاةُ فَلَمْ يَفْعَلْ سَألَ الرَّجْعَةَ عِنْدَ المَوْتِ، فَقالَ رَجُلٌ: يا ابْنَ عَبّاسٍ اتَّقِ اللَّهَ فَإنَّما يَسْألُ الرَّجْعَةَ الكافِرُ، فَقالَ: سَأتْلُو عَلَيْكم بِذَلِكَ قُرْآنًا ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ إلى آخِرِ السُّورَةِ» .

وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿فَأصَّدَّقَ وأكُنْ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ قالَ: أحِجُّ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском