At-Tabari · Tafsir · in Arabic
غافر
Ghafir
The Forgiver · Meccan · 85 ayahs
القول في تأويل قوله تعالى : حم (1) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ
اختلف أهل التأويل فى معنى قوله (حم) فقال بعضهم: هو حروف مقطعة من اسم الله الذي هو الرحمن الرحيم, وهو الحاء والميم منه.
* ذكر من قال ذلك:
حدثني عبد لله بن أحمد بن شبُّويه المَروزي, قال: ثنا عليّ بن الحسن, قال: ثني أبي, عن يزيد, عن عكرمة, عن ابن عباس: الر, وحم, ون, حروف الرحمن مقطعة.
وقال آخرون: هو قسم أقسمه الله, وهو اسم من أسماء الله.
* ذكر من قال ذلك:
حدثني عليّ, قال: ثنا أبو صالح, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس, قال: (حم) : قسم أقسمه الله, وهو اسم من أسماء الله.
حدثنا محمد بن الحسين, قال: ثنا أحمد بن المفضل, قال: ثنا أسباط, عن السديّ, قوله (حم) : من حروف أسماء الله.
وقال آخرون: يل هو اسم من أسماء القرآن.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة (حم) قال: اسم من أسماء القرآن. وقال آخرون: هو حروف هجاء.
وقال آخرون: بل هو اسم, واحتجوا لقولهم ذلك بقول شريح بن أوفى العبسي:
يُذَكِّــرُنِي حَـامِيمَ وَالـرُّمْحُ شَـاجِرٌ
فَهَــلا تَــلا حــم قَبْــلَ التَّقَـدُّمِ (1)
ويقول الكُمَيت:
وَجَدْنَــا لَكُـمْ فِـي آلِ حـامِيمَ آيَـةً
تَأوَّلَهَــا مِنَّــا تَقِــيٌّ وَمُعْــرِبُ (2)
وحُدثت عن معمر بن المثنى أنه قال: قال يونس, يعني الجرمي: ومن قال هذا القول فهو منكَر عليه, لأن السورة (حم) ساكنة الحروف, فخرجت مخرج التهجي, وهذه أسماء سور خرجت متحركات, وإذا سميت سورة بشيء من هذه الأحرف المجزومة دخله الإعراب.
والقول في ذلك عندي نظير القول في أخواتها, وقد بيَّنا ذلك, في قوله: الم , ففي ذلك كفاية عن إعادته في هذا الموضع, إذ كان القول في حم, وجميع ما جاء في القرآن على هذا الوجه, أعني حروف التهجي قولا واحدا.
----------------------
الهوامش :
(1) البيت لشريح بن أوفى العبسي ، كما قال أبو عبيد في مجاز القرآن ( 217 ب ) وكما في ( اللسان : حمم ) وقال : وأنشده غير أبي عبيد للأشتر النخعي . وقال : قال ابن مسعود :" آل حاميم" ديباج القرآن . قال الفراء : هو كقولك آل فلان وآل فلان . وقال الجوهري : أما قول العامة" الحواميم" فليس من كلام العرب . قال أبو عبيد :" الحواميم" : سور في القرآن ، على غير قياس ، وأنشد :
وبالطواســين التــي قــد ثلثـت
وبــالحواميم التــي قــد سـبعت
قال : والأولى أن تجمع" بذوات حاميم" . وأنشد أبو عبيد في" حاميم" لشريح بن أوفى العبسي :" يذكرني حاميم ... البيت" قال : وأنشده غيره للأشتر النخعي . والضمير في" يذكرني" : هو لمحمد بن طلحة ، وقتله الأشتر أو شريح . ( أي في يوم الجمل ) ا هـ .
(2) البيت للكميت بن زيد الأسدي" مجاز القرآن لأبي عبيدة 218 - 1 ) وديوانه طبعه الموسوعات بالقاهرة 18 . وآل حاميم وذوات حاميم : السور التي أولها" حم" نص الحريري في درة الغواص ، على أنه يقال : آل حاميم ، وذوات حاميم ، وآل طسم ، ولا يقال : حواميم ولا طواسيم . ا هـ . والآية هي هي قوله تعالى في سورة الشورى :" قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى" . وفي سورة الأحزاب من آل حاميم :" إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا" . والتقي : الساكت عن التفضيل ، والمعرب : الناطق به ، رواية البيت في مجاز القرآن :
وجدنــا لكــم فــي حــم آيـة
وفــي غيرهــا آي , وأي يعـرب
ثنا قال : قال يونس : من قال بهذا القول ، فهو منكر عليه ، لأن السورة" حم" ساكنة الحروف ، فخرجت مخرج حروف التهجي وهذه أسماء سور خرجن متحركات ؛ وإذا سميت سورة بشيء من هذه الأحرف ( كذا ) ، دخلها الإعراب . ا هـ . وقول المؤلف : يعني الجرمي : نبهنا عليه فيما مضى ، لأن الجرمي اسمه صالح بن إسحاق أبو عمر .
40:2Page 467
تَنزِيلُ ٱلۡكِتَٰبِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡعَلِيمِ ٢
The revelation of the Book [i.e., the Qur’ān] is from Allāh, the Exalted in Might, the Knowing,
وقوله: ( تَنـزيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ) يقول الله تعالى ذكره: من الله العزيز في انتقامه من أعدائه, العليم يما يعملون من الأعمال وغيرها تنـزيل هذا الكتاب; فالتنـزيل مرفوع بقوله: ( مِنَ اللَّهِ ) .
40:3Page 467
غَافِرِ ٱلذَّنۢبِ وَقَابِلِ ٱلتَّوۡبِ شَدِيدِ ٱلۡعِقَابِ ذِي ٱلطَّوۡلِۖ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ إِلَيۡهِ ٱلۡمَصِيرُ ٣
The forgiver of sin, acceptor of repentance, severe in punishment, owner of abundance. There is no deity except Him; to Him is the destination.
وفي قوله: ( غَافِرِ الذَّنْبِ ) وجهان ; أحدهما: أن يكون بمعنى يغفر ذنوب العباد, وإذا أريد هذا المعنى, كان خفض غافر وقابل من وجهين, أحدهما من نية تكرير " من ", فيكون معنى الكلام حينئذ: تنـزيل الكتاب من الله العزيز العليم, من غافر الذنب, وقابل التوب, لأن غافر الذنب نكرة, وليس بالأفصح أن يكون نعتا للمعرفة, وهو نكرة, والآخر أن يكون أجرى في إعرابه, وهو نكرة على إعراب الأول كالنعت له, لوقوعه بينه وبين قوله: ( ذِي الطَّوْلِ ) وهو معرفة.. وقد يجوز أن يكون أتبع إعرابه وهو نكرة إعراب الأول, إذ كان مدحا, وكان المدح يتبع إعرابه ما قبله أحيانا, ويعدل به عن إعراب الأول أحيانا بالنصب والرفع كما قال الشاعر:
لا يَبْعَــدَنْ قَــوْمي الَّــذِينَ هــمُ
سُـــمُّ العُــدَاةِ وآفَــةُ الجُــزُرِ
النَّــــازِلينَ بِكُـــلّ مُعْـــتَركٍ
والطَّيِّبِيـــــنَ مَعَــــاقِدَ الأزُر (3)
وكما قال جلّ ثناؤه وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ * ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ * فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ فرفع فعال وهو نكرة محضة, وأتبع إعراب الغفور الودود; والآخر: أن يكون معناه: أن ذلك من صفته تعالى, إذ كان لم يزل لذنوب العباد غفورا من قبل نـزول هذه الآية وفي حال نـزولها, ومن بعد ذلك, فيكون عند ذلك معرفة صحيحة ونعتا على الصحة. وقال: ( غَافِرِ الذَّنْبِ ) ولم يقل الذنوب, لأنه أريد به الفعل, وأما قوله: ( وَقَابِلِ التَّوْبِ ) فإن التوب قد يكون جمع توبة, كما يجمع الدَّومة دَوما والعَومة عَوما من عومة السفينة, كما قال الشاعر:
عَوْمَ السَّفِينَ فَلَمَّا حالَ دُونَهُمُ (4)
وقد يكون مصدر تاب يتوب توبا.
وقد حدثني محمد بن عبيد المحاربي, قال: ثنا أبو بكر بن عياش, عن أبي إسحاق, قال: جاء رجل إلى عمر, فقال: إني قتلت, فهل لي من توبة؟ قال: نعم, اعمل ولا تيأس, ثم قرأ: ( حم تَنـزيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ ) .
وقوله: ( شَدِيدُ الْعِقَابِ ) يقول تعالى ذكره: شديد عقابه لمن عاقبه من أهل العصيان له, فلا تتكلوا على سعة رحمته, ولكن كونوا منه على حذر, باجتناب معاصيه, وأداء فرائضه, فإنه كما أن لا يؤيس أهل الإجرام والآثام من عفوه, وقبول توبة من تاب منهم من جرمه, كذلك لا يؤمنهم من عقابه وانتقامه منهم بما استحلوا من محارمه, وركبوا من معاصيه.
وقوله: ( ذِي الطَّوْلِ ) يقول: ذي الفضل والنعم المبسوطة على من شاء من خلقه; يقال منه: إن فلانا لذو طول على أصحابه, إذا كان ذا فضل عليهم.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
حدثني عليّ, قال: ثنا أبو صالح, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس, قوله: ( ذِي الطَّوْلِ ) يقول: ذي السعة والغنى .
حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, في قول الله ( ذِي الطَّوْلِ ) الغنى.
حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة ( ذِي الطَّوْلِ ) : أي ذي النعم.
وقال بعضهم: الطول: القدرة.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, فى قوله ( ذِي الطَّوْلِ ) قال: الطول القدرة, ذاك الطول.
وقوله: ( لا إِلَهَ إِلا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ ) يقول: لا معبود تصلح له العبادة إلا الله العزيز العليم, الذي صفته ما وصف جلّ ثناؤه, فلا تعبدوا شيئا سواه ( إِلَيْهِ الْمَصِيرُ ) يقول تعالى ذكره: إلى الله مصيركم ومرجعكم أيها الناس, فإياه فاعبدوا, فإنه لا ينفعكم شيء عبدتموه عند ذلك سواه.
---------------------------
الهوامش :
(3) البيتان لخرنق بنت هفان من قصيدة رثت بها زوجها بشر بن عمرو بن مرثد الضبعي ، وابنها علقمة بن بشر وجماعة من قومها قتلوا في معركة ( خزاية الأدب الكبرى للبغدادي 2 : 306 ) ومحل الشاهد في البيتين أنه يجوز قطع نعت المعرفة بالواو ، فقولها: والطيبون نعت مقطوع بالواو من قومي ، للمدح والتعظيم ، يجعله خبر مبتدأ محذوف ، أي هم الطيبون . وقوله" النازلين" : مقطوع فالنصب ، مع أنه نعت لقومي المرفوع . وإنما نصب بفعل مقدر أي أمدح أو أعني ، أو نحوهما ، واستشهد بهما المؤلف ( الطبري ) على أن قوله تعالى :" غافر الذنب" نعت للفظ" الله" المجرور بمن ، ويجوز في هذا النعت الجر على الإتباع ، كما يجوز فيه القطع بالنصب ، بتقدير فعل : أي أخص غافر الذنب ، أو بالرفع ، بتقدير مبتدإ : أي هو غافر الذنب .
(4) هذا صدر بيت لم نعرف قائله ، ولا عجزه . استشهد به المؤلف على أن التوب في قوله تعالى :" قابل التوب" : قد يكون جمع توبة كما يجمع الدومة دوما ، والعومة عوما ، من عوم السفينة .
Text: through the Quran Foundation. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences