Ath-Tha'labi · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:183–187
2:183–187Page 28
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ ١٨٣
O you who have believed, decreed upon you is fasting as it was decreed upon those before you that you may become righteous -
أَيَّامٗا مَّعۡدُودَٰتٖۚ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوۡ عَلَىٰ سَفَرٖ فَعِدَّةٞ مِّنۡ أَيَّامٍ أُخَرَۚ وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُۥ فِدۡيَةٞ طَعَامُ مِسۡكِينٖۖ فَمَن تَطَوَّعَ خَيۡرٗا فَهُوَ خَيۡرٞ لَّهُۥۚ وَأَن تَصُومُواْ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ١٨٤
[Fasting for] a limited number of days. So whoever among you is ill or on a journey [during them] - then an equal number of other days [are to be made up]. And upon those who are able [to fast, but with hardship] - a ransom [as substitute] of feeding a poor person [each day]. And whoever volunteers good [i.e., excess] - it is better for him. But to fast is best for you, if you only knew.
شَهۡرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِيٓ أُنزِلَ فِيهِ ٱلۡقُرۡءَانُ هُدٗى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَٰتٖ مِّنَ ٱلۡهُدَىٰ وَٱلۡفُرۡقَانِۚ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ ٱلشَّهۡرَ فَلۡيَصُمۡهُۖ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوۡ عَلَىٰ سَفَرٖ فَعِدَّةٞ مِّنۡ أَيَّامٍ أُخَرَۗ يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلۡيُسۡرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ ٱلۡعُسۡرَ وَلِتُكۡمِلُواْ ٱلۡعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَىٰكُمۡ وَلَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ ١٨٥
The month of Ramaḍān [is that] in which was revealed the Qur’ān, a guidance for the people and clear proofs of guidance and criterion. So whoever sights [the crescent of] the month,1 let him fast it; and whoever is ill or on a journey - then an equal number of other days. Allāh intends for you ease and does not intend for you hardship and [wants] for you to complete the period and to glorify Allāh for that [to] which He has guided you; and perhaps you will be grateful.
وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌۖ أُجِيبُ دَعۡوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِۖ فَلۡيَسۡتَجِيبُواْ لِي وَلۡيُؤۡمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمۡ يَرۡشُدُونَ ١٨٦
And when My servants ask you, [O Muḥammad], concerning Me - indeed I am near. I respond to the invocation of the supplicant when he calls upon Me. So let them respond to Me [by obedience] and believe in Me that they may be [rightly] guided.
أُحِلَّ لَكُمۡ لَيۡلَةَ ٱلصِّيَامِ ٱلرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَآئِكُمۡۚ هُنَّ لِبَاسٞ لَّكُمۡ وَأَنتُمۡ لِبَاسٞ لَّهُنَّۗ عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمۡ كُنتُمۡ تَخۡتَانُونَ أَنفُسَكُمۡ فَتَابَ عَلَيۡكُمۡ وَعَفَا عَنكُمۡۖ فَٱلۡـَٰٔنَ بَٰشِرُوهُنَّ وَٱبۡتَغُواْ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمۡۚ وَكُلُواْ وَٱشۡرَبُواْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ ٱلۡخَيۡطُ ٱلۡأَبۡيَضُ مِنَ ٱلۡخَيۡطِ ٱلۡأَسۡوَدِ مِنَ ٱلۡفَجۡرِۖ ثُمَّ أَتِمُّواْ ٱلصِّيَامَ إِلَى ٱلَّيۡلِۚ وَلَا تُبَٰشِرُوهُنَّ وَأَنتُمۡ عَٰكِفُونَ فِي ٱلۡمَسَٰجِدِۗ تِلۡكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلَا تَقۡرَبُوهَاۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ ءَايَٰتِهِۦ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمۡ يَتَّقُونَ ١٨٧
It has been made permissible for you the night preceding fasting to go to your wives [for sexual relations]. They are a clothing for you and you are a clothing1 for them. Allāh knows that you used to deceive yourselves,2 so He accepted your repentance and forgave you. So now, have relations with them and seek that which Allāh has decreed for you [i.e., offspring]. And eat and drink until the white thread of dawn becomes distinct to you from the black thread [of night]. Then complete the fast until the night [i.e., sunset]. And do not have relations with them as long as you are staying for worship in the mosques. These are the limits [set by] Allāh, so do not approach them. Thus does Allāh make clear His verses [i.e., ordinances] to the people that they may become righteous.
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قال الحسن: إذا سمعت الله تعالى يقول: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا فادع لها سمعك فانّها لأمر يؤمر به أو لنهي تنهى عنه.
وقال جعفر الصّادق (رضي الله عنه) : لذة «يا» في النداء أزال تعب العبادة والعناء.
كُتِبَ فرض واجب.
عَلَيْكُمُ الصِّيامُ وهو مصدر قولك: صمت صياما، كما تقول: قمت قياما، وأصل الصوم والصّيام في اللغة: الإمساك، يقال: صامت الرّيح إذا سكنت وأمسكت عن الهبوب، وصامت الخيل إذا وقعت وأمسكت عن السّير. قال النابغة:
خيل صيام وخيل غير صائمة ... تحت العجاج وخيل تعلك اللجما [[مجمع البيان: 1/ 489.]]
فقال: صام النّهار إذا اعتدل، وقام قائم الظهيرة لأنّ الشمس إذا طلعت في كبد السّماء وقفت فأمسكت عن السير سريعة. قال امرؤ القيس:
فدع ذا وسلّ الهمّ عنك بحسرة ... ذمول إذا صام النّهار وهجرا [[المصدر السابق.]]
وقال الرّاجز:
حتّى إذا صام النّهار واعتدل ... وسال للشمس لعاب فنزل
ويقال للرجل إذا صمت وأمسك عن الكلام: صام.
قال الله تعالى: إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً [[سورة مريم: 26.]] : أي صمتا.
فالصوم: هو الإمساك عن المعتاد من الطّعام والشّراب والجماع.
كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ من الأنبياء والأمم وأولهم آدم عليه السّلام، وهو ما
روى عبد الملك بن هارون بن عنترة عن أبيه عن جده عن علي (رضي الله عنه) قال: أتيت رسول الله ﷺ ذات يوم عند انتصاف النّهار وهو في الحجر، فسلّمت عليه فردّ عليّ النبيّ ﷺ ثمّ قال: «يا علي هذا جبرئيل يقرئك السلام. فقلت: عليك وعليه السّلام يا رسول الله لم؟
قال: ادن منّي، فدنوت منه فقال: يا علي يقول لك جبرئيل: صم كل شهر ثلاثة أيام يكتب لك بأول يوم عشرة آلاف [سنة] وباليوم الثاني ثلاثين ألف [سنة] وباليوم الثالث مائة ألف [سنة] .
فقلت: يا رسول الله هذا ثواب لي خاصة أم للنّاس عامة؟ قال: يا علي يعطيك الله هذا الثواب ولمن يعمل مثل عملك بعدك. قلت: يا رسول الله وما هي؟
قال: أيام البيض: ثلاثة عشر وأربعة عشر وخمسة عشر» [37] [[شرح الأزهار للإمام أحمد المرتضى: 2/ 53 (الهامش) ط. صنعاء، وغنية الطالبين: 738.]] .
قال عنترة: قلت لعلي (رضي الله عنه) : لأي شيء سميت هذه الأيام البيض؟
قال: لما أهبط آدم عليه السّلام من الجنّة إلى الأرض أحرقته الشمس. فاسودّ جسده ثمّ صام اليوم الثالث. فأتاه جبرئيل فقال: يا آدم أتحب أن يبيض جسدك؟
قال: نعم، قال: فصم من الشهر ثلاثة عشر وأربعة عشر وخمسة عشر فصام آدم عليه السّلام أول يوم فابيض ثلث جسده، ثمّ صام اليوم الثاني فابيض ثلثا جسده، ثمّ صام اليوم الثالث فابيض جسده كلّه. فسميت أيام البيض.
قال المفسّرون: فرض الله على رسوله محمد ﷺ وعلى المؤمنين صوم عاشوراء وثلاثة أيام من كل شهر حين قدم المدينة فكانوا يصومونها إلى أن نزل صيام شهر رمضان قبل قتال بدر بشهر وأيام.
وقال الحسن وجماعة من العلماء: أراد بالّذين من قبلنا: النّصارى شبّه صيامنا بصيامهم لاتفاقهم بالوقت والقدر وذلك انّ الله فرض على النّصارى صيام شهر رمضان. فاشتد ذلك عليهم لأنّه ربّما كان في الحر الشديد والبرد الشديد. فكان يضرّ بهم في أسفارهم ومعائشهم، واجتمع رأي علمائهم ورؤسائهم على أن يجعلوا صيامهم في فصل من السّنة بين الشّتاء والصّيف فجعلوه في الرّبيع وزادوا فيه عشرة أيّام كفّارة لما صنعوا فصار أربعين ثمّ إنّ ملكا لهم اشتكى فمه فجعل الله عليه إن هو برأ من وجعه أن يزيد في صومه أسبوعا فبرأ فزاد فيه أسبوع ثمّ مات ذلك الملك ووليهم ملك آخر فقال: أتموا خمسين يوما فأتمّوه خمسين يوما، وقال مجاهد أصابهم موتان فقالوا: زيدوا في صيامكم فزادوا عشرا قبل وعشرا بعد.
روى أبو أمية الطّنافسى عن الشعبي قال: لو صمت السّنة كلّها وفطرت اليوم الّذي يشكّ فيه فيقال من شعبان ويقال من رمضان، وذلك أنّ النّصارى فرض عليهم شهر رمضان كما فرض علينا فحولوه إلى الفصل وذلك إنّهم ربما كانوا صاموه في القيظ فعدّوا ثلاثين يوما ثمّ جاء بعدهم قرن منهم فأخذوا بالثّقة في أنفسهم فصاموا قبل الثلاثين يوما وبعدها يوما ثمّ لم يزل الآخر يستن بسنّة القرن الّذي قبله حتّى صاروا إلى خمسين يوما فذلك قوله عزّ وجلّ: كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ [[راجع تفسير الطبري: 2/ 175.]] .
لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ لكي تتقوا الأكل والشرب والجماع.
أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ يعني شهر رمضان ثلاثين يوما أو تسعة وعشرون يوما لما
روى سعيد بن العاص إنّه سمع ابن عمر يحدّث عن النبيّ ﷺ أنّه قال: «إنّا أمّة أميّة لا تحسب ولا تكتب الشهر هكذا وهكذا وهكذا» وعقد الإبهام في الثالثة والشّهر هكذا وهكذا وهكذا تمام ثلاثين [38] [[السنن الكبرى للنسائي: 2/ 74.]] .
ونصب أَيَّاماً على الظرف أي: في أيّام، وقيل: على التفسير.
وقيل: على خبر ما لم يسمّ فاعله، وقيل: بإضمار فعل أي صوموا أيّاما معدودات.
فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ أي فأفطر فعدّة كقوله: فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ [[سورة البقرة: 196.]] : أي فحلّق أو قصّر ففدية واقصر وقوله: فَعِدَّةٌ أي فعليه عدّة ولذلك رفع.
وقرأ إبراهيم بن أبي عبلة: فَعِدَّةً نصبا أي فليصم عدّة.
مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ غير أيّام مرضه أو سفره والعدّة العدد وأخر في موضع خفض ولكنّها لا تنصرف فلذلك نصبت لأنّها معدولة عن جهتها كأنّ حقّها أواخر وأخريات فلمّا عدلت إلى فعل لم تجرّ مثل عمر وزفر.
وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ قرأ ابن عبّاس وعائشة وعطاء بن رباح وسعيد بن جبير وعكرمة ومجاهد: يُطَيَّقُونَهُ بضمّ الياء وبفتح الطّاء وتخفيفه وفتح الياء وتشديده أي يلفونه ويحملونه.
وروى عن مجاهد وعكرمة: أيضا يَطَّيقُونَهُ بفتح الياء وتشديد الطّاء أراد يتطوقونه أي يتكلفونه.
وروى ابن الأنباري عن ابن عبّاس يَطَّيَّقُونَهُ بفتح الياء الأوّل وتشديد الطّاء والياء الثانية وفتحهما بمعنى يطيقونه. يقال: طاق وأطاق واطيق بمعنى واحد.
فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ قرأ أهل المدينة والشّام: فديةُ طعامٍ مضافا مساكين جمعا أضافوا الطّعام إلى الفدية وإن كان واحدا لاختلاف اللفظين كقوله وَحَبَّ الْحَصِيدِ [[سورة ق: 9.]] وقولهم:
المسجد الجامع وبيع الأوّل ونحوها وهي قراءة أبي عمرو ومجاهد، وروى يحيى ابن سعيد عن عبد الله عن نافع عن ابن عمر إنّه قرأها: طعام مساكين على الجمع، وروى مروان بن معاوية الفزاري عن عثمان بن الأسود عن مجاهد قرأها كذلك: مساكين.
وقرأ الباقون: فديةً منصوبة، طَعامُ رفعا، مِسْكِينٍ خفض على الواحد وهي قراءة ابن عبّاس.
[روي ابن أبي نجيح] عن عمرو بن دينار عن ابن عبّاس أنّه قرأها طَعامُ مِسْكِينٍ، على الواحد، فمن وحّد فمعناه: لكل يوم اطعام مسكين واحد، ومن جمع رده إلى الجميع، وهو اختيار أبي عبيد وأبي حاتم.
فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً قرأ عيسى بن عمر ويحيى بن وثاب وحمزة والكسائي: يتطوّع بالتاء وتشديد الطاء وجزم العين على معنى يتطوّع، وقرأ الآخرون: تَطَوْعَ بالتاء وفتح العين وتخفيف الطاء على الفعل الماضي.
واختلف العلماء في تأويل هذه الآية وحكمها:
فقالوا قوم: كان ذلك أول ما فرض الصّوم وذلك أنّ الله تعالى لمّا أنزل فرض صيام شهر رمضان على رسوله ﷺ وأمر أصحابه بذلك شق عليهم، وكانوا قوما لم يتعوّدوا الصّيام فخيّرهم الله بين الصّيام والإطعام. فكان من شاء صام ومن شاء أفطر وافتدى بالطّعام، ثمّ نسخ الله تعالى ذلك بقوله فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ونزلت العزيمة في إيجاب الصّوم وعلى هذا القول معاذ بن جبل وأنس بن مالك، وسلمة بن الأكوع وابن عمر وعلقمة وعمرو بن مرّة والشعبي والزهري وإبراهيم وعبيدة والضحاك، وأحدى الروايات عن ابن عبّاس.
وقال آخرون: بل هو خاص للشيخ الكبير والعجوز الكبيرة والّذين يطيقان الصّوم ولمن يشقّ عليهما رخص لهما: إن شاء أن يفطر مع القدرة ويطعما لكل يوم مسكينا، ثمّ نسخ ذلك بقوله تعالى فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وثبت الرخصة للذين لا يطيقون، وهذا قول قتادة والرّبيع بن أنس، ورواية سعيد بن جبير عن ابن عبّاس.
وقال الحسن: هذا في المريض كان إذا وقع عليه اسم المرض وإن كان يستطيع الصّيام الخيار إن شاء صام، وإن شاء أفطر وأطعم حتّى نسخ ذلك. فعلى هذه الأقاويل الآية منسوخة وهو [قول] أكثر الفقهاء المفسرين.
وقال قوم: لم تنسخ هذه الآية ولا شيء منها، وإنّما تأويل ذلك أو على الّذين يطيقونه في حال شبابهم وفي حال صحتهم وقوتهم، ثمّ عجزوا عن الصّوم فدية طعام مساكين لأنّ للقوم كان رخص لهم في الإفطار وهم على الصّوم [قادرون إذا اقتدروا، وآخرون أضمروا] في الآية وقالوا: هذه عبارة عن أول حالهم وجعلوا الآية محكمة، وهذا قول سعيد بن المسيب والسّدي، وأحدى الروايتين عن ابن عبّاس، فحمله ما ذكرنا من هذه الأقاويل على قراءة من قرأ يُطِيقُونَهُ:
من الإطاقة وهي القراءة الصحيحة التي عليها عامة أهل القرآن ومصاحف البلدان، وأمّا الذين قرءوا يطوقونه: فتأولوا بهم الشيخ الكبير والمرأة العجوز والمريض الذي لا يرجى برؤه فهم يكلفون الصّوم ولا يطيقونه فلهم أن يفطروا ويطعموا مكان كل يوم أفطروا مسكينا.
قالوا: الآية محكمة غير منسوخة، والفدية: الجزاء والبدل من قولك: فديت هذا بهذا أيّ حرمته وأعطيته بدلا منه، يقال: فديت فدية كما يقال: مشيت مشية. فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً: فزاد على مسكين واحد وأطعم مسكينين فصاعدا. قاله مجاهد وعطاء وطاوس والسّدي.
وقال بعضهم: فمن زاد على القدر الواجب من الإطعام. يزاد الطّعام. رواه ابن جريح وخطيف عن مجاهد، وقال ابن شهاب: يريد فمن صام مع الفدية وجمع بين الصّيام والطّعام فهو خير له.
فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا (إن) صلة تعني والصوم خَيْرٌ لَكُمْ من الإفطار والفدية إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ.
فصل في حكم الآية
اعلم إنّه لا رخصة لأحد من المؤمنين البالغين في إفطار شهر رمضان إلّا لأربعة:
أحدهم: عليه القضاء والكفارة.
والثاني: عليه القضاء دون الكفارة.
والثالث: عليه الكفّارة دون القضاء.
والرابع: لا قضاء عليه ولا كفارة.
وأمّا الذي عليه القضاء والكفّارة فمن فرّط في قضاء رمضان حتّى دخل رمضان آخر، والحامل والمرضع إذا خافتا على أولادهما أفطرتا وعليهما القضاء والكفّارة، وإن خافتا على أنفسهما فهما كالمريض حكمهما كحكمه هذا قول ابن عمر ومجاهد ومذهب الشّافعي.
وقال بعضهم: في الحامل والمرضع إذا خافتا على أنفسهما وولدهما أن عليهما الكفّارة ولا قضاء وهو قول ابن عبّاس.
وقال قوم: عليهما القضاء ولا كفارة وهو قول إبراهيم والحسن وعطاء والضحّاك ومذهب أهل العراق ومالك والأوزاعي.
وأمّا الّذي عليه القضاء دون الكفّارة فالمريض والمسافر والحائض والنفساء عليهم القضاء دون الكفّارة.
قال أنس: أتيت إلى رسول الله ﷺ وهو يتغذّى فقال: «أجلس» فقلت: إنّي صائم. فقال:
«أجلس أحدّثك: إنّ الله وضع على المسافر الصوم وشطر الصّلاة» [39] [[مواهب الجليل للرعيني: 2/ 6، وتلخيص الحبير: 6/ 426.]] .
وأمّا الّذي عليه الكفّارة دون القضاء فالشّيخ الهرم والشّيخة الكبيرة ومن به مرض دائم لا يرجى برؤه وصاحب العطاش الّذي يخاف منه الموت، عليهم الكفّارة ولا قضاء هذا قول عامّة الفقهاء.
وروى عن ربيعة بن أبي عبد الرّحمن وخالد بن الدريك إنّهما قالا في الشّيخ والشّيخة: إن استطاعا صاما وإلّا فلا كفّارة عليهما وليس عليهما شيء إذا أفطرا.
وقال مالك: لا أرى ذلك واجبا عليهما وأحبّ أن يفعلا فأمّا الّذي لا قضاء عليه ولا كفّارة فالمجنون.
واختلف العلماء في حدّ الإطعام في كفّارة الصّيام فقال بعضهم: القدر الواجب نصف صاع عن كلّ يوم يفطره وهذا قول أهل العراق.
وقال قوم منهم: نصف صاع من قمح أو صاع من تمرا أو زبيب أو سائر الحبوب.
وقال بعض الفقهاء: ما كان المفطر يتقوّته يومه الّذي أفطره.
وقال محمّد بن الحنفية (رضي الله عنه) : يطعم مكان كلّ يوم مدّ الطعامة ومدّ الإدامة.
وقال ابن عبّاس: يعطي مسكينا واحدا عشاءه حين يفطر وسحوره حين سحره.
وقال بعضهم: يطعم كلّ يوم مسكينا واحدا مدّا وهو قول ابن هريرة وعطاء ومحمّد بن عمرو بن حزم واللّيث بن سعيد ومالك بن أنس والشّافعي وعامّة فقهاء الحجاز وبالله التّوفيق، ثمّ بيّن أيّام الصّيام فقال:
شَهْرُ رَمَضانَ قرأه العامّة رفع على معنى أتاكم شهر رمضان.
وقال الفرّاء: ذلكم شهر رمضان.
الأخفش: هو شهر رمضان.
الكسائي: كتب عليكم شهر رمضان، وقيل: ابتداء وما بعده خبره.
وقرأ الحسن ومجاهد وشهر بن حوشب: شهرَ رمضان نصبا على هو يعني صوموا شهر رمضان قاله المورّج.
وقال الأخفش: نصب على الظرف أي كتب عليكم الصّيام في شهر رمضان.
أبو عبيدة: نصب على الإغراء، وقرأ أبو عمرو: مدغما شهر رمضان على مذهب في ادغام كل حرفين يلتقيان من جنس واحد ومخرج واحد او قريبي المخرج طلبا للخفّة وسمّي الشهر شهرا لشهرته.
وقال الفرّاء: هو مأخوذ من الشّهرة وهي البياض ومنه يقال: شهرت السّيف إذا أسلته وشهر الهلال إذا طلع، واختلفوا في معنى قوله: رمضان فقال بعضهم: رمضان اسم من أسماء الله فيقال شهر رمضان كما يقال: شهر الله
وروى جعفر الصادق عن آبائه (رضي الله عنهم) عن النبيّ ﷺ قال: «شهر رمضان شهر الله» [40] .
ويدلّ عليه أيضا ما
روى هشيم عن آبان عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ «لا تقولوا رمضان، انسبوه كما نسبه الله تعالى في القرآن فقال: شَهْرُ رَمَضانَ»
[41] [[تفسير القرطبي: 2/ 291.]] .
وعن الأصمعي قال: قال أبو عمرو: إنّما سمّي رمضان لأنّه رمضت فيه الفعال من الخير.
وقال غيره: لأنّ الحجارة كانت ترمض فيه من الحرارة والرّمضاء الحجارة المحماة.
وقيل: سمّى بذلك لأنّه يرمض الذّنوب أي يحرق.
وقيل: لأنّ القلوب تأخذ فيه من حرارة الموعظة والحكمة والفكرة في أمر الآخرة كما يأخذ الرّمل والحجارة من حرّ الشّمس.
وقال الخليل: مأخوذة من الرمض وهو مطر يأتي في الخريف فسمّي هذا الشّهر رمضان لأنّه يغسل الأبدان من الأنام غسلا وتطهّر قلوبهم تطهيرا.
الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ روى هشيم عن داود عن عكرمة عن ابن عبّاس والسّدي عن محمّد بن أبي المجالد عن مقسم عن ابن عبّاس ابن عطيّة الأسود سأله: فقال: إنّه وقع الشّك في قوله تعالى: شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ وقوله إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ [[سورة القدر: 1.]] وقوله:
إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ [[سورة الدخان: 3.]] وقد نزل في سائر الشهور.
قال الله وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ [[سورة الإسراء: 106.]] الآية وقالوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً [[سورة الفرقان: 32.]] .
فقال: أنزل القرآن جملة واحدة من اللوح المحفوظ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ من شهر رمضان. فوضع في بيت العزة في سماء الدّنيا، ثمّ نزل به جبرئيل عليه السّلام على محمّد ﷺ نجوما نجوما عشرين سنة، فذلك قوله فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ [[سورة الواقعة: 75.]] .
داود بن أبي هند قال: قلت للشعبي: شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ أما كان ينزل عليه في سائر السّنة؟ قال: بلى ولكن جبرئيل كان يعارض محمّدا ﷺ في رمضان ما نزّل الله، فيحكم ما يشاء ويثبت ما يشاء وينسيه ما يشاء.
شهاب بن طارق عن أبي ذرّ الغفاري عن النّبيّ ﷺ قال: أنزلت صحف إبراهيم في ثلاثة ليال مضين من رمضان، وأنزلت توراة موسى في ست ليال مضين من رمضان، وأنزل أنجيل عيسى في ثلاثة عشر مضت من رمضان، وأنزل زبور داود في ثمان عشرة ليلة قضت من رمضان، وأنزل الفرقان على محمّد في الرّابع والعشرين لست مضين بعدها، ثمّ وصف القرآن فقال:
هُدىً لِلنَّاسِ من الضّلالة وهو في محل النصب على القطع لأنّ القرآن معرفه والهدى نكرة.
وَبَيِّناتٍ من الحلال والحرام والحدود والاحكام.
مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ الفصل بين الحقّ والباطل.
سعيد بن المسيّب عن سلمان قال: خطبنا رسول الله ﷺ في آخر يوم من شعبان فقال: «يا أيّها النّاس قد أظلكم شهر عظيم، وشهر مبارك، وشهر فيه ليلة خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، جعل الله صيامه فريضة، وقيام ليله تطوّعا، من تقرّب فيه بخصلة من خصال الخير كان كمن أدى فريضة فيما سواه، ومن أدّى فيه فريضة كان كمن أدّى سبعين فريضة فيما سواه، وهو شهر الصّبر والصّبر ثوابه الجنّة، وشهر المواساة، وشهر يزاد فيه رزق المؤمن، شهر أوله رحمة وأوسطه مغفرة وآخره عتق من النّار، من فطّر فيه صائما كان مغفرة لذنوبه وعتق رقبته من النّار، وكان له مثل أجره من غير أن ينقص من أجره شيء. قالوا: يا رسول الله ليس كلّنا يجد ما يفطّر الصّائم. فقال رسول الله ﷺ: «يعطي الله هذا الثّواب، من فطّر صائما على مذقة لبن أو تمر أو شربة ماء، ومن أشبع فيه صائما سقاه الله تعالى من حوضي شربة لا يظمأ حتّى يدخل الجنّة، وكان كمن أعتق رقبة، ومن خفّف عن مملوكه فيه غفر الله له وأعتقه من النّار، فاستكثروا فيه من أربع خصال: خصلتان ترضون بها ربّكم، وخصلتان لا غنى عنهما: فأمّا الخصلتان اللتان ترضون بها ربّكم فشهادة أن لا إله إلّا الله وتستغفرونه، وأمّا التي لا غنى بكم عنها فتسألون الله عزّ وجلّ وتعوذون به من النّار» [42] [[كنز العمال: 8/ 477 ح 33714، والدر المنثور: 1/ 184.]] .
وعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّ أبواب السّماء وأبواب الجنّة لتفتح لأوّل ليلة من شهر رمضان، فلا تغلق إلى آخر ليلة منها، وليس لعبد يصلّي في ليلة منها إلّا كتب الله عزّ وجلّ بكل سجدة الفا وسبعمائة حسنة، وبنى له بيتا في الجنّة من ياقوتة حمراء لها سبعون ألف باب لكلّ باب منها مصراعان من ذهب موشّح من ياقوتة حمراء، فإذا صام أوّل يوم من شهر رمضان غفر الله له كلّ ذنب إلى آخر يوم من رمضان وكان كفّارة إلى مثلها، وكان له بكلّ يوم يصومه قصر في الجنّة له ألف باب من ذهب، واستغفر له سبعون ألف ملك من غدوة إلى أن توارت بالحجاب، وكان له بكلّ سجدة يسجدها من ليل أو نهار شجرة يسير الراكب في ظلّها مائة عام لا يقطعها» [43] [[كنز العمال: 8/ 471 ح 23706، والدر المنثور: 1/ 186.]] .
محمّد بن يونس الحارثي عن قتادة عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا كان أوّل ليلة من شهر رمضان نادى الجليل جلّت عظمته رضوان خازن الجنان فيقول: لبّيك وسعديك فيقول:
جدّد جنّتي وزينها من أمّة أحمد ثمّ لا تغلقها عليهم حتّى ينقضي شهرهم، ثمّ ينادي مالكا خازن النّار: أن يا مالك، فيقول: لبّيك ربي وسعديك فيقول: أغلق أبواب الجحيم عن الصّائمين من امّة أحمد ثمّ لا تفتحها عليهم حتّى ينقضي شهرهم ثمّ ينادي جبرئيل فيقول: لبّيك ربي وسعديك فيقول: انزل إلى الأرض وغلّ مردة الشياطين لا يفسدوا عليهم صيامهم وإفطارهم، ولله في كل يوم من شهر رمضان عند طلوع الشّمس وعند وقت الإفطار عتقاء يعتقهم من النّار عبيدا وإماءا، وله في كل سماء مناد فيهم، ملك عرفه تحت عرش ربّ العالمين وفرائضه في تخوم الأرض السّابعة السفلى، جناح له بالمشرق مكلل بالمرجان والدّرر والجوهر، وجناح له بالمغرب مكلل بالمرجان والدّرر والجوهر ينادي: هل تائب يتاب عليه؟ هل من داع يستجاب له؟ هل من مظلوم ينصره الله؟ هل من مستغفر يغفر له؟ هل من سائل يعطى سؤله؟ قال: وينادي الرّب تعالى ذكره الشهر كلّه: عبادي وإمائي أبشروا واصبروا [وداوموا] أوشك أن يرفع عنكم في المؤونات، ويفضوا إلى رحمتي وكرامتي. فإذا كان ليلة القدر، نزل جبرئيل في كبكبة [[الكبكبة: الجماعة من الشيء.]] من الملائكة يصلون [ويسلمون] على كل عبد قائم أو قاعد يذكر الله عزّ وجلّ» [44] [[راجع زاد المسير: 8/ 287.]] .
إبراهيم بن هدية عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: «لو أذن الله للسّماوات والأرض أن يتكلّما بشّرا بمن صام رمضان: الجنّة» [45] .
عبد الملك بن عمر عن عبد الله بن أبي أوفى قال: قال رسول الله ﷺ: «نوم الصّائم عبادة وصمته تسبيح ودعاؤه مستجاب وعمله مضاعف» [46] [[الجامع الصغير: 2: 678 بزيادة: وذنبه مغفور، وكذا في الدر المنثور: 1: 180.]] .
فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ قرأه العامة بجزم اللام، وقرأ الحسن والأعرج: بكسر اللام وهي لام الأمر، وحقها الكسر إذا أفردت، وإذا وصلت بشيء ففيه وجهان: الجزم والكسر، وإنّما توصل بثلاثة أحرف الفاء كقوله لْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ
[[سورة قريش: 3.]] والواو كقوله وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا [[سورة الحجّ: 29.]] وثمّ كقوله ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ [[سورة الحجّ: 29.]] .
واختلف العلماء في معنى هذه الآية وحكمها:
فقال بعضهم: معناها فمن شهده عاقلا بالغا مقيما صحيحا مكلّفا فليصمه قاله أبو حنيفة وأصحابه، وقال قوم: معناها: إذا دخل عليه شهر رمضان وهو مقيم في داره فليصم الشهر كلّه.
حتّى لو غاب بعد فسافر أو أقام فلم يبرح قاله النخعي والسّدي.
وقال قتادة: إنّ عليّا (رضي الله عنه) كان يقول: إذا أدركه رمضان وهو مقيم ثمّ سافر فعليه الصّوم.
وقال محمّد بن سيرين: سألت عبيدة السّلمان عن الرّجل يدركه رمضان ثمّ يسافر فقال: إذا شهدت أوّله فصم آخره إلّا تراه يقول: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ قالوا: والمستحب له ألّا يسافر إذا أدركه رمضان مقيما. إن أدركه. حتّى يقضي الشهر، وروي في ذلك عن ابراهيم بن طلحة إنه جاء إلى عائشة رضي الله عنها يسلم عليها قالت: وأين تريد؟
قال: أردت العمرة، قالت: جلست حتّى إذا دخل عليك شهر رمضان خرجت فيه؟
قال: قد خرج ثقلي، قالت: اجلس حتّى إذا أفطرت فاخرج، فلو أدركني رمضان وأنا ببعض الطريق لأقمت له. وقال الآخرون معنى الآية فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ما شهد منه وكان حاضرا وإن سافر فله الإفطار إن يشأ، قاله ابن عبّاس وعامّة أهل التأويل، وهو أصحّ الأقاويل يدلّ عليه ما
روى الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عبّاس قال: خرج رسول الله ﷺ عام الفتح صائما في رمضان حتّى إذا بلغ القنطرة دعا بماء فشرب.
وعن الشعبي: إنّه سافر في رمضان فأفطر عند باب الجسر.
ثمّ ذكر فقال: وَمَنْ كانَ مَرِيضاً اختلف العلماء في الزمن الّذي أباح الله تعالى معه الإفطار، فقال قوم: هو كل مرض يسمّى مريضا.
وقال [طريف بن تمام] العطاردي: دخلت على محمّد بن سيرين يوما في شهر رمضان وهو يأكل فلمّا فرغ قال لا توجّعت إصبعي هذه.
وقال آخرون: فكل مرض كان الأغلب من أمر صاحبه بالصّوم الزّيادة في علّته زيادة غير محتملة، وهو اختيار الشّافعي.
وقال الحسن وإبراهيم: إذا لم يستطع المريض أن يصلّي قائما أفطر، والأصل إنّه إذا لم يمكنه الصّيام وأجهده أفطر فإذا لم يجهده الصّوم فهو بمعنى الصحيح الّذي يطيق الصوم.
أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ اختلف العلماء في صيام المسافر
فقال قوم: الإفطار في السّفر عزيمة واجبة وليس برخصة فمن صام في السفر فعليه القضاء إذا أقام، وهو قول عمرو أبي هريرة وابن عبّاس وعلي بن الحسين وعروة بن الزبير والضحّاك
، واعتلّوا بما
روت أمّ الدّرداء عن كعب بن عاصم قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ليس من البرّ الصيام في السفر»
[47] [[كتاب الأم للشافعي: 2/ 112، ومسند الحميدي: 2/ 381.]] .
الزهري عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه قال: الصّائم في السّفر كالمفطر في الحضر.
وقال آخرون: الإفطار في السّفر رخصة من الله عزّ وجلّ والفرض الصّوم فمن صام ففرضه أدي ومن أفطر فبرخصة الله أخذ ولا قضاء على من صام إذا أقام، وهذا هو الصّحيح وعليه عامّة الفقهاء. ويدلّ عليه: ما
روى عاصم بن الأحول عن أبي نضرة عن جابر قال: كنّا مع النّبيّ ﷺ في سفر فمنّا الصّائم ومنّا المفطر فلم يكن بعضنا يعيب على بعض.
وروى يحيى بن سعيد عن هشام عن أبيه عن عائشة: إنّ حمزة بن عمرو قال: يا رسول الله إنّي كنت أتعوّد الصيام أفأصوم في السّفر قال: «إن شئت فصم وإن شئت فأفطر» [48] [[سنن ابن ماجة: 1/ 531 ح 1662، وسنن النسائي: 4/ 186.]] .
وعن عروة بن أبي قراح عن حمزة بن عمرو إنّه قال: يا رسول الله أجد بي قوّة على الصّيام في السّفر فهل عليّ جناح قال: «هي رخصة من الله عزّ وجلّ فمن آخذها فحسن ومن أحبّ أن يصوم فلا جناح عليه» [49] [[المجموع: 6/ 264، صحيح مسلم: 3/ 145.]] .
وامّا
قوله ﷺ: «ليس من البرّ الصّيام في السّفر»
. فإنّ تمام الخبر يدلّ على تأويله وهو ما
روى محمّد بن عبد الرحمن عن جابر بن عبد الله: إنّ رسول الله ﷺ مرّ برجل في ظل شجرة يرش عليه الماء فقال: «ما بال صاحبكم هذا؟» قالوا: يا رسول الله صام، قال: «إنّه ليس من البرّ أن تصوموا في السّفر، وعليكم برخصة الله تعالى التي رخص لكم فاقبلوها»
، وكذلك تأويل
قوله ﷺ: «الصائم من السّفر كالمفطر في الحضر»
[50] [[سنن النسائي: 4/ 176، وصحيح ابن خزيمة: 3/ 259.]] .
يدلّ عليه حديث مجاهد عن ابن عمر: إنّه مرّ برجل ينضح الماء على وجهه وهو صائم، فقال: أفطر ويحك فإنّي أراك لو متّ على هذا دخلت النّار.
والجامع لهذه الأخبار والمؤيد لما قلنا ما روى أيوب عن عروة وسالم إنّهما كانا عند عمر بن عبد العزيز، إذ هو أمير على المدينة. فتذاكروا الصّوم في السّفر. فقال سالم: كان ابن عمر لا يصوم في السّفر، وقال عروة: كانت عائشة تصوم في السّفر. فقال: سالم: إنما أحدّث عن ابن عمر، وقال عروة: إنّما أحدّث عن عائشة، فارتفعت أصواتهما، فقال عمر بن عبد العزيز:
اللهمّ اغفر إذا كان يسرا فصوموا وإذا كان عسرا فأفطروا.
ثمّ اختلفوا في المستحب منهم، فقال قوم: الصّوم أفضل، وهو قول معاذ بن جبل وأنس وإبراهيم ومجاهد.
ويروى إنّ أنس بن مالك أمر غلاما له بالصّوم في السّفر، فقيل له في هذه الآية، فقال:
نزلت ونحن يومئذ نرحل جياعا وننزل على غير شبع، فمن أفطر فبرخصة، ومن صام فالصّوم أفضل.
وقال آخرون: المستحب الإفطار لما
روى جعفر بن محمّد عن أبيه عن جابر قال: خرج رسول الله ﷺ إلى مكّة عام الفتح في رمضان فصام حتّى إذا بلغ كراع الغميم فصام النّاس، فبلغه إنّ الناس قد شقّ عليهم الصّيام فدعا بقدح ماء وشرب بعد العصر والنّاس ينظرون فأفطر بعض النّاس وصام بعضهم فبلغه إنّ النّاس صاموا فقال: «أولئك العصاة» [51] [[سنن الترمذي: 2/ 106، وسنن النسائي: 4/ 177.]] .
عاصم الأحول عن [بريد] العجلي عن أنس بن مالك قال: كنّا مع رسول الله ﷺ فمنّا الصائم ومنا المفطر فنزلنا في يوم حار واتخذنا ظلالا فسقط الصوّام وقام المفطرون فسقوا الرّكاب فقال رسول الله ﷺ: «ذهب المفطرون اليوم بالأجر» [52] [[المجموع للنووي: 6/ 264، وصحيح البخاري: 3/ 224.]] .
وروى شعبة عن معلّى عن يوسف بن الحكم قال: سألت ابن عمر عن الصّوم في السّفر فقال: أرأيت لو تصدّقت على رجل بصدقة فردّها عليك ألم يغضبك؟
قال: نعم، قال: فإنّها صدقة من الله عزّ وجلّ تصدّق بها عليكم، وحدّ الاسفار التي يجوز فيها الإفطار ستّة عشر فرسخا فصاعدا.
يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ حين أرخص في الأسفار للمريض والمسافر.
وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وقرأ أبو جعفر يزيد بن القعقاع: الْعُسُرَ والْيُسُرَ مثقّلين في جميع القرآن.
وقرأ الباقون: بتخفيفهما وهما لغتان جيّدتان ولا حجّة للقدرية في هذه الآية لأنّها مبنية على أوّل الكلام في إيجاب الصّيام فهي خاص في الاحكام لأهل الإسلام.
وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ قرأ أبو بكر ورويش: بتشديد الميم.
وقرأ الباقون بالتخفيف وهو الاختيار لقوله تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ [[سورة المائدة: 3.]] والواو في قوله وَلِتُكْمِلُوا واو النسق واللّام لام كي تقديره: ويريد لتكملوا العدّة.
وقال الزجّاج: معناه فعل الله ذلك ليسهّل عليكم وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ.
وقال عطاء: ولتكمّلوا عدّة أيام الشهر.
وقال سائر المفسّرين: ولتكملوا عدّة ما أفطرتم في مرضكم وسفركم إذا برأتم وأقمتم وقضيتموها.
وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ ولتعظموا الله.
عَلى ما هَداكُمْ لدينه ووفقكم ورزقكم شهر رمضان مخفّفا عليكم وخصّكم به دون سائر أهل الملل.
وقال أكثر العلماء: أراد به التكبير ليلة الفطر.
قال الشافعي روى عن ابن المسيّب وعروة بن سلمة: إنّهم كانوا يكبّرون ليلة الفطر ويجهرون بالتكبير قال: وشبّه [......] [[كلمة غير مقروءة في المخطوط.]] لنحرها.
قال ابن عبّاس وزيد بن أسلم: في هذه الآية حقّ على المسلمين إذا رأى هلال شوّال أن يكبّروا إلى أن يخرج الإمام في الطّريق والمسجد فإذا حضر الإمام كفّ فلا يكبّر إلّا بتكبيره والاختيار في لفظ التكبير ثلاثا نسقا.
وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ على نعمه.
وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ الآية: اختلف المفسّرون في سبب نزول هذه الآية فقال ابن عبّاس: نزلت في عمر بن الخطّاب وأصحابه حين أصابوا من أهاليهم في ليالي شهر رمضان وستأتي قصّتهم فيما بعد إن شاء الله.
وروى الكلبي عن أبي صالح عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «كيف يسمع ربّنا دعاؤنا وأنت تزعم إنّ بيننا وبين السّماء مسيرة خمسمائة عام وان غلظ كل سماء مثل ذلك» ؟ فنزلت هذه الآية.
وقال الحسن: سأل أصحاب النبيّ ﷺ رسول الله أين ربّنا؟ فأنزل الله هذه الآية.
وقال قتادة وعطاء: لمّا نزلت وَقالَ رَبُّكُمُ: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ.
فقالوا: يا رسول الله كيف ندعوا ربّنا؟ ومتى ندعوه؟ فأنزل الله هذه الآية.
قال الضحّاك: سأل بعض الصحابة النبيّ ﷺ: أقريب ربّنا فنناجيه أم بعيد؟ فسأل ربّه فأنزل الله: وَإِذا سَأَلَكَ يا محمّد عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ.
وقال أهل المعاني: فيه إضمار كأنّه فعل هم وما علمهم أفي قريب منهم بالعلم.
وقال أهل الإشارة: رفع الواسطة إظهارا للقدرة.
أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا فليجيبوا لِي بالطاعة يقال أجاب واستجاب بمعنى واحد.
وقال كعب بن سعد الغنوي:
وداع دعا يا من يجيب إلى النّدى ... فلم يستجبه عند ذاك مجيب
وقال أبو رجاء الخراساني: يعني فليدعوني للاجابة وفي اللغة الطّاعة وإعطاء ما يسأل، يقال: أجابت السماء بالمطر، واجابت الأرض بالنبات، كأنّ الأرض سألت السّماء المطر فأعطت، وسالت السّماء الأرض فأعطت.
وقال زهير
وغيث من الأسمي حقّ قلاعه ... أجابت رواسيه النّجا [هواطله] [[كلمة غير مقروءة والظاهر ما أثبتناه.]]
يريد أجابت تجمع رواسيه النجا حين سألها المطر وأعطته ذلك.
والاجابة من الله تعالى الإعطاء ومن العبد الطّاعة.
وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ لكي يهتدوا فان قيل ما وجه قوله: أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ وقوله ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ وقد يدعي كثيرا فلا يستجيب، قلنا: اختلف العلماء في وجه الآيتين وتأويلهما.
فقال بعضهم: معنى الدّعاء هاهنا الطّاعة ومعنى الاجابة الثواب كأنّه قال: أجيب دعوة الدّاعي بالثواب إذا أطاعني.
وقال بعضهم: معنى الآيتين خاص، وإن كان لفظهما عاما، تقديرها أجيب دعوة الدّاعي إن شئت وأجيب دعوة الدّاعي إذا وافق القّضاء، وأجيب دعوة الدّاعي إذا لم يسأل محالا، وأجيب دعوة الدّاعي إذا كانت الإجابة له خيرا، يدلّ عليه ما
روى أبو المتوكّل عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ: «ما من مسلم دعا الله عزّ وجلّ بدعوة ليس فيها قطيعة رحم ولا إثم إلّا أعطاه الله بها أحدى خصال ثلاث: إمّا أن تعجّل دعوته، وامّا أن يدّخر له في الآخرة، وامّا أن يدفع عنه من السوء مثلها» [53] قالوا: يا رسول الله إذا يكثر قال: «الله أكثر» [54] [[بتفاوت في مسند الشاميين: 4/ 53 ح 2710، وزاد المسير لابن الجوزي: 1/ 173.]] .
وقال بعضهم: هو عام وليس في الآية أكثر من إجابة الدّعوة، فأمّا إعطاء المنية وقضاء الحاجة فليس مذكور في الآية، وقد يجيب السّيّد عبده والوالد ولده ثمّ لا يعطيه سؤله فالاجابة كائنة لا محالة عند حصول الدّعوة لمن قوله: أجيب واستجيب خبر والخبر لا يعترض عليه، لأنّه إذا نسخ صار المخبر كذّابا وتعالى الله عن ذلك، ودليل هذا التأويل: ما
روى نافع عن ابن عمر عن النّبيّ ﷺ قال: «من فتح له باب في الدّعاء فتحت له أبواب الاجابة، وأوحى الله تعالى إلى داود ﷺ: قل للظّلمة لا تدعوني فإنّي أوجبت على نفسي أن أجيب من دعاني وإنّي إذا أجبت الظالمين لعنتهم» [55] .
وقيل: إنّ الله يجيب دعاء المؤمن في الوقت إلّا إنّه يؤخّر إعطاء مراده ليدعوه فيسمع صوته، يدلّ عليه ما
روى محمّد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّ العبد ليدعو الله وهو يحبه فيقول يا جبرئيل: اقضي لعبدي هذا حاجته وأخّرها فإنّي أحبّ أن لا أزال أسمع صوته، وإن العبد ليدعو الله وهو يبغضه فيقول لجبريل اقض لعبدي حاجته باخلاصه وعجّلها فإني أكره أن أسمع صوته.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences