Ath-Tha'labi · Tafsir · in Arabic
Al-Ma'idah 5:43–56
5:43–46Page 115
وَكَيۡفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُمُ ٱلتَّوۡرَىٰةُ فِيهَا حُكۡمُ ٱللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوۡنَ مِنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَۚ وَمَآ أُوْلَٰٓئِكَ بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٤٣
But how is it that they come to you for judgement while they have the Torah, in which is the judgement of Allāh? Then they turn away, [even] after that; but those are not [in fact] believers.
إِنَّآ أَنزَلۡنَا ٱلتَّوۡرَىٰةَ فِيهَا هُدٗى وَنُورٞۚ يَحۡكُمُ بِهَا ٱلنَّبِيُّونَ ٱلَّذِينَ أَسۡلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلرَّبَّٰنِيُّونَ وَٱلۡأَحۡبَارُ بِمَا ٱسۡتُحۡفِظُواْ مِن كِتَٰبِ ٱللَّهِ وَكَانُواْ عَلَيۡهِ شُهَدَآءَۚ فَلَا تَخۡشَوُاْ ٱلنَّاسَ وَٱخۡشَوۡنِ وَلَا تَشۡتَرُواْ بِـَٔايَٰتِي ثَمَنٗا قَلِيلٗاۚ وَمَن لَّمۡ يَحۡكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡكَٰفِرُونَ ٤٤
Indeed, We sent down the Torah, in which was guidance and light. The prophets who submitted [to Allāh] judged by it for the Jews, as did the rabbis and scholars by that with which they were entrusted of the Scripture of Allāh, and they were witnesses thereto. So do not fear the people but fear Me, and do not exchange My verses for a small price [i.e., worldly gain]. And whoever does not judge by what Allāh has revealed - then it is those who are the disbelievers.
وَكَتَبۡنَا عَلَيۡهِمۡ فِيهَآ أَنَّ ٱلنَّفۡسَ بِٱلنَّفۡسِ وَٱلۡعَيۡنَ بِٱلۡعَيۡنِ وَٱلۡأَنفَ بِٱلۡأَنفِ وَٱلۡأُذُنَ بِٱلۡأُذُنِ وَٱلسِّنَّ بِٱلسِّنِّ وَٱلۡجُرُوحَ قِصَاصٞۚ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِۦ فَهُوَ كَفَّارَةٞ لَّهُۥۚ وَمَن لَّمۡ يَحۡكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ ٤٥
And We ordained for them therein a life for a life, an eye for an eye, a nose for a nose, an ear for an ear, a tooth for a tooth, and for wounds is legal retribution. But whoever gives [up his right as] charity, it is an expiation for him. And whoever does not judge by what Allāh has revealed - then it is those who are the wrongdoers [i.e., the unjust].
وَقَفَّيۡنَا عَلَىٰٓ ءَاثَٰرِهِم بِعِيسَى ٱبۡنِ مَرۡيَمَ مُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ مِنَ ٱلتَّوۡرَىٰةِۖ وَءَاتَيۡنَٰهُ ٱلۡإِنجِيلَ فِيهِ هُدٗى وَنُورٞ وَمُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ مِنَ ٱلتَّوۡرَىٰةِ وَهُدٗى وَمَوۡعِظَةٗ لِّلۡمُتَّقِينَ ٤٦
And We sent, following in their footsteps,1 Jesus, the son of Mary, confirming that which came before him in the Torah; and We gave him the Gospel, in which was guidance and light and confirming that which preceded it of the Torah as guidance and instruction for the righteous.
وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ تعجّب وفيه اختصار إلى وكيف يجعلونك حاكما ويرضون بمحمد وَعِنْدَهُمُ التَّوْراةُ فِيها حُكْمُ اللَّهِ وهو الرجم فلا يرضون بذلك.
ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ إلى قوله لِلَّذِينَ هادُوا فإن قيل: وهل فينا غير مسلم؟
فالجواب أن هؤلاء نبيو الإسلام لا على أن غيرهم من النبيين لم يتولوا المسلمين وهذا كقوله مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ [[سورة الفتح: 29.]] فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِماتِهِ [[سورة الأعراف: 158.]] لا يريد أن غيره من الأنبياء لم يؤمنوا بالله وكلماته. وقيل: لم يرد به الإسلام الذي هو ضد الكفر.
وإنما المراد به الذين انقادوا لحكم الله فلم يكتموه كما كتم هؤلاء، يعرّض بأهل الكتاب.
وهذا كقوله وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [[سورة آل عمران: 83.]] .
وقال يزيد بن عمرو بن فقيل: أسلمت وجهي لمن أسلمت له الأرض تحمل صخرا ثقالا، وأسلمت وجهي لمن أسلمت له العيون تحمل عذبا زلالا. وقيل: معناه الَّذِينَ أَسْلَمُوا أنفسهم إلى الله. كما
روي إن النبي ﷺ كان يقول إذا أوى إلى فراشه: «أسلمت نفسي إليك» [[نصب الراية: 2/ 296.]] [74] .
وقيل: معناه: يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا بما في التوراة من الشرائع ولم يعمل به كمثل عيسى (عليه السلام) وهو قوله تعالى لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً [[سورة المائدة: 48.]] وهو معنى قول ابن حيّان يحكم بما في التوراة من لدن موسى إلى عيسى عليهما السلام.
وقال الحسن والسدّي أراد محمدا ﷺ حكم على اليهود بالرجم وذكره بلفظ الجمع كما قال تعالى إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً [[سورة النحل: 120.]] وقال: أم تحسدون الناس في الحياة وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ يعني العلماء وهم ولد هارون (عليه السلام) وأحدهم محبر وحبر وهو العالم المحكم للشيء ومنه الكعب بن قانع كعب الأحبار وكعب الحبر.
قال الفرّاء: أكثر ما سمعت العرب تقول في واحد الأحبار بكسر الحاء واختلفوا في اشتقاق هذا الإسم.
فقال الكسائي وأبو عبيدة: هو من الحبر الذي يكتب به. وقال النضر بن شميل: سألت الخليل عنه، فقال: هو من الحبار وهو الأثر الحسن. فأنشد:
لا تملأ الدلو وعرق فيها ... ألا ترى حبّار من يسقيها [[الصحاح: 2/ 620.]]
قال قطرب: هو من الحبر وهو الجمال والهيئة يدل عليهم
قول النبي ﷺ: «يخرج رجل من النار قد ذهب حبره وسبره»
[أي جماله وبهاؤه] [[زاد المسير: 2/ 281.]] [75] .
وقال العباس لرسول الله ﷺ: يا ابن أخ فيم الجمال؟ قال: «في اللسان» [76] .
وقال مصعب بن الزبير لابنه: يا بني تعلم العلم فإن كان لك مال كان جمالا وإن لم يكن عندك علم كان لك مالا، بِمَا اسْتُحْفِظُوا استودعوا مِنْ كِتابِ اللَّهِ وَكانُوا عَلَيْهِ شُهَداءَ إنه كذلك فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ إلى قوله الْكافِرُونَ واختلف العلماء في معنى الآية وحكمها.
فقال الضحّاك وأبو إسحاق وأبو صالح وقتادة: نزلت هذه الآيات الثلاث في اليهود وليس في أهل الإسلام منها شيء فأما هذه الأمّة فمن أساء منهم وهو يعلم إنه قد أساء وليس بدين.
يدلّ على صحة هذا التأويل. ما
روى الأعمش عن عبد الله بن مرّة عن البراء بن عازب عن النبي ﷺ في قوله تعالى وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ والظَّالِمُونَ والْفاسِقُونَ. قال: كلها في الكافرين.
وقال النخعي والحسن: نزلت هذه الآيات في بني إسرائيل ورضىّ لهذه الآية بها فهي على الناس كلّهم واجبة.
عن ابن عباس وطاوس ليس بكفر ينقل عن الملة بل إذا فعل ذلك وهو به كفر، وليس كمن يكفر بالله واليوم [الآخر] .
عطاء: هو كفر دون كفر وظلم دون ظلم وفسق دون فسق.
عكرمة: معناه وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ جاحدا به فقد كفر. ومن أقرّ به ولم يحكم به فهو ظالم فاسق. وهذه رواية الوالبي عن ابن عباس قال: وسمعت أبا القاسم الحبيبي، قال:
سمعت أبا زكريا العنبري، يحكي عن عبد العزيز بن يحيى الكناني إنه سأل عن هذه الآيات، قال: إنها تقع على جميع ما أنزل الله لا على بعضه فكل من لم يحكم بجميع ما أنزل الله فهو كافر ظالم فاسق.
فأما من يحكم ببعض ما أنزل الله من التوحيد [وترك] الشرك ثم لم يحكم بهما [فبين] [[هذا الظاهر من الأصل.]] ما أنزل الله من الشرائع لم يستوجب حكم هذه الآيات.
قالت الحكماء: هذا إذا ردّ بنص حكم الله عيانا عمدا، فأما من جهله أو أخفي عليه أو أخطأ في تأويل ابتدعه أو دليل اتّجه له فلا، وأجراها بعضهم على الظاهر.
وقال ابن مسعود، والسدّي: من ارتشى في الحكم وحكم فيه بغير حكم الله فهو كافر [[راجع تفسير القرطبي: 6/ 191.]] وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أي وأوحينا في بني إسرائيل في التوراة أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ يعني النفس القاتلة بالنفس المقتولة [ظلما] [[تفسير الطبري: 6/ 364.]] وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ بقلعهما وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ يجدع به وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ يقطع به أذنيه.
نافع: في جميع الفقهاء [وقرأ] الباقون وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ يقلع به وسائر الجوارح قياس على العين والأنف والأذن وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ وهذا مخصوص فيما يمكن القصاص فيه، فأما ما كان من هيضة لحم أو هيضة عظم ويعده ركن لا يحيط العلم به وقياس أو حكومة.
واختلف الفقهاء في هذه الآية، فقرأ الكسائي: وَالْعَيْنَ رفعا إلى آخره. واختار أبو عبيد لما
روى ابن شهاب عن أنس أن رسول الله ﷺ قرأه وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ نصبا، والعينُ بالعين، والأنفُ بالأنف، والأذنُ بالأذن، والسنُّ بالسن، والجروحُ قصاص، كله رفع.
وأما أبو جعفر وابن كثير وابن عامر وأبو عمرو فكانوا يرفعون الْجُرُوحَ وينصبون سائرها. وقتادة، أبو حاتم قالوا: لأن لهما نظائر في القرآن قوله أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ وإِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ [[سورة الأعراف: 128.]] وَإِذا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ [[سورة الجاثية: 32.]] .
وقرأ نافع وعاصم والأعمش وحمزة ويعقوب [بالعطف] كلها نصبا ودليلهم قوله تعالى:
أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَأن الْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَأن الْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَأن الْأُذُنَ بِالْأُذُنِ فإن الْجُرُوحَ قِصاصٌ. فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ اختلفوا في الهاء في قوله «بِهِ» ، فقال قوم: هي كناية عن المجروح وولي القتيل، ومعناه فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ، للمتصدق يعدم عنه ذنوبه بقدر ما تصدّق.
وهو قول عبد الله بن عباس والحسن والشعبي وقتادة وجابر بن زيد، دليل هذا القول لحجة ما
روى الشعبي عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله ﷺ: «من تصدّق عن جسده بشيء كفّر الله عنه بقدر ذلك من ذنوبه» [[مسند أحمد: 5/ 330، وسنن النسائي: 6/ 335.]] [77] .
وروى وكيع عن يوسف بن أبي إسحاق عن أبي السهر قال: كسر رجل من قريش سنّ رجل من الأنصار فاستعدى عليه معاوية، فقال القريشي: إن هذا داق سني.
قال معاوية: كلا أما تسترضيه، فلمّا ألحّ عليه الأنصاري، قال معاوية: شأنك بصاحبك، وأبو الدرداء جالس.
فقال أبو الدرداء: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما من مسلم يصاب بشيء عن جسده فيتصدّق به إلّا رفعه الله به درجة وحطّ به عن خطيئة» [[كنز العمال: 15/ 12، ح 39850.]] [78] .
فقال الأنصاري: أنت سمعت بهذا من رسول الله ﷺ؟ قال: نعم سمعته أذناي ووعاه قلبي فعفى عنه.
وروى عوف عن علقمة بن وائل الحضرمي عن أبيه قال: جيء بالقاتل الذي قتل إلى رسول الله ﷺ جاء به ولي المقتول، فقال رسول الله ﷺ: أتعفو؟ قال: لا، قال: أتأخذ الدية؟ قال:
لا، قال: القتل، قال: نعم [قال: اذهب، فذهب] فدعاه فقال: أتعفو؟ قال: لا، قال: أتأخذ الدية؟ قال: لا، قال: القتل، قال: نعم، قال: اذهب، فلما ذهب قال: أما لك أن عفوت فإنه يبوء بإثمك، وإثم صاحبك. قال: فعفي عنه فأرسله ورأيته وهو يجر شسعيه.
وروى عمران عن عدي بن ثابت الأنصاري قال: طعن رجل رجلا على عهد معاوية، فأعطوه ديتين على أن يرضى. فلم يرض وأعطوه ثلاث ديات فلم يرض.
وحدث رجل عن المسلمين عن النبي ﷺ إنه قال: «من تصدّق بدم فما دونه كان كفارة له من يوم ولد إلى يوم تصدق» [[مجمع الزوائد: 6/ 302 وجامع البيان: 6/ 356.]] [79] .
وعن عمر بن نبهان عن جابر بن عبد الله عن النبي ﷺ قال: «ثلاث من جاء بهن مع إيمان دخل الجنة من أي أبواب الجنة شاء وتزوج من الحور العين حيث [[في المصدر: كم.]] شاء من أدى دينا [خفيا] وعفا عن قاتل وقرأ دبر كل صلاة مكتوبة عشر مرّات قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ»
[80] .
قال أبو بكر: وإحداهن يا رسول الله؟ قال: وإحداهن.
وقال آخرون: عني بذلك الجارح والقاتل، يعني إذا عفا المجنى عليه عن الجاني فعفوه عن الجاني كفّارة لذنب الجاني لا يؤاخذ به في الآخرة كما أن القصاص كفّارة له كما إن العافي المتصدق فعلى الله تعالى، قال الله تعالى: فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وهذا قول إبراهيم ومجاهد وزيد بن أسلم، وروي ذلك عن ابن عباس. والقول الأوّل أجود لأنّه ربما تصدّق من عليه ولم يتب الخارج من فعله فإنه كفّارة له والدليل عليه قراءة أبي: فمن تصدّق به فهو كفّارة له. وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ.
وَقَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ على آثار النبيين المسلمين للتوراة العالمين به بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدىً وَنُورٌ وَمُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ.
5:47–50Page 116
وَلۡيَحۡكُمۡ أَهۡلُ ٱلۡإِنجِيلِ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فِيهِۚ وَمَن لَّمۡ يَحۡكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ ٤٧
And let the People of the Gospel judge by what Allāh has revealed therein. And whoever does not judge by what Allāh has revealed - then it is those who are the defiantly disobedient.
وَأَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ مُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَمُهَيۡمِنًا عَلَيۡهِۖ فَٱحۡكُم بَيۡنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُۖ وَلَا تَتَّبِعۡ أَهۡوَآءَهُمۡ عَمَّا جَآءَكَ مِنَ ٱلۡحَقِّۚ لِكُلّٖ جَعَلۡنَا مِنكُمۡ شِرۡعَةٗ وَمِنۡهَاجٗاۚ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمۡ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ وَلَٰكِن لِّيَبۡلُوَكُمۡ فِي مَآ ءَاتَىٰكُمۡۖ فَٱسۡتَبِقُواْ ٱلۡخَيۡرَٰتِۚ إِلَى ٱللَّهِ مَرۡجِعُكُمۡ جَمِيعٗا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ فِيهِ تَخۡتَلِفُونَ ٤٨
And We have revealed to you, [O Muḥammad], the Book [i.e., the Qur’ān] in truth, confirming that which preceded it of the Scripture and as a criterion over it. So judge between them by what Allāh has revealed and do not follow their inclinations away from what has come to you of the truth. To each of you We prescribed a law and a method.1 Had Allāh willed, He would have made you one nation [united in religion], but [He intended] to test you in what He has given you; so race to [all that is] good.2 To Allāh is your return all together, and He will [then] inform you concerning that over which you used to differ.
وَأَنِ ٱحۡكُم بَيۡنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَلَا تَتَّبِعۡ أَهۡوَآءَهُمۡ وَٱحۡذَرۡهُمۡ أَن يَفۡتِنُوكَ عَنۢ بَعۡضِ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ إِلَيۡكَۖ فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَٱعۡلَمۡ أَنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعۡضِ ذُنُوبِهِمۡۗ وَإِنَّ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلنَّاسِ لَفَٰسِقُونَ ٤٩
And judge, [O Muḥammad], between them by what Allāh has revealed and do not follow their inclinations and beware of them, lest they tempt you away from some of what Allāh has revealed to you. And if they turn away - then know that Allāh only intends to afflict them with some of their [own] sins. And indeed, many among the people are defiantly disobedient.
أَفَحُكۡمَ ٱلۡجَٰهِلِيَّةِ يَبۡغُونَۚ وَمَنۡ أَحۡسَنُ مِنَ ٱللَّهِ حُكۡمٗا لِّقَوۡمٖ يُوقِنُونَ ٥٠
Then is it the judgement of [the time of] ignorance they desire? But who is better than Allāh in judgement for a people who are certain [in faith].
وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ قرأه العامة مجزوم اللام والميم على الأمر، وحمزة: بكسر اللام وفتح الميم أي ولكي يحكم أهل الإنجيل.
مقاتل بن حيّان: أمر الله تعالى الأحبار والربانيين أن يحكموا بما في التوراة وأمر القسّيسين والرهبانيين أن يحكموا بما في الإنجيل فكفروا وكذبوا بمحمد ﷺ وقالوا عزير ابن الله والمسيح ابن الله وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ الخارجون من أمر الله، وقال ابن زيد: الكاذبون. نظيره قوله إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ أي الكتب وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ أي شاهدا. قاله السدّي والكسائي: وهي رواية الوالبي عن ابن عباس، قال حسان:
إن الكتاب مهيمن لنبينا ... والحق يعرفه ذوو الألباب [[تفسير القرطبي: 6/ 210.]]
أي مصدق.
وقال سعيد بن جبير وأبو عبيدة: مؤمنا وهي رواية أبي إسحاق عن التميمي عن ابن عباس، الحسن: أمينا وهي رواية العوفي عن ابن عباس ومعنى أمانة القرآن ما قال ابن جريح: القرآن أمين على ما قبله من الكتب فيما أخبر أهل الكتاب في كتابهم بأمر فإن كان في القرآن فصدّقوا وإلّا فكذّبوا، المبرد: أصله مؤيمن فقلبت الهمزة هاء كما قيل: أرقت الماء وهرقت، ولمّا ينثر عن الرأس عند الدلك أبرية وهبرية ونهاة وهيهات. وأتاك وهياك فهو مبني آمن أمين كما بيطر ومبيطر من بيطار.
قال النابغة:
شكّ المبيطر إذ شفا من العضد [[لسان العرب: 3/ 295.]]
وقال الضحّاك: ماضيا، عكرمة: دالا عليه، ابن زيد مصدّقا، الخليل: رقيبا وحافظا، يقال: هيمن فلان على كذا إذا شاهده وحفظه.
قلت: سمعت أبا القاسم الحبيبي يقول: سمعت المنصور بن محمد بن أحمد بن منصور البستي يقول: سمعت أبا عمر محمد بن عبد الواحد اللغوي يقول: تقول العرب: الطائر إذا جعل يطير حول وكره وخاف على فرخه صيانة له، هيمن الطائر مهيمن. وكذلك يقول للطائر إذا أرخى جناحيه فألبسهما بيضه وفرخه مهيمن. وكذلك جعل اختباؤه ومنه قيل: الله تعالى المهيمن كان معناه الرقيب الرحيم. قال: ورأيت في بعض الكتب إنها بلغة العجمانية فعرّبت، وقرأ عكرمة: هيمن ومهيمن. بقولهم الملوك فَاحْكُمْ يا محمد بَيْنَهُمْ بين أهل الكتاب، إذا ترافعوا إليك بِما أَنْزَلَ اللَّهُ بالقرآن وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمَّا جاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً، أي سبيلا وسنّة وجمع الشرعة الشرع وكل ما شرّعه فيه فهو شرعة وشريعة، ومنه شريعة الماء ومشرعته، ومنه شرائع الإسلام شروع أهلها فيها، ويقال: من شرع شرعا إذا دخلوا في أمر وساروا به. والمنهاج والمنهج والنهج الطريق البين الواضح.
قال الراجز:
من يك في شك فهلّا ولج ... في طريق المهج [[جامع البيان: 6/ 365. وفيه:
من يك في شك فهذا أفلج ... ماء رواء وطريق نهج.]]
قال المفسّرون: عنى بذلك جميع أهل الملل المختلفة جعل الله لكل أهل ملّة شريعة ومنهاجا، فلأهل التوراة شريعة، ولأهل الإنجيل شريعة، ولأهل القرآن شريعة، يحل فيها ما يشاء ويحرم ما يشاء، والدين واحد والشرائع مختلفة وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً كلّكم ملّة واحدة وَلكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ ليخبركم وهو أعلم وقد مضى معنى الابتلاء فِي ما آتاكُمْ من الكتب وبين لكم من [السنن] فبيّن المطيع من العاصي والمواظب من المخالف فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ فبادروا بالطيّبات والأعمال الصالحات إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ ما أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ.
قال ابن عباس: قال كعب بن لبيد وعبد الله بن صوريا وشاس بن قبيص بعضهم لبعض:
اذهبوا بنا إلى محمد لعلنا نفتنه عن دينه فأتوه فقالوا: يا محمد قد عرفت أنّا أعيان اليهود وأشرافهم وإنّا إن اتبعناك اتبعنا اليهود ولم يخالفونا وإن بيننا وبين قومنا خصومة فنحاكمهم إليك فنقضي إما عليهم ونحن نؤمن بك ونصدقك، فأبى ذلك رسول الله ﷺ
وأنزل الله فيهم هذه الآية فَإِنْ تَوَلَّوْا أعرضوا عن الإيمان والحكم بالقرآن فَاعْلَمْ أَنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ أي فاعلم إن إعراضهم من أجل أن الله يريد أن يجعل لهم العقوبة في الدنيا ببعض ذنوبهم أي شؤم عصيانهم.
وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ يعني اليهود لَفاسِقُونَ أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ قرأ ابن عامر بالتاء، وفي الباقون بالياء.
وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً الآية.
5:51–56Page 117
۞ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ ٱلۡيَهُودَ وَٱلنَّصَٰرَىٰٓ أَوۡلِيَآءَۘ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِيَآءُ بَعۡضٖۚ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمۡ فَإِنَّهُۥ مِنۡهُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ ٥١
O you who have believed, do not take the Jews and the Christians as allies. They are [in fact] allies of one another. And whoever is an ally to them among you - then indeed, he is [one] of them. Indeed, Allāh guides not the wrongdoing people.
فَتَرَى ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ يُسَٰرِعُونَ فِيهِمۡ يَقُولُونَ نَخۡشَىٰٓ أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٞۚ فَعَسَى ٱللَّهُ أَن يَأۡتِيَ بِٱلۡفَتۡحِ أَوۡ أَمۡرٖ مِّنۡ عِندِهِۦ فَيُصۡبِحُواْ عَلَىٰ مَآ أَسَرُّواْ فِيٓ أَنفُسِهِمۡ نَٰدِمِينَ ٥٢
So you see those in whose hearts is disease [i.e., hypocrisy] hastening into [association with] them, saying, "We are afraid a misfortune may strike us." But perhaps Allāh will bring conquest or a decision from Him, and they will become, over what they have been concealing within themselves, regretful.
وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَهَٰٓؤُلَآءِ ٱلَّذِينَ أَقۡسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهۡدَ أَيۡمَٰنِهِمۡ إِنَّهُمۡ لَمَعَكُمۡۚ حَبِطَتۡ أَعۡمَٰلُهُمۡ فَأَصۡبَحُواْ خَٰسِرِينَ ٥٣
And those who believe will say,1 "Are these the ones who swore by Allāh their strongest oaths that indeed they were with you?" Their deeds have become worthless, and they have become losers.
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَن يَرۡتَدَّ مِنكُمۡ عَن دِينِهِۦ فَسَوۡفَ يَأۡتِي ٱللَّهُ بِقَوۡمٖ يُحِبُّهُمۡ وَيُحِبُّونَهُۥٓ أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ يُجَٰهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوۡمَةَ لَآئِمٖۚ ذَٰلِكَ فَضۡلُ ٱللَّهِ يُؤۡتِيهِ مَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌ ٥٤
O you who have believed, whoever of you should revert from his religion - Allāh will bring forth [in place of them] a people He will love and who will love Him [who are] humble toward the believers, strong against the disbelievers; they strive in the cause of Allāh and do not fear the blame of a critic. That is the favor of Allāh; He bestows it upon whom He wills. And Allāh is all-Encompassing and Knowing.
إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤۡتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَهُمۡ رَٰكِعُونَ ٥٥
Your ally is none but Allāh and [therefore] His Messenger and those who have believed - those who establish prayer and give zakāh, and they bow [in worship].
وَمَن يَتَوَلَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ فَإِنَّ حِزۡبَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلۡغَٰلِبُونَ ٥٦
And whoever is an ally of Allāh and His Messenger and those who have believed - indeed, the party of Allāh - they will be the predominant.
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ اختلفوا في نزول هذه الآية، فإن كان حكمها عاما لجميع المؤمنين.
فقال العوفي والزهري: لما انهزم أهل بدر، قال المسلمون لأوليائهم من اليهود أهربوا قبل أن يصيبكم الله بيوم مثل يوم بدر. فقال مالك بن الصيف: أغرّكم أن أصبتم رهطا من قريش لا علم لهم بالقتال، أما لو أسررنا العزيمة أن نستجمع عليكم لم يكن لكم يد أن تقتلونا.
فجاء عبادة بن الصامت الخزرجي إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إن لي أولياء من اليهود كثير عددهم، قويّة أنفسهم، شديدة شوكتهم كثيرا سلاحهم وإني أبرأ إلى الله وإلى رسوله من ولايتهم وولاية اليهود، ولا مولا لي إلّا الله ورسوله، قال عبد الله بن أبي: لكني لا أبرأ من ولاية اليهود لأني أخاف الدوائر ولا بد لي منهم، فقال رسول الله ﷺ: «يا أبا الحباب ما نفست من ولاية اليهود على عبادة بن الصامت فهو لك دونه» [[تفسير الطبري: 6/ 372.]] [81] قال: قد قبلت فأنزل الله عز وجل هذه الآية.
قال السدّي: لما كانت وقعة أحد اشتد على طائفة من الناس وتخوفوا أن يدل عليهم الكفار.
فقال رجل من المسلمين: أما أنا فألحق بدهلك اليهودي وأخذ منه أمانا فإني أخاف أن يدل علينا اليهود.
وقال رجل آخر: أما أنا فالحق بفلان النصراني ببعض أهل الشام فأخذ منه أمانا وأنزل الله هذه الآية ينهاهما.
وقال عكرمة: نزلت في أبي لبانة بن عبد المنذر حين قال للنبي ﷺ إذا رضوا بحكم سعد إنه الذبح بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ في العون والنصرة، ويدهم واحدة على المسلمين.
وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فيوافقهم على دينهم ويعينهم فَإِنَّهُ مِنْهُمْ يقول ابن سيرين: عن رجل بيع داره من النصارى، يتخذونها بيعة فتلا هذه الآية فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ الآية، يعني عبد الله بن أبي وصحبه من المنافقين الذين كانوا يوالون اليهود ويصانعونهم ويناصحونهم يُسارِعُونَ فِيهِمْ أي في موالاتهم يَقُولُونَ نَخْشى أَنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ دولة يعني أن يدور الدهر فنحتاج إلى نصرهم إيّانا فنحن نواليهم بذلك.
قال الراجز:
يرد عنك القدر المقدورا ... ودائرات الدهر أن تدورا [[تفسير القرطبي: 6/ 217.]]
فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أي القضاء وقيل: النصر. وقال السدّي: فتح مكّة.
أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا يعني هؤلاء المنافقين عَلى ما أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نادِمِينَ وحينئذ وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا اختلف القرّاء فيه:
فقرأ أهل الكوفة: (وَيَقُولُ) بالواو والرفع على الاستئناف وقرأ أهل البصرة: (وَيَقُولَ) نصبا والواو عطفا على (أَنْ يَأْتِيَ) وقرأ الباقون: رفع اللام وحذف الواو، وكذلك هو في مصاحف أهل الشام [[راجع تفسير القرطبي: 6/ 218.]] أَهؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ الآية يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ وقرأ أهل المدينة والشام يرتدد بدالين على إظهار التخفيف مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فيرجع إلى الكفر وهذا المجاز للقرآن وللمصطفى ﷺ إذ أخبر عن ارتدادهم ولم يكن ذلك في عهده وكان عهده وكان على ما أخبره بعد مدّة، وأهل الردّة كانوا أحد عشر قوما ثلاثة على عهد رسول الله ﷺ في آخر عمره وسبعة على عهد أبي بكر وواحد في عهد عمر.
فأما الثلاثة الذين كانوا على عهد رسول الله ﷺ
فمنهم بنو مذحج ورئيسهم ذو الخمار عيهلة بن كعب القيسي فلقّب بالأسود وكان كاهنا مشعبذا فتنبّأ باليمن وكان (عليه السلام) ولّى بأذان اليمن بجميع نواحيها وكان أوّل من أسلم من ملوك العجم وأول أمير لبلاد اليمن في الإسلام فمات، وولي رسول الله مكانه شهرا فقتل الأسود الكذّاب شهر بن بأذان وتزوج امرأته لباد واستولى على بلاد اليمن وأخرج عمّال رسول الله ﷺ منها، وكتب عليه إلى معاذ بن جبل ومن معه من المسلمين، وأمرهم أن يحثوا الناس على التمسّك بدينهم والنهوض إلى حرب الأسود إما غيلة وإما مصادمة، وكتب (عليه السلام) بمثل ذلك إلى حمير من سادات اليمن عامر ابن سهو، وذي رود وذي مران وذي الكلاع وذي ظلم [[راجع الإصابة: 2/ 158.]] ففعلوا ما أمرهم رسول الله ﷺ وقاموا بحرب الأسود حتى أهلك الله الأسود على يدي فيروز الديلمي، وذلك أنه رماه وقتله على رأسه.
قال ابن عمر: أتى الخبر النبي ﷺ من السماء الليلة التي قتل فيها العنسي.
فقال (عليه السلام) : قتل الأسود البارحة قتله رجل مبارك، قيل: ومن هو؟ قال: فيروز:
فاز فيروز فبشر أصحابه اليوم بهلاك الأسود وقبض رسول الله ﷺ من أخذ وأتى خبر مقتل العنسي المدينة في آخر شهر ربيع الأول بعد مخرج أسامة وكان ذلك أول فتح أتى أبا بكر [[راجع تاريخ الطبري: 2/ 473.]]
، والفرقة الثانية: بنو حنيفة واليمامة، ونبيهم مسيلمة الكذّاب، وكان تنبأ في حياة رسول الله ﷺ في آخر سنة عشر وزعم أنه أشرك مع محمد في النبوة.
فكتب إلى رسول الله ﷺ: من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله، أما بعد فإن الأرض نصفها لي ونصفها لك، وبعث بذلك رجلين من أصحابه الرجال بن شهب والحكم بن الطفيل وكان من سادات أهل اليمامة، فقال لهما رسول الله: «أتشهدان أن مسيلمة رسول الله؟
قالا: نعم، فقال: «لولا أن الرسل لا تقتل لضربت أعناقكما» . ثم أجاب: «من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذّاب، أما بعد (إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) » [[سورة الأعراف: 128.]] [82] [[مجمع الزوائد: 5/ 315.]] .
ومرض رسول الله ﷺ وتوفي، وجعل مسيلمة يعلو أمره باليمامة يوما بعد يوم، فبعث أبو بكر (رضي الله عنه) خالد بن الوليد إليه في جيش كثير حتى أهلكه الله على يدي وحشي غلام مطعم بن عدي الذي قتل حمزة بن عبد المطلب بعد حرب صعب شديد وكان وحشي: يقول قتلت خير الناس في الجاهلية وقتلت شر الناس في الإسلام.
والفرقة الثالثة: بنو أسد ورئيسهم طليحة بن خويلد وكان طليحة آخر من ارتدّ فادعى النبوة في حياة رسول الله ﷺ، وأول من قتل بعد وفاته (عليه السلام) من أهل الردة، فعسكر واستكشف أمره فبعث إليه أبو بكر الصديق (رضي الله عنه) خالد بن الوليد فهزموهم بخالد بعد قتال شديد وأفلت طليحة ومرّ على امرأته هاربا نحو الشام فلجأ إلى بني جفنة فأجاروه ثم إنه أسلم بعد ذلك وحسن إسلامه، فهذه الثلاث الذين ارتدّت على عهد رسول الله ﷺ وأما السبعة الذين ارتدّوا بعد وفاة رسول الله ﷺ في خلافة أبي بكر (رضي الله عنه) ، لما مات رسول الله (عليه السلام) شمتت اليهود والنصارى وأظهر النفاق من كان يخفيه وماج الناس وكثر القيل والقال. وارتدت العرب على أعقابها، فارتدت فزار ورأسوا عليهم عيينة بن عين بن بدر، وارتدت غطفان، وأمّروا عليهم قرّة بن سلمة القسري، وارتدت بنو سليم ورأسوا عليهم النجاخ ابن عبد ياليل، وارتدت بنو يربوع ورأسوا عليهم مالك بن نويرة. وارتدت طائفة أخرى من بني تميم ورأسوا امرأة منهم يقال لها: سجاح بنت المنذر وادّعت النبوّة ثم إنها زوّجت نفسها من مسيلمة الكذّاب.
وارتدت كندة ورأسوا على أنفسهم الأشعث بن قيس. وارتدت بنو بكر بن وائل بأرض البحرين ورأسوا عليهم الحطم بن زيد فلقى الله أمر هؤلاء المرتدّين ونصر دينه على يدي أبي بكر (رضي الله عنه) وأما الذي كان على عهد عمر (رضي الله عنه) رأسهم الغاني وأصحابه، وأخبار أهل الردة مشهورة في التواريخ مسطورة يطول بذكرها الكتاب [[راجع تاريخ الطبري: 2/ 482. 489.]] .
فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ
قال علي بن أبي طالب والحسن وقتادة: هم أبو بكر وأصحابه!
، مجاهد: هم أهل اليمن،
وقال غياض بن غنم الأشعري: لما نزلت هذه الآية أومى رسول الله ﷺ إلى أبي موسى الأشعري فقال: هم قوم هذا.
قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أتاكم أهل اليمن، هم ألين قلوبا وأرق أفئدة الإيمان يماني والحكمة يمانية» [[مسند أحمد: 2/ 252.]] .
الكلبي: هم أحياء من اليمن ألفان من النخع وخمسة آلاف من كندة وبجيلة وثلاث آلاف من سائر الناس فجاهدوا في سبيل الله بالقادسية [[كنز العمال: 12/ 91، يراجع تاريخ الطبري: 3/ 7.]] .
السدّي: هم الأنصار،
ويروى أنّ رسول الله ﷺ سئل عن هذه الآية فضرب يده على عاتق سلمان الفارسي فقال: هذا وذووه، ثم قال: «لو كان الدين معلقا بالثريا لناله [[في المصدر: لتناوله أناس.]] من أبناء فارس» [[مجمع الزوائد: 10/ 64، تاريخ دمشق: 51/ 47.]] [83] .
أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ يعني أرقاء رحماء، كقوله وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ [[سورة الإسراء: 24.]] وقيل: هو من الذل، من قولهم دابّة ذلول بينة الذل يعني إنهم متواضعون كقوله وَعِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً [[سورة الفرقان: 63. ح 34130.]] أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ أي أشداء غلظاء من قول العرب عز جانبه عزا.
وقرأ ابن مسعود: أذلة على المؤمنين غلظا على الكفّار بالنصب على الحال.
وقال عطاء: أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كالولد لوالده وكالعبد لسيده. أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ كالسبع على فريسته، ونظير الآية أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ.
عبد الله بن حمدون نا أحمد بن محمد بن الحسين نا محمد بن يحيى نا أحمد بن شبيب، عن يونس عن ابن شهاب عن ابن المسيب عن أبي هريرة أنه كان يحدّث أن رسول الله ﷺ قال:
«يرد عليّ يوم القيامة رهط من أصحابي فيجلون عن الحوض فأقول ربّ أصحابي أصحابي فيقال لا علم لك بما أحدثوا بعدك إنهم ارتدّوا على أدبارهم القهقرى» [[صحيح البخاري: 7/ 208.]] [84] .
إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ الآية.
أبو عبد الله الحسين عن محمد بن أحمد بن جعفر بن حمدان عن شبر بن موسى الأسدي عن إسماعيل بن خليل الكوفي عن سلمة بن رجاء عن سلمة بن سابور قال: سمعت عطية العوفي يقول: قال ابن عباس: أسلم عبد الله بن أبي بن سلول، ثم قال: بيني وبين قريظة والنضير حلف وأنا أخاف الدوائر، فارتد كافرا. وقال عبادة بن الصامت: أبرأ إلى الله عز وجل من حلف قريظة والنضير، وأتولى الله والرسول والذين آمنوا فأنزل الله تعالى.
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ إلى قوله: فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ، يعني عبد الله بن أبي بن سلول إلى قوله: إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا يعني عبادة بن الصامت، وأصحاب رسول الله ثم قال: ولو كانوا يؤمنون بالله ورسوله وما أنزل إليه، ما اتخذوه أولياء،
وقال بعض المفسّرين: لما أراد رسول الله أن يقتل يهود بني قينقاع حين نقضوا العهد، وكانوا حلفا لعبد الله بن أبي سلول وسعد بن عبادة بن الصامت، فأما عبد الله بن أبي فعظم ذلك عليه، وقال: ثلاثمائة دارع وأربعمائة منعوني من الأسود والأحمر أفأدعك تجدهم في غداة واحدة، وأما سعد وعبادة فقالا: إنّا برآء إلى الله وإلى رسوله من حلفهم وعهدهم فأنزل الله هذه الآية.
وقال جابر بن عبد الله: جاء عبد الله بن سلام إلى النبي (عليه السلام) فقال: يا رسول الله إن قومنا من قريظة والنضير، قد هجرونا وفارقونا وأقسموا أن لا يجالسونا ولا نستطيع مجالسة أصحابك لبعد المنازل وشكا ما يلقى من اليهود من الأذى. فنزلت الآية فقرأها رسول الله ﷺ فقال: رضينا بالله ورسوله وبالمؤمنين أخوة على هذا التأويل أراد بقوله (راكِعُونَ) صلاة التطوع بالليل والنهار.
قال ابن عباس، وقال السدي، وعتبة بن حكيم، وثابت بن عبد الله: إنما يعني بقوله وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ الآية. علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) مرّ به سائل وهو راكع في المسجد وأعطاه خاتمه.
أبو الحسن محمد بن القاسم بن أحمد، أبو محمد عبد الله بن أحمد الشعراني، أبو علي أحمد بن علي بن زرين، المظفر بن الحسن الأنصاري، السدي بن علي العزاق، يحيى بن عبد الحميد الحماني عن قيس بن الربيع عن الأعمش عن عبادة بن الربعي، قال: بينا عبد الله بن عباس جالس على شفير زمزم إذ أقبل رجل متعمم بالعمامة فجعل ابن عباس لا يقول، قال رسول الله: إلّا قال الرجل: قال رسول الله؟ فقال ابن عباس: سألتك بالله من أنت؟ قال:
فكشف العمامة عن وجهه، وقال: يا أيها الناس من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني فأنا جندب بن جنادة البدري، أبو ذر الغفاري: سمعت رسول الله ﷺ بهاتين وإلّا صمّتا ورأيته بهاتين وإلّا فعميتا يقول: عليّ قائد البررة، وقاتل الكفرة، منصور من نصره، مخذول من خذله أما إني صليت مع رسول الله يوما من الأيام صلاة الظهر فدخل سائل في المسجد فلم يعطه أحد فرفع السائل يده إلى السماء وقال: اللهم اشهد إني سألت في مسجد رسول الله فلم يعطني أحد شيئا وكان علي راكعا فأومى إليه بخنصره اليمنى وكان يتختم فيها فأقبل السائل حتى أخذ الخاتم من خنصره وذلك بعين النبي ﷺ فلما فرغ النبيّ ﷺ من الصلاة فرفع رأسه إلى السماء وقال:
«اللهم إن أخي موسى سألك، فقال: رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي ... وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي هارُونَ أَخِي اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي [[سورة طه: 25- 31.]] الآية، فأنزلت عليه قرآنا ناطقا سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُما سُلْطاناً [[سورة القصص: 35.]] اللهم وأنا محمد نبيّك وصفيّك اللهم ف اشْرَحْ لِي صَدْرِي وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي ... وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي عليا أشدد به ظهري» [[في المصدر: أزري.]] [85] [[شواهد التنزيل: 1/ 231، والغدير: 2/ 52 عن الثعلبي وخرّج مصادره.]] .
قال أبو ذر: فو الله ما استتم رسول الله الكلمة حتى أنزل عليه جبرئيل من عند الله، فقال:
يا محمد اقرأ، فقال: وما أقرأ؟ قال: اقرأ إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، إلى راكِعُونَ.
سمعت أبا منصور الجمشادي، سمعت محمد بن عبد الله الحافظ، سمعت أبا الحسن علي بن الحسن، سمعت أبا حامد محمد بن هارون الحضرمي، سمعت محمد بن منصور الطوسي، سمعت أحمد بن حنبل يقول: ما جاء لأحد من أصحاب رسول الله ﷺ من الفضائل مثل ما جاء لعلي بن أبي طالب (عليه السّلام) [[عمدة الطالب لابن عنبة: 60، وتاريخ دمشق: 42/ 418 ط. دار الفكر، ومستدرك الصحيحين: 3/ 107.]] .
أبو عبد الله بن فنجويه، عمر بن الخطاب، إبراهيم بن سهلويه، محمد بن رجاء العباداني.
حدّثني عمر بن أبي إبراهيم، حدّثني المبارك بن سعيد وعمار بن محمد عن سفيان عن أبيه عن ابن عباس قال: نزلت في أبي بكر إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الآيتان الخبر [[ذكر في ضوء الشمس في نبي الإسلام على خمس إجماع المسلمين على نزول الآية في علي (عليه السّلام) :
2/ 4، وممن ذكر أن الآية نزلت فيه: الطبراني والحاكم والواحدي والزمخشري والطبري وابن عساكر والبلاذري والترمذي والقزويني وابن كثير، راجع: تفسير الكشاف: 1/ 624، والتدوين في أخبار قزوين 3/ 212 ترجمة عبد الكريم بن هوازن، والمعجم الكبير 7/ 130 ح 6228، وأسباب النزول: 133، وربيع الأبرار 2/ 147، وتفسير الطبري: 1/ 624، وتاريخ دمشق: 2/ 409.]] .
عن محمد بن عبد الله، أحمد بن محمد بن إسحاق البستي، حامد بن شعيب، شريح بن يونس، هشيم بن عبد الملك قال: سألت أبا جعفر عن قوله إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا قال: هم المؤمنون بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ
وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ يعني أنصاري من الله.
قال الراجز:
وكيف أضوي [[أضوي: أي استضعف وأضام من الشيء.]] وبلال حزبي أي ناصري [[تفسير القرطبي: 6/ 222.]] .
هُمُ الْغالِبُونَ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences