Ath-Tha'labiAl‑Hashr · 59:8–24

Ath-Tha'labi · Tafsir · in Arabic

Al-Hashr 59:8–24

59:8–10Page 546

لِلۡفُقَرَآءِ ٱلۡمُهَٰجِرِينَ ٱلَّذِينَ أُخۡرِجُواْ مِن دِيَٰرِهِمۡ وَأَمۡوَٰلِهِمۡ يَبۡتَغُونَ فَضۡلٗا مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضۡوَٰنٗا وَيَنصُرُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓۚ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلصَّٰدِقُونَ ٨

For the poor emigrants who were expelled from their homes and their properties, seeking bounty from Allāh and [His] approval and supporting [the cause of] Allāh and His Messenger, [there is also a share]. Those are the truthful.

وَٱلَّذِينَ تَبَوَّءُو ٱلدَّارَ وَٱلۡإِيمَٰنَ مِن قَبۡلِهِمۡ يُحِبُّونَ مَنۡ هَاجَرَ إِلَيۡهِمۡ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمۡ حَاجَةٗ مِّمَّآ أُوتُواْ وَيُؤۡثِرُونَ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ وَلَوۡ كَانَ بِهِمۡ خَصَاصَةٞۚ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفۡسِهِۦ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ ٩

And [also for] those who were settled in the Home [i.e.,al-Madīnah] and [adopted] the faith before them.1 They love those who emigrated to them and find not any want in their breasts of what they [i.e., the emigrants] were given but give [them] preference over themselves, even though they are in privation. And whoever is protected from the stinginess of his soul - it is those who will be the successful.

وَٱلَّذِينَ جَآءُو مِنۢ بَعۡدِهِمۡ يَقُولُونَ رَبَّنَا ٱغۡفِرۡ لَنَا وَلِإِخۡوَٰنِنَا ٱلَّذِينَ سَبَقُونَا بِٱلۡإِيمَٰنِ وَلَا تَجۡعَلۡ فِي قُلُوبِنَا غِلّٗا لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ رَبَّنَآ إِنَّكَ رَءُوفٞ رَّحِيمٌ ١٠

And [there is a share for] those who come after them, saying, "Our Lord, forgive us and our brothers who preceded us in faith and put not in our hearts [any] resentment toward those who have believed. Our Lord, indeed You are Kind and Merciful."

لِلْفُقَراءِ يعني كي لا يكون ما أفاء الله على رسوله دولة بين الأغنياء منكم، ولكن يكون للفقراء الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ في إيمانهم. قال قتادة: هؤلاء المهاجرون الذي تركوا الديار والأموال والأهلين والعشائر وخرجوا حبا لله ولرسوله، واختاروا الإسلام على ما كانت فيهم من شديدة، حتى ذكر لنا أنّ الرجل يعصب الحجر على بطنه ليقيم به صلبه من الجوع، وكان الرجل يتّخذ الحفرة في الشتاء ماله دثار غيرها.

وروى جعفر بن المغيرة، عن سعيد بن جبير وسعيد بن عبد الرحمن بن أبزي قالا: كان أناس من المهاجرين لأحدهم الدار والزوجة والعبد والناقة يحجّ عليها ويغزو فنسبهم الله أنّهم فقراء، وجعل لهم سهما في الزكاة.

وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا: توطّنوا الدَّارَ اي اتّخذوا المدينة دار الإيمان والهجرة، وهم الأنصار أسلموا في ديارهم وبنوا المساجد قبل قدوم النبي ﷺ‎ بسنتين فأخر الله عليهم البناء.

ونظم الآية: والذين تبوّءوا الدار من قبلهم أي من قبل قدوم المهاجرين عليهم وقد آمنوا يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً حزازة وغيظا وحسدا مِمَّا أُوتُوا أي ممّا أعطوا المهاجرين من الفيء. وذلك

أن رسول الله ﷺ‎ قسم أموال بني النضير بين المهاجرين، ولم يعط الأنصار منها شيئا إلّا ثلاثة نفر كما ذكرناهم، فطابت أنفس الأنصار بذلك.

وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ إخوانهم من المهاجرين بأموالهم وديارهم وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ: فاقة وحاجة إلى ما هو يزول وذلك أنّهم قاسموهم ديارهم وأموالهم.

وأخبرنا أبو محمّد الحسن بن أحمد بن محمّد السيستاني قال: حدّثنا أبو العبّاس محمّد بن إبراهيم الثقفي قال: أخبرنا محمود بن خداش- وسمعته يقول: ما أخذت شيئا أشتري قط [[كذا عبارته في المخطوط، والمنقول عنه في كتب الرجال قوله: ما اشتريت شيئا قط ولا بعت. انظر تهذيب التهذيب 10: 56/ 102، تاريخ بغداد 13: 91/ 7074.]] - قال: حدّثنا محمّد بن الحسن السيستاني قال: حدّثنا الفضيل بن غزوان عن أبي حازم عن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ‎ وقد أصابه الجهد فقال: يا رسول الله، إني جائع فأطعمني.

فبعث النبيّ ﷺ‎ (عليه السلام) إلى أزواجه: «هل عندكنّ شيء؟» . فكلّهنّ قلن: والذي بعثك بالحقّ نبيّا ما عندنا إلّا الماء. فقال رسول الله ﷺ‎: «ما عند رسول الله ما يطعمك هذه الليلة» .

ثم قال: «من يضف هذا هذه الليلة يرحمه الله» [[زاد المسير: 7/ 338.]] [255] .

فقام رجل من الأنصار قال: أنا يا رسول الله. فأتى به منزله، فقال لأهله: هذا ضيف رسول الله ﷺ‎ فأكرميه ولا تدّخري عنه شيئا. فقالت: ما عندنا إلّا قوت الصبية. قال: قومي فعلّليهم عن قوتهم حتى يناموا ولا يطعموا شيئا، ثم أسرجي فأبرزي، فإذا أخذ الضيف ليأكل قومي كأنّك تصلحين السراج فأطفئيه وتعالي نمضغ ألسنتنا لضيف رسول الله ﷺ‎ حتى يشبع ضيف رسول الله. قال: فقامت إلى الصبية فعللتهم حتى ناموا عن قوتهم ولم يطعموا شيئا، ثم قامت فأبرزت وأسرجت فلمّا أخذ الضيف ليأكل قامت كأنّها تصلح السراج فأطفأته، وجعلا يمضغان ألسنتهما لضيف رسول الله (عليه السلام) فظنّ الضيف أنّهما يأكلان معه، حتى شبع ضيف رسول الله ﷺ‎، وباتا طاويين. فلمّا أصبحا عدوا إلى رسول الله (عليه السلام) ، فلمّا نظر إليهما تبسّم ثم قال: «لقد عجب الله من فلان وفلانة هذه الليلة» [256] . فأنزل الله سبحانه:

وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ الآية.

قال أنس بن مالك: أهدي لبعض الصحابة رأس شاة مشوي وكان مجهودا، فوجّهه إلى جار له فتناوله تسعة أنفس ثم عاد إلى الأوّل، فأنزل الله سبحانه: وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ.

ويحكى عن أبي الحسن الأنطاكي أنّه اجتمع عنده نيف وثلاثون رجلا بقرية بقرب الري ولهم أرغفة معدودة لم تسع جميعهم ونشروا الرغفان وأطفؤوا السراج وجلسوا للطعام، فلمّا رفع فإذا الطعام بحاله لم يأكل واحد منهم إيثارا لصاحبه.

ويحكى عن حذيفة العدوي قال: انطلقت يوم اليرموك لطلب ابن عم لي ومعي شيء من ماء وأنا أقول: إن كان به رمق سقيته ومسحت وجهه، فإذا أنا به، قلت: أسقيك؟ فأشار أي نعم، فإذا رجل يقول: آه، فأشار ابن عمي أن انطلق به إليه، فإذا هو هشام بن العاص، فقلت:

أسقيك؟ فسمع به آخر قال: آه، فأشار هشام أن انطلق به إليه، فجئته فإذا هو قد مات، ثم رجعت الى هشام فإذا هو قد مات، ثم رجعت الى ابن عمي فإذا قد مات رحمه الله.

سمعت أبا القاسم الحسن بن محمّد النيسابوري يقول: سمعت أبا عبد الله محمّد بن عبيد الله الجرجاني يقول: سمعت الحسن بن علوية الدامغاني يحكي عن أبي يزيد البسطامي قال: ما غلبني أحد مثل ما غلبني شاب من أهل بلخ قدم علينا حاجّا، فقال لي: يا أبا يزيد، ما حدّ الزهد عندكم؟ قلت: إذا وجدنا أكلنا وإذا فقدنا صبرنا. فقال هكذا عندنا كلاب بلخ. فقلت:

ما حدّ الزهد عندكم؟ فقال: إذا فقدنا صبرنا، وإذا وجدنا آثرنا.

وسمعت أبا القاسم الحبيبي يقول: سمعت أبا محمّد أحمد بن محمّد بن إبراهيم البلاذري يقول: سمعت بكر بن عبد الرحمن يقول: سئل ذو النون المصري عن علامة الزاهد المشروح صدره فقال: ثلاث: تفريق المجموع، وترك طلب المفقود، والإيثار عند القوت.

قال ابن عباس: قال رسول الله (ﷺ‎) يوم النضير للأنصار: «إن شئتم قسمتم للمهاجرين من أموالكم ودياركم وتشاركونهم في هذه الغنيمة، وإن شئتم كانت لكم دياركم وأموالكم ولم يقسم لكم شيء من الغنيمة» [257] [[تفسير مجمع البيان: 9/ 430.]] .

فقالت الأنصار: بل نقسم لهم من أموالنا وديارنا ونؤثرهم بالقسمة ولا نشاركهم فيها.

فأنزل الله سبحانه: وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ

والشح في كلام العرب: البخل ومنع الفضل، يقال: فلان شحيح من الشّح والشّحّ والشحّة والشحاحة، قال عمرو بن كلثوم:

ترى اللحز الشحيح إذا أمرّت ... عليه لماله فيها مهينا [[لسان العرب: 5/ 404.]]

وفرّق العلماء من السلف بينهما.

فأخبرني الحسن بن محمّد قال: حدّثنا موسى بن محمّد بن علي قال: حدّثنا إدريس بن عبد الكريم الحدّاد قال: حدّثنا عاصم بن علي بن عاصم، وأخبرنا عبد الخالق قال: حدّثنا ابن حبيب قال: حدّثنا ابن شاكر قال: حدّثنا عاصم بن علي قال: حدّثنا المعادي، عن جامع بن شداد، عن أبي الشعثاء قال:

قال رجل لعبد الله بن مسعود: يا أبا عبد الرحمن، إني أخاف أن أكون قد هلكت. قال:

وما ذاك؟ قال: سمعت الله سبحانه يقول: وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ وأنا رجل شحيح لا يكاد يخرج من يديّ شيء. فقال: ليس ذاك الشحّ الذي ذكر الله سبحانه في القرآن، ولكن الشحّ أن تأكل مال أخيك ظلما، ولكن ذلك البخل، وبئس الشيء البخل.

الوالبي علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ قال: يقول: هوى نفسه يتبع هواه فلم يقبل الإيمان.

وقال ابن زيد: من لم يأخذ شيئا لشيء نهاه الله سبحانه ولم يدعه الشحّ الى أن يمنع شيئا من شيء أمره الله تعالى به فقد وقاه شحّ نفسه.

وقال طاوس: البخل أن يبخل الإنسان بما في يديه، والشحّ أن يبخل بما في أيدي الناس.

وأخبرني أبي قال: أخبرنا محمّد بن أحمد بن عبد الله النحوي قال: أخبرنا محمّد بن حمدون ابن خالد قال: حدّثنا محمّد بن عبد الوهاب بن أبي تمام العسقلاني قال: حدّثنا سليمان ابن بنت شراحيل قال: حدّثنا إسماعيل بن عبّاس قال: حدّثنا عمارة بن عديّة الأنصاري، عن عمّه عمر بن جارية، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ‎: «برئ من الشحّ من أدّى الزكاة، وقرى الضيف وأعطى في النائبة» [258] [[المعجم الكبير: 4/ 188.]] .

أخبرني أبو عبد الله الحافظ قال: أخبرنا أبو حذيفة أحمد بن محمّد بن عليّ بن عبد الله ابن محمّد الطائي قال: حدّثنا عبد الله بن زيد قال: حدّثنا إبراهيم بن العلاء قال: حدّثنا إسماعيل بن عباس عن هشام بن الغاد عن أبان عن أنس أنّ رسول الله ﷺ‎ كان يدعو: «اللهم إنّي أعوذ بك من شحّ نفسي وإسرافها ووسواسها» [259] [[تفسير القرطبي: 18/ 30.]] .

وأخبرنا أبو عبد الله قال: حدّثنا هارون بن محمّد بن هارون قال: أخبرنا عبد الله بن محمّد بن سنان قال: حدّثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي قال: حدّثنا داود بن قيس الفرّاء، عن عبد الله بن مقسم، عن جابر بن عبد الله، أنّ رسول الله ﷺ‎ قال: «اتقوا الشحّ فانّ الشحّ أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلّوا محارمهم» [260] [[مسند أحمد: 3/ 323.]] .

وروى سعيد بن جبير، عن أبي الهياج الأسدي قال: كنت أطوف بالبيت، فرأيت رجلا يقول: اللهم قني شحّ نفسي. لا يزيد على ذلك. فقلت له فيه، فقال: إنّي إذا وقيت شحّ نفسي لم أسرق، ولم أزن، ولم أفعل. وإذا الرجل عبد الرحمن بن عوف.

ويحكى أنّ كسرى قال لأصحابه: أي شيء أضرّ بابن آدم؟ قالوا: الفقر. فقال كسرى:

الشحّ أضرّ من الفقر لأنّ الفقير إذا وجد اتّسع، والشحيح لا يتسع أبدا.

وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ.

قال ابن أبي ليلى: الناس على ثلاثة منازل: الفقراء المهاجرون، وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ، ... وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ، فاجهد ألّا تكون خارجا من هذه المنازل.

أخبرني الحسن قال: حدّثنا علي بن إبراهيم الموصلي قال: حدّثنا محمّد بن مخلد الدوري قال: حدّثنا محمّد بن إسماعيل الحساني قال: حدّثني أبو يحيى الحماني، عن الحسن بن عمارة، عن الحكم بن عيينة، عن مقسم، عن ابن عباس قال: أمر الله سبحانه بالاستغفار لأصحاب محمّد ﷺ‎، وهو يعلم أنهم سيفتنون.

وأخبرنا عبد الله بن حامد قال: حدّثنا أحمد بن عبد الله قال: حدّثنا محمّد بن عبد الله ابن سليمان قال: حدّثنا ابن نمير قال: حدّثنا أبي، عن إسماعيل بن إبراهيم، عن عبد الملك بن عمير، عن مسروق، عن عائشة رضي الله عنها قالت: أمرتم بالاستغفار لأصحاب محمّد ﷺ‎ فسببتموهم، سمعت نبيّكم ﷺ‎ يقول: «لا تذهب هذه الأمّة حتى يلعن آخرها أوّلها» [261] [[المعجم الأوسط: 5/ 255 وفيه: تفنى، بدل: لا تذهب- وتفسير القرطبي: 18/ 33.]] .

وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا عبد الله بن يوسف قال: حدّثنا الحسن بن علي الطوسي قال: حدّثنا محمّد بن المؤمّل بن الصباح البصري قال: حدّثنا النصر بن حماد العتكي قال:

حدّثنا سيف ابن عمر الأسدي قال: حدّثنا عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ‎: «إذا رأيتم الذين يسبّون أصحابي فقولوا: لعن الله شركم» [262] [[المعجم الأوسط: 8/ 191.]] .

وأخبرنا ابن فنجويه قال: حدّثنا الفضل بن الفضل الكندي قال: حدّثنا ابن النعمان قال:

حدّثنا هارون بن سليمان قال: حدّثنا عبد الله- يعني ابن داود- قال: حدّثنا كثير بن مروان الشامي، عن عبد الله بن يزيد الدمشقي قال: أتيت الحسن فذكر كلاما إلّا إنّه قال: أدركت ثلاثمائة من أصحاب محمّد ﷺ‎ منهم سبعون بدريا كلّهم يحدّثونني أنّ رسول الله ﷺ‎ قال: «من فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه» [263] [[سنن الترمذي: 4/ 226.]] .

فالجماعة ألّا تسبّوا الصحابة، ولا تماروا في دين الله، ولا تكفّروا أحدا من أهل التوحيد بذنب.

قال عبد الله بن زيد: فلقيت أبا أمامة وأبا الدرداء وواثلة وأنس بن مالك، وكلّهم يحدّثونني بحديث عن رسول الله ﷺ‎ بمثل حديث الجماعة.

وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن حبيش قال: حدّثنا أبو الفضل صالح بن الأصبغ التنوخي قال: حدّثنا أبو الفضل الربيع بن محمّد بن عيسى الكندي قال: حدّثنا سعيد بن منصور قال: حدّثنا شهاب بن حراش، عن عمّه العوّام بن حوشب، قال: أدركت من أدركت من صدر هذه الأمّة وهم يقولون: اذكروا محاسن أصحاب رسول الله ﷺ‎ حتى تأتلف عليهم القلوب ولا تذكروا ما شجر بينهم فتحرشوا الناس عليهم.

وسمعت عبد الله بن حامد يقول: سمعت محمّد بن محمّد بن الحسن قال: سمعت أبا عبد الله محمّد بن القاسم الجمحي المكّي قال: سمعت محمّد بن سعدان المروزي قال: سمعت أحمد بن إسماعيل المروزي، عن عبد الرحمن بن مالك بن مغول، عن أبيه قال: قال عامر بن شراحيل الشعبي: يا مالك، تفاضلت اليهود والنصارى على الرافضة بخصلة، سئلت اليهود: من خير أهل ملّتكم؟ فقالوا: أصحاب موسى. وسئلت النصارى من خير أهل ملتكم؟ فقالوا:

حواريّو عيسى. وسئلت الرافضة: من شرّ أهل ملّتكم فقالوا: أصحاب محمّد، أمروا بالاستغفار إليهم فسبّوهم فالسيف عليهم مسلول إلى يوم القيامة، لا تقوم لهم راية ولا تثبت لهم قدم، ولا تجمع لهم كلمة، كُلَّما أَوْقَدُوا ناراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ بسفك دمائهم وتفريق شملهم، وإدحاض حجّتهم، أعاذنا الله وإياكم من الأهواء المضلّة.

وأخبرنا أبو الحسن عبد الرحمن بن إبراهيم بن محمّد المعدل قال: حدّثنا أبو عبد الله محمد بن يونس المقري قال: حدّثنا أحمد بن محمّد بن سالم قال: حدّثنا سوار بن عبد الله القاضي قال: حدّثنا أبي قال: قال مالك بن أنس: من ينتقص أحدا من أصحاب رسول الله ﷺ‎ وكان في قلبه عليهم غلّ، فليس له حق في فيء المسلمين، ثم تلا ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى حتى أتى على هذه الآية، ثم قرأ لِلْفُقَراءِ حتى أتى على هذه الآية، ثم قال: وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ حتى أتى على هذه الآية ثم قال: وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ إلى قوله:

رَؤُفٌ رَحِيمٌ فمن ينتقصهم أو كان في قلبه عليهم غلّ فليس له من الفيء حقّ.

59:11–24Page 547

۞ أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ نَافَقُواْ يَقُولُونَ لِإِخۡوَٰنِهِمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ لَئِنۡ أُخۡرِجۡتُمۡ لَنَخۡرُجَنَّ مَعَكُمۡ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمۡ أَحَدًا أَبَدٗا وَإِن قُوتِلۡتُمۡ لَنَنصُرَنَّكُمۡ وَٱللَّهُ يَشۡهَدُ إِنَّهُمۡ لَكَٰذِبُونَ ١١

Have you not considered those who practice hypocrisy, saying to their brothers [i.e., associates] who have disbelieved among the People of the Scripture, "If you are expelled, we will surely leave with you, and we will not obey, in regard to you, anyone - ever; and if you are fought, we will surely aid you." But Allāh testifies that they are liars.

لَئِنۡ أُخۡرِجُواْ لَا يَخۡرُجُونَ مَعَهُمۡ وَلَئِن قُوتِلُواْ لَا يَنصُرُونَهُمۡ وَلَئِن نَّصَرُوهُمۡ لَيُوَلُّنَّ ٱلۡأَدۡبَٰرَ ثُمَّ لَا يُنصَرُونَ ١٢

If they are expelled, they will not leave with them, and if they are fought, they will not aid them. And [even] if they should aid them, they will surely turn their backs; then [thereafter] they will not be aided.

لَأَنتُمۡ أَشَدُّ رَهۡبَةٗ فِي صُدُورِهِم مِّنَ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ قَوۡمٞ لَّا يَفۡقَهُونَ ١٣

You [believers] are more fearful within their breasts than Allāh. That is because they are a people who do not understand.

لَا يُقَٰتِلُونَكُمۡ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرٗى مُّحَصَّنَةٍ أَوۡ مِن وَرَآءِ جُدُرِۭۚ بَأۡسُهُم بَيۡنَهُمۡ شَدِيدٞۚ تَحۡسَبُهُمۡ جَمِيعٗا وَقُلُوبُهُمۡ شَتَّىٰۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ قَوۡمٞ لَّا يَعۡقِلُونَ ١٤

They will not fight you all except within fortified cities or from behind walls. Their violence [i.e., enmity] among themselves is severe. You think they are together, but their hearts are diverse. That is because they are a people who do not reason.

كَمَثَلِ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ قَرِيبٗاۖ ذَاقُواْ وَبَالَ أَمۡرِهِمۡ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ١٥

[Theirs is] like the example of those shortly before them: they tasted the bad consequence of their affair, and they will have a painful punishment.

كَمَثَلِ ٱلشَّيۡطَٰنِ إِذۡ قَالَ لِلۡإِنسَٰنِ ٱكۡفُرۡ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيٓءٞ مِّنكَ إِنِّيٓ أَخَافُ ٱللَّهَ رَبَّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ١٦

[The hypocrites are] like the example of Satan when he says to man, "Disbelieve." But when he disbelieves, he says, "Indeed, I am disassociated from you. Indeed, I fear Allāh, Lord of the worlds."

فَكَانَ عَٰقِبَتَهُمَآ أَنَّهُمَا فِي ٱلنَّارِ خَٰلِدَيۡنِ فِيهَاۚ وَذَٰلِكَ جَزَٰٓؤُاْ ٱلظَّٰلِمِينَ ١٧

So the outcome for both of them is that they will be in the Fire, abiding eternally therein. And that is the recompense of the wrongdoers.

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَلۡتَنظُرۡ نَفۡسٞ مَّا قَدَّمَتۡ لِغَدٖۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ ١٨

O you who have believed, fear Allāh. And let every soul look to what it has put forth for tomorrow - and fear Allāh. Indeed, Allāh is Aware of what you do.

وَلَا تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ نَسُواْ ٱللَّهَ فَأَنسَىٰهُمۡ أَنفُسَهُمۡۚ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ ١٩

And be not like those who forgot Allāh, so He made them forget themselves. Those are the defiantly disobedient.

لَا يَسۡتَوِيٓ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِ وَأَصۡحَٰبُ ٱلۡجَنَّةِۚ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَنَّةِ هُمُ ٱلۡفَآئِزُونَ ٢٠

Not equal are the companions of the Fire and the companions of Paradise. The companions of Paradise - they are the attainers [of success].

لَوۡ أَنزَلۡنَا هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانَ عَلَىٰ جَبَلٖ لَّرَأَيۡتَهُۥ خَٰشِعٗا مُّتَصَدِّعٗا مِّنۡ خَشۡيَةِ ٱللَّهِۚ وَتِلۡكَ ٱلۡأَمۡثَٰلُ نَضۡرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمۡ يَتَفَكَّرُونَ ٢١

If We had sent down this Qur’ān upon a mountain, you would have seen it humbled and splitting from fear of Allāh. And these examples We present to the people that perhaps they will give thought.

هُوَ ٱللَّهُ ٱلَّذِي لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ عَٰلِمُ ٱلۡغَيۡبِ وَٱلشَّهَٰدَةِۖ هُوَ ٱلرَّحۡمَٰنُ ٱلرَّحِيمُ ٢٢

He is Allāh, other than whom there is no deity, Knower of the unseen and the witnessed.1 He is the Entirely Merciful, the Especially Merciful.

هُوَ ٱللَّهُ ٱلَّذِي لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡمَلِكُ ٱلۡقُدُّوسُ ٱلسَّلَٰمُ ٱلۡمُؤۡمِنُ ٱلۡمُهَيۡمِنُ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡجَبَّارُ ٱلۡمُتَكَبِّرُۚ سُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ عَمَّا يُشۡرِكُونَ ٢٣

He is Allāh, other than whom there is no deity, the Sovereign,1 the Pure,2 the Perfection,3 the Grantor of Security,4 the Overseer,5 the Exalted in Might,6 the Compeller,7 the Superior.8 Exalted is Allāh above whatever they associate with Him.

هُوَ ٱللَّهُ ٱلۡخَٰلِقُ ٱلۡبَارِئُ ٱلۡمُصَوِّرُۖ لَهُ ٱلۡأَسۡمَآءُ ٱلۡحُسۡنَىٰۚ يُسَبِّحُ لَهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ٢٤

He is Allāh, the Creator,1 the Producer,2 the Fashioner;3 to Him belong the best names.4 Whatever is in the heavens and earth is exalting Him. And He is the Exalted in Might, the Wise.5

أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نافَقُوا، أي أظهروا خلاف ما أضمروا، وهو مأخوذ من (نافقاء اليربوع) وهي أخذ جحرته، إذا أخذ عليه جحر أخذ من جحر آخر، فيقال عند ذلك: نفق ونافق، فشبه فعل المنافق بفعل اليربوع لأنه يدخل من باب ويخرج من باب، فكذلك المنافق يدخل في الإسلام باللفظ ويخرج منه بالعقد. والنفاق لفظ إسلامي لم يكن يعرفه العرب قبل الإسلام.

يَقُولُونَ لِإِخْوانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وهم بنو قريضة والنضير لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ من دياركم لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَداً سألنا خذلانكم وخلافكم أَبَداً وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ لَأَنْتُمْ يا معشر المؤمنين أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ يقول: يرهبونكم أشدّ من رهبتهم من الله ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ لا يُقاتِلُونَكُمْ يعني اليهود جَمِيعاً إِلَّا فِي قُرىً مُحَصَّنَةٍ، ولا يبرزون لكم بالقتال أَوْ مِنْ وَراءِ جُدُرٍ.

قرأ ابن عباس ومجاهد وابن كثير وابو عمرو: (جدار) - بالألف- على الواحد.

وروي عن بعض أهل مكّة: (جَدْرٍ) - بفتح الجيم وجزم الدال- وهي لغة في الجدار.

وقرأ يحيى بن وثاب (جُدْرٍ) ، بضم الجيم وسكون الدال.

وقرأ الباقون بضمّهما.

بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ يعني: بعضهم فظّ على بعض وبعضهم عدوّ لبعض، وعداوتهم بعضهم بعضا شديدة.

وقيل: بأسهم فيما بينهم من وراء الحيطان والحصون شديدة، فإذا خرجوا لكم فهم أجبن خلق الله سبحانه.

تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى متفرقة مختلفة. قال قتادة: أهل الباطل مختلفة أهواؤهم، مختلفة شهاداتهم مختلفة أعمالهم وهم مجتمعون في عداوة أهل الحق، وقال مجاهد: أراد أن دين المنافقين يخالف دين اليهود ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ يعني مثل هؤلاء كمثل الذين من قبلهم وهم مشركوا مكة. قَرِيباً ذاقُوا وَبالَ أَمْرِهِمْ يوم بدر قاله مجاهد، وقال ابن عباس: كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ يعني بني قينقاع. وقيل: مثل قريظة كمثل بني النضير وكان بينهما سنتان، فربما ذاقُوا وَبالَ أَمْرِهِمْ الجلاء والنفي. وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ.

ثم ضرب مثلا للمنافقين واليهود في تخاذلهم فقال عزّ من قائل: كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اكْفُرْ الآية.

أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا الباقرحي قال: حدّثنا الحسن بن علوية قال: حدّثنا إسماعيل بن عيسى قال: حدّثنا إسحاق بن بشر قال: حدّثنا مقاتل عن عطاء عن ابن عباس وعبد الرحمن بن يزيد عن أبيه عن ابن عباس في قوله سبحانه: كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ

الآية قال: كان راهب في الفترة يقال له برصيصا [[راجع لقصّة برصيصا البداية والنهاية: 2/ 162، وزاد المسير لابن الجوزي: 7/ 343.]] وكان قد تعبّد في صومعة له سبعين سنة لم يعص الله فيها طرفة عين وأن إبليس أعياه في أمره الحيل، فلم يستطيع له شيء فجمع ذات يوم مردة الشياطين فقال: ألا أحد منكم يكفيني أمر برصيصا، فقال الأبيض، وهو صاحب الأنبياء وهو الذي يتصدى للنبي ﷺ‎ وجاءه في صورة جبرائيل ليوسوس إليه على وجه الوحي فجاءه جبرائيل حتى دخل بينهما فدفعه بيده دفعة هينة فوقع من دفعة جبرائيل إلى أقصى أرض الهند، فذلك قوله سبحانه: ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ مُطاعٍ [[سورة التكوير: 20.]] .

فقال الأبيض لإبليس: أنا أكفيك فانطلق فتزيّن بزينة الرهبان وحلق وسط رأسه ثم مضى حتى أتى صومعة برصيصا فناداه فلم يجبه برصيصا وكان لا ينفتل عن صلاته إلّا في كل عشرة أيام ولا يفطر إلّا في عشرة أيام مرّة، فكان يواصل الأيام العشرة والعشرين والأكثر، فلما رأى الأبيض أنّه لا يجيبه أقبل على العبادة في أصل صومعته فلما أنفتر برصيصا اطّلع من صومعته ورأى الأبيض قائما منتصبا يصلّي في هيئة حسنة من هيئة الرهبان فلما رأى ذلك من حاله ندم في نفسه حين لها عنه فلم يجبه، فقال له: إنّك ناديتني وكنت مشتغلا عنك فحاجتك؟

قال: حاجتي أني أحببت أن أكون معك فأناديك وأقتبس من علمك ونجتمع على العبادة فتدعو لي وأدعو لك قال: برصيصا: إني لفي شغل عنك فإن كنت مؤمنا فإن الله سبحانه سيجعل لك فيما أدعو للمؤمنين والمؤمنات نصيبا إن استجاب لي، ثم أقبل على صلاته وترك الأبيض، وأقبل الأبيض يصلي فلم يلتفت إليه برصيصا أربعين يوما بعدها، فلمّا انفتل رآه قائما يصلي، فلمّا رأى برصيصا شدّة اجتهاده وكثرة تضرّعه وابتهاله الى الله سبحانه كلّمه وقال له:

حاجتك؟

قال: حاجتي أن تأذن لي فارتفع إليك، فأذن له فارتفع إليه في صومعته فأقام الأبيض معه حولا يتعبد لا يفطر إلّا في كل أربعين يوما ولا ينفتل عن صلاته إلّا في كل أربعين يوما مرّة وربّما مدّ الى الثمانين، فلما رأى برصيصا اجتهاده تفاطرت إليه نفسه فأعجبه شأن الأبيض، فلما حال الحول قال الأبيض لبرصيصا: إني منطلق فإنّ لي صاحبا غيرك ظننت أنك أشدّ اجتهادا ممّا أرى، وكان يبلغنا عنك غير الذي رأيت، قال: فدخل على برصيصا من ذلك أمر شديد وكره مفارفته للّذي رأى من شدّة اجتهاده، فلما ودّعه قال له الأبيض: إنّ عندي دعوات أعلّمكها أياك تدعو بهن فهي خير مما أنت فيه، يشفي الله بها السقيم، ويعافي بها المبتلى والمجنون، قال برصيصا: إني أكره هذه المنزلة، لأن لي في نفسي شغلا وإني أخاف إن علم بهذا الناس شغلوني عن العبادة، فلم يزل به الأبيض حتى علّمه، ثم انطلق حتى أتى إبليس فقال له: قد والله أهلكت الرجل، قال: فانطلق الأبيض فتعرّض لرجل فخنقه ثم جاءه في صورة رجل متطبّب فقال لأهله:

إنّ بصاحبكم جنونا فأعالجه؟

قالوا: نعم، فقال لهم: إني لا أقوى على جنّيته ولكن سأرشدكم الى من يدعو الله عزّ وجلّ فيعافى، فقالوا له: دلّنا، فانطلقوا الى برصيصا فإنّ عنده أسم الله الذي إذا دعى به أجاب، قال: فانطلقوا إليه فسألوه ذلك فدعا بتلك الكلمات فذهب عنه الشيطان، وكان يفعل الأبيض بالناس مثل، من مكانك قال: وما هي؟ قال: تسجد لي، قال: أفعل، فسجد له، فقال: يا برصيصا هذا الذي أردت منك صارت عاقبة أمرك الى أن كفرت بربّك فلما كفر قال: إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ يقول الله سبحانه: فَكانَ عاقِبَتَهُما يعني الشيطان وذلك الإنسان أَنَّهُما فِي النَّارِ خالِدَيْنِ فِيها وَذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ.

قال ابن عباس: فضرب الله هذا المثل ليهود بني النضير والمنافقين من أهل المدينة، وذلك

أن الله سبحانه أمر نبيّه (عليه السلام) أن يخلي بني النضير عن المدينة، فدسّ المنافقون إليهم، فقالوا: لا تجيبوا محمدا الى ما دعاكم ولا تخرجوا من دياركم فإن قاتلكم كنا معكم وإن أخرجكم خرجنا معكم. قال: فأطاعوهم فدربوا على حصونهم وتحصّنوا في ديارهم رجاء نصر المنافقين حتى جاءهم النبي ﷺ‎ فناصبوه الحرب يرجون نصر المنافقين فخذلوهم وتبرّؤوا منهم كما تبرّأ الشيطان من برصيصا وخذله.

قال ابن عباس: فكانت الرهبان بعد ذلك في بني إسرائيل لا يمشون إلّا بالتقية والكتمان وطمع اهل الفجور والفسق في الأحبار فرموهم بالبهتان والقبيح، حتى كان أمر جريج الراهب، فلمّا برّأ الله جريجا الراهب مما رموه به فانبسطت بعدها الرهبان وظهروا للناس [[راجع تفسير القرطبي: 18/ 42.]] .

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ بأداء فرائضه واجتناب معاصيه وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ يعني يوم القيامة وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ أي نسوا حق الله وتركوا أمره فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ يعني حظ أنفسهم أن يقدّموا لها خيرا أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ لا يَسْتَوِي أَصْحابُ النَّارِ وَأَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفائِزُونَ لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ وركّبنا فيه العقل لَرَأَيْتَهُ في صلابته ورزانته خاشِعاً ذليلا خاضعا مُتَصَدِّعاً يعني متشققا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عالِمُ الْغَيْبِ وهو ما غاب عن العباد مما لم يعاينوه ولم يعلموه وَالشَّهادَةِ وهي ما علموه وشاهدوه، وقال الحسن: يعني السرّ والعلانية.

هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ وهو ذو الملك وقيل: القادر على اختراع الأعيان الْقُدُّوسُ الظاهر من كل عيب المنزه عما لا يليق به. قال قتادة: المبارك، وقال ابن كيسان: الممجّد وهو بالسريانية قديشا.

السَّلامُ الْمُؤْمِنُ قال بعضهم: المصدّق لرسله بإظهار معجزاته عليهم، ومصدّق للمؤمنين ما وعدهم من الثواب وقابل إيمانهم، ومصدق للكافرين ما أوعدهم من العقاب.

قال ابن عباس ومقاتل: هو الذي آمن الناس من ظلمه وآمن من آمن به من عذابه من الإيمان الذي هو هذا التخويف كما قال: وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ [[سورة قريش: 4.]] .

وقال النابغة:

والمؤمن العائذات الطير يمسحها ... ركبان مكة بين الغيل والسند [[تفسير القرطبي: 18/ 46- العائذات: ما عاذ بالبيت من الطير، والغيل: الشجر الكثير الملتف، والسند:

ما قابلك من الجبل وعلا.]]

وقال ابن زيد: هو الذي يصدّق المؤمنين إذا وحّدوه، وقال الحسين بن الفضل: هو الداعي الى الإيمان والآمر به والموجب لأهله اسمه. القرظي: هو المجير كما قال: وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجارُ عَلَيْهِ [[سورة المؤمنون: 88.]] . الْمُهَيْمِنُ قال ابن عباس ومجاهد وقتادة: الشهيد. ضحاك: الأمين. ابن زيد: المصدّق. ابن كيسان: هو اسم من أسماء الله في الكتب، الله أعلم بتأويله. عطا:

المأمون على خلقه. الخليل: هو الرقيب. يمان: هو المطّلع. سعيد بن المسيب: القاضي.

المبرد: [الْمُهَيْمِنُ في معنى مؤيمن إلّا أن الهاء بدل من الهمزة] [[عن زاد المسير: 2/ 284.]] .

قال أبو عبيدة: هي خمسة أحرف في كلام العرب على هذا الوزن: المهيمن والمسيطر والمبيطر والمنيقر- وهو الذاهب في الأرض-، والمخيمر اسم جبل.

الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ قال ابن عباس: هو العظيم، وجبروت الله عظمته، وهو على هذا القول صفة ذات، وقيل: هو من الجبر وهو الإصلاح، يقال: جبرت العظم إذا أصلحته بعد كسر، وجبرت الأمر، والجبر وجبرته فجبر تكون لازما ومتعديا قال العجاج:

قد جبر الدين الإله فجبر [[لسان العرب: 4/ 115.]]

ونظيره في كلام العرب: دلع لسانه فدلع، وفغر فاه ففغر، وعمّر الدار فعمرت، وقال السدي: هو الذي يقهر الناس ويجبرهم على ما أراد.

أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا عبد الله بن يوسف، قال: حدّثنا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي، قال: حدّثنا محمد بن بكار بن الريان. قال حدّثنا أبو معشر عن محمد بن كعب قال: إنما يسمّى الجبار، لأنّه جبر الخلق على ما أراد والخلق أرق شأنا من أن يعصوا [له أمرا] [[سقط في المخطوط والظاهر ما أثبتناه.]] بل طرفة عين إلّا بما أراد، وسئل بعض الحكماء عن معنى الجبّار فقال: هو القهّار الذي إذا أراد أمرا فعله وحكم فيه بما يريد لا يحجزه عنه حاجز ولا يفكّر فيمن دونه. إن آدم اجتبي من غير طاعة وإن إبليس لعن على كثرة الطاعة، وقيل: هو الذي لا تناله الأيدي، من قول العرب: نخلة جبّارة، إذا طالت وفاتت الأيدي قال الشاعر:

سوامق جبار أثيث فروعه ... وعالين قنوانا من البسر أحمرا [[تفسير القرطبي: 18/ 47.]]

الْمُتَكَبِّرُ عن كل سوء، المتعظّم عمّا لا يليق به، وأصل الكبر والكبرياء: الامتناع وقلة الانقياد، قال حميد بن ثور:

عفت مثل ما يعفو الفصيل فأصبحت بها كبرياء الصعب وهي ذلول [[تفسير القرطبي: 18/ 47، لسان العرب: 12/ 431 وفيه: الطليح، بدل: الفصيل، وركوب، بدل:

ذلول.]] الْخالِقُ المقدّر المقلّب للشيء بالتدبير الى غيره كما قال: يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ [[سورة الزمر: 6.]] وقال: خَلَقَكُمْ أَطْواراً [[سورة نوح: 14.]] الْبارِئُ المنشئ للأعيان من العدم الى الوجود الْمُصَوِّرُ الممثل للمخلوقات والعلامات المميّزة والهيئات المتفرّقة حتى يتميّز بها بعضها من بعض يقال: هذه صورة الأمر أي مثاله، فأولا يكون خلقا ثم [نطفة ثمّ علقة] [[في المخطوط كلمة غير مقروؤة والظاهر ما أثبتناه.]] ثم تصويرا إذا انتهى وكمل، والله أعلم.

لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى يُسَبِّحُ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ.

أخبرنا أحمد بن محمد بن يعقوب الفقيه بالقصر قال: أخبرنا إسماعيل بن محمد بن إسماعيل ببغداد قال: حدّثنا الحسن بن عرفة قال: حدّثنا محمد بن صالح الواسطي عن سليمان ابن محمد عن عمر بن نافع عن أبيه قال: قال عبد الله بن عمر: رأيت رسول الله ﷺ‎ قائما على هذا المنبر- يعني منبر رسول ﷺ‎- وهو يحكي عن ربّه سبحانه فقال: «إنّ الله تعالى إذا كان يوم القيامة جمع السموات والأرضين السبع في قبضته تبارك وتعالى ثم قال هكذا وشدّ قبضته ثم بسطها ثم يقول: أنا اللَّهُ أنا الرَّحْمنُ أنا الرَّحِيمُ أنا الْمَلِكُ أنا الْقُدُّوسُ أنا السَّلامُ أنا الْمُؤْمِنُ أنا الْمُهَيْمِنُ أنا الْعَزِيزُ أنا الْجَبَّارُ أنا الْمُتَكَبِّرُ أنا الذي بدأت الدنيا ولم تك شيئا، أنا الذي أعدتها أين الملوك أين الجبابرة» [264] [[الدرّ المنثور: 5/ 335.]] .

أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن وهب قال: حدّثنا محمد بن يونس الكريمي قال:

حدّثنا عمرو بن عاصم قال حدثنا أبو الأشهب عن يزيد بن آبان عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ‎: «من قرأ آخر سورة الحشر غفر له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر» [265] [[تفسير القرطبي: 18/ 49، تفسير مجمع البيان: 9/ 439.]] .

وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن شنبه قال: حدّثنا ابن وهب قال: حدثنا أحمد بن أبي سريح وأحمد بن منصور الرمادي قالا: حدّثنا أبو أحمد الزبيدي قال: حدّثنا خالد بن سليمان قال: حدّثني نافع عن أبي نافع عن معقل بن يسار أنّ رسول الله ﷺ‎ قال: «من قال حين يصبح ثلاث مرات: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم وقرأ ثلاث آيات من آخر سورة الحشر، وكّل الله به سبعين ألف ملك يصلّون عليه حتى يمسي، فأن مات في ذلك اليوم مات شهيدا، ومن قال حين يمسي كان بتلك المنزلة» [266] [[مسند أحمد: 5/ 26، كنز العمّال: 2/ 138 ح 3491.]] .

وأخبرني محمد بن القاسم قال: حدّثنا عبد الله بن محمد قال: حدّثنا السماح قال: حدّثنا أحمد بن الفرح قال: حدّثنا أبو عثمان- يعني المؤذن- قال: حدّثنا محمد بن زياد قال: سمعت أبا أمامة يقول: قال رسول الله ﷺ‎: «من قرأ خواتيم الحشر من ليل أو نهار فقبض في ذلك اليوم أو الليلة فقد أوجب الجنة» [267] [[كنز العمّال: 1/ 583، ح 2643.]] .

وأخبرني ابن القاسم قال حدّثنا ابن بختيار قال: حدثنا مكي بن عيدان قال: حدّثنا إبراهيم ابن عبد الله قال: حدّثنا عمرو بن عاصم قال: حدّثنا أبو الأشهب قال: حدّثنا يزيد الرقاسي عن أنس أنّ رسول الله ﷺ‎ قال: «من قرأ آخر سورة الحشر: لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ الى آخرها فمات من ليلته مات شهيدا» [268] [[كنز العمّال: 1/ 593، ح 2703.]] .

وأخبرني أبو عثمان بن أبي بكر الحبري قال: حدثنا أبو الحسين محمد بن محمد الحجاجي قال: أخبرنا عبد الله بن أبان بن شداد أن إسماعيل بن محمد الحبريني حدّثهم قال:

حدثنا علي بن زريق قال: حدثنا هشام عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة قال:

سألت رسول الله ﷺ‎ عن اسم الله الأعظم فقال: «عليك بآخر سورة الحشر فأكثر قرأتها، فأعدت عليه فعاد عليّ، فأعدت عليه فعاد عليّ» [269] [[تفسير القرطبي: 18/ 49.]] .

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском