Az-Zamakhshari · Tafsir · in Arabic
An-Nahl 16:66–83
16:66Page 274
وَإِنَّ لَكُمۡ فِي ٱلۡأَنۡعَٰمِ لَعِبۡرَةٗۖ نُّسۡقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهِۦ مِنۢ بَيۡنِ فَرۡثٖ وَدَمٖ لَّبَنًا خَالِصٗا سَآئِغٗا لِّلشَّٰرِبِينَ ٦٦
And indeed, for you in grazing livestock is a lesson. We give you drink from what is in their bellies - between excretion and blood - pure milk, palatable to drinkers.
ذكر سيبويه الأنعام في باب مالا ينصرف في الأسماء المفردة الواردة على أفعال، كقولهم:
ثوب أكياش، ولذلك رجع الضمير إليه مفرداً. وأمّا فِي بُطُونِها في سورة المؤمنين، فلأنّ معناه الجمع. ويجوز أن يقال في الأنعام وجهان، أحدهما: أن يكون تكثير نعم [[قوله «أن يكون تكثير نعم» لعله «تكسير» بالسين. (ع)]] كأجبال في جبل، وأن يكون اسماً مفرداً مقتضياً لمعنى الجمع كنعم، فإذا ذكر فكما يذكر «نعم» في قوله:
فِى كُلِّ عَامٍ نَعَمٌ تَحْوُونَه ... يُلْقِحُهُ قَوْمٌ وَتَنْتِجُونَهْ [[في كل عام نعم تحوونه ... يلقحه قوم وتنتجونه
أربابه نوكى فلا يحمونه ... ولا يلاقون طعانا دونه
أنعم الأبناء تحسبونه ... هيهات هيهات لما ترجونه
لصبي من بنى أسد اسمه قيس بن الحصين الحارثي. والنعم: أسم جمع يعامل معاملة المفرد. وقد يراعى معناه فيعامل كالجمع. والأنعام عده سيبويه من المفردات المبنية على أفعال، كأخلاق وأمشاج، فيعامل بالتذكير تارة اعتباراً بلفظه، وبالتأنيث أخرى اعتباراً بمعناه. وقيل: هو جمع نعم كأسباب وسبب، والكلام تحسر وتحزن في صورة الاخبار، ويحتمل تقدير همزة الاستفهام التوبيخي أو التعجبي قبل في، أى: أفى كل عام تفعلون ذلك. وروى:
أكل عام، بالاستفهام. وكل: نصب على الظرفية. وفيه الاخبار بالزمان عن اسم العين وهو نعم. إما لأنه يشبه المعنى لتجدده كل عام كما قاله ابن مالك وغيره في مثله. أو على تقدير مضاف كما ذهب إليه جمهور البصريين» أى:
نهب نعم. وجملة تحوونه: صفة نعم، ويجوز أنها خبره، وكل عام: ظرف لتحوونه، وقدم لأنه محط الاستفهام.
وعليه فالمسوغ للابتداء بنعم وقوعه في حيز الاستفهام. أو تقديم معمول الخبر عليه لأنه كتقديم الخبر. ويلقحه قوم أى يطلقون فحوله على إناثه فتحمل عندهم. وتنتجونه أنتم: أى تستولدونه عندكم، كناية عن نهبه منهم. والأرباب الأصحاب. والنوكى: جمع أنوك كحمقى جمع أحمق وزنا ومعنى. والطعان: المطاعنة بالرماح، أى: لا يحاربون أمامه ويصبرون للحرب. وقوله أنعم: استفهام إنكارى توبيخي، أى: لا تحسبوا نعمنا نعم أولئك الحمقى الضعاف.
وهيهات بمعنى بعد، وكرره للتوكيد وقطع الأطماع. وقوله «لما ترجونه» متعلق بمحذوف، أى: أقول ذلك لما ترجونه، واللام فيه لتبيين الفاعل. ويجوز أنها زائدة فيه، والرجا: الطمع، ويجوز أنه الظن.]]
وإذا أنث ففيه وجهان: أنه تكسير نعم. وأنه في معنى الجمع. وقرئ نُسْقِيكُمْ بالفتح والضم، وهو استئناف، كأنه قيل: كيف العبرة، فقيل نسقيكم مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ أى يخلق الله اللبن وسيطاً بين الفرث والدم يكتنفانه، وبينه وبينهما برزخ من قدرة الله لا يبغى أحدهما عليه بلون ولا طعم ولا رائحة، بل هو خالص من ذلك كله. قيل: إذا أكلت البهيمة العلف فاستقرّ في كرشها طبخته، فكان أسفله فرثا، وأوسطه لبنا، وأعلاه دما. والكبد مسلطة على هذه الأصناف الثلاثة تقسمها، فتجرى الدم في العروق، واللبن في الضرع، وتبقى الفرث في الكرش.
فسبحان الله ما أعظم قدرته وألطف حكمته لمن تفكر وتأمّل. وسئل شقيق عن الإخلاص فقال: تمييز العمل من العيوب، كتمييز اللبن من بين فرث ودم سائِغاً سهل المرور في الحلق.
ويقال: لم يغص أحد باللبن قط. وقرئ: سيغاً، بالتشديد. وسيغاً، بالتخفيف. كهين ولين.
فإن قلت: أى فرق بين «من» الأولى والثانية؟ قلت: الأولى للتبعيض، لأن اللبن بعض ما في بطونها، كقولك: أخذت من مال زيد ثوباً. والثانية لابتداء الغاية، لأن بين الفرث والدم مكان الإسقاء الذي منه يبتدأ، فهو صلة لنسقيكم، كقولك: سقيته من الحوض، ويجوز أن يكون حالا من قوله لَبَناً مقدما عليه، فيتعلق بمحذوف، أى: كائناً من بين فرث ودم.
ألا ترى أنه لو تأخر فقيل: لبناً من بين فرث ودم كان صفة له، وإنما قدم لأنه موضع العبرة، فهو قمن بالتقديم. وقد احتج بعض من يرى أن المنى طاهر على من جعله نجسا، لجريه في مسلك البول بهذه الآية، وأنه ليس بمستنكر أن يسلك مسلك البول وهو طاهر، كما خرج اللبن من بين فرث ودم طاهراً.
16:67Page 274
وَمِن ثَمَرَٰتِ ٱلنَّخِيلِ وَٱلۡأَعۡنَٰبِ تَتَّخِذُونَ مِنۡهُ سَكَرٗا وَرِزۡقًا حَسَنًاۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لِّقَوۡمٖ يَعۡقِلُونَ ٦٧
And from the fruits of the palm trees and grapevines you take intoxicant and good provision.1 Indeed in that is a sign for a people who reason.
فإن قلت: بم تعلق قوله وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ؟ قلت: بمحذوف تقديره:
ونسقيكم من ثمرات النخيل والأعناب، أى: من عصيرها، وحذف لدلالة نسقيكم قبله عليه، وقوله تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً بيان وكشف عن كنه الإسقاء. أو يتعلق بتتخذون، ومنه من تكرير الظرف للتوكيد، كقولك: زيد في الدار فيها. ويجوز أن يكون تَتَّخِذُونَ صفة موصوف محذوف، كقوله:
... بِكَفّىْ كَانَ مِنْ أرْمَى الْبَشَرْ [[مالك عندي غير سوط وحجر ... وغير كبداء شديدة الوتر
جادت بكفى كان من أرمى البشر
السوط: آلة للضرب، معمولة من الجلد. وكبداء صفة لمحذوف، أى قوس كبداء غليظة الكبد، أى المقبض.
وقيل: واسعته. والوتر: حبل تشد به القوس. وجادت: صارت جيدة. ويروى بدله: ترمى. وشبه الرمي لها مجاز عقلى. وكفى مضاف لمحذوف قامت صفته في اللفظ مقامه، وهي جملة «كان» وحذف المنعوت الأول مطرد، والثاني ضرورة، لأنه لا يجوز حذف المنعوت إلا إذا كان بعض اسم مجرور بمن أو «في» ، أو صلح نعته لمباشرة العامل. و «كان» هنا ليس للمضى، بل لمجرد الثبوت والدوام، أى: بكفى رجل متصف بأنه دائما من أشد الناس رميا، يعنى نفسه. ففيه تجريد. يقول لعدوه: ليس لك عندي غير هذه الأشياء، وهو ضرب من التهديد والتقريع: هدده بالسوط عند القرب، وبالحجر عند المفارقة، وبالسهم عند البعد: ويروى «سهم» بدل سوط، فيضيع الترتيب.]] تقديره: ومن ثمرات النخيل والأعناب ثمر تتخذون منه سكراً ورزقا حسناً، لأنهم يأكلون بعضها ويتخذون من بعضها السكر. فإن قلت: فإلام يرجع الضمير في منه إذا جعلته ظرفا مكرّراً؟
قلت: إلى المضاف المحذوف الذي هو العصير كما رجع في قوله تعالى أَوْ هُمْ قائِلُونَ إلى الأهل المحذوف، والسكر: الخمر، سميت بالمصدر من سكر سكراً وسكراً. نحو رشد رشداً ورشداً. قال:
وَجَاؤُنَا بهم سَكَرٌ عَلَيْنَا ... فَأَجْلَى اليَوْمُ وَالسَّكْرَانُ صَاحِى [[تقدم شرح هذا الشاهد بهذا الجزء ص 395 فراجعه إن شئت اه مصححه.]]
وفيه وجهان: أحدهما أن تكون منسوخة. وممن قال بنسخها: الشعبي والنخعي. والثاني أن يجمع بين العتاب والمنة. وقيل: السكر النبيذ، وهو عصير العنب والزبيب والتمر إذا طبخ حتى يذهب ثلثاه، ثم يترك حتى يشتدّ، وهو حلال عند أبى حنيفة إلى حدّ السكر ويحتج بهذه الآية وبقوله ﷺ «الخمر حرام لعينها والسكر من كل شراب» [[أخرجه النسائي من حديث ابن عباس رضى الله عنهما مرفوعا. ورواه العقيلي من وجه آخر عن على مرفوعا. وفيه محمد بن الفرات الكوفي، وهو منكر الحديث.]] وبأخبار جمة. ولقد صنف شيخنا أبو على الجبائي قدّس الله روحه غير كتاب في تحليل النبيذ، فلما شيخ [[قوله «فلما شيخ وأخذت منه السن العالية» في الصحاح: شاخ الرجل يشيخ شيخا بالتحريك، وشيخ تشييخا: أى شاخ. (ع)]] وأخذت منه السنّ العالية قيل له: لو شربت منه ما تتقوى به، فأبى. فقيل له: فقد صنفت في تحليله، فقال:
تناولته الدعارة [[قوله «فقال تناولته الدعارة» في الصحاح: الدعارة الفسق والخبث. (ع)]] فسمج في المروءة. وقيل: السكر الطعم [[قوله «وقيل السكر الطعم» في الصحاح: الطعم بالضم: الطعام. (ع)]] وأنشد:
جَعَلْتُ أَعْرَاضَ الكِرَامِ سَكَرَا
أى تنقلت بأعراضهم [[قوله «أى تنقلت بأعراضهم» في الصحاح: النقل بالضم ما ينتقل به على الشراب. (ع)]] . وقيل هو من الخمر، وإنه إذا ابترك [[قوله «وإنه إذا ابترك» في الصحاح: ابترك، أى أسرع في العدو وجد. (ع)]] في أعراض الناس، فكأنه تخمر بها. والرزق الحسن: الخل والرب والتمر والزبيب وغير ذلك. ويجوز أن يجعل السكر رزقاً حسناً، كأنه قيل: تتخذون منه ما هو سكر ورزق حسن.
16:68–69Page 274
وَأَوۡحَىٰ رَبُّكَ إِلَى ٱلنَّحۡلِ أَنِ ٱتَّخِذِي مِنَ ٱلۡجِبَالِ بُيُوتٗا وَمِنَ ٱلشَّجَرِ وَمِمَّا يَعۡرِشُونَ ٦٨
And your Lord inspired to the bee, "Take for yourself among the mountains, houses [i.e., hives], and among the trees and [in] that which they construct.
ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ فَٱسۡلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلٗاۚ يَخۡرُجُ مِنۢ بُطُونِهَا شَرَابٞ مُّخۡتَلِفٌ أَلۡوَٰنُهُۥ فِيهِ شِفَآءٞ لِّلنَّاسِۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لِّقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ ٦٩
Then eat from all the fruits1 and follow the ways of your Lord laid down [for you]." There emerges from their bellies a drink, varying in colors, in which there is healing for people. Indeed in that is a sign for a people who give thought.
الإيحاء إلى النحل: إلهامها والقذف في قلوبها وتعليمها على وجه هو أعلم به، لا سبيل لأحد إلى الوقوف عليه، وإلا فنيقتها [[قوله «وإلا فنيقتها» أى تأنقها. أفاده الصحاح. (ع)]] في صنعتها، ولطفها في تدبير أمرها، وإصابتها فيما يصلحها، دلائل بينة شاهدة على أنّ الله أودعها علماً بذلك وفطنها، كما أولى أولى العقول عقولهم. وقرأ يحيى بن وثاب إِلَى النَّحْلِ بفتحتين. وهو مذكر كالنخل، وتأنيثه على المعنى أَنِ اتَّخِذِي هي أن المفسرة، لأنّ الإيحاء فيه معنى القول. وقرئ: «بيوتا» بكسر الباء لأجل الياء. ويَعْرِشُونَ بكسر الراء وضمها: يرفعون من سقوف البيوت. وقيل: ما يبنون للنحل في الجبال والشجر والبيوت من الأماكن التي تتعسل فيها. والضمير في يَعْرِشُونَ للناس. فإن قلت: ما معنى «من» في قوله أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ وهلا قيل في الجبال وفي الشجر؟ قلت: أريد معنى البعضية، وأن لا تبنى بيوتها [[قال محمود: «قلت أريد معنى البعضية وأن لا تبنى بيوتها ... الخ» قال أحمد: ويتزين هذا المعنى الذي نبه عليه الزمخشري في تبعيض «من» المتعلقة باتخاذ البيوت بإطلاق الأكل، كأنه تعالى وكل الأكل إلى شهوتها واختيارها فلم يحجر عليها فيه وإن حجر عليها في البيوت وأمرت باتخاذها في بعض المواضع دون بعض، لأن مصلحة الأكل على الإطلاق باستمراء مشتهاها منه. وأما البيوت فلا تحصل مصلحتها في كل موضع، ولهذا المعنى دخلت ثم لتفاوت الأمر بين الحجر عليها في اتخاذ البيوت والإطلاق لها في تناول الثمرات، كما تقول: راع الحلال فيما تأكله، ثم كل أى شيء شئت، فتوسط ثم لتفاوت الحجر والإطلاق، فسبحان اللطيف الخبير.]] في كل جبل وكل شجر وكل ما يعرش ولا في كل مكان منها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ إحاطة بالثمرات التي تجرسها النحل [[قوله «بالثمرات التي تجرسها النحل» في الصحاح «الجرس» الصوت الخفي، وجرست النحل العرفط إذا أكلته. وفيه أيضا «العرفط» شجر من العضاه. وفيه «العضاه» كل شجر يعظم وله شوك. (ع)]] وتعتاد أكلها، أى ابني البيوت، ثم كلى من كل ثمرة تشتهينها، فإذا أكلتها فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ أى الطرق التي ألهمك وأفهمك في عمل العسل. أو فاسلكي ما أكلت في سبل ربك، أى في مسالكه التي يحيل فيها بقدرته النور المرّ عسلا من أجوافك ومنافذ مآكلك. أو إذا أكلت الثمار في المواضع البعيدة من بيوتك، فاسلكي إلى بيوتك راجعة سبل ربك، لا تتوعر عليك ولا تضلين فيها، فقد بلغني أنها ربما أجدب عليها ما حولها فتسافر إلى البلد البعيد في طلب النجعة. أو أراد بقوله ثُمَّ كُلِي ثم اقصدي أكل الثمرات فاسلكي في طلبها في مظانها سبل ربك ذُلُلًا جمع ذلول، وهي حال من السبل، لأنّ الله ذللها لها ووطأها وسهلها، كقوله هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا أو من الضمير في فَاسْلُكِي أى: وأنت ذلل منقادة لما أمرت به غير ممتنعة شَرابٌ يريد العسل، لأنه مما يشرب مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ منه أبيض وأسود وأصفر وأحمر فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ لأنه من جملة الأشفية والأدوية المشهورة النافعة، وقلّ معجون من المعاجين لم يذكر الأطباء فيه العسل، وليس الغرض أنه شفاء لكل مريض، كما أن كل دواء كذلك.
وتنكيره إمّا لتعظيم الشفاء الذي فيه، أو لأن فيه بعض الشفاء، وكلاهما محتمل. وعن النبي ﷺ أن رجلا جاء إليه فقال: إن أخى يشتكى بطنه، فقال: «اذهب واسقه العسل» فذهب ثم رجع فقال: قد سقيته فما نفع، فقال: «اذهب واسقه عسلا» فقد صدق الله وكذب بطن أخيك، فسقاه فشفاه الله فبرأ، كأنما أنشط من عقال [[متفق عليه من حديث أبى سعيد وغفل الحاكم فاستدركه.]] . وعن عبد الله بن مسعود:
العسل شفاء من كل داء، والقرآن شفاء لما في الصدور، فعليكم بالشفاءين: القرآن والعسل [[لم أره هكذا. وفي الكامل لابن عدى من رواية لابن إسحاق عن أبى الأحوص عن عبد الله رفعه «عليكم بالشفاءين: العسل: شفاء من كل داء. والقرآن شفاء لما في الصدور» وقال: لم يرفعه عن وكيع عن الثوري إلا سفيان بن وكيع. قال ورواه زيد بن الحباب عن الثوري أيضا مرفوعا اه وأخرجه ابن ماجة وابن خزيمة والحاكم من رواية زيد بن الحباب بهذا الاسناد مرفوعا بلفظ «عليكم بالشفاءين: العسل والقرآن» وابن أبى شيبة عن وكيع مرفوعا ولفظه «العسل شفاء من كل داء والقرآن شفاء لما في الصدور» ومن هذا الوجه أخرجه الحاكم والثعلبي أيضا. قال ابن أبى شيبة: وحدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن حيية عن الأسود عن عبد الله قال «عليكم بالشفاءين القرآن والعسل» .]] .
ومن بدع تأويلات الرافضة: أن المراد بالنحل علىّ وقومه: وعن بعضهم أنه قال عند المهدى:
إنما النحل بنو هاشم، يخرج من بطونهم العلم، فقال له رجل: جعل الله طعامك وشرابك مما يخرج من بطونهم فضحك المهدى وحدث به المنصور، فاتخذوه أضحوكة من أضاحيكهم.
16:70Page 274
وَٱللَّهُ خَلَقَكُمۡ ثُمَّ يَتَوَفَّىٰكُمۡۚ وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰٓ أَرۡذَلِ ٱلۡعُمُرِ لِكَيۡ لَا يَعۡلَمَ بَعۡدَ عِلۡمٖ شَيۡـًٔاۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٞ قَدِيرٞ ٧٠
And Allāh created you; then He will take you in death. And among you is he who is reversed to the most decrepit [old] age so that he will not know, after [having had] knowledge, a thing. Indeed, Allāh is Knowing and Competent.
إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ إلى أخسه وأحقره وهو خمس وسبعون سنة عن علىّ رضى الله عنه.
وتسعون سنة عن قتادة، لأنه لا عمر أسوأ حالا من عمر الهرم لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً ليصير إلى حالة شبيهة بحال الطفولة في النسيان، وأن يعلم شيئا ثم يسرع في نسيانه فلا يعلمه إن سئل عنه. وقيل: لئلا يعقل من بعد عقله الأوّل شيئاً: وقيل: لئلا يعلم زيادة علم على علمه.
16:71Page 274
وَٱللَّهُ فَضَّلَ بَعۡضَكُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖ فِي ٱلرِّزۡقِۚ فَمَا ٱلَّذِينَ فُضِّلُواْ بِرَآدِّي رِزۡقِهِمۡ عَلَىٰ مَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُهُمۡ فَهُمۡ فِيهِ سَوَآءٌۚ أَفَبِنِعۡمَةِ ٱللَّهِ يَجۡحَدُونَ ٧١
And Allāh has favored some of you over others in provision. But those who were favored [i.e., given more] would not hand over their provision to those whom their right hands possess [i.e., slaves] so they would be equal to them therein.1 Then is it the favor of Allāh they reject?
أى: جعلكم متفاوتين في الرزق، فرزقكم أفضل مما رزق مماليككم وهم بشر مثلكم وإخوانكم فكان ينبغي أن تردوا فضل ما رزقتموه عليهم، حتى تتساووا في الملبس والمطعم، كما يحكى عن أبى ذرّ أنه سمع النبي ﷺ يقول: إنما هم إخوانكم، فاكسوهم مما تلبسون، وأطعموهم مما تطعمون [[متفق عليه. وأخرجه أصحاب السنن.]] فما رئي عبده بعد ذلك إلا ورداؤه رداؤه وإزاره إزاره من عير تفاوت [[لم أره.]] أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ فجعل ذلك من جملة جحود النعمة. وقيل: هو مثل ضربه الله للذين جعلوا له شركاء، فقال لهم: أنتم لا تسوّون بينكم وبين عبيدكم فيما أنعمت به عليكم، ولا تجعلونهم فيه شركاء، ولا ترضون ذلك لأنفسكم فكيف رضيتم أن تجعلوا عبيدي لي شركاء. وقيل المعنى أنّ الموالي والمماليك أنا رازقهم جميعاً، فهم في رزقي سواء، فلا تحسبن الموالي أنهم يردون على مماليكهم من عندهم شيئاً من الرزق. فإنما ذلك رزقي أجريه إليهم على أيديهم. وقرئ: يجحدون، بالتاء والياء.
16:72Page 274
وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنۡ أَنفُسِكُمۡ أَزۡوَٰجٗا وَجَعَلَ لَكُم مِّنۡ أَزۡوَٰجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةٗ وَرَزَقَكُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَٰتِۚ أَفَبِٱلۡبَٰطِلِ يُؤۡمِنُونَ وَبِنِعۡمَتِ ٱللَّهِ هُمۡ يَكۡفُرُونَ ٧٢
And Allāh has made for you from yourselves mates and has made for you from your mates sons and grandchildren and has provided for you from the good things. Then in falsehood do they believe and in the favor of Allāh they disbelieve?
مِنْ أَنْفُسِكُمْ من جنسكم. وقيل: هو خلق حواء من ضلع آدم. والحفدة: جمع حافد، وهو الذي يحفد، أى يسرع في الطاعة والخدمة. ومنه قول القانت. وإليك نسعى ونحفد وقال:
حَفَدَ الْوَلَائِدَ بَيْنَهُنَّ وَأُسْلِمَتْ ... بِأَكُفِّهِنَّ أزِمَّةَ الأَجْمَالِ [[يقول، حفد من باب ضرب، أى أسرع. الولائد: جمع وليدة وهي البنت الصغيرة، بينهن: أى بين النساء الطاعنات. وأسلمت: مبنى للمجهول، أى تركت في أكف الظعائن والولائد. أزمة الأجمال: جمع زمام، وذلك دليل على حفظهن وصونهن، حتى لا يتخلل ركبهن إلا الولائد.]]
واختلف فيهم فقيل: هم الأختان على البنات [[قوله «فقيل هم الأختان على البنات» في الصحاح: الحفدة الأعوان والخدم. وفيه أيضا: الخبّن بالتحريك كل من كان من قبل المرأة كالأب والأخ، وهم الأختان، كذا عند العرب وأما عند العامة فختن الرجل زوج ابنته اه فلعله أيضا ضمن الأختان معنى الأعوان أو الخلفاء فعداء بعلى. وفي الخازن عن ابن مسعود: الحفدة أختان الرجل على بناته. (ع)]] وقيل: أولاد الأولاد. وقيل: أولاد المرأة من الزوج الأوّل. وقيل: المعنى وجعل لكم حفدة، أى خدما يحفدون في مصالحكم ويعينونكم ويجوز أن يراد بالحفدة: البنون أنفسهم، كقوله سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً كأنه قيل: وجعل لكم منهنّ أولاداً هم بنون وهم حافدون، أى جامعون بين الأمرين مِنَ الطَّيِّباتِ يريد بعضها، لأنّ كل الطيبات في الجنة، وما طيبات الدنيا إلا أنموذج منها أَفَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ وهو ما يعتقدون من منفعة الأصنام وبركتها وشفاعتها، وما هو إلا وهم باطل لم يتوصلوا إليه بدليل ولا أمارة، فليس لهم إيمان إلا به، كأنه شيء معلوم مستيقن. ونعمة الله المشاهدة المعاينة التي لا شبهة فيها لذي عقل وتمييز: هم كافرون بها منكرون لها كما ينكر المحال الذي لا يتصوره العقول.
وقيل: الباطل ما يسوّل لهم الشيطان من تحريم البحيرة والسائبة وغيرهما. ونعمة الله: ما أحل لهم.
16:73Page 275
وَيَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَمۡلِكُ لَهُمۡ رِزۡقٗا مِّنَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ شَيۡـٔٗا وَلَا يَسۡتَطِيعُونَ ٧٣
And they worship besides Allāh that which does not possess for them [the power of] provision from the heavens and the earth at all, and [in fact], they are unable.
الرزق يكون بمعنى المصدر، وبمعنى ما يرزق، فإن أردت المصدر نصبت به شَيْئاً كقوله أَوْ إِطْعامٌ...... يَتِيماً على: لا يملك أن يرزق شيئاً. وإن أردت المرزوق كان شيئا بدلا منه بمعنى قليلا. ويجوز أن يكون تأكيداً للا يملك: أى لا يملك شيئاً من. الملك. ومِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ: صلة للرزق إن كان مصدراً بمعنى: لا يرزق من السموات مطرا، ولا من الأرض نباتاً. أو صفة إن كان اسما لما يرزق. والضمير في وَلا يَسْتَطِيعُونَ لما، لأنه في معنى الآلهة، بعد ما قيل لا يَمْلِكُ على اللفظ. ويجوز أن يكون للكفار، يعنى: ولا يستطيع هؤلاء- مع أنهم أحياء متصرفون أولو ألباب- من ذلك شيئا، فكيف بالجماد الذي لا حسن به.
فإن قلت: ما معنى قوله وَلا يَسْتَطِيعُونَ بعد قوله لا يَمْلِكُ؟ وهل هما إلا شيء واحد؟ قلت:
ليس في لا يَسْتَطِيعُونَ تقدير راجع، وإنما المعنى: لا يملكون أن يرزقوا، والاستطاعة منفية عنهم أصلا، لأنهم موات، إلا أن يقدر الراجع ويراد بالجمع بين نفى الملك والاستطاعة للتوكيد أو يراد: أنهم لا يملكون الرزق ولا يمكنهم أن يملكوه، ولا يتأتى ذلك منهم ولا يستقيم.
16:74Page 275
فَلَا تَضۡرِبُواْ لِلَّهِ ٱلۡأَمۡثَالَۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ وَأَنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ ٧٤
So do not assert similarities to Allāh.1 Indeed, Allāh knows and you do not know.
فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثالَ تمثيل للإشراك بالله والتشبيه به [[قال محمود: «تمثيل للاشراك بالله والتشبيه به ... الخ» قال أحمد: فعلى تفسيره الأول يكون قوله لِلَّهِ متعلقا بالأمثال، كأنه قيل: فلا تمثلوا الله ولا تشبهوه. وعلى الثاني يكون متعلقا بالفعل الذي هو تضربوا، كأنه قيل: فلا تمثلوا لله الأمثال، فان ضرب المثل إنما يستعمل من العالم لغير العالم، ليبين له ما خفى عنه، والله تعالى هو العالم وأنتم لا تعلمون، فتمثيل غير العالم للعالم عكس الحقيقة، والله أعلم.]] ، لأنّ من يضرب الأمثال مشبه حالا بحال وقصة بقصة إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ كنه ما تفعلون وعظمه، وهو معاقبكم عليه بما يوازيه في العظم، لأنّ العقاب على مقدار الإثم وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ كنهه وكنه عقابه، فذاك هو الذي جرّكم إليه وجرأكم عليه، فهو تعليل للنهى عن الشرك. ويجوز أن يراد: فلا تضربوا لله الأمثال، إنّ الله يعلم كيف يضرب الأمثال، وأنتم لا تعلمون.
16:75Page 275
۞ ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلًا عَبۡدٗا مَّمۡلُوكٗا لَّا يَقۡدِرُ عَلَىٰ شَيۡءٖ وَمَن رَّزَقۡنَٰهُ مِنَّا رِزۡقًا حَسَنٗا فَهُوَ يُنفِقُ مِنۡهُ سِرّٗا وَجَهۡرًاۖ هَلۡ يَسۡتَوُۥنَۚ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِۚ بَلۡ أَكۡثَرُهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ ٧٥
Allāh presents an example: a slave [who is] owned and unable to do a thing and he to whom We have provided from Us good provision, so he spends from it secretly and publicly. Can they be equal? Praise to Allāh! But most of them do not know.
ثم علمهم كيف تضرب فقال: مثلكم في إشراككم بالله الأوثان: مثل من سوّى بين عبد مملوك عاجز عن التصرف، وبين حرّ مالك قد رزقه الله مالا فهو يتصرف فيه وينفق منه كيف شاء.
فإن قلت: لم قال مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ [[عاد كلامه. قال: «فان قلت لم قال مملوكا لا يقدر على شيء ... الخ» قال أحمد: والقول بصحة ملكه هو مذهب الامام مالك رضى الله عنه. وفي هذه الآية له معتصم، لأن الله تعالى مثل بالمملوك لأنه مظنة العجز وعدم الملك والتصرف غالبا، ثم أفصح عن المعنى المقصود: وهو أن هذا المملوك ليس بمن اتفق أن ملكة سيده فملك وقدر، بل هو على الأصل المعهود في المماليك عاجز غير قادر، ولو لم يكن ملك العبد متصورا ومعهودا شرعا وعرفا، لكان قوله تعالى لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ كالتكرار لما فهم من قوله عَبْداً مَمْلُوكاً وقول القائل يقول إنه احتراز من المكاتب، بعيد من فصاحة القرآن: فانه لو كان العبد لا يصح منه ملك البتة إلا في حال الكتابة، لكانت إرادته حينئذ من إطلاق اللفظ، كالألغاز الذي لا يعهد مثله في بيان القرآن واستيلائه على صنوف البلاغة. ومثل هذا أنكره الامام أبو المعالي على من حمل قوله عليه السلام: «أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها» على المكاتبة لبعد القصد إليها على شذوذها.
وأما الاحتراز به عن المأذون له فيبنى على القول بأن المراد بعدم القدرة عدم المكنة من التصرف، وإن لم يكن المأذون له مالكا عند هذا القائل. وهذا بعيد عن مطابقة قوله وَمَنْ رَزَقْناهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً فإنها توجب أن يكون المراد بقوله لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ لا يملك شيئاً من الرزق، كما تقول في الحر المفلس: فلان لا يقدر على شيء، أى لا يملك شيئاً يقدر على التصرف فيه. فتلخص من هذا البحث أن في الآية مجالا لنصرة مذهب مالك، وإن كان لقائل أن يقول: هذه الصفة لازمة كالإيضاح لفائدة ضرب المثل بالمملوك، كأنه قيل: وإنما ضربنا المثل بالمملوك، لأن صفته اللازمة له وسمته المعروفة به، أنه لا يقدر على شيء. أى لا يصح منه ملك، وكثيراً ما يجيء الحال والصفة لا يقصد بواحد منهما تقييده ولا تخصيص، ولكن إيضاح وتفسير. ومن ذلك قوله تعالى وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ فقوله لا برهان له به. لا يقصد به تمييز له سوى اللَّهُ من «إله» لأن كل مدعو إلها غير الله تعالى، لا برهان به. وإنما أريد أن عدم البرهان من لوازم دعاء إله غير الله تعالى، فهذا أقصى ما يمكن أن ينتصر به للقائل بعدم صحة ملك العبد. ولنا أن نقول في دفعه أن الأصل في الصفة والحال وشبههما التخصيص والتقييد. وأما الوارد من ذلك لازما فنادر على خلاف الأصل، والله الموفق.]] وكل عبد مملوك، وغير قادر على التصرف؟
قلت: أما ذكر المملوك فليميز من الحرّ، لأن اسم العبد يقع عليهما جميعا، لأنهما من عباد الله.
وأما لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ فليجعل غير مكاتب ولا مأذون له، لأنهما يقدران على التصرف.
واختلفوا في العبد هل يصح له ملك؟ والمذهب الظاهر أنه لا يصحّ له. فإن قلت: مَنْ في قوله وَمَنْ رَزَقْناهُ ما هي؟ قلت: الظاهر أنها موصوفة، كأنه قيل: وحراً رزقناه، ليطابق عبداً. ولا يمتنع أن تكون موصولة. فإن قلت: لم قيل يَسْتَوُونَ على الجمع؟ قلت: معناه:
هل يستوي الأحرار والعبيد؟
16:76Page 275
وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلٗا رَّجُلَيۡنِ أَحَدُهُمَآ أَبۡكَمُ لَا يَقۡدِرُ عَلَىٰ شَيۡءٖ وَهُوَ كَلٌّ عَلَىٰ مَوۡلَىٰهُ أَيۡنَمَا يُوَجِّههُّ لَا يَأۡتِ بِخَيۡرٍ هَلۡ يَسۡتَوِي هُوَ وَمَن يَأۡمُرُ بِٱلۡعَدۡلِ وَهُوَ عَلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ ٧٦
And Allāh presents an example of two men, one of them dumb and unable to do a thing, while he is a burden to his guardian. Wherever he directs him, he brings no good. Is he equal to one who commands justice, while he is on a straight path?
الأبكم الذي ولد أخرس، فلا يَفهم ولا يُفهم وَهُوَ كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ أى ثقل وعيال على من يلي أمره ويعوله أَيْنَما يُوَجِّهْهُ حيثما يرسله ويصرفه في مطلب حاجة أو كفاية مهم، لم ينفع ولم يأت بنجح هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ هو سليم الحواس نفاعا ذو كفايات، مع رشد وديانة، فهو يَأْمُرُ الناس بِالْعَدْلِ والخير وَهُوَ في نفسه عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ على سيرة صالحة ودين قويم. وهذا مثل ثان ضربه الله لنفسه ولما يفيض على عباده ويشملهم من آثار رحمته وألطافه ونعمه الدينية والدنيوية، وللأصنام التي هي أموات لا تضر ولا تنفع وقرئ: أينما يوجه، بمعنى أينما يتوجه، من قولهم: أينما أوجه ألق سعداً: وقرأ ابن مسعود:
أينما يوجه، على البناء للمفعول.
16:77Page 275
وَلِلَّهِ غَيۡبُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ وَمَآ أَمۡرُ ٱلسَّاعَةِ إِلَّا كَلَمۡحِ ٱلۡبَصَرِ أَوۡ هُوَ أَقۡرَبُۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ٧٧
And to Allāh belongs the unseen [aspects] of the heavens and the earth. And the command for the Hour is not but as a glance of the eye or even nearer. Indeed, Allāh is over all things competent.
وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أى يختصّ به علم ما غاب فيهما عن العباد وخفى عليهم علمه. أو أراد بغيب السموات والأرض: يوم القيامة، على أن علمه غائب عن أهل السموات والأرض لم يطلع عليه أحد منهم إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ أى هو عند الله وإن تراخى، كما تقولون أنتم في الشيء الذي تستقربونه: هو كلمح البصر أو هو أقرب، إذا بالغتم في استقرابه.
ونحوه قوله: وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ أى هو عنده دان وهو عندكم بعيد. وقيل: المعنى أن إقامة الساعة وإماتة الأحياء وإحياء الأموات من الأولين والآخرين، يكون في أقرب وقت وأوحاه [[قوله «وأوحاه» أى: وأسرعه. أفاده الصحاح. (ع)]] ، إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ فهو يقدر على أن يقيم الساعة ويبعث الخلق، لأنه بعض المقدورات. ثم دل على قدرته بما بعده.
16:78Page 275
وَٱللَّهُ أَخۡرَجَكُم مِّنۢ بُطُونِ أُمَّهَٰتِكُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ شَيۡـٔٗا وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلسَّمۡعَ وَٱلۡأَبۡصَٰرَ وَٱلۡأَفۡـِٔدَةَ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ ٧٨
And Allāh has extracted you from the wombs of your mothers not knowing a thing, and He made for you hearing and vision and hearts [i.e., intellect] that perhaps you would be grateful.
قرئ أُمَّهاتِكُمْ بضم الهمزة وكسرها، والهاء مزيدة في أمات، كما زيدت في أراق، فقيل: أهراق. وشذت زيادتها في الواحدة قال:
أُمَّهَتِى خِنْدِفٌ وَإلْيَاسُ أبىِ [[إنى لدى الحرب رخى اللبب ... معتزم الصولة عالى النسب
أمهتى خندف وإلياس أبى
لقصي بن كلاب بن مرة جد النبي ﷺ. ورخى اللبب. رحب الصدر واسع البال. واللبب في الأصل جبل في صدر المطية يمنع الرحلة من الاستئخار، أطلق على ذلك للمجاورة. ومعتزم: مصمم. والصولة: تجشم المكروه واقتحامه. وزيادة الهاء في أمهة شاذ. وخندف، بكسر الخاء والدال: امرأة إلياس بن مضر، وهذا لقبها، واسمها ليلى. والخندفة: مشية كالهرولة. وإطلاق الأم والأب على الجدة والجد: مجاز لمطلق الأصالة.]]
لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً في موضع الحال. ومعناه: غير عالمين شيئاً من حق المنعم الذي خلقكم في البطون، وسوّاكم وصوّركم، ثم أخرجكم من الضيق إلى السعة. وقوله وَجَعَلَ لَكُمُ معناه:
وما ركب فيكم هذه الأشياء إلا آلات لإزالة الجهل الذي ولدتم عليه واجتلاب العلم والعمل به، من شكر المنعم وعبادته، والقيام بحقوقه، والترقي إلى ما يسعدكم. والأفئدة في فؤاد، كالأغربة في غراب، وهو من جموع القلة التي جرت مجرى جموع الكثرة، والقلة إذا لم يرد في السماع غيرها، كما جاء شسوع في جمع شسع لا غير، فجرت ذلك المجرى.
16:79Page 275
أَلَمۡ يَرَوۡاْ إِلَى ٱلطَّيۡرِ مُسَخَّرَٰتٖ فِي جَوِّ ٱلسَّمَآءِ مَا يُمۡسِكُهُنَّ إِلَّا ٱللَّهُۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ ٧٩
Do they not see the birds controlled in the atmosphere of the sky? None holds them up except Allāh. Indeed in that are signs for a people who believe.
قرئ: لم يروا، بالتاء والياء مُسَخَّراتٍ مذللات للطيران بما خلق لها من الأجنحة والأسباب المواتية [[قوله «والأسباب المواتية لذلك» في الصحاح آتيته على ذلك الأمر مؤاتاة إذا وافقته والعامة تقول:
وأتيته. (ع)]] لذلك. والجوّ: الهواء المتباعد من الأرض في سمت العلوّ والسكاك [[قوله «والسكاك أبعد منه» في الصحاح السكاك والسكاكة الهواء الذي يلاقي أعنان السماء وفيه أيضاً أعنان السماء صفائحها وما اعترض من أقطارها. والعنان بالفتح السحاب. (ع)]] أبعد منه، واللوح مثله ما يُمْسِكُهُنَّ في قبضهن وبسطهن ووقوفهن إِلَّا اللَّهُ بقدرته.
16:80Page 276
وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنۢ بُيُوتِكُمۡ سَكَنٗا وَجَعَلَ لَكُم مِّن جُلُودِ ٱلۡأَنۡعَٰمِ بُيُوتٗا تَسۡتَخِفُّونَهَا يَوۡمَ ظَعۡنِكُمۡ وَيَوۡمَ إِقَامَتِكُمۡ وَمِنۡ أَصۡوَافِهَا وَأَوۡبَارِهَا وَأَشۡعَارِهَآ أَثَٰثٗا وَمَتَٰعًا إِلَىٰ حِينٖ ٨٠
And Allāh has made for you from your homes a place of rest and made for you from the hides of the animals tents which you find light on your day of travel and your day of encampment; and from their wool, fur and hair is furnishing and enjoyment [i.e., provision] for a time.
مِنْ بُيُوتِكُمْ التي تسكنونها من الحجر والمدر والأخبية وغيرها. والسكن: فعل بمعنى مفعول، وهو ما يسكن إليه وينقطع إليه من بيت أو إلف بُيُوتاً هي القباب والأبنية من الأدم والأنطاع تَسْتَخِفُّونَها ترونها خفيفة المحمل في الضرب والنقض والنقل يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقامَتِكُمْ أى يوم ترحلون خف عليكم حملها ونقلها [[قال محمود: «المراد يخف عليكم حملها ونقلها ... الخ» قال أحمد: والتفسير الأول أولى، لأن ظهور المنة في خفتها إنما يتحقق في حال السفر. وأما المستوطن فغير مثقل، وما أحسن قول الزمخشري في يوم إقامتكم:
أن المراد خفة ضربها وسهولة ذلك عليهم، والله أعلم.]] ، ويوم تنزلون وتقيمون في مكان لم يثقل عليكم ضربها. أو هي خفيفة عليكم في أوقات السفر والحضر جميعاً، على أنّ اليوم بمعنى الوقت وَمَتاعاً وشيئاً ينتفع به إِلى حِينٍ إلى أن تقضوا منه أوطاركم. أو إلى أن يبلى ويفنى، أو إلى أن تموتوا. وقرئ: يوم ظعنكم، بالسكون.
16:81Page 276
وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّمَّا خَلَقَ ظِلَٰلٗا وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ ٱلۡجِبَالِ أَكۡنَٰنٗا وَجَعَلَ لَكُمۡ سَرَٰبِيلَ تَقِيكُمُ ٱلۡحَرَّ وَسَرَٰبِيلَ تَقِيكُم بَأۡسَكُمۡۚ كَذَٰلِكَ يُتِمُّ نِعۡمَتَهُۥ عَلَيۡكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تُسۡلِمُونَ ٨١
And Allāh has made for you, from that which He has created, shadows [i.e., shade] and has made for you from the mountains, shelters and has made for you garments which protect you from the heat and garments [i.e., coats of mail] which protect you from your [enemy in] battle. Thus does He complete His favor upon you that you might submit [to Him].
مِمَّا خَلَقَ من الشجر وسائر المستظلات أَكْناناً جمع كنّ، وهو ما يستكنّ به من البيوت المنحوتة في الجبال والغيران والكهوف سَرابِيلَ هي القمصان والثياب من الصوف والكتان [[قال محمود: «هي القمصان والثياب من الصوف والكتان وغيرها ... الخ» قال أحمد: يعنى عند العرب وخصوصا قطان الحجاز، وهم الأصل في هذا الخطاب.]] والقطن وغيرها تَقِيكُمُ الْحَرَّ لم يذكر البرد، لأنّ الوقاية من الحرّ أهمّ عندهم، وقلما يهمهم البرد لكونه يسيراً محتملا. وقيل: ما يقي من الحرّ يقي من البرد [[عاد كلامه. قال: «وقيل إن ما بقي الحر بقي البرد فدل ذكره عليه» قال أحمد: والأول أظهر. ألا ترى إلى تقديم المنة بالظلال التي تقى من الضحا، في قوله تعالى جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلالًا فدل على أن الأهم عند المخاطبين وقاية الحر، فامتن الله عليهم بأعظم نعمه موقعا عندهم. وقول القائل «إن ما يقي الحر يقي البرد» مشهود عليه بالعرف، فان الذي يتقى به الحر من القمصان رقيقها ورفيعها، وليس ذلك من البوس البرد، بل لو لبس الإنسان في كل واحد من الفصلين- القيظ والبرد- لباس الآخر، يعد من الثقلاء.]] فدل ذكر الحرّ على البرد وَسَرابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ يريد الدروع والجواشن [[قوله «والجواشن» في الصحاح: الجوشن الصدر. والجوشن الدرع. (ع)]] والسربال عامّ يقع على كل ما كان من حديد وغيره لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ أى تنظرون في نعمه الفائضة فتؤمنون به وتنقادون له. وقرئ: تسلمون، من السلامة: أى تشكرون فتسلمون من العذاب. أو تسلم قلوبكم من الشرك. وقيل: تسلمون من الجراح بلبس الدروع.
16:82–83Page 276
فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَإِنَّمَا عَلَيۡكَ ٱلۡبَلَٰغُ ٱلۡمُبِينُ ٨٢
But if they turn away, [O Muḥammad] - then only upon you is [responsibility for] clear notification.
يَعۡرِفُونَ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا وَأَكۡثَرُهُمُ ٱلۡكَٰفِرُونَ ٨٣
They recognize the favor of Allāh; then they deny it. And most of them are disbelievers.
فَإِنْ تَوَلَّوْا فلم يقبلوا منك فقد تمهد عذرك بعد ما أدّيت ما وجب عليك من التبليغ، فذكر سبب العذر وهو البلاغ ليدل على المسبب يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ التي عددناها حيث يعترفون بها وأنها من الله ثُمَّ يُنْكِرُونَها بعبادتهم غير المنعم بها وقولهم: هي من الله ولكنها بشفاعة آلهتنا. وقيل: إنكارهم قولهم ورثناها من آبائنا. وقيل: قولهم لولا فلان ما أصبت كذا لبعض نعم الله. وإنما لا يجوز التكلم بنحو هذا إذا لم يعتقد أنها من الله وأنه أجراها على يد فلان وجعله سبباً في نيلها وَأَكْثَرُهُمُ الْكافِرُونَ أى الجاحدون غير المعترفين. وقيل نِعْمَتَ اللَّهِ نبوّة محمد عليه السلام، كانوا يعرفونها ثم ينكرونها عناداً، وأكثرهم الجاحدون المنكرون بقلوبهم. فإن قلت: ما معنى ثم؟ قلت: الدلالة على أن إنكارهم أمر مستبعد بعد حصول المعرفة، لأنّ حق من عرف النعمة أن يعترف لا أن ينكر.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences