Az-Zamakhshari · Tafsir · in Arabic
Al-Kahf 18:22–41
18:22Page 296
سَيَقُولُونَ ثَلَٰثَةٞ رَّابِعُهُمۡ كَلۡبُهُمۡ وَيَقُولُونَ خَمۡسَةٞ سَادِسُهُمۡ كَلۡبُهُمۡ رَجۡمَۢا بِٱلۡغَيۡبِۖ وَيَقُولُونَ سَبۡعَةٞ وَثَامِنُهُمۡ كَلۡبُهُمۡۚ قُل رَّبِّيٓ أَعۡلَمُ بِعِدَّتِهِم مَّا يَعۡلَمُهُمۡ إِلَّا قَلِيلٞۗ فَلَا تُمَارِ فِيهِمۡ إِلَّا مِرَآءٗ ظَٰهِرٗا وَلَا تَسۡتَفۡتِ فِيهِم مِّنۡهُمۡ أَحَدٗا ٢٢
They [i.e., people] will say there were three, the fourth of them being their dog; and they will say there were five, the sixth of them being their dog - guessing at the unseen; and they will say there were seven, and the eighth of them was their dog. Say, [O Muḥammad], "My Lord is most knowing of their number. None knows them except a few. So do not argue about them except with an obvious argument1 and do not inquire about them among [the speculators] from anyone."
سَيَقُولُونَ الضمير لمن خاض في قصتهم في زمن رسول الله ﷺ من أهل الكتاب والمؤمنين، سألوا رسول الله ﷺ عنهم فأخر الجواب إلى أن يوحى إليه فيهم، فنزلت إخبارا بما سيجرى بينهم من اختلافهم في عددهم، وأنّ المصيب منهم من يقول سبعة وثامنهم كلبهم. قال ابن عباس رضى الله عنه: أنا من أولئك القليل. وروى أن السيد والعاقب وأصحابهما من أهل نجران كانوا عند النبي ﷺ، فجرى ذكر أصحاب الكهف، فقال السيد وكان يعقوبيا: كانوا ثلاثة رابعهم كلبهم. وقال العاقب وكان نسطوريا:
كانوا خمسة سادسهم كلبهم. وقال المسلمون: كانوا سبعة وثامنهم كلبهم، فحقق الله قول المسلمين.
وإنما عرفوا ذلك بإخبار رسول الله ﷺ عن لسان جبريل عليه السلام. وعن علىّ رضى الله عنه: هم سبعة نفر أسماؤهم: يمليخا، ومكشليتيا، ومشلينيا: هؤلاء أصحاب يمين الملك، وكان عن يساره: مرنوش، ودبرنوش، وشادنوش. وكان يستشير هؤلاء الستة في أمره.
والسابع: الراعي الذي وافقهم حين هربوا من ملكهم دقيانوس. واسم مدينتهم: أفسوس.
واسم كلبهم: قطمير. فإن قلت: لم جاء بسين الاستقبال في الأوّل دون الآخرين؟ قلت: فيه وجهان: أن تدخل الآخرين في حكم السين، كما تقول: قد أكرم وأنعم، تريد معنى التوقع في الفعلين جميعا، وأن تريد بيفعل معنى الاستقبال الذي هو صالح له رَجْماً بِالْغَيْبِ رميا بالخبر الخفي وإتيانا به كقوله وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ أى يأتون به. أو وضع الرجم موضع الظنّ، فكأنه قيل: ظنا بالغيب، لأنهم أكثروا أن يقولوا رجم بالظنّ مكان قولهم ظنّ، حتى لم يبق عندهم فرق بين العبارتين. ألا ترى إلى قول زهير:
وما هو عنها بالحديث المرجّم [[وما الحرب إلا ما علمتم وذقتم ... وما هو عنها بالحديث المرجم
لزهير من معلقته، ينهى عبسا وذبيان عن القتال. يقول: ليست الحرب إلا التي علمتموها وجربتموها، وشبهها بمطعوم مكروه على طريق الكناية والذوق تخييل، وما هو: أى الحديث عن الحرب، ولما كان الضمير عائدا على المصدر في المعنى صح تعلق المجرور به، ويبعد تعلقه بما بعده. والترجيم: الرمي بالرجام وهي الحجارة الصغار، استعير لالقاء الكلام بلا روية ولا فكر على طريق التصريحية.]]
أى المظنون. وقرئ: ثلاتّ رابعهم، بإدغام الثاء في تاء التأنيث. وثَلاثَةٌ خبر مبتدإ محذوف، أى: هم ثلاثة. وكذلك خَمْسَةٌ وسَبْعَةٌ ورابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ جملة من مبتدإ وخبر واقعة صفة لثلاثة، وكذلك سادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ، وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ. فإن قلت: فما هذه الواو الداخلة على الجملة الثالثة، ولم دخلت عليها دون الأوّلين [[قال محمود: إن قلت «لم دخلت الواو في الجملة الأخيرة ... الخ» ؟ قال أحمد: وهو الصواب، لا كمن يقول: إنها واو الثمانية فان ذلك أمر لا يستقر لمثبته قدم، ويعدون مع هذه الواو في قوله في الجنة وَفُتِحَتْ أَبْوابُها بخلاف أبواب النار، فانه قال فيها فُتِحَتْ أَبْوابُها قالوا: لأن أبواب الجنة ثمانية، وأبواب النار سبعة.
وهب أن في اللغة واوا تصحب الثمانية فتختص بها، فأين ذكر العدد في أبواب الجنة حتى ينتهى إلى الثامن فتصحبه الواو، وربما عدوا من ذلك وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وهو الثامن من قوله التَّائِبُونَ وهذا أيضا مردود بأن الواو إنما اقترنت بهذه الصفة، لتربط بينها وبين الأولى التي هي الآمرون بالمعروف، لما بينهما من التناسب والربط.
ألا ترى اقترانهما في جميع مصادرهما ومواردهما، كقوله يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وكقوله وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وربما عد بعضهم من ذلك الواو في قوله ثَيِّباتٍ وَأَبْكاراً لأنه وجدها مع الثامن، وهذا غلط فاحش، فان هذه واو التقسيم، ولو ذهبت تحذفها فتقول: ثيبات أبكارا، لم يسند الكلام، فقد وضح أن الواو في جميع هذه المواضع المعدودة واردة لغير ما زعمه هؤلاء، والله الموفق.]] ؟ قلت: هي الواو التي تدخل على الجملة الواقعة صفة للنكرة، كما تدخل على الواقعة حال عن المعرفة في نحو قولك: جاءني رجل ومعه آخر. ومررت بزيد وفي يده سيف. ومنه قوله تعالى: وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَها كِتابٌ مَعْلُومٌ وفائدتها تأكيد لصوق الصفة بالموصوف، والدلالة على أن اتصافه بها أمر ثابت مستقر، وهذه الواو هي التي آذنت بأن الذين قالوا: سبعة وثامنهم كلبهم، قالوا عن ثبات علم وطمأنينة نفس ولم يرجموا بالظن كما غيرهم. والدليل عليه أنّ الله سبحانه أتبع القولين الأولين قوله رَجْماً بِالْغَيْبِ وأتبع القول الثالث قوله ما يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ وقال ابن عباس رضى الله عنه: حين وقعت الواو انقطعت العدّة، أى: لم يبق بعدها عدّة عادّ يلتفت إليها. وثبت أنهم سبعة وثامنهم كلبهم على القطع والثبات. وقيل: إلا قليل من أهل الكتاب. والضمير في سَيَقُولُونَ على هذا لأهل الكتاب خاصة، أى: سيقول أهل الكتاب فيهم كذا وكذا، ولا علم بذلك إلا في قليل منهم، وأكثرهم على ظنّ وتخمين فَلا تُمارِ فِيهِمْ فلا تجادل أهل الكتاب في شأن أصحاب الكهف إلا جدالا ظاهرا غير متعمق فيه، وهو أن تقص عليهم ما أوحى الله إليك فحسب ولا تزيد، من غير تجهيل لهم ولا تعنيف بهم في الردّ عليهم، كما قال وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ. وَلا تَسْتَفْتِ ولا تسأل أحدا منهم عن قصتهم سؤال متعنت له، حتى يقول شيئا فتردّه عليه وتزيف ما عنده، لأن ذلك خلاف ما وصيت به من المداراة والمجاملة، ولا سؤال مسترشد، لأن الله قد أرشدك بأن أوحى إليك قصتهم.
18:23–24Page 296
وَلَا تَقُولَنَّ لِشَاْيۡءٍ إِنِّي فَاعِلٞ ذَٰلِكَ غَدًا ٢٣
And never say of anything, "Indeed, I will do that tomorrow,"
إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُۚ وَٱذۡكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلۡ عَسَىٰٓ أَن يَهۡدِيَنِ رَبِّي لِأَقۡرَبَ مِنۡ هَٰذَا رَشَدٗا ٢٤
Except [when adding], "If Allāh wills." And remember your Lord when you forget [it] and say, "Perhaps my Lord will guide me to what is nearer than this to right conduct."
وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ ولا تقولنّ لأجل شيء تعزم عليه إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ الشيء غَداً أى فيما يستقبل من الزمان، ولم يرد الغد خاصة إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ متعلق بالنهى لا بقوله: إنى فاعل، لأنه لو قال: إنى فاعل كذا إلا أنّ يشاء الله، كان معناه: إلا أن تعترض مشيئة الله دون [[قال محمود: «كان معناه إلا أن تعترض مشيئة الله دون فعله ... الخ» قال أحمد: ولا بد من حمل الكلام على أحد الوجهين المذكورين، ولولا ذلك لكان المعنى على الظاهر ببادئ الرأى: ولا تقولون لشيء إنى فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله أن تقول هذا القول، وليس الغرض ذلك، وإنما الغرض النهى عن هذا القول إلا مقرونا بقول المشيئة، وليت شعري ما معنى قول الزمخشري في تفسير الآية، كأن المعنى: إلا أن تعترض المشيئة دونه، معتقدا أن مشيئة الله تعالى لا تعترض على فعل أحد، فكم شاء من الأفعال فتركت، وكم شاء من التروك ففعلت على زعم القدرية، فلا معنى على أصلهم الفاسد لتعليق الفعل بالمشيئة قولا وهو غير متعلق بها وقوعا، حتى أن قول القائل: لا أفعل كذا إلا أن يشاء الله أن أفعله: كذب وخلف بتقدير فعله إذا كان من قبيل المباح، لأن الله تعالى لا يشاؤه على زعمهم الفاسد، فما أبعد عقدهم من قواعد الشرع: فسحقا سحقا.]] فعله، وذلك مما لا مدخل فيه للنهى، وتعلقه بالنهى على وجهين، أحدهما: ولا تقولنّ ذلك القول إلا أن يشاء الله أن تقوله، بأن يأذن لك فيه. والثاني: ولا تقولنه إلا بأن يشاء الله، أى: إلا بمشيئة الله، وهو في موضع الحال، يعنى: إلا ملتبسا بمشيئة الله قائلا: إن شاء الله وفيه وجه ثالث، وهو: أن يكون أَنْ يَشاءَ اللَّهُ [[قوله «إن شاء الله» لعله أن يشاء الله. (ع)]] في معنى كلمة تأبيد، كأنه قيل ولا تقولنه أبدا. ونحوه قوله وَما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ لأن عودهم في ملتهم مما لن يشاءه الله.
وهذا نهى تأديب من الله لنبيه حين قالت اليهود لقريش: سلوه عن الروح، وعن أصحاب الكهف، وذى القرنين. فسألوه فقال: ائتوني غدا أخبركم ولم يستثن، فأبطأ عليه الوحى حتى شق عليه وكذبته قريش وَاذْكُرْ رَبَّكَ أى مشيئة ربك وقل: إن شاء الله إذا فرط منك نسيان لذلك. والمعنى:
إذا نسيت كلمة الاستثناء ثم تنبهت عليها فتداركها بالذكر [[عاد كلامه. قال: «وقوله وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ أى كلمة الاستثناء ثم تنبهت لها، فتداركها بالذكر.
وعن ابن عباس: ولو بعد سنة ما لم تحنث إلى قوله: وعند عامة الفقهاء ... الخ» قال أحمد: أما ظاهر الآية فمقتضاه الأمر بتدارك المشيئة متى ذكرت ولو بعد الطول. وأما حلها لليمين حينئذ فلا دليل عليه منها، والله أعلم]] . وعن ابن عباس رضى الله عنه:
ولو بعد سنة ما لم تحنث. وعن سعيد بن جبير: ولو بعد يوم أو أسبوع أو شهر أو سنة. وعن طاوس: هو على ثنياه [[قوله «هو على ثنياه» في الصحاح «الثنيا» بالضم: الاسم من الاستثناء. (ع)]] ما دام في مجلسه. وعن الحسن نحوه. وعن عطاء: يستثنى على مقدار حلب ناقة غزيرة. وعند عامة الفقهاء أنه لا أثر له في الأحكام ما لم يكن موصولا. ويحكى أنه بلغ المنصور أن أبا حنيفة خالف ابن عباس رضى الله عنه في الاستثناء المنفصل، فاستحضره لينكر عليه: فقال أبو حنيفة: هذا يرجع عليك، إنك تأخذ البيعة بالأيمان، أفترضى أن يخرجوا من عندك فيستثنوا فيخرجوا عليك؟ فاستحسن كلامه ورضى عنه. ويجوز أن يكون المعنى:
واذكر [[قال محمود: «ويجوز أن يكون المعنى واذكر ربك بالتسبيح ... الخ» قال أحمد: ويؤيد هذا التأويل بقوله تعالى أول القصة أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كانُوا مِنْ آياتِنا عَجَباً فافتتح ذكر القصة بتقليل شأنها وإنكار عده من عجائب آيات الله، ثم ختمها بأمره عليه الصلاة والسلام بطلب ما هو أرشد وأدخل في الآية والله أعلم.]] ربك بالتسبيح والاستغفار إذا نسيت كلمة الاستثناء، تشديدا في البعث على الاهتمام بها. وقيل: واذكر ربك إذا تركت بعض ما أمرك به. وقيل: واذكره إذا اعتراك النسيان ليذكرك المنسى، وقد حمل على أداء الصلاة المنسية عند ذكرها. وهذا إشارة إلى نبإ أصحاب الكهف. ومعناه: لعل الله يؤتينى من البينات والحجج على أنى نبىّ صادق ما هو أعظم في الدلالة وأقرب رشدا من نبأ أصحاب الكهف، وقد فعل ذلك حيث آتاه من قصص الأنبياء والإخبار بالغيوب ما هو أعظم من ذلك وأدلّ، والظاهر أن يكون المعنى: إذا نسيت شيئا فاذكر ربك.
وذكر ربك عند نسيانه أن تقول: عسى ربى أن يهديني لشيء آخر بدل هذا المنسى أقرب منه رَشَداً وأدنى خيرا ومنفعة. ولعل النسيان كان خيرة، كقوله أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها.
18:25–26Page 296
وَلَبِثُواْ فِي كَهۡفِهِمۡ ثَلَٰثَ مِاْئَةٖ سِنِينَ وَٱزۡدَادُواْ تِسۡعٗا ٢٥
And they remained in their cave for three hundred years and exceeded by nine.1
قُلِ ٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِمَا لَبِثُواْۖ لَهُۥ غَيۡبُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ أَبۡصِرۡ بِهِۦ وَأَسۡمِعۡۚ مَا لَهُم مِّن دُونِهِۦ مِن وَلِيّٖ وَلَا يُشۡرِكُ فِي حُكۡمِهِۦٓ أَحَدٗا ٢٦
Say, "Allāh is most knowing of how long they remained. He has [knowledge of] the unseen [aspects] of the heavens and the earth. How Seeing is He and how Hearing! They have not besides Him any protector, and He shares not His legislation with anyone."
وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ يريد لبثهم فيه أحياء مضروبا على آذانهم هذه المدّة، وهو بيان لما أجمل في قوله فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً ومعنى قوله قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا أنه أعلم من الذين اختلفوا فيهم بمدّة لبثهم، والحق ما أخبرك الله به. وعن قتادة: أنه حكاية لكلام أهل الكتاب. وقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ رد عليهم. وقال في حرف عبد الله:
وقالوا لبثوا. وسنين: عطف بيان لثلثمائة. وقرئ: ثلاثمائة سنين، بالإضافة، على وضع الجمع موضع الواحد في التمييز، كقوله بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا وفي قراءة أبىّ: ثلاثمائة سنة. تِسْعاً تسع سنين، لأن ما قبله يدل عليه. وقرأ الحسن: تسعا بالفتح، ثم ذكر اختصاصه بما غاب في السموات والأرض وخفى فيها من أحوال أهلها ومن غيرها وأنه هو وحده العالم به. وجاء بما دل على التعجب من إدراكه المسموعات والمبصرات، للدلالة على أن أمره في الإدراك خارج عن حدّ ما عليه إدراك السامعين والمبصرين، لأنه يدرك ألطف الأشياء وأصغرها، كما يذرك أكبرها حجما وأكثفها جرما، ويدرك البواطن كما يدرك الظواهر ما لَهُمْ الضمير لأهل السموات والأرض مِنْ وَلِيٍّ من متول لأمورهم وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ في قضائه أَحَداً منهم. وقرأ الحسن: ولا تشرك، بالتاء والجزم على النهى.
18:27Page 296
وَٱتۡلُ مَآ أُوحِيَ إِلَيۡكَ مِن كِتَابِ رَبِّكَۖ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَٰتِهِۦ وَلَن تَجِدَ مِن دُونِهِۦ مُلۡتَحَدٗا ٢٧
And recite, [O Muḥammad], what has been revealed to you of the Book of your Lord. There is no changer of His words, and never will you find in other than Him a refuge.
كانوا يقولون له: ائت بقرآن غير هذا أو بدله، فقيل له وَاتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ من القرآن ولا تسمع لما يهذون به من طلب التبديل، فلا مبدل لكلمات ربك، أى: لا يقدر أحد على تبديلها وتغييرها، إنما يقدر على ذلك هو وحده وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ. وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً ملتجأ تعدل إليه إن هممت بذلك.
18:28Page 297
وَٱصۡبِرۡ نَفۡسَكَ مَعَ ٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ رَبَّهُم بِٱلۡغَدَوٰةِ وَٱلۡعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجۡهَهُۥۖ وَلَا تَعۡدُ عَيۡنَاكَ عَنۡهُمۡ تُرِيدُ زِينَةَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ وَلَا تُطِعۡ مَنۡ أَغۡفَلۡنَا قَلۡبَهُۥ عَن ذِكۡرِنَا وَٱتَّبَعَ هَوَىٰهُ وَكَانَ أَمۡرُهُۥ فُرُطٗا ٢٨
And keep yourself patient [by being] with those who call upon their Lord in the morning and the evening, seeking His face [i.e., acceptance]. And let not your eyes pass beyond them, desiring adornments of the worldly life, and do not obey one whose heart We have made heedless of Our remembrance and who follows his desire and whose affair is ever [in] neglect.1
وقال قوم من رؤساء الكفرة لرسول الله ﷺ: نحّ هؤلاء الموالي الذين كأن ريحهم ريح الضأن، وهم: صهيب وعمار وخباب وغيرهم من فقراء المسلمين، حتى نجالسك كما قال قوم نوح: أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ فنزلت: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ واحبسها معهم وثبتها. قال أبو ذؤيب:
فصبرت عارفة لذلك حرّة ... ترسو إذا نفس الجبان تطلّع [[لأبى ذؤيب في مرثية بنيه، وصبرت: أى حبست نفسا عارفة لذلك البلاء، وضمن عارفة معنى صابرة فعداه باللام، جسرة: أى قوية صلبة. ويروى: حرة، بضم الحاء، أى جيدة. ترسو: تطمئن وتسكن، إذا تطلع نفس الجيان وتجزع كأنها تريد الفرار وأصله تتطلع، حذف منه إحدى التاءين تخفيفا.]]
بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ دائبين على الدعاء في كل وقت. وقيل: المراد صلاة الفجر والعصر. وقرئ:
بالغدوة، وبالغداة أجود، لأن غدوة علم في أكثر الاستعمال، وإدخال اللام على تأويل التنكير كما قال:
...... والزّيد زيد المعارك [[وقد كان منهم حاجب وابن أمه ... أبو جندل والزيد زيد المعارك
دخلت «أل» المعرفة على «زيد» وهو علم لتأويله بالمسمى بزيد، ولذلك أضافه للمعارك، أى أمكنة الحروب.
يقول: وقد كان من هؤلاء القوم حاجب بن لقيط بن زرارة وابن أمه، أى أخوه أبو جندل والمسمى يزيد، المعد للحروب. وفيه إشارة إلى أنه يعرف بذلك فيما بين الناس.]]
ونحوه قليل في كلامهم. يقال: عداه إذا جاوزه ومنه قولهم. عدا طوره. وجاءني القوم عدا زيدا. وإنما عدى بعن، لتضمين عدا معنى نبا وعلا، في قولك: نبت عنه عينه وعلت عنه عينه:
إذا اقتحمته ولم تعلق به. فإن قلت: أى غرض في هذا التضمين؟ وهلا قيل: ولا تعدهم عيناك، أو لا تعل عيناك عنهم؟ قلت الغرض فيه إعطاء مجموع معنيين، وذلك أقوى من إعطاء معنى فذ.
ألا ترى كيف رجع المعنى إلى قولك: ولا تقتحمهم عيناك مجاوزتين إلى غيرهم؟ ونحوه قوله تعالى وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ أى ولا تضموها إليها أكلين لها. وقرئ: ولا تعد عينيك، ولا تعدّ عينيك، من أعداه وعدّاه نقلا بالهمزة وتثقيل الحشو. ومنه قوله:
فعد عمّا ترى إذ لا ارتجاع له [[فعد عما ترى إذ لا ارتجاع له ... وأتم القتود على عيرانة أحد
للنابغة الذبياني. ونما ينمى نميا: زاد وارتفع. ونماه ينميه نميا: رفعه وزاده. ونما ينمو نموا من باب دخل.
ونماه ينموه نموا أيضا، لكن الواوي قليل. والقتود: جمع أقتاد، جمع قتد: وهي عيدان الرحل بلا أداة.
والعيرانة: الشبيهة بالعير في سرعة السير. والأجد: الصلبة الموثقة الخلق. يقول: انصرف عما ترى من آثار الديار، أو عما تظن رجوعه، لأنه لا تدارك له أو لا رجوع له، وارفع عيدان الرحل على ناقة سريعة صلبة، كناية عن أمره بالسفر، لأن شد الرحال لا يكون إلا له.]] لأن معناه: فعد همك عما ترى. نهى رسول الله ﷺ أن يزدرى بفقراء المؤمنين، وأن تنبو عينه عن رثاثة زيهم طموحا إلى زىّ الأغنياء وحسن شارتهم [[قوله «وحسن شارتهم» في الصحاح: الشوار والشارة: اللباس والهيئة. (ع)]] تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا في مرضع الحال مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ من جعلنا قلبه غافلا [[قال محمود: «معناه جعلنا قلبه غافلا عن الذكر ... الخ» قال أحمد: هو يشمر للهرب من الحق، وهو أن المراد خلقنا له، وجدير به أن يشمر في اتباع هواه، فان حمل «أغفل» على بابه صرفه إلى الخذلان، وإلا أخرجه بالكلية عن بابه إلى باب أفعل للمصادفة، ولا يتجرأ على تفسير فعل أسنده الله إلى ذاته بالمصادفة إلى تفهيم وجدان الشيء بغتة عن جهل سابق وعدم علم.]] عن الذكر بالخذلان [[قوله «غافلا عن الذكر بالخذلان» يتحاشى بذلك عن خلق الغفلة في قلبه، لأن الله لا يخلق الشر عند المعتزلة، وأهل السنة على خلاف ذلك كما أشار إليه بقوله: توهم المجبرة. ثم إن اتباعه هواه لا ينافي خلق الله الغفلة في قلبه، لجواز أن يكون ذلك ناشئا عن الغفلة. (ع)]] .
أو وجدناه غافلا عنه، كقولك: أجبنته وأفحمته [[قوله «كقولك أجبنته وأفحمته» في الصحاح «أفحمته» وجدته مفحما لا يقول الشعر. (ع)]] وأبخلته، إذا وجدته كذلك. أو من أغفل إبله إذا تركها [[عاد كلامه. قال: «ويجوز أن يكون المعنى من أغفل إبله إذا ... الخ» قال أحمد: وهذا التأويل فيه رقة حاشية ولطافة معنى، وغرضه منه الخلاص مما قدمناه، لأنه وإن أبى خلق الله الغفلة في القلب فلا يأبى عدم كتب الايمان، وإنما غرضنا التنبيه على أن مقصد الزمخشري الحيد عن القاعدة المتقدمة، والتأويل إنما يصار إليه إذا اعتاص الظاهر وهو عندنا ممكن، فوجب الاعتصام به، والله الموفق.]] بغير سمة، أى: لم نسمه بالذكر ولم نجعلهم من الذين كتبنا في قلوبهم الإيمان وقد أبطل الله توهم المجبرة [[عاد كلامه. قال: «وقد أبطل الله توهم المجبرة بقوله: واتبع هواه» قال أحمد: قد تقدم في غير ما موضع أن أهل السنة يضيفون فعل العبد إلى الله تعالى من حيث كونه مخلوقا له، وإلى العبد من حيث كونه مقرونا بقدرته واختياره، ولا تنافى بين الاضافتين، فبراهين السنة تتبعه أينما سلك وأية توجه، فلا محيص له عنها بوجه.]] بقوله وَاتَّبَعَ هَواهُ وقرئ: أغفلنا قلبه، بإسناد الفعل إلى القلب على معنى: حسبنا قلبه غافلين، من أغفلته إذا وجدته غافلا فُرُطاً متقدّما للحق والصواب [[قوله «متقدما للحق والصواب» أى سابق له ومجاوز له، وفي الصحاح: أمر فرط، أى مجاوز فيه الحد.
ومنه قوله تعالى وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطاً.]] نابذا له وراء ظهره من قولهم «فرس فرط» متقدّم للخيل.
18:29Page 297
وَقُلِ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّكُمۡۖ فَمَن شَآءَ فَلۡيُؤۡمِن وَمَن شَآءَ فَلۡيَكۡفُرۡۚ إِنَّآ أَعۡتَدۡنَا لِلظَّٰلِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمۡ سُرَادِقُهَاۚ وَإِن يَسۡتَغِيثُواْ يُغَاثُواْ بِمَآءٖ كَٱلۡمُهۡلِ يَشۡوِي ٱلۡوُجُوهَۚ بِئۡسَ ٱلشَّرَابُ وَسَآءَتۡ مُرۡتَفَقًا ٢٩
And say, "The truth is from your Lord, so whoever wills - let him believe; and whoever wills - let him disbelieve." Indeed, We have prepared for the wrongdoers a fire whose walls will surround them. And if they call for relief, they will be relieved with water like murky oil, which scalds [their] faces. Wretched is the drink, and evil is the resting place.
وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ الحق خبر مبتدأ محذوف. والمعنى: جاء الحق وزاحت العلل [[قوله «والمعنى جاء الحق وزاحت العلل» في الصحاح «زاح الشيء» بعد وذهب. وأزحت علته فزاحت. (ع)]] فلم يبق إلا اختياركم لأنفسكم ما شئتم من الأخذ في طريق النجاة أو في طريق الهلاك. وجيء بلفظ الأمر والتخيير، لأنه لما مكن من اختيار أيهما شاء، فكأنه مخير مأمور بأن يتخير ما شاء من النجدين. شبه ما يحيط بهم من النار بالسرادق، وهو الحجرة التي تكون حول الفسطاط، وبيت مسردق: ذو سرادق وقيل: هو دخان يحيط بالكفار قبل دخولهم النار. وقيل: حائط من نار يطيف بهم [[قوله «يطيف بهم» الذي يفيده الصحاح: طاف يطوف حول الشيء: دار حوله، وطاف يطيف بالشيء:
جاءه وأ لم به، فتدبر. (ع)]] يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ كقوله:
...... فأعتبوا بالصّيلم [[تقدم شرح هذا الشاهد بالجزء الأول ص 105 فراجعه إن شئت اه مصححه.]]
وفيه تهكم. والمهل: ما أذيب من جواهر الأرض. وقيل: دردىّ الزيت يَشْوِي الْوُجُوهَ إذا قدم ليشرب انشوى الوجه من حرارته. عن النبي ﷺ: هو كعكر الزيت [[أخرجه الترمذي من طريق رشدين بن سعد. عن عمرو بن الحارث عن دراج عن أبى الهيثم عن أبى سعيد.
واستغربه. وقال: لا يعرف إلا من حديث رشدين بن سعد وتعقب قوله: بأن أحمد وأبا يعلى أخرجاه من طريق ابن لهيعة عن دراج، وبأن ابن حبان والحاكم أخرجاه من طريق ابن وهب عن عمرو بن الحارث.]] ، فإذا قرب إليه سقطت فروة وجهه بِئْسَ الشَّرابُ ذلك وَساءَتْ النار مُرْتَفَقاً متكا من المرفق، وهذا لمشاكلة قوله وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً وإلا فلا ارتفاق لأهل النار ولا اتكاء، إلا أن يكون من قوله:
إنىّ أرقت فبتّ اللّيل مرتفقا ... كأنّ عينى فيها الصّاب مذبوح [[لأبى ذؤيب الهذلي. ويروى بدل الشطر الأول: مقام الخلى وبت الليل مشتجرا. والارتفاق: الاتكاء على المرفق مع نصب الساعد. والاشتجار: وضع اليد تحت الشجر وهو ما بين اللحيين والاتكاء عليها، وهي هيئة المتحزن المتحسر. والأرق، السهر. والصاب: نبت مر كالحنظل. والمذبوح: المشقوق. وهو كناية عن البكاء وانصباب الدموع.]]
18:30–31Page 297
إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجۡرَ مَنۡ أَحۡسَنَ عَمَلًا ٣٠
Indeed, those who have believed and done righteous deeds - indeed, We will not allow to be lost the reward of any who did well in deeds.
أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ جَنَّٰتُ عَدۡنٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهِمُ ٱلۡأَنۡهَٰرُ يُحَلَّوۡنَ فِيهَا مِنۡ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٖ وَيَلۡبَسُونَ ثِيَابًا خُضۡرٗا مِّن سُندُسٖ وَإِسۡتَبۡرَقٖ مُّتَّكِـِٔينَ فِيهَا عَلَى ٱلۡأَرَآئِكِۚ نِعۡمَ ٱلثَّوَابُ وَحَسُنَتۡ مُرۡتَفَقٗا ٣١
Those will have gardens of perpetual residence; beneath them rivers will flow. They will be adorned therein with bracelets of gold and will wear green garments of fine silk and brocade, reclining therein on adorned couches. Excellent is the reward, and good is the resting place.
أُولئِكَ خبر إن وإِنَّا لا نُضِيعُ اعتراض، ولك أن تجعل إِنَّا لا نُضِيعُ وأُولئِكَ خبرين معا. أو تجعل أُولئِكَ كلاما مستأنفا بيانا للأجر المبهم. فإن قلت: إذا جعلت إِنَّا لا نُضِيعُ خبرا، فأين الضمير الراجع منه إلى المبتدأ؟ قلت: مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا والَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ينتظمهما معنى واحد، فقام مَنْ أَحْسَنَ مقام الضمير. أو أردت: من أحسن عملا منهم، فكان كقولك: السمن منوان بدرهم. من الأولى للابتداء، والثانية للتبيين.
وتنكير أَساوِرَ لإبهام أمرها في الحسن. وجمع بين السندس: وهو ما رقّ من الديباج، وبين الإستبرق: وهو الغليظ منه، جمعا بين النوعين. وخص الاتكاء، لأنه هيئة المنعمين والملوك على أسرتهم.
18:32–34Page 297
۞ وَٱضۡرِبۡ لَهُم مَّثَلٗا رَّجُلَيۡنِ جَعَلۡنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيۡنِ مِنۡ أَعۡنَٰبٖ وَحَفَفۡنَٰهُمَا بِنَخۡلٖ وَجَعَلۡنَا بَيۡنَهُمَا زَرۡعٗا ٣٢
And present to them an example of two men: We granted to one of them two gardens of grapevines, and We bordered them with palm trees and placed between them [fields of] crops.
كِلۡتَا ٱلۡجَنَّتَيۡنِ ءَاتَتۡ أُكُلَهَا وَلَمۡ تَظۡلِم مِّنۡهُ شَيۡـٔٗاۚ وَفَجَّرۡنَا خِلَٰلَهُمَا نَهَرٗا ٣٣
Each of the two gardens produced its fruit and did not fall short thereof in anything. And We caused to gush forth within them a river.
وَكَانَ لَهُۥ ثَمَرٞ فَقَالَ لِصَٰحِبِهِۦ وَهُوَ يُحَاوِرُهُۥٓ أَنَا۠ أَكۡثَرُ مِنكَ مَالٗا وَأَعَزُّ نَفَرٗا ٣٤
And he had fruit, so he said to his companion while he was conversing with him, "I am greater than you in wealth and mightier in [numbers of] men."
وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أى ومثل حال الكافرين والمؤمنين، بحال رجلين وكانا أخوين في بنى إسرائيل: أحدهما كافر اسمه قطروس، والآخر مؤمن اسمه يهوذا. وقيل:
هما المذكوران في سورة والصافات في قوله قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كانَ لِي قَرِينٌ ورثا من أبيهما ثمانية آلاف دينار، فتشاطراها. فاشترى الكافر أرضا بألف، فقال المؤمن: اللهم إن أخى اشترى أرضا بألف دينار، وأنا أشترى منك أرضا في الجنة بألف، فتصدّق به. ثم بنى أخوه دارا بألف، فقال: اللهم إنى أشترى منك دارا في الجنة بألف فتصدّق به. ثم تزوّج أخوه امرأة بألف، فقال: اللهم إنى جعلت ألفا صداقا للحور. ثم اشترى أخوه خدما ومتاعا بألف، فقال: اللهم إنى اشتريت منك الولدان المخلدين بألف، فتصدّق به ثم أصابته حاجة، فجلس لأخيه على طريقه فمرّ به في حشمه، فتعرّض له، فطرده ووبخه على التصدّق بماله. وقيل:
هما مثل لأخوين من بنى مخزوم: مؤمن وهو أبو سلمة عبد الله بن عبد الأشد، وكان زوج أمّ سلمة قبل رسول الله ﷺ. وكافر وهو الأسود بن عبد الأشد جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنابٍ
بستانين من كروم وَحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ وجعلنا النخل محيطا بالجنتين، وهذا مما يؤثره الدهاقين [[قوله «الدهاقين» واحدة دهقان. (ع)]] في كرومهم: أن يجعلوها مؤزرة بالأشجار المثمرة. يقال: حفوه، إذا أطافوا به: وحففته بهم. أى جعلتهم حافين حوله، وهو متعدّ إلى مفعول واحد «فتزيده الباء مفعولا ثانيا، كقولك: غشيه، وغشيته به وَجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعاً جعلناها أرضا جامعة للأقوات والفواكه. ووصف العمارة بأنها متواصلة متشابكة لم يتوسطها ما يقطعها ويفصل بينها، مع الشكل الحسن والترتيب الأنيق، ونعتهما بوفاء الثمار وتمام الأكل من غير نقص، ثم بما وهو أصل الخير ومادّته من أمر الشرب فجعله أفضل ما يسقى به، وهو السيح بالنهر الجاري فيها.
والأكل: الثمر. وقرئ بضم الكاف وَلَمْ تَظْلِمْ ولم تنقص. وآتت: حمل على اللفظ، لأنّ كِلْتَا لفظه لفظ مفرد، ولو قيل: آتتا على المعنى، لجاز. وقرئ: وفجرنا، على التخفيف. وقرأ عبد الله: كل الجنتين آتى أكله بردّ الضمير على كل وَكانَ لَهُ ثَمَرٌ أى أنواع من المال، من ثمر ماله [[قوله «من تمر ماله» الذي في الصحاح: أن الثمر جمع ثمار، ككتب وكتاب. وأن الثمر أيضا: المال المثمر، ويخقف ويثقل. وأثمر الرجل: إذا كثر ماله، وثمر الله ماله، أى: كثره. وعبارة الخازن: وكان له ثمر. قرئ بالفتح جمع ثمرة، وقرئ بالضم وهو الأموال الكثيرة المثمرة من كل صنف من الذهب والفضة وغيرهما. وفي النسفي: له ثمر، وأحيط بثمره بفتح الميم والثاء وبضم الثاء وسكون الميم، وبضمهما. (ع)]] إذا كثر. وعن مجاهد: الذهب والفضة، أى: كانت له إلى الجنتين الموصوفتين الأموال الدثرة [[قوله «الأموال الدثرة» الكثيرة. أفاده الصحاح. (ع)]] من الذهب والفضة وغيرهما، وكان وافر اليسار من كل وجه، متمكنا من عمارة الأرض كيف شاء وَأَعَزُّ نَفَراً يعنى أنصارا وحشما. وقيل: أولادا ذكورا، لأنهم ينفرون معه دون الإناث. يحاوره: يراجعه الكلام، من حار يحور إذا رجع، وسألته فما أحار كلمة.
18:35–36Page 298
وَدَخَلَ جَنَّتَهُۥ وَهُوَ ظَالِمٞ لِّنَفۡسِهِۦ قَالَ مَآ أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَٰذِهِۦٓ أَبَدٗا ٣٥
And he entered his garden while he was unjust to himself.1 He said, "I do not think that this will perish - ever.
وَمَآ أَظُنُّ ٱلسَّاعَةَ قَآئِمَةٗ وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَىٰ رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيۡرٗا مِّنۡهَا مُنقَلَبٗا ٣٦
And I do not think the Hour will occur. And even if I should be brought back to my Lord, I will surely find better than this as a return."
يعنى قطروس أخذ بيد أخيه المسلم يطوف به في الجنتين ويريه ما فيهما ويعجبه منهما ويفاخره بما ملك من المال دونه. فإن قلت: فلم أفرد الجنة بعد التثنية؟ قلت: معناه ودخل ما هو جنته ما له جنة غيرها، يعنى أنه لا نصيب له في الجنة التي وعد المؤمنون، فما ملكه في الدنيا هو جنته لا غير، ولم يقصد الجنتين ولا واحدة منهما وَهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وهو معجب بما أوتى مفتخر به كافر لنعمة ربه، معرّض بذلك نفسه لسخط الله، وهو أفحش الظلم. إخباره عن نفسه بالشك في بيدودة جنته: لطول أمله واستيلا الحرص عليه وتمادى غفلته واغتراره بالمهلة وإطراحه النظر في عواقب أمثاله. وترى أكثر الأغنياء من المسلمين وإن لم يطلقوا بنحو هذا ألسنتهم، فإن ألسنة أحوالهم ناطقة به منادية عليه وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي إقسام منه على أنه إن ردّ إلى ربه على سبيل الفرض والتقدير وكما يزعم صاحبه، ليجدنّ في الآخرة خيرا من جنته في الدنيا، تطمعا وتمنيا على الله، وادّعاء لكرامته عليه ومكانته عنده، وأنه ما أولاه الجنتين إلا لاستحقاقه واستئهاله، وأنّ معه هذا الاستحقاق أينما توجه، كقوله إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى، لَأُوتَيَنَّ مالًا وَوَلَداً. وقرئ: خيرا منهما، ردّا على الجنتين مُنْقَلَباً مرجعا وعاقبة.
وانتصابه على التمييز، أى: منقلب تلك، خير من منقلب هذه، لأنها فانية وتلك باقية.
18:37Page 298
قَالَ لَهُۥ صَاحِبُهُۥ وَهُوَ يُحَاوِرُهُۥٓ أَكَفَرۡتَ بِٱلَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٖ ثُمَّ مِن نُّطۡفَةٖ ثُمَّ سَوَّىٰكَ رَجُلٗا ٣٧
His companion said to him while he was conversing with him, "Have you disbelieved in He who created you from dust and then from a sperm-drop and then proportioned you [as] a man?
خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ أى خلق أصلك، لأنّ خلق أصله سبب في خلقه، فكان خلقه خلقا له سَوَّاكَ عدلك وكملك إنسانا ذكرا بالغا مبلغ الرجال. جعله كافرا بالله جاحدا لأنعمه لشكه في البعث، كما يكون المكذب بالرسول ﷺ كافرا
18:38Page 298
لَّٰكِنَّا۠ هُوَ ٱللَّهُ رَبِّي وَلَآ أُشۡرِكُ بِرَبِّيٓ أَحَدٗا ٣٨
But as for me, He is Allāh, my Lord, and I do not associate with my Lord anyone.
لكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي أصله لكن أنا، فحذفت الهمزة وألقيت حركتها على نون لكن، فتلاقت النونان فكان الإدغام. ونحوه قول القائل:
وترميننى بالطّرف أى أنت مذنب ... وتقليننى لكنّ إيّاك لا أقلى [[يقول: وترميننى يا محبوبة بطرفك، أى: تشيرين إلى به. فالرمى: استعارة مصرحة، لأنه شبه إطلاق البصر بإطلاق الحجر. ويجوز أن الباء للالة، فالمرمى محذوف فسره بقوله: أى أنت مذنب، فأى تفسيرية، يعنى أن ما رمته به هو ادعاؤها أنه مذنب. وقلاه يقليه، وقليه يقلاه. وقد يقال: قلاه يقلاه بمعنى بغضه أشد البغض، ولكن أصله: ولكن أنا، فنقلت حركة الهمزة إلى النون ثم حذفت، ثم أدغمت النون في النون بعدها، وحذفت الألف الأخيرة في الرسم كاللفظ. ولو أجرى الوصل مجرى الوقف لثبتت، وقدم المفعول وهو «إياك» للاهتمام ببراءتها من فلاء وتخصيصها بذلك دون غيرها من النساء.]]
أى: لكن أنا لا أقليك وهو ضمير الشأن، والشأن الله ربى، والجملة خبر أنا، والراجع منها إليه ياء الضمير. وقرأ ابن عامر بإثبات ألف أنا في الوصل والوقف جميعا، وحسن ذلك وقوع الألف عوضا من حذف الهمزة. وغيره لا يثبتها إلا في الوقف. وعن أبى عمرو أنه وقف بالهاء: لكنه. وقرئ: لكن هو الله ربى، بسكون النون وطرح أنا. وقرأ أبىّ بن كعب: لكن أنا على الأصل. وفي قراءة عبد الله: لكن أنا لا إله إلا هو ربى. فإن قلت: هو استدراك لماذا؟
قلت: لقوله أَكَفَرْتَ قال لأخيه: أنت كافر بالله، لكنى مؤمن موحد، كما تقول: زيد غائب، لكن عمرا حاضر.
18:39–41Page 298
وَلَوۡلَآ إِذۡ دَخَلۡتَ جَنَّتَكَ قُلۡتَ مَا شَآءَ ٱللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِٱللَّهِۚ إِن تَرَنِ أَنَا۠ أَقَلَّ مِنكَ مَالٗا وَوَلَدٗا ٣٩
And why did you, when you entered your garden, not say, 'What Allāh willed [has occurred]; there is no power except in Allāh'? Although you see me less than you in wealth and children,
فَعَسَىٰ رَبِّيٓ أَن يُؤۡتِيَنِ خَيۡرٗا مِّن جَنَّتِكَ وَيُرۡسِلَ عَلَيۡهَا حُسۡبَانٗا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ فَتُصۡبِحَ صَعِيدٗا زَلَقًا ٤٠
It may be that my Lord will give me [something] better than your garden and will send upon it a [disastrous] penalty from the sky, and it will become a smooth, dusty ground,
أَوۡ يُصۡبِحَ مَآؤُهَا غَوۡرٗا فَلَن تَسۡتَطِيعَ لَهُۥ طَلَبٗا ٤١
Or its water will become sunken [into the earth], so you would never be able to seek it."
ما شاءَ اللَّهُ يجوز أن تكون ما موصولة مرفوعة المحل على أنها خبر مبتدإ محذوف تقديره: الأمر ما شاء الله. أو شرطية منصوبة الموضع والجزاء محذوف، بمعنى: أى شيء شاء الله كان. ونظيرها في حذف الجواب لَوْ في قوله وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ والمعنى:
هلا قلت عند دخولها والنظر إلى ما رزقك الله منها الأمر ما شاء الله، اعترافا بأنها وكلّ خير فيها إنما حصل بمشيئة الله وفضله، وأن أمرها بيده: إن شاء تركها عامرة وإن شاء خرّبها، وقلت لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إقرارا بأن ما قويت به على عمارتها وتدبير أمرها إنما هو بمعونته وتأييده، إذ لا يقوى أحد في بدنه ولا في ملك يده إلا بالله تعالى. وعن عروة بن الزبير أنه كان يثلم حائطه أيام الرطب، فيدخل من شاء. وكان إذا دخله ردّد هذه الآية حتى يخرج. من قرأ أَقَلَّ بالنصب فقد جعل أنا فصلا، ومن رفع جعله مبتدأ وأقلّ خبره، والجملة مفعولا.
ثانيا لترنى. وفي قوله وَوَلَداً نصرة لمن فسر النفر بالأولاد في قوله وَأَعَزُّ نَفَراً والمعنى إن ترني أفقر منك فأنا أتوقع من صنع الله أن يقلب ما بى وما بك من الفقر والغنى، فيرزقنى لإيمانى جنة خَيْراً مِنْ جَنَّتِكَ ويسلبك لكفرك نعمته ويخرّب بستانك. والحسبان: مصدر كالغفران والبطلان، بمعنى الحساب، أى: مقدارا قدره الله وحسبه، وهو الحكم بتخريبها وقال الزجاج: عذاب حسبان، وذلك الحسبان حساب ما كسبت يداك. وقيل حسبانا مرامي الواحدة حسبانة وهي الصواعق صَعِيداً زَلَقاً أرضا بيضاء يزلق عليها لملامتها زلقا.
وغَوْراً كلاهما وصف بالمصدر.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences