Az-ZamakhshariMaryam · 19:27–57

Az-Zamakhshari · Tafsir · in Arabic

Maryam 19:27–57

19:27–28Page 307

فَأَتَتۡ بِهِۦ قَوۡمَهَا تَحۡمِلُهُۥۖ قَالُواْ يَٰمَرۡيَمُ لَقَدۡ جِئۡتِ شَيۡـٔٗا فَرِيّٗا ٢٧

Then she brought him to her people, carrying him. They said, "O Mary, you have certainly done a thing unprecedented.

يَٰٓأُخۡتَ هَٰرُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ ٱمۡرَأَ سَوۡءٖ وَمَا كَانَتۡ أُمُّكِ بَغِيّٗا ٢٨

O sister [i.e., descendant] of Aaron, your father was not a man of evil, nor was your mother unchaste."

الفرىّ: البديع، وهو من فرى الجلد يا أُخْتَ هارُونَ كان أخاها من أبيها من أمثل بنى إسرائيل. وقيل: هو أخو موسى صلوات الله عليهما. وعن النبي ﷺ: «إنما عنوا هرون النبىّ [[لم أجده هكذا إلا عند الثعلبي بغير سند ورواه الطبري عن السدى. قوله وليس بصحيح. فان عند مسلم والنسائي والترمذي عن المغيرة بن شعبة. قال «بعثني النبي ﷺ إلى نجران فقالوا لي: أرأيتم شيئا يقرءونه يا أُخْتَ هارُونَ وبين موسى وعيسى ما شاء الله من السنين فلم أدر ما أجيبهم فقال لي النبي ﷺ هلا أخبرتهم أنهم كانوا يسمون بأسماء أنبيائهم والصالحين من قبلهم» وروى الطبري من طريق ابن سيرين «نبئت أن كعبا قال إن قوله تعالى يا أُخْتَ هارُونَ ليس بهارون أخى موسى فقالت له عائشة «كذبت. فقال لها يا أم المؤمنين إن كان النبي ﷺ قال فهو أعلم وإلا فأنا أجد بينهما ستمائة سنة» .]] » وكانت من أعقابه في طبقة الإخوة، بينها وبينه ألف سنة وأكثر. وعن السدى: كانت من أولاده، وإنما قيل: يا أخت هرون، كما يقال يا أخا همدان، أى: يا واحدا منهم. وقيل: رجل صالح أو طالح في زمانها، شبهوها به، أى: كنت عندنا مثله في الصلاح، أو شتموها به، ولم ترد إخوة النسب، ذكر أن هرون الصالح تبع جنازته أربعون ألفا كلهم يسمى هرون تبركا به وباسمه، فقالوا: كنا نشبهك بهرون هذا. وقرأ عمر بن لجاء التيمي ما كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وقيل احتمل يوسف النجار مريم وابنها إلى غار، فلبثوا فيه أربعين يوما حتى تعلت من نفاسها [[قوله «حتى تعلت من نفاسها» في الصحاح «تعلى» أى علا في مهلة. وتعلت المرأة من نفاسها: أى سلمت، وتعلى الرجل من علته. (ع)]] ، ثم جاءت تحمله فكلمها عيسى في الطريق فقال: يا أماه، أبشرى فإنى عبد الله ومسيحه، فلما دخلت به على قومها وهم أهل بيت صالحون تباكوا وقالوا ذلك. وقيل:

هموا برجمها حتى تكلم عيسى عليه السلام. فتركوها.

19:29Page 307

فَأَشَارَتۡ إِلَيۡهِۖ قَالُواْ كَيۡفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي ٱلۡمَهۡدِ صَبِيّٗا ٢٩

So she pointed to him. They said, "How can we speak to one who is in the cradle a child?"

فَأَشارَتْ إِلَيْهِ أى هو الذي يجيبكم إذا ناطقتموه. وقيل: كان المستنطق لعيسى زكريا عليه السلام. وعن السدى: لما أشارت إليه غضبوا وقالوا: لسخريتها بنا أشدّ علينا من زناها. وروى أنه كان يرضع، فلما سمع ذلك ترك الرضاع وأقبل عليهم بوجهه، واتكأ على يساره وأشار بسبابته. وقيل: كلمهم بذلك، ثم لم يتكلم حتى بلغ مبلغا يتكلم فيه الصبيان كانَ لإيقاع مضمون الجملة في زمان ماض مبهم يصلح لقريبه وبعيده، وهو هاهنا لقريبه خاصة، والدال عليه مبنى الكلام، وأنه مسوق للتعجب. ووجه آخر: أن يكون نُكَلِّمُ حكاية حال ماضية، أى: كيف عهد قبل عيسى أن يكلم الناس صبيا في المهد فيما سلف من الزمان حتى نكلم هذا.

19:30–33Page 307

قَالَ إِنِّي عَبۡدُ ٱللَّهِ ءَاتَىٰنِيَ ٱلۡكِتَٰبَ وَجَعَلَنِي نَبِيّٗا ٣٠

[Jesus] said, "Indeed, I am the servant of Allāh. He has given me the Scripture and made me a prophet.

وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيۡنَ مَا كُنتُ وَأَوۡصَٰنِي بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱلزَّكَوٰةِ مَا دُمۡتُ حَيّٗا ٣١

And He has made me blessed wherever I am and has enjoined upon me prayer and zakāh as long as I remain alive

وَبَرَّۢا بِوَٰلِدَتِي وَلَمۡ يَجۡعَلۡنِي جَبَّارٗا شَقِيّٗا ٣٢

And [made me] dutiful to my mother, and He has not made me a wretched tyrant.

وَٱلسَّلَٰمُ عَلَيَّ يَوۡمَ وُلِدتُّ وَيَوۡمَ أَمُوتُ وَيَوۡمَ أُبۡعَثُ حَيّٗا ٣٣

And peace is on me the day I was born and the day I will die and the day I am raised alive."

أنطقه الله أوّلا بأنه عبد الله ردا لقول النصارى الْكِتابَ هو الإنجيل. واختلفوا في نبوّته، فقيل: أعطيها في طفوليته: أكمل الله عقله، واستنبأه طفلا نظرا في ظاهر الآية.

وقيل: معناه إنّ ذلك سبق في قضائه. أو جعل الآتي لا محالة كأنه قد وجد مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ عن رسول الله ﷺ «نفاعا حيث كنت [[أخرجه أبو نعيم في الحلية في ترجمة يونس بن عبيد عن الحسن عن أبى هريرة بهذا وأتم منه. وقال تفرد به هشيم عن يونس وعنه شعيب بن محمد الكوفي ورواه ابن مردويه من هذا الوجه.]] » وقيل: معلما للخير.

وقرئ وَبَرًّا عن أبى نهيك، جعل ذاته برا لفرط بره. أو نصبه بفعل في معنى أوصانى وهو كلفنى، لأن أوصانى بالصلاة وكلفنيها واحد وَالسَّلامُ عَلَيَّ قيل: أدخل لام التعريف لتعرفه بالذكر قبله، كقولك: جاءنا رجل، فكان من فعل الرجل كذا. والمعنى: ذلك السلام الموجه إلى يحيى في المواطن الثلاثة موجه إلىّ. والصحيح أن يكون هذا التعريف تعريضا باللعنة على متهمى مريم عليها السلام وأعدائها من اليهود. وتحقيقه أن اللام للجنس، فإذا قال:

وجنس السلام علىّ خاصة فقد عرض بأن ضدّه عليكم. ونظيره قوله تعالى وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى يعنى أنّ العذاب على من كذب وتولى، وكان المقام مقام منا كرة وعناد، فهو مئنة لنحو هذا من التعريض.

19:34Page 307

ذَٰلِكَ عِيسَى ٱبۡنُ مَرۡيَمَۖ قَوۡلَ ٱلۡحَقِّ ٱلَّذِي فِيهِ يَمۡتَرُونَ ٣٤

That is Jesus, the son of Mary - the word of truth about which they are in dispute.

قرأ عاصم وابن عامر قَوْلَ الْحَقِّ بالنصب. وعن ابن مسعود: قال الحق، وقال الله- وعن الحسن: قول الحق، بضم القاف، وكذلك في الأنعام قَوْلُهُ الْحَقُّ والقول والقال والقول بمعنى واحد، كالرهب والرهب والرهب. وارتفاعه على أنه خبر بعد خبر، أو بدل، أو خبر مبتدأ محذوف. وأما انتصابه فعلى المدح إن فسر بكلمة الله، وعلى أنه مصدر مؤكد لمضمون الجملة إن أريد قول الثبات والصدق، كقولك: هو عبد الله حقا. والحق لا الباطل، وإنما قيل لعيسى «كلمة الله» و «قول الحق» لأنه لم يولد إلا بكلمة الله وحدها، وهي قوله كُنْ من غير واسطة أب، تسمية للسبب باسم السبب، كما سمى العشب بالسماء، والشحم بالنداء ويحتمل إذا أريد بقول الحق عيسى، أن يكون الحق اسم الله عزّ وجل، وأن يكون بمعنى الثبات والصدق، ويعضده قوله الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ أى أمره حق يقين وهم فيه شاكون يَمْتَرُونَ يشكون. والمرية: الشك. أو يتمارون: يتلاحون [[قوله «يتلاحون» التلاحي بمعنى التنازع كما في الصحاح. وعبارة النسفي: أو يختلفون، من المراء، فقالت اليهود ... الخ. (ع)]] ، قالت اليهود: ساحر كذاب، وقالت النصارى: ابن الله وثالث ثلاثة. وقرأ على بن أبى طالب رضى الله عنه:

تمترون، على الخطاب. وعن أبىّ بن كعب: قول الحق الذي كان الناس فيه يمترون.

19:35Page 307

مَا كَانَ لِلَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٖۖ سُبۡحَٰنَهُۥٓۚ إِذَا قَضَىٰٓ أَمۡرٗا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ ٣٥

It is not [befitting] for Allāh to take a son; exalted is He!1 When He decrees an affair, He only says to it, "Be," and it is.

كذب النصارى وبكتهم بالدلالة على انتفاء الولد عنه، وأنه مما لا يتأتى ولا يتصور في العقول وليس بمقدور عليه، إذ من المحال غير المستقيم أن تكون ذاته كذات من ينشأ منه الولد، ثم بين إحالة ذلك بأن من إذا أراد شيئا من الأجناس كلها أوجده بكن، كان منزها من شبه الحيوان الوالد. والقول هاهنا مجاز، ومعناه: أنّ إرادته للشيء يتبعها كونه لا محالة من غير توقف، فشبه ذلك بأمر الآمر المطاع إذا ورد على المأمور الممتثل.

19:36Page 307

وَإِنَّ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمۡ فَٱعۡبُدُوهُۚ هَٰذَا صِرَٰطٞ مُّسۡتَقِيمٞ ٣٦

[Jesus said], "And indeed, Allāh is my Lord and your Lord, so worship Him. That is a straight path."

قرأ المدنيون وأبو عمرو بفتح أن. ومعناه: ولأنه ربى وربكم فاعبدوه، كقوله وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً والأستار وأبو عبيد بالكسر على الابتداء. وفي حرف أبىّ: إن الله، بالكسر بغير واو، وبأن الله، أى: بسبب ذلك [[قوله «وبأن الله أى بسبب ذلك» لعله: أى بأن الله. ويمكن أنه عطف على أن الله، ويكون في حرف أبى القراءتان. (ع) (2- كشاف- 3)]] فاعبدوه.

19:37Page 307

فَٱخۡتَلَفَ ٱلۡأَحۡزَابُ مِنۢ بَيۡنِهِمۡۖ فَوَيۡلٞ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن مَّشۡهَدِ يَوۡمٍ عَظِيمٍ ٣٧

Then the factions differed [concerning Jesus] from among them, so woe to those who disbelieved - from the scene of a tremendous Day.

الْأَحْزابُ اليهود والنصارى عن الكلبي. وقيل النصارى لتحزبهم ثلاث فرق: نسطورية ويعقوبية وملكانية. وعن الحسن: الذين تحزبوا على الأنبياء لما قص عليهم قصة عيسى اختلفوا فيه من بين الناس مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ أى من شهودهم هول الحساب والجزاء في يوم القيامة أو من مكان الشهود فيه وهو الموقف. أو من وقت الشهود، أو من شهادة ذلك اليوم عليهم، وأن تشهد عليهم الملائكة والأنبياء وألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بالكفر وسوء الأعمال. أو من مكان الشهادة أو وقتها. وقيل: هو ما قالوه وشهدوا به في عيسى وأمه.

19:38–40Page 307

أَسۡمِعۡ بِهِمۡ وَأَبۡصِرۡ يَوۡمَ يَأۡتُونَنَا لَٰكِنِ ٱلظَّٰلِمُونَ ٱلۡيَوۡمَ فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ ٣٨

How [clearly] they will hear and see the Day they come to Us, but the wrongdoers today are in clear error.

وَأَنذِرۡهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡحَسۡرَةِ إِذۡ قُضِيَ ٱلۡأَمۡرُ وَهُمۡ فِي غَفۡلَةٖ وَهُمۡ لَا يُؤۡمِنُونَ ٣٩

And warn them, [O Muḥammad], of the Day of Regret, when the matter will be concluded;1 and [yet], they are in [a state of] heedlessness, and they do not believe.

إِنَّا نَحۡنُ نَرِثُ ٱلۡأَرۡضَ وَمَنۡ عَلَيۡهَا وَإِلَيۡنَا يُرۡجَعُونَ ٤٠

Indeed, it is We who will inherit the earth and whoever is on it, and to Us they will be returned.

لا يوصف الله تعالى بالتعجب وإنما المراد أن أسماعهم وأبصارهم يومئذ جدير بأن يتعجب منهما بعد ما كانوا صما وعميا في الدنيا. وقيل: معناه التهديد بما سيسمعون ويبصرون مما يسوءهم ويصدع قلوبهم. أوقع الظاهر أعنى الظالمين موقع الضمير: إشعارا بأن لا ظلم أشد من ظلمهم، حيث أغفلوا الاستماع والنظر حين يجدى عليهم ويسعدهم. والمراد بالضلال المبين: إغفال النظر والاستماع قُضِيَ الْأَمْرُ فرغ من الحساب وتصادر الفريقان إلى الجنة والنار. وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عنه أى عن قضاء الأمر فقال: «حين يذبح الكبش والفريقان ينظران» [[لم أجده هكذا. وفي الصحيحين عن أبى سعيد الخدري مرفوعا «يؤتى بالموت كهيئة كبش أملح- الحديث» وفيه وكلهم قد رآه فيذبح. ثم يقول يا أهل الجنة خلود فلا موت ويا أهل النار خلود فلا موت» ثم قرأ وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ الآية وأخرجاه عن ابن عمر نحوه دون قراءة الآية. وفي الباب عن أبى هريرة عند ابن حبان والحاكم والنسائي. وأخرجه البخاري دون ذكر الذبح. وأخرجه أبو يعلى والبزار من حديث أنس.

وفي آخره «فيأمن هؤلاء. وينقطع رجاء هؤلاء» .]] وإذ بدل من يوم الحسرة. أو منصوب بالحسرة وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ متعلق بقوله في ضلال مبين عن الحسن. وأنذرهم: اعتراض. أو هو متعلق بأنذرهم، أى: وأنذرهم على هذه الحال غافلين غير مؤمنين. يحتمل أنه يميتهم ويخرب ديارهم، وأنه يفنى أجسادهم ويفنى الأرض ويذهب بها.

19:41–45Page 308

وَٱذۡكُرۡ فِي ٱلۡكِتَٰبِ إِبۡرَٰهِيمَۚ إِنَّهُۥ كَانَ صِدِّيقٗا نَّبِيًّا ٤١

And mention in the Book [the story of] Abraham. Indeed, he was a man of truth and a prophet.

إِذۡ قَالَ لِأَبِيهِ يَٰٓأَبَتِ لِمَ تَعۡبُدُ مَا لَا يَسۡمَعُ وَلَا يُبۡصِرُ وَلَا يُغۡنِي عَنكَ شَيۡـٔٗا ٤٢

[Mention] when he said to his father, "O my father, why do you worship that which does not hear and does not see and will not benefit you at all?

يَٰٓأَبَتِ إِنِّي قَدۡ جَآءَنِي مِنَ ٱلۡعِلۡمِ مَا لَمۡ يَأۡتِكَ فَٱتَّبِعۡنِيٓ أَهۡدِكَ صِرَٰطٗا سَوِيّٗا ٤٣

O my father, indeed there has come to me of knowledge that which has not come to you, so follow me; I will guide you to an even path.

يَٰٓأَبَتِ لَا تَعۡبُدِ ٱلشَّيۡطَٰنَۖ إِنَّ ٱلشَّيۡطَٰنَ كَانَ لِلرَّحۡمَٰنِ عَصِيّٗا ٤٤

O my father, do not worship [i.e., obey] Satan. Indeed Satan has ever been, to the Most Merciful, disobedient.

يَٰٓأَبَتِ إِنِّيٓ أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٞ مِّنَ ٱلرَّحۡمَٰنِ فَتَكُونَ لِلشَّيۡطَٰنِ وَلِيّٗا ٤٥

O my father, indeed I fear that there will touch you a punishment from the Most Merciful so you would be to Satan a companion [in Hellfire]."

الصدّيق: من أبنية المبالغة. ونظيره الضحيك والنطيق. والمراد، فرط صدقه وكثرة ما صدّق به من غيوب الله وآياته وكتبه ورسله، وكان الرجحان والغلبة في هذا التصديق للكتب والرسل أى: كان مصدقا بجميع الأنبياء وكتبهم، وكان نبيا في نفسه، كقوله تعالى بَلْ جاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ أو كان بليغا في الصدق، لأن ملاك أمر النبوة الصدق، ومصدق الله بآياته ومعجزاته حرىّ أن يكون كذلك، وهذه الجملة وقعت اعتراضا بين المبدل منه وبدله، أعنى إبراهيم. وإِذْ قالَ

نحو قولك: رأيت زيدا، ونعم الرجل أخاك. ويجوز أن يتعلق إذ بكان أو بصديقا نبيا، أى: كان جامعا لخصائص الصديقين والأنبياء حين خاطب أباه تلك المخاطبات.

والمراد بذكر الرسول إياه وقصته في الكتاب أن يتلو ذلك على الناس ويبلغه إياهم، كقوله وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْراهِيمَ وإلا فالله عز وجل هو ذاكره ومورده في تنزيله. التاء في يا أَبَتِ عوض من ياء الإضافة، ولا يقال يا أبتى، لئلا يجمع بين العوض والمعوض منه. وقيل: يا أبتا، لكون الألف بدلا من الياء، وشبه ذلك سيبويه بأينق، وتعويض الياء فيه عن الواو الساقطة.

انظر حين أراد أن ينصح أباه ويعظه فيما كان متورطا فيه من الخطأ العظيم والارتكاب الشنيع الذي عصا فيه أمر العقلاء وانسلخ عن قضية التمييز، ومن الغباوة التي ليس بعدها غباوة: كيف رتب الكلام معه في أحسن اتساق، وساقه أرشق مساق [[قوله «في أحسن اتساق وساقه أرشق» في الصحاح «الاتساق» الانتظام. وفيه أيضا «رجل رشيق» أى حسن القد لطيفه. (ع)]] ، مع استعمال المجاملة واللطف والرفق واللين والأدب الجميل والخلق الحسن، منتصحا في ذلك بنصيحة ربه عز وعلا، حدّث أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم «أوحى الله إلى إبراهيم عليه السلام:

إنك خليلي، حسن خلقك ولو مع الكفار، تدخل مداخل الأبرار»

، فإن كلمتي سبقت لمن حسن خلقه: أظله تحت عرشي، وأسكنه حظيرة القدس، وأدنيه من جواري. وذلك أنه طلب منه أو لا العلة في خطئه طلب منبه على تماديه، موقظ لإفراطه وتناهيه، لأن المعبود لو كان حيا مميزا، سميعا بصيرا، مقتدرا على الثواب والعقاب، نافعا ضارا، إلا أنه بعض الخلق: لاستخفّ عقل من أهله للعبادة ووصفه بالربوبية، ولسجل عليه بالغىّ المبين والظلم العظيم وإن كان أشرف الخلق وأعلاهم منزلة كالملائكة والنبيين. قال الله تعالى وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْباباً أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ وذلك أن العبادة هي غاية التعظيم، فلا تحق إلا لمن له غاية الإنعام: وهو الخالق الرزاق، المحيي المميت، المثيب المعاقب، الذي منه أصول النعم وفروعها. فإذا وجهت إلى غيره- وتعالى علوا كبيرا أن تكون هذه الصفة لغيره- لم يكن إلا ظلما وعتوا وغيا وكفرا وجحودا، وخروجا عن الصحيح النير إلى الفاسد المظلم، فما ظنك بمن وجه عبادته إلى جماد ليس به حس ولا شعور؟ فلا يسمع- يا عابده- ذكرك له وثناءك عليه، ولا يرى هيآت خضوعك وخشوعك له، فضلا أن يغنى عنك بأن تستدفعه بلاء فيدفعه، أو تسنح لك حاجة فيكفيكها. ثم ثنى بدعوته إلى الحق مترفقا به متلطفا، فلم يسم أباه بالجهل المفرط، ولا نفسه بالعلم الفائق، ولكنه قال: إن معى طائفة من العلم وشيئا منه ليس معك، وذلك علم الدلالة على الطريق السوي فلا تستنكف، وهب أنى وإياك في مسير وعندي معرفة بالهداية دونك، فاتبعنى أنجك من أن تضل وتتيه. ثم ثلث بتثبيطه ونهيه عما كان عليه: بأن الشيطان- الذي استعصى على ربك الرحمن الذي جميع ما عندك من النعم من عنده، وهو عدوّك الذي لا يريد بك إلا كل هلاك وخزى ونكال وعدوّ أبيك آدم وأبناء جنسك كلهم- هو الذي ورّطك في هذه الضلالة وأمرك بها وزينها لك، فأنت إن حققت النظر عابد الشيطان، إلا أن إبراهيم عليه السلام لإمعانه في الإخلاص ولارتقاء همته في الربانية لم يذكر من جنايتي الشيطان إلا التي تختص منهما برب العزة من عصيانه واستكباره، ولم يلتفت إلى ذكر معاداته لآدم وذرّيته كأن النظر في عظم ما ارتكب من ذلك غمر فكره وأطبق على ذهنه. ثم ربع بتخويفه سوء العاقبة وبما يجره [[قوله «وبما يجره» لعله وما يجره، فيكون عطفا على سوء العاقبة. (ع)]] ما هو فيه من التبعة والوبال، ولم يخل ذلك من حسن الأدب، حيث لم يصرح بأن العقاب لا حق له وأن العذاب لا صق به، ولكنه قال: أخاف أن يمسك عذاب، فذكر الخوف والمس ونكر العذاب، وجعل ولاية الشيطان ودخوله في جملة أشياعه وأوليائه أكبر من العذاب، وذلك أن رضوان الله أكبر من الثواب نفسه، وسماه الله تعالى المشهود له [[قوله «وسماه الله تعالى المشهود له» لعله «مشهود له بأن رضوانه أكبر من الثواب» فليحرر. (ع)]] بالفوز العظيم حيث قال وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ فكذلك ولاية الشيطان التي هي معارضة رضوان الله، أكبر من العذاب نفسه وأعظم، وصدّر كل نصيحة من النصائح الأربع بقوله يا أَبَتِ توسلا إليه واستعطافا. ف ما

في ما لا يَسْمَعُ

وما لَمْ يَأْتِكَ يجوز أن تكون موصولة وموصوفة، والمفعول في لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ

منسى غير منوي، كقولك: ليس به استماع ولا إبصار شَيْئاً

يحتمل وجهين، أحدهما: أن يكون في موضع المصدر، أى: شيئا من الغناء، ويجوز أن يقدر نحوه مع الفعلين السابقين. والثاني: أن يكون مفعولا به من قولهم: أغن عنى وجهك إِنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ ما لَمْ يَأْتِكَ فيه تجدد العلم عنده.

19:46Page 308

قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنۡ ءَالِهَتِي يَٰٓإِبۡرَٰهِيمُۖ لَئِن لَّمۡ تَنتَهِ لَأَرۡجُمَنَّكَۖ وَٱهۡجُرۡنِي مَلِيّٗا ٤٦

[His father] said, "Have you no desire for my gods, O Abraham? If you do not desist, I will surely stone you, so avoid me a prolonged time."

لما أطلعه على سماجة صورة أمره، وهدم مذهبه بالحجج القاطعة، وناصحه المناصحة العجيبة مع تلك الملاطفات، أقبل عليه الشيخ بفظاظة الكفر وغلظة العناد، فناداه باسمه، ولم يقابل يا أَبَتِ بيا بنىّ، وقدّم الخبر على المبتدأ في قوله أَراغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يا إِبْراهِيمُ لأنه كان أهمّ عنده وهو عنده أعنى، وفيه ضرب من التعجب والإنكار لرغبته عن آلهته، وأن آلهته، ما ينبغي أن يرغب عنها أحد. وفي هذا سلوان وثلج لصدر رسول الله ﷺ عما كان يلقى من مثل ذلك من كفار قومه لَأَرْجُمَنَّكَ لأرمينك بلساني، يريد الشتم والذمّ، ومنه الرَّجِيمِ المرمىّ باللعن. أو لأقتلنك، من رجم الزاني. أو لأطردنك رميا بالحجارة.

وأصل الرجم: الرمي بالرجام [[قوله «وأصل الرجم الرمي بالرجام» أى الحجارة الضخام، كذا في الصحاح. (ع)]] مَلِيًّا زمانا طويلا من الملاوة: أو مليا بالذهاب عنى والهجران قبل أن أثخنك بالضرب، حتى لا تقدر أن تبرح. يقال: فلان ملىّ بكذا، إذا كان مطيقا له مضطلعا به. فإن قلت: علام عطف وَاهْجُرْنِي؟ قلت: على معطوف عليه محذوف يدل عليه لَأَرْجُمَنَّكَ أى فاحذرنى واهجرني، لأن لَأَرْجُمَنَّكَ تهديد وتقريع.

19:47–48Page 308

قَالَ سَلَٰمٌ عَلَيۡكَۖ سَأَسۡتَغۡفِرُ لَكَ رَبِّيٓۖ إِنَّهُۥ كَانَ بِي حَفِيّٗا ٤٧

[Abraham] said, "Peace [i.e., safety] will be upon you.1 I will ask forgiveness for you of my Lord. Indeed, He is ever gracious to me.

وَأَعۡتَزِلُكُمۡ وَمَا تَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَأَدۡعُواْ رَبِّي عَسَىٰٓ أَلَّآ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّي شَقِيّٗا ٤٨

And I will leave you and those you invoke other than Allāh and will invoke1 my Lord. I expect that I will not be in invocation to my Lord unhappy [i.e., disappointed]."

قالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سلام توديع ومتاركة، كقوله تعالى لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ وقوله وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً وهذا دليل على جواز متاركة المنصوح والحال هذه. ويجوز أن يكون قد دعا له بالسلامة استمالة له. ألا ترى أنه وعده الاستغفار. فإن قلت: كيف جاز له أن يستغفر للكافر وأن يعده [[قال محمود: «إن قلت لم استغفر لأبيه وهو كافر ... الخ» قال أحمد: وهذه لمظ من الاعتزال، مستطيرة من شرر شر قاعدة التحسين والتقبيح. والحق أن العقل لا مدخل له في أن يحكم بحكم الله تعالى قبل ورود الشرع به، ثم لم يوف الزمخشري بها، فانه جعل العقل يسوغ الاستغفار، وجعل الشرع مانعا منه، ولا يتصور هذا على قاعدتهم المهدمة، كما لا يتصور ورود الشرع بما يخالف العقل في الإلهيات، نعم قد يحكم الشرع بما لا يظهر العقل عندهم خلافه. وأما ما يظهر العقل خلافه. فلا.]] ذلك؟ قلت:

قالوا أراد اشتراط التوبة عن الكفر، كما ترد الأوامر والنواهي الشرعية على الكفار والمراد اشتراط الإيمان، وكما يؤمر المحدث والفقير بالصلاة والزكاة ويراد اشتراط الوضوء والنصاب.

وقالوا: إنما استغفر له بقوله وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كانَ مِنَ الضَّالِّينَ لأنه وعده أن يؤمن.

واستشهدوا عليه بقوله تعالى وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ ولقائل أن يقول: إنّ الذي منع من الاستغفار للكافر إنما هو السمع، فأمّا القضية العقلية فلا تأباه، فيجوز أن يكون الوعد بالاستغفار والوفاء به قبل ورود السمع، بناء على قضية العقل، والذي يدل على صحته قوله تعالى إِلَّا قَوْلَ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ فلو كان شارطا للإيمان لم يكن مستنكرا ومستثنى عما وجبت فيه الأسوة. وأمّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ فالواعد هو إبراهيم لا آزر، أى: ما قال وَاغْفِرْ لِأَبِي إلا عن قوله لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وتشهد له قراءة حماد الرواية: وعدها أباه. والله أعلم حَفِيًّا الحفىّ: البليغ في البر والإلطاف، حفى به وتحفى به وَأَعْتَزِلُكُمْ أراد بالاعتزال المهاجرة إلى الشام. المراد بالدعاء العبادة، لأنه منها ومن وسائطها. ومنه قوله ﷺ «الدعاء هو العبادة [[أخرجه أبو داود وبقية أصحاب السنن وابن حبان والحاكم من حديث النعمان بن بشير. وأخرجه أحمد وإسحاق وابن أبى شيبة وأبو يعلى والبزار والطبراني وابن ابى حاتم والطبري من حديثه وأخرجه ابن مردويه من حديث البراء بن عازب رضى الله عنهما.]] » ويدل عليه قوله تعالى فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ويجوز أن يراد الدعاء الذي حكاه الله في سورة الشعراء. عرّض بشقاوتهم بدعاء آلهتهم في قوله عَسى أَلَّا أَكُونَ بِدُعاءِ رَبِّي شَقِيًّا مع التواضع لله بكلمة عَسى وما فيه من هضم النفس.

19:49–50Page 308

فَلَمَّا ٱعۡتَزَلَهُمۡ وَمَا يَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَهَبۡنَا لَهُۥٓ إِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَۖ وَكُلّٗا جَعَلۡنَا نَبِيّٗا ٤٩

So when he had left them and those they worshipped other than Allāh, We gave him Isaac and Jacob, and each [of them] We made a prophet.

وَوَهَبۡنَا لَهُم مِّن رَّحۡمَتِنَا وَجَعَلۡنَا لَهُمۡ لِسَانَ صِدۡقٍ عَلِيّٗا ٥٠

And We gave them of Our mercy, and We made for them a mention [i.e., reputation] of high honor.

ما خسر على الله أحد ترك الكفار الفسقة لوجهه، فعوّضه أولادا مؤمنين أنبياء مِنْ رَحْمَتِنا هي النبوّة عن الحسن. وعن الكلبي: المال والولد، وتكون عامّة في كل خير دينى ودنيوى أوتوه. لسان الصدق: الثناء الحسن. وعبر باللسان عما يوجد باللسان كما عبر باليد عما يطلق باليد وهي العطية. قال:

إنى أتتنى لسان لا أسر بها [[إنى أتتنى لسان لا أسر به ... من علو لا كذب فيه ولا سحر

فجاشت النفس لما جاء فلهم ... وراكب جاء من تثليث معتمر

للأعشى الباهلي، لما جاء الناعي بقتل المنتشر أخيه. عبر باللسان عن الكلام مجازا، لأنه آلته. وأنث الفعل لتأويل الفاعل بالكلمة أو الرسالة، وذكر فيما بعد نظرا للظاهر، من علو بالبناء على الفتح، أى: من أعلى نجد، والسخر: مصدر سخر كتعب. وجاشت القدر: غلت وارتفع ما فيها. والتجوز بالجيشان عن حرارة القلب مشهور والفل: الفئة. وتثليث: اسم موضع ممنوع من الصرف. وراكب: عطف على «فلهم» ، و «معتمر» نعته، وجاء الثاني بدل.]]

يريد الرسالة. ولسان العرب: لغتهم وكلامهم. استجاب الله دعوته وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ فصيره قدوة حتى ادّعاه أهل الأديان كلهم. وقال عز وجل مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ ومِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً، ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وأعطى ذلك ذرّيته فأعلى ذكرهم وأثنى عليهم، كما أعلى ذكره وأثنى عليه.

19:51Page 308

وَٱذۡكُرۡ فِي ٱلۡكِتَٰبِ مُوسَىٰٓۚ إِنَّهُۥ كَانَ مُخۡلَصٗا وَكَانَ رَسُولٗا نَّبِيّٗا ٥١

And mention in the Book, Moses. Indeed, he was chosen, and he was a messenger and a prophet.1

المخلص- بالكسر-: الذي أخلص العبادة عن الشرك والرياء. أو أخلص نفسه وأسلم وجهه لله. وبالفتح: الذي أخلصه الله. الرسول: الذي معه كتاب من الأنبياء: والنبىّ:

الذي ينبئ عن الله عز وجل وإن لم يكن معه كتاب، كيوشع.

19:52Page 309

وَنَٰدَيۡنَٰهُ مِن جَانِبِ ٱلطُّورِ ٱلۡأَيۡمَنِ وَقَرَّبۡنَٰهُ نَجِيّٗا ٥٢

And We called him from the side of the mount1 at [his] right and brought him near, confiding [to him].

الأيمن من اليمين: أى من ناحيته اليمنى. أو من اليمن صفة للطور، أو للجانب. شبهه بمن قرّبه بعض العظماء للمناجاة، حيث كلمه بغير واسطة ملك. وعن أبى العالية قرّبه حتى سمع صريف القلم الذي كتبت به التوراة.

19:53Page 309

وَوَهَبۡنَا لَهُۥ مِن رَّحۡمَتِنَآ أَخَاهُ هَٰرُونَ نَبِيّٗا ٥٣

And We gave him out of Our mercy his brother Aaron as a prophet.

مِنْ رَحْمَتِنا من أجل رحمتنا له وترأفنا عليه: وهبنا له هرون. أو بعض رحمتنا، كما في قوله وَوَهَبْنا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنا. وأَخاهُ على هذا الوجه بدل. وهارُونَ عطف بيان، كقولك: رأيت رجلا أخاك زيدا. وكان هرون أكبر من موسى، فوقعت الهبة على معاضدته وموازرته كذا عن ابن عباس رضى الله عنه.

19:54–55Page 309

وَٱذۡكُرۡ فِي ٱلۡكِتَٰبِ إِسۡمَٰعِيلَۚ إِنَّهُۥ كَانَ صَادِقَ ٱلۡوَعۡدِ وَكَانَ رَسُولٗا نَّبِيّٗا ٥٤

And mention in the Book, Ishmael. Indeed, he was true to his promise, and he was a messenger and a prophet.

وَكَانَ يَأۡمُرُ أَهۡلَهُۥ بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱلزَّكَوٰةِ وَكَانَ عِندَ رَبِّهِۦ مَرۡضِيّٗا ٥٥

And he used to enjoin on his people prayer and zakāh and was to his Lord pleasing [i.e., accepted by Him].

ذكر إسماعيل عليه السلام بصدق الوعد وإن كان ذلك موجودا في غيره من الأنبياء، تشريفا له وإكراما، كالتلقيب بنحو: الحليم، والأوّاه، والصدّيق، ولأنه المشهور المتواصف من خصاله. عن ابن عباس رضى الله عنه: أنه وعد صاحبا له أن ينتظره في مكان، فانتظره سنة. وناهيك أنه وعد في نفسه الصبر على الذبح فوفى، حيث قال سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ كان يبدأ بأهله في الأمر بالصلاح والعبادة ليجعلهم قدوة لمن وراءهم، ولأنهم أولى من سائر الناس وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ، وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ، قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً ألا ترى أنهم أحق بالتصدّق عليهم، فالإحسان الديني أولى. وقيل أَهْلَهُ أمته كلهم من القرابة وغيرهم، لأنّ أمم النبيين في عداد أهاليهم. وفيه أنّ من حق الصالح أن لا يألو نصحا للأجانب فضلا عن الأقارب والمتصلين به، وأن يحظيهم بالفوائد الدينية ولا يفرط في شيء من ذلك.

19:56–57Page 309

وَٱذۡكُرۡ فِي ٱلۡكِتَٰبِ إِدۡرِيسَۚ إِنَّهُۥ كَانَ صِدِّيقٗا نَّبِيّٗا ٥٦

And mention in the Book, Idrees. Indeed, he was a man of truth and a prophet.

وَرَفَعۡنَٰهُ مَكَانًا عَلِيًّا ٥٧

And We raised him to a high station.

قيل: سمى إدريس لكثرة دراسته كتاب الله عزّ وجل، وكان اسمه أخنوخ، وهو غير صحيح، لأنه لو كان أفعيلا من الدرس لم يكن فيه إلا سبب واحد وهو العلمية، فكان منصرفا، فامتناعه من الصرف دليل العجمة. وكذلك إبليس أعجمى، وليس من الإبلاس كما يزعمون، ولا يعقوب من العقب، ولا إسرائيل بإسرال كما زعم ابن السكيت، ومن لم يحقق ولم يتدرّب بالصناعة كثرت منه أمثال هذه الهنات. ويجوز أن يكون معنى إِدْرِيسَ في تلك اللغة قريبا من ذلك، فحسبه الراوي مشتقا من الدرس. المكان العلى: شرف النبوّة والزلفى عند الله وقد أنزل الله عليه ثلاثين صحيفة، وهو أول من خط بالقلم ونظر في علم النجوم والحساب، وأوّل من خاط الثياب ولبسها، وكانوا يلبسون الجلود. وعن أنس بن مالك رضى الله عنه يرفعه إنه رفع إلى السماء الرابعة [[أخرجه الترمذي من رواية شيبان عن قتادة عن أنس بهذا. وقال هو عندي مختصر من حديث الاسراء الذي رواه سعيد وهمام عن قتادة عن أنس عن مالك بن صعصعة.]] . وعن ابن عباس رضى الله عنهما: إلى السماء السادسة [[أخرجه الطبري وابن مردويه من رواية عطية عنه.]] . وعن الحسن رضى الله عنه. إلى الجنة لا شيء أعلى من الجنة. وعن النابغة الجعدي: أنه لما أنشد عند رسول الله ﷺ الشعر الذي آخره:

بلغنا السّماء مجدنا وسناؤنا ... وإنّا لنرجو فوق ذلك مظهرا [[ولا خير في حلم إذا لم يكن له ... بواد وتحمى صفوه أن يكدرا

ولا خير في جهل إذا لم يكن له ... حليم إذا ما أورد الأمر أصدرا

بلغنا السماء مجدنا وسناؤنا ... وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا

للنابغة الجعدي، أنشده أمام رسول الله ﷺ فقال: إلى أين يا أبا ليلى؟ قال: إلى الجنة بك يا رسول الله، فقال: لا يفضض الله فاك. فعمر فوق مائتي عام، وكان إذا سقطت له سن نبت بدلها. والحلم: الأناة والعقل. والبادرة: الكلمة تصدر حال الغضب. وشبه الحلم بالماء على طريق المكنية. والصفاء والتكدير:

تخييل، والمراد بالجهل: عجلة الاقدام على عظائم الأمور. والإيراد جعل الشيء واردا. والإصدار: جعله صادرا. والمراد تسبب في وجوده وإعظامه وفي تحقيره وإعدامه. ويحتمل أنه شبه الأمر المعضل بحيوان يورده صاحبه إلى الماء تارة ويرجعه أخرى، على طريق المكنية، والإيراد والإصدار تخييل. ويجوز أن فاعل أورد ضمير الجهل، وفاعل أصدر ضمير الحليم، أى: إذا تسبب الجهل والشجاعة في أمر خطاء أرجعه الحليم وأبطله، فلا بد من اجتماع الحلم والجرأة معا حتى يكمل الرجل. ومجدنا وسناؤنا بالرفع بدلا من فاعل بلغنا. وقيل: هما مفعولان فهما بالنصب. وانظر ما وجهه، ولعله أنهما ظرفان اعتباريان، أى: بلغنا السماء في المجد والسناء. أو بدلان من السماء، بأن شبههما بها، ثم أطلقها عليهما وأبدلهما منها، وهو أوجه من الظرفية. ولو قيل على النصب: أنهما تمييزان، كان وجيها، لكنه على رأى الكوفيين القائلين بجوازه معرفة، ولما ادعى بلوغ السماء بنى عليه ما يبنى على المحسوس فقال: وإنا لنرجو مظهرا فوق ذلك.]]

قال رسول الله ﷺ: «إلى أين يا أبا ليلى» قال: إلى الجنة [[أخرجه البزار وأبو نعيم والبيهقي في الدلائل لها من طريق يعلى بن الأشرف عنه وله طريق أخرى عند البيهقي وذكر القصيدة.]] .

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском