Az-Zamakhshari · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:168–179
2:168–169Page 25
يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِي ٱلۡأَرۡضِ حَلَٰلٗا طَيِّبٗا وَلَا تَتَّبِعُواْ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيۡطَٰنِۚ إِنَّهُۥ لَكُمۡ عَدُوّٞ مُّبِينٌ ١٦٨
O mankind, eat from whatever is on earth [that is] lawful and good and do not follow the footsteps of Satan. Indeed, he is to you a clear enemy.
إِنَّمَا يَأۡمُرُكُم بِٱلسُّوٓءِ وَٱلۡفَحۡشَآءِ وَأَن تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعۡلَمُونَ ١٦٩
He only orders you to evil and immorality and to say about Allāh what you do not know.
حَلالًا مفعول كلوا، أو حال مما في الأرض طَيِّباً طاهرا من كل شبهة وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ فتدخلوا في حرام، أو شبهة، أو تحريم حلال، أو تحليل حرام. و «من» للتبعيض لأن كل ما في الأرض ليس بمأكول. وقرئ خطوات بضمتين، وخطوات بضمة وسكون، وخطؤات بضمتين وهمزة جعلت الضمة على الطاء كأنها على الواو وخطوات بفتحتين، وخطوات بفتحة وسكون. والخطوة: المرة من الخطو. والخطوة: ما بين قدمي الخاطي. وهما كالغرفة والغرفة، والقبضة والقبضة. يقال: اتبع خطواته، ووطئ على عقبه. إذا اقتدى به واستن بسنته مُبِينٌ ظاهر العداوة لا خفاء به إِنَّما يَأْمُرُكُمْ بيان لوجوب الانتهاء عن اتباعه وظهور عداوته. أى لا يأمركم بخير قط إنما يأمركم بِالسُّوءِ بالقبيح وَالْفَحْشاءِ وما يتجاوز الحدّ في القبح من العظائم، وقيل: السوء ما لا حدّ فيه. والفحشاء: ما يجب الحدّ فيه وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ وهو قولكم: هذا حلال وهذا حرام، بغير علم. ويدخل فيه كل ما يضاف إلى اللَّه تعالى مما لا يجوز عليه. فإن قلت: كيف كان الشيطان آمرا مع قوله: (لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ) ؟
قلت: شبه تزيينه وبعثه على الشر بأمر الآمر، كما تقول: أمرتنى نفسي بكذا. وتحته رمز إلى أنكم منه بمنزلة المأمورين لطاعتكم له وقبولكم وساوسه ولذلك قال: (وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الْأَنْعامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ) وقال اللَّه تعالى: (إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ) لما كان الإنسان يطيعها فيعطيها ما اشتهت.
2:170Page 26
وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّبِعُواْ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ قَالُواْ بَلۡ نَتَّبِعُ مَآ أَلۡفَيۡنَا عَلَيۡهِ ءَابَآءَنَآۚ أَوَلَوۡ كَانَ ءَابَآؤُهُمۡ لَا يَعۡقِلُونَ شَيۡـٔٗا وَلَا يَهۡتَدُونَ ١٧٠
And when it is said to them, "Follow what Allāh has revealed," they say, "Rather, we will follow that which we found our fathers doing." Even though their fathers understood nothing, nor were they guided?
لَهُمُ الضمير للناس. وعدل بالخطاب عنهم على طريقة الالتفات للنداء على ضلالهم، لأنه لا ضال أضل من المقلد، كأنه يقول للعقلاء: انظروا إلى هؤلاء الحمقى ماذا يقولون. قيل: هم المشركون. وقيل: هم طائفة من اليهود دعاهم رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم إلى الإسلام فقالوا:
بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا فإنهم كانوا خيرا منا وأعلم. وألفينا: بمعنى وجدنا، بدليل قوله: (بَلْ نَتَّبِعُ ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا. أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ الواو للحال، والهمزة بمعنى الردّ والتعجيب، معناه: أيتبعونهم ولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا من الدين ولا يهتدون للصواب.
2:171Page 26
وَمَثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ ٱلَّذِي يَنۡعِقُ بِمَا لَا يَسۡمَعُ إِلَّا دُعَآءٗ وَنِدَآءٗۚ صُمُّۢ بُكۡمٌ عُمۡيٞ فَهُمۡ لَا يَعۡقِلُونَ ١٧١
The example of those who disbelieve is like that of one who shouts at what hears nothing but calls and cries [i.e., cattle or sheep] - deaf, dumb and blind, so they do not understand.
لا بدّ من مضاف محذوف تقديره. ومثل داعى الذين كفروا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ أو: ومثل الذين كفروا كبهائم الذي ينعق. والمعنى: ومثل داعيهم إلى الإيمان- في أنهم لا يسمعون من الدعاء إلا جرس النغمة ودوى الصوت، من غير إلقاء أذهان ولا استبصار- كمثل الناعق بالبهائم، التي لا تسمع إلا دعاء الناعق ونداءه الذي هو تصويت بها وزجر لها، ولا تفقه شيئا آخر ولا تعى، كما يفهم العقلاء ويعون. ويجوز أن يراد بما لا يسمع: الأصم الأصلخ، الذي لا يسمع من كلام الرافع صوته بكلامه إلا النداء والتصويت لا غير، من غير فهم للحروف. وقيل معناه: ومثلهم في اتباعهم آباءهم وتقليدهم لهم، كمثل البهائم التي لا تسمع إلا ظاهر الصوت ولا تفهم ما تحته، فكذلك هؤلاء يتبعونهم على ظاهر حالهم ولا يفقهون أهم على حق أم باطل؟ وقيل معناه: ومثلهم في دعائهم الأصنام كمثل الناعق بما لا يسمع، إلا أنّ قوله إِلَّا دُعاءً وَنِداءً لا يساعد عليه، لأنّ الأصنام لا تسمع شيئا. والنعيق: التصويت. يقال: نعق المؤذن، ونعق الراعي بالضأن. قال الأخطل:
فَانْعِقْ بِضَأْنِكَ يَا جَرِيرُ فَإنّمَا ... مَنَّتْكَ نَفْسُكَ فِى الخَلَاءِ ضَلَالا [[للأخطل. ونعق ينعق نعيقا- بالعين المهملة- إذا صوت بغنمه. ونغق الغراب نغاقا- بالمعجمة- إذا صاح.
أى: صوت لغنمك يا جرير، واكتف بذلك عن المفاخر فلست من أهلها، إنما أنت راعى غنم. منتك: حدثتك نفسك ووعدتك وسولت لك في الفضاء الخالي عن الناس ضلالا وكذبا. لا هدى وصدقا كما تزعم، وذمه جرير بقوله:
والتغلبي إذا تنحنح للقرى ... حك استه وتمثل الأمثالا
ورد عليه الأخطل بقوله:
قوم إذا استنبح الأضياف كلبهم ... قالوا لأمهم بولي على النار]]
وأما «نغق الغراب» فبالغين المعجمة صُمٌّ هم صم، وهو رفع على الذمّ.
2:172Page 26
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَٰتِ مَا رَزَقۡنَٰكُمۡ وَٱشۡكُرُواْ لِلَّهِ إِن كُنتُمۡ إِيَّاهُ تَعۡبُدُونَ ١٧٢
O you who have believed, eat from the good [i.e., lawful] things which We have provided for you and be grateful to Allāh if it is [indeed] Him that you worship.
مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ من مستلذاته، لأنّ كل ما رزقه اللَّه لا يكون إلا حلالا [[قوله «كل ما رزقه اللَّه لا يكون إلا حلالا» هذا عند المعتزلة. أما عند أهل السنة فقد يكون حراما، كما بين في موضعه. (ع)]] وَاشْكُرُوا لِلَّهِ الذي رزقكموها إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ إن صح أنكم تخصونه بالعبادة.
وتقرّون أنه مولى النعم. وعن النبي صلى اللَّه عليه وسلم: «يقول اللَّه تعالى: إنى والجنّ والإنس في نبأ عظيم، أخلق ويُعبد غيرى وأرزق ويُشكر غيرى [[أخرجه الطبراني في مسند الشاميين والبيهقي في الشعب من رواية بقية، حدثنا صفوان ابن عمر. حدثني عبد الرحمن بن جبير بن نفير. وشريح بن عبيد عن أبى الدرداء عن النبي صلى اللَّه عليه وسلم. قال «قال اللَّه عز وجل «إنى والجن والانس ... » فذكره سواء.]] .
2:173Page 26
إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡمَيۡتَةَ وَٱلدَّمَ وَلَحۡمَ ٱلۡخِنزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ بِهِۦ لِغَيۡرِ ٱللَّهِۖ فَمَنِ ٱضۡطُرَّ غَيۡرَ بَاغٖ وَلَا عَادٖ فَلَآ إِثۡمَ عَلَيۡهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٌ ١٧٣
He has only forbidden to you dead animals,1 blood, the flesh of swine, and that which has been dedicated to other than Allāh. But whoever is forced [by necessity], neither desiring [it] nor transgressing [its limit], there is no sin upon him. Indeed, Allāh is Forgiving and Merciful.
قرئ (حَرّم) على البناء للفاعل، وحُرِّم على البناء للمفعول، وحَرُم بوزن كرم أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ أى رفع به الصوت للصنم، وذلك قول أهل الجاهلية: باسم اللات والعزى غَيْرَ باغٍ على مضطرّ آخر بالاستيثار عليه وَلا عادٍ سدّ الجوعة. فإن قلت: في الميتات ما يحل وهو السمك والجراد. قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم: «أحلت لنا ميتتان ودمان» [[أخرجه أحمد والشافعي. وابن ماجة والدارقطني من حديث ابن عمر رضى اللَّه عنهما،]] .؟ قلت: قصد ما يتفاهمه الناس ويتعارفونه في العادة. ألا ترى أنّ القائل إذا قال: أكل فلان ميتة، لم يسبق الوهم إلى السمك والجراد، كما لو قال: أكل دما، لم يسبق إلى الكبد والطحال. ولاعتبار العادة والتعارف قالوا: من حلف لا يأكل لحما فأكل سمكا لم يحنث- وإن أكل لحما في الحقيقة، قال اللَّه تعالى: (لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيًّا) وشبهوه بمن حلف لا يركب دابة فركب كافرا لم يحنث- وإن سماه اللَّه تعالى دابة في قوله: (إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا) . فإن قلت: فما له ذكر لحم الخنزير دون شحمه؟ قلت: لأنّ الشحم داخل في ذكر اللحم، لكونه تابعا له وصفة فيه، بدليل قولهم: لحم سمين، يريدون أنه شحيم.
2:174–176Page 26
إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكۡتُمُونَ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَيَشۡتَرُونَ بِهِۦ ثَمَنٗا قَلِيلًا أُوْلَٰٓئِكَ مَا يَأۡكُلُونَ فِي بُطُونِهِمۡ إِلَّا ٱلنَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ ٱللَّهُ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمۡ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٌ ١٧٤
Indeed, they who conceal what Allāh has sent down of the Book and exchange it for a small price - those consume not into their bellies except the Fire. And Allāh will not speak to them on the Day of Resurrection, nor will He purify them. And they will have a painful punishment.
أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشۡتَرَوُاْ ٱلضَّلَٰلَةَ بِٱلۡهُدَىٰ وَٱلۡعَذَابَ بِٱلۡمَغۡفِرَةِۚ فَمَآ أَصۡبَرَهُمۡ عَلَى ٱلنَّارِ ١٧٥
Those are the ones who have exchanged guidance for error and forgiveness for punishment. How patient they are for [i.e., in pursuit of] the Fire!
ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ نَزَّلَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّۗ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخۡتَلَفُواْ فِي ٱلۡكِتَٰبِ لَفِي شِقَاقِۭ بَعِيدٖ ١٧٦
That is [deserved by them] because Allāh has sent down the Book in truth. And indeed, those who differ over the Book are in extreme dissension.
فِي بُطُونِهِمْ ملء بطونهم. يقال: أكل فلان في بطنه، وأكل في بعض بطنه إِلَّا النَّارَ لأنه إذا أكل ما يتلبس بالنار لكونها عقوبة عليه، فكأنه أكل النار. ومنه قولهم: أكل فلان الدم، إذا أكل الدية التي هي بدل منه. قال:
أَكَلْتُ دَماً إنْ لَمْ أَرُعْكِ بِضَرَّةٍ [[دمشق خذيها واعلمي أن ليلة ... تمر بعودى نعشها ليلة القدر
أكلت دما إن لم أرعك بضرة ... بعيدة مهوى القرط طيبة النشر
لأعرابى تزوج امرأة فلم توافقه، فقيل له: إن حمى دمشق سريعة في موت النساء، فحملها إليها وقال لها ذلك، ونزل دمشق- وهي مدينة بالشام- منزلة العاقل فناداها. والظاهر أن هذا التنزيل من باب الاستعارة المكنية والنداء تخييل، وكذلك الأمر بالعلم، والمرور: المشي، فاسناده لليلة مجاز عقلى من الاسناد للزمان، وهو في الحقيقة لحملة النعش، أو بمعنى المضي فهو حقيقة والباء للملابسة، وهو كناية عن موتها. والعودان: طرفا النعش. وجعل تلك الليلة كليلة القدر عنده لشدة ترقبها وتمنيها والتشوق إليها، ثم التفت إلى خطابها ودعا على نفسه بقوله: أكلت دما، أى دية، لأنها بدل الدم وأخذها عار عند العرب، لدلالتها على الجبن وحب المال دون الثأر. وإن لم أرعك:
من راعه يروعه إذا أخافه. والمراد أنه يغيظها بتزوج ضرة عليها جميلة طويلة العنق. فبعد مهوى القرط: كناية عن ذلك. والقرط: حلى الأذن. ومهواه: مسقطه من المنكب. والنشر: الرائحة الطيبة. ويحتمل أنه دعا على نفسه بالجدب حتى يحتاج لفصد النوق وأكل دمها، وكذلك كانت تفعل الجاهلية في الجدب. ويحتمل أن المراد: شربت دما، فهو تعليق على الممتنع عنده دلالة على تحقيق التزوج، لأنه يرجع إلى أن عدم التزوج ممتنع كما أن شرب الدم ممتنع. ونظيره ما أنشده أبو إياس:
أمالك عمر إنما أنت حية ... إذا هي لم تقتل تعش آخر العمر
ثلاثين حولا لا أرى منك راحة ... لهنك في الدنيا لباقية العمر
دمشق خذيها لا تفتك قليلة ... تمر بعودى نعشها ليلة القدر
فان أنفلت من عمر صعبة سالما ... تكن من نساء الناس لي بيضة العقر
ولعل «العمر» في القافية الأولى بمعنى الدهر. ولهنك هاؤه بدل من همزة إن عند البصريين، وعند غيرهم أصله:
للَّه إنك. وبيضة العقر: زعموا أنها بيضة الديك لا يبيض في عمره غيرها. وقيل: هي مثل لما لا وجود له أصلا.
فالمعنى: أنه يتزوج جميلة لا يتزوج غيرها، أو أنه لا يتزوج أصلا. وصعبة هي امرأته.]] وقال: [[إن لنا أحمرة عجافا ... يأكلن كل ليلة إكافا
الأحمرة: الحمير. والعجاف: المهازيل. والأكاف: البرذعة، فالمراد: يأكلن كل ليلة علفا مشترى بثمن إكاف، بأن يباع الأكاف ثم يشترى بثمنه علفا لها، فأوقع الأكل على الأكاف بواسطتين، ولعل بيع براذعها لضعفها عن العمل. ويمكن أنه مجرد تقديم، وإنما خص الاكاف لاختصاصه بالحمير.]]
يَأْكُلْنَ كُلَّ لَيْلَةٍ إكَافَا [[قوله «كل ليلة إكافا» هو ما يوضع على ظهر الحمار عند ركوبه أو تحميله. أفاده الصحاح. (ع)]]
أراد ثمن الإكاف، فسماه إكافا لتلبسه بكونه ثمنا له وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ تعريض بحرمانهم حال أهل الجنة في تكرمة اللَّه إياهم بكلامه وتزكيتهم بالثناء عليهم. وقيل: نفى الكلام عبارة عن غضبه عليهم كمن غضب على صاحبه فصرمه وقطع كلامه. وقيل: لا يكلمهم بما يحبون، ولكن بنحو قوله: (اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ) . فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ تعجب من حالهم في التباسهم بموجبات النار من غير مبالاة منهم، كما تقول لمن يتعرّض لما يوجب غضب السلطان: ما أصبرك على القيد والسجن، تريد أنه لا يتعرض لذلك إلا من هو شديد الصبر على العذاب. وقيل: فما أصبرهم، فأى شيء صبرهم. يقال: أصبره على كذا وصبره بمعنى.
وهذا أصل معنى فعل التعجب. والذي روى عن الكسائي أنه قال: قال لي قاضى اليمن بمكة.
اختصم إلىّ رجلان من العرب فحلف أحدهما على حق صاحبه فقال له: ما أصبرك على اللَّه، فمعناه: ما أصبرك على عذاب اللَّه ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ أى ذلك العذاب بسبب أنّ اللَّه نزل ما نزل من الكتب بالحق وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا في كتب اللَّه فقالوا في بعضها حق وفي بعضها باطل وهم أهل الكتاب لَفِي شِقاقٍ لفي خلاف بَعِيدٍ عن الحق، والكتاب للجنس.
أو كفرهم ذلك بسبب أنّ اللَّه نزّل القرآن بالحق كما يعلمون، وإن الذين اختلفوا فيه من المشركين- فقال بعضهم: سحر، وبعضهم: شعر، وبعضهم: أساطير- لفي شقاق بعيد. يعنى أنّ أولئك لو لم يختلفوا ولم يشاقوا لما جسر هؤلاء أن يكفروا.
2:177Page 27
۞ لَّيۡسَ ٱلۡبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمۡ قِبَلَ ٱلۡمَشۡرِقِ وَٱلۡمَغۡرِبِ وَلَٰكِنَّ ٱلۡبِرَّ مَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ وَٱلۡكِتَٰبِ وَٱلنَّبِيِّـۧنَ وَءَاتَى ٱلۡمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِۦ ذَوِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينَ وَٱبۡنَ ٱلسَّبِيلِ وَٱلسَّآئِلِينَ وَفِي ٱلرِّقَابِ وَأَقَامَ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَى ٱلزَّكَوٰةَ وَٱلۡمُوفُونَ بِعَهۡدِهِمۡ إِذَا عَٰهَدُواْۖ وَٱلصَّٰبِرِينَ فِي ٱلۡبَأۡسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ وَحِينَ ٱلۡبَأۡسِۗ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُتَّقُونَ ١٧٧
Righteousness is not that you turn your faces toward the east or the west, but [true] righteousness is [in] one who believes in Allāh, the Last Day, the angels, the Book, and the prophets and gives wealth, in spite of love for it, to relatives, orphans, the needy, the traveler, those who ask [for help], and for freeing slaves; [and who] establishes prayer and gives zakāh; [those who] fulfill their promise when they promise; and [those who] are patient in poverty and hardship and during battle. Those are the ones who have been true, and it is those who are the righteous.
الْبِرَّ اسم للخير ولكل فعل مرضىّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ الخطاب لأهل الكتاب [[قال محمود رحمه اللَّه: «الخطاب فيه لليهود والنصارى ... الخ» . قال أحمد رحمه اللَّه: هذا منقول عن المبرد، مصمى بسهام الرد، فان فيه إبهاما بأن اختلاف وجوه القراءة موكول إلى الاجتهاد، وأنه مهما اقتضاه قياس اللغة جازت القراءة به لمن يعد أهلا للاجتهاد في العربية واللغة. وهذا خطأ محض، فالقراآت سنة متبعة لا مجال فيها للدراية. على أن ما قاله وقدر أنه الأوجه ليس ببالغ ذروة فصاحة الآية إلا على القراآت المستفيضة، لأن الكلام مصدر بذكر البر الذي هو المصدر قولا واحدا، فلو عدل إلى ذكر البر الذي هو الوصف لا يفك المطابقة ومعنى النظام. ولذلك كان تأويل الآية بحذف المضاف من الثاني على تأويل: بر من آمن، أوجه وأحسن وأبقى على السياق. ومن ظن أنه يشق غبارا أو يتعلق بأذيال فصاحة المعجز للفصحاء، فقد سولت له نفسه محالا ومنته ضلالا.]] لأن اليهود تصلى قِبل المغرب إلى بيت المقدس، والنصارى قِبل المشرق. وذلك أنهم أكثروا الخوض في أمر القبلة حين حوّل رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم إلى الكعبة، وزعم كل واحد من الفريقين أنّ البرّ التوجه إلى قبلته، فردّ عليهم. وقيل: ليس البرّ فيما أنتم عليه فإنه منسوخ خارج من البرّ، ولكن البرّ ما نبينه. وقيل: كثر خوض المسلمين وأهل الكتاب في أمر القبلة، فقيل: ليس البرّ العظيم الذي يجب أن تذهلوا بشأنه عن سائر صنوف البرّ أمر القبلة، ولكن البرّ الذي يجب الاهتمام به وصرف الهمة برّ من آمن وقام بهذه الأعمال. وقرئ: وليس البرّ- بالنصب على أنه خبر مقدم- وقرأ عبد اللَّه: بأن تولوا، على إدخال الباء على الخبر للتأكيد كقولك: ليس المنطلق بزيد وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ على تأويل حذف المضاف، أى برّ من آمن، أو يتأول البرّ بمعنى ذى البرّ، أو كما قالت:
فَإنَّمَا هِىَ إقْبَالٌ وَإدْبَارُ [[فما عجول على بو تطيف به ... لها حنينان إصغار وإكبار
لا تسأم الدهر منه كلما ذكرت ... فإنما هي إقبال وإدبار
يوما بأوجد منى حين فارقنى ... صخر وللدهر إحلاء وإمرار
للخنساء ترئى أخاها صخراً. والعجول: الناقة التي أسقطت حملها قبل تمام شهرين، والتي فقدت ولدها بنحر أو موت والبو: جلد محشو تدر الناقة لأجله. وقيل: ولد الناقة. وطاف به يطوف طوفا وطوافا وطوفانا، إذا دار حوله وطاف عليه يطيف طيفاً، إذا أقبل عليه. وقد يستعمل كل موضع الآخر، أى تحرم حوله. ويروى: تحن له.
وإصغار وإكبار: بدل من حنينان. ويروى: إعلان وإسرار. والمعنى واحد، غير أن فيه تقديماً وتأخيراً.
أو الاصغار الحنين على الولد الصغير، والإكبار على الكبير، كذا قيل، لكن خير ما فسرته بالوارد. والدهر:
نصب بتسأم أى: لا تمل طول الدهر مما ذكر من الحنين ورجوعه للبو، تأباه جزالة المعنى. ويمكن عوده على الطيف المعلوم من تطيف. ويروى بدل هذا الشطر
ترتع ما رتعت حتى إذا ادكرت
وأصله اذتكرت أى تذكرت. ويروى
ترتع ما غفلت حتى إذا ذكرت
أى ترعى مدة غفلتها عنه، فإذا تذكرته فإنما هي ذات إقبال وذات إدبار، أو مقبلة ومدبرة، أو هي نفس الإقبال والأدبار مبالغة. أى تلتفت تارة أمامها وتارة خلفها وتتلهى عن الرعي. وقيل المراد إقبال النهار وإدبار الليل وعكسه. ويمكن أن وجهه استقلال المدة، أى فإنما مدة الدهر إقبال وإدبار دائرين بين الليل والنهار، بالضمير عائد على معلوم من السياق، لكن لا يظهر على الرواية الثانية. ويوما: نصب بأوجد وجاز تقدمه على أفعل التفضيل، لأنه ظرف، وكذاك تنبيهاً على أن المراد باليوم مطلق الزمن غالباً. وبأوجد:
خبر عجول. ويروى «بأوجع» أى ليست أشد حزنا منى حين فارقني أخي، وحين نصب بأوجد أيضاً. ووجهه أنه في معنى عاملين، أى ليس وجدها يوما أشد من وجدي حين الفراق، فالأول للأول، والثاني للثاني، ثم تسلت بقولها: وللدهر إحلاء وإمرار. ويقال: أحلى الشيء وأمر، صار حلواً وصار مراً. ويجوز أنهما متعديان.
والمراد: أن الدهر ينعم العيش تارة ويبئسه أخرى. فالاحلاء والإمرار استعارتان لذلك.]]
وعن المبرّد: لو كنت ممن يقرأ القرآن لقرأت: ولكنّ البرّ، بفتح الباء. وقرئ: ولكن البارّ. وقرأ ابن عامر ونافع: ولكنّ البر بالتخفيف وَالْكِتابِ جنس كتب اللَّه، أو القرآن عَلى حُبِّهِ مع حب المال والشح به، كما قال ابن مسعود «أن تؤتيه وأنت صحيح شحيح، تأمل العيش وتخشى الفقر، ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت لفلان كذا ولفلان كذا [[موقوف، كذا أخرجه عبد الرزاق عن الثوري عن زبيد عن مرة عنه. قال في قوله تعالى: (وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبى) قال «أن يؤتيه» فذكره إلى قوله «ويخشى الفقر» ولم يذكر ما بعده. ومن طريقه أخرجه الطبراني والحاكم وذكره أبو نعيم في الحلية. في ترجمة مسعر فأخرجه من طريقه عن زبيد به. وقال هكذا رواه مسعر والناس. عن زبيد موقوفا رواه مخلدين يزيد عن الثوري مرفوعا. وتفرد برفعه ثم ساقه. وأخرجه البيهقي من رواية شعبة عن زبيد موقوفا ومن طريق سلام بن سليم المدائني عن محمد بن طلحة عن زبيد مرفوعا: وسلام ضعيف رواه الطبري من ثلاثة طرق عن زبيد موقوفا. ولم يذكر أحد منهم ولا تمهل وإنما هو في حديث أبى هريرة. اتفق الشيخان عليه بلفظ «قال رجل للنبي صلى اللَّه عليه وسلم يا رسول اللَّه، أى الصدقة أفضل؟ قال أن تصدق وأنت صحيح شحيح تأمل العنى وتخشى الفقر ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت لفلان كذا ولفلان كذا وقد كان لفلان» .]] » . وقيل: على حب اللَّه. وقيل: على حب الإيتاء، يريد أن يعطيه وهو طيب النفس بإعطائه. وقدم ذوى القربى لأنهم أحق. قال عليه الصلاة والسلام: «صدقتك على المسكين صدقة. وعلى ذى رحمك اثنتان لأنها صدقة وصلة [[أخرجه النسائي والترمذي وابن ماجة وابن حبان والحاكم وأحمد وابن أبى شيبة والدارمي كلهم من حديث سلمان بن عامر بلفظ «الصدقة على المسكين حسنة» الترمذي. وفي الباب عن ابن طلحة وأبى أمامة.
أخرجها الطبراني.]] » وقال عليه الصلاة والسلام [[أخرجه عبد الرزاق والحاكم والبيهقي والطبراني من رواية ابن عيينة عن الزهري. عن حميد بن عبد الرحمن عن أمه أم كلثوم بنت عقبة. ورواه أبو عبيد في كتاب الأموال من رواية ابراهيم بن يزيد المكي عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبى هريرة. وأخرجه من طريق عقيل عن الزهري مرسلا. لم يذكر أبا هريرة ورواه أحمد من رواية سفيان بن حسين عن الزهري عن أيوب بن بشير عن حكيم بن حزام ورواه أيضاً هو وإسحاق والطبراني من طريق الحجاج بن أرطاة عنه عن حكيم بن بشير عن أبى أيوب. فهذه الطرق كلها تدور على الزهري، مع اختلاف عليه، وأحفظهم سفيان بن عنبسة، وعقيل أحفظ منه. وروايته أشبه بالصواب.]] : «أفضل الصدقة على ذى الرحم الكاشح [[قوله «ذى الرحم الكاشح» في الصحاح: تقول طوى فلان عن كشحه، إذا قطعك. والكاشح الذي يضمر لك العداوة. (ع)]] » . وأطلق ذَوِي الْقُرْبى وَالْيَتامى والمراد الفقراء منهم لعدم الإلباس. والمسكين:
الدائم السكون إلى الناس، لأنه لا شيء له، كالمسكير: للدائم السكر وَابْنَ السَّبِيلِ المسافر المنقطع. وجُعل ابنا للسبيل لملازمته له، كما يقال للص القاطع: ابن الطريق. وقيل: هو الضيف، لأنّ السبيل يرعف به [[قوله «لأن السبيل يرعف به» أى يتقدم به ويبرزه للمقيمين، كما يرعف الأنف بدم الرعاف.
أفاده الصحاح. (ع)]] وَالسَّائِلِينَ المستطعمين. قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم، للسائل حق وإن جاء على ظهر فرسه [[أخرجه أبو داود من رواية فاطمة بنت الحسين بن على عن أبيها عن على رضوان اللَّه عليه. ومن رواية الحسين بن على، من غير ذكر أبيه. في إسنادهما يحيى بن أبى يعلى وقيل: يعلى بن أبى يحيى: وهو مجهول. وقد رواه إسحاق بن راهويه من طريقه فجعله من رواية فاطمة بنت الحسين عن فاطمة، ورواه الطبراني من حديث الهرماس بن زياد. وفيه عثمان بن فايد. وهو ضعيف: وقال مالك في الموطأ: أخبرنا زيد بن أسلم أكان رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم- فذكره ووصله ابن عدى من طريق عبد اللَّه بن زيد بن أسلم عن أبيه عن أبى صالح عن أبى هريرة. وعبد اللَّه ضعيف. ورواه أيضاً من طريق عمر بن يزيد المدائني عن عطاء عن أبى هريرة. وعمر ضعيف.]] وَفِي الرِّقابِ وفي معاونة المكاتبين حتى يفكوا رقابهم. وقيل في ابتياع الرقاب وإعتاقها. وقيل في فك الأسارى. فإن قلت: قد ذكر إيتاء المال في هذه الوجوه ثم قفاه بإيتاء الزكاة فهل دلّ ذلك على أنّ في المال حقا سوى الزكاة؟ قلت: يحتمل ذلك. وعن الشعبي: أنّ في المال حقاً سوى الزكاة، وتلا هذه الآية. ويحتمل أن يكون ذلك بيان مصارف الزكاة، أو يكون حثا على نوافل الصدقات والمبارّ. وفي الحديث «نسخت الزكاة كلَّ صدقة» [[أخرجه الدارقطني والبيهقي، من حديث على رضى اللَّه عنه. وإسناده ضعيف. وأخرجه عبد الرزاق من قول على موقوفا]] يعنى وجوبها. وروى «ليس في المال حق سوى الزكاة» [[أخرجه ابن ماجة من رواية أبى حمزة عن الشعبي عن فاطمة بنت قيس بهذا. وترجم عليه- باب ما أدى زكاته فليس بكنز- وقال البيهقي: والذي يرويه أصحابنا في التعاليق «ليس في المال حق سوى الزكاة» لا أحفظ له إسناداً وقد رواه الترمذي وأبو يعلى والطبراني من هذا الوجه، بلفظ «إن في المال حقا سوى الزكاة» قال الترمذي: ليس إسناده بذاك. وقد رواه بيان وإسماعيل عن الشعبي قال. وهو أصح.]] وَالْمُوفُونَ عطف على من آمن.
وأخرج. الصَّابِرِينَ منصوباً على الاختصاص والمدح، إظهار الفضل الصبر في الشدائد ومواطن القتال على سائر الأعمال. وقرئ: والصابرون. وقرئ. والموفين، والصابرين. والْبَأْساءِ الفقر والشدّة وَالضَّرَّاءِ المرض والزمانة صَدَقُوا كانوا صادقين جادّين في الدين.
2:178–179Page 27
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡقِصَاصُ فِي ٱلۡقَتۡلَىۖ ٱلۡحُرُّ بِٱلۡحُرِّ وَٱلۡعَبۡدُ بِٱلۡعَبۡدِ وَٱلۡأُنثَىٰ بِٱلۡأُنثَىٰۚ فَمَنۡ عُفِيَ لَهُۥ مِنۡ أَخِيهِ شَيۡءٞ فَٱتِّبَاعُۢ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَأَدَآءٌ إِلَيۡهِ بِإِحۡسَٰنٖۗ ذَٰلِكَ تَخۡفِيفٞ مِّن رَّبِّكُمۡ وَرَحۡمَةٞۗ فَمَنِ ٱعۡتَدَىٰ بَعۡدَ ذَٰلِكَ فَلَهُۥ عَذَابٌ أَلِيمٞ ١٧٨
O you who have believed, prescribed for you is legal retribution for those murdered - the free for the free, the slave for the slave, and the female for the female.1 But whoever overlooks from his brother [i.e., the killer] anything,2 then there should be a suitable follow-up and payment to him [i.e., the deceased's heir or legal representative] with good conduct. This is an alleviation from your Lord and a mercy. But whoever transgresses after that3 will have a painful punishment.
وَلَكُمۡ فِي ٱلۡقِصَاصِ حَيَوٰةٞ يَٰٓأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ ١٧٩
And there is for you in legal retribution [saving of] life, O you [people] of understanding, that you may become righteous.1
عن عمر بن عبد العزيز، والحسن البصري، وعطاء، وعكرمة، وهو مذهب مالك والشافعي [[قال محمود رحمه اللَّه: «مذهب مالك والشافعي رضى اللَّه عنهما أن الحر لا يقتل بالعبد والذكر لا يقتل بالأنثى ... الخ» قال أحمد رحمه اللَّه: وهذا من الزمخشري وهم على الإمامين، فإنهما يقتصان من الذكر للأنثى بلا خلاف عنهما. وأما الحر والعبد عندهما فهو الذي وهم الزمخشري عنهما.]] رحمة اللَّه عليهم: أنّ الحر لا يقتل بالعبد، والذكر لا يقتل بالأنثى، أخذا بهذه الآية. ويقولون:
هي مفسرة لما أبهم في قوله: (النَّفْسَ بِالنَّفْسِ) ولأن تلك واردة لحكاية ما كتب في التوراة على أهلها، وهذه خوطب بها المسلمون وكتب عليهم ما فيها. وعن سعيد ابن المسيب، والشعبي والنخعي، وقتادة، والثوري، وهو مذهب أبى حنيفة وأصحابه: أنها منسوخة بقوله: (النَّفْسَ بِالنَّفْسِ) والقصاص ثابت بين العبد والحرّ، والذكر والأنثى. ويستدلون بقوله صلى اللَّه عليه وسلم «المسلمون تتكافأ دماؤهم [[أخرجه أبو داود والنسائي والحاكم من طريق قيس بن عباد عن على في قصة. ورواه أبو داود وابن ماجة من رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. وزاد «ويسعى بذمتهم أدناهم، ويجبر عليهم أقصاهم. وهم يد على من سواهم» وفي الباب عن عائشة: رواه البخاري في تاريخه والدارقطني. وعن ابن عباس ومعقل بن يسار في ابن ماجة وعن جابر في المعجم الأوسط للطبراني.]] » وبأنّ التفاضل غير معتبر في الأنفس، بدليل أنّ جماعة لو قتلوا واحداً قتلوا به. وروى «أنه كان بين حيين من أحياء العرب دماء في الجاهلية، وكان لأحدهما طول على الآخر، فأقسموا لنقتلنّ الحرّ منكم بالعبد منا، والذكر بالأنثى، والاثنين بالواحد، فتحاكموا إلى رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم حين جاء اللَّه بالإسلام فنزلت، وأمرهم أن يتباوؤا [[لم أجده.]] » فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ معناه: فمن عفى له من جهة أخيه [[قال محمود رحمه اللَّه: «معنى الآية: فمن عفى له من جهة أخيه ... الخ» . قال أحمد رحمه اللَّه: ويقوى هذا التأويل القول بأن موجب العمد أحد الأمرين من القصاص أو الدية، والخيار إلى الولي. وهو أحد القولين في مذهب مالك رضى اللَّه عنه ومشهورهما. إذ لو جعلنا موجب العمد القود على القول الآخر، لكان في ذلك تضييق على الولي. والآية مشعرة بالتخفيف والسعة وتحتمل الآية وجها آخر، وهو عود الضميرين جميعا إلى الولي، وقالوا على هذا الوجه يكون العفو إعطاء البدل، كأنه قال: فمن أعطى شيئا من أخيه أى بدلا من أخيه. ويكون «من» مثلها في قوله تعالى: (وَلَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ) . ونظيره في استعمال العفو في العطاء عندي قوله تعالى: (إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ) إذا حمل الذي بيده العقدة على الزوج. وهو مذهب الشافعي رضى اللَّه عنه. ويقول أصحابه. عفوه على أحد وجهين: إما من استرجاع النصف الواجب إن كان قد سلم جميع المهر، وإما على دفع النصف الآخر الذي سقط عنه إن كان لم يسلمه، فيكون العفو على هذا مستعملا في الإعطاء. ويقوى هذا الوجه في أنه لا قصاص قوله: (فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ) لأن المخاطب بالاتباع بالمعروف إنما هو الولي، فإذا جعلنا الضميرين له انساق الكلام سياقة واحدة إلى جهة واحدة، وصار المعنى: فمن أعطى من الأولياء بدلا من أخيه، فليتبع بالمعروف في طلب ما أعطى. ولما خالفه الولي عن التقاضي خاطب القاتل بحسن الأداء، فلينتظم الكلام موجها إلى وجهة واحدة. وأما على الوجه الذي قرره الزمخشري، فالضميران جميعاً راجعان إلى القاتل وتقدير الكلام: فمن عفى له من القاتلين عن جنايته شيء من العفو فليتبع الولي هذا القاتل المعفو عنه بالمعروف، فيكون المخاطب أول الآية القاتل، وآخرها الولي، بخلاف الوجه الذي قررته واللَّه أعلم. وكلا الوجهين حسن جيد.]] شيء من العفو. على أنه كقولك: سير بزيد بعض السير، وطائفة من السير. ولا يصح أن يكون شيء في معنى المفعول به، لأن «عفا» لا يتعدّى إلى مفعول به إلا بواسطة. وأخوه: هو ولىّ المقتول، وقيل له أخوه، لأنه لابسه، من قبل أنه ولى الدم ومطالبه به، كما تقول للرجل: قل لصاحبك كذا، لمن بينه وبينه أدنى ملابسة أو ذكره بلفظ الأخوة، ليعطف أحدهما على صاحبه بذكر ما هو ثابت بينهما من الجنسية والإسلام فإن قلت: إن عفى يتعدّى بعن لا باللام، فما وجه قوله: (فَمَنْ عُفِيَ لَهُ) ؟ قلت: يتعدى بعن إلى الجاني وإلى الذنب، فيقال: عفوت عن فلان وعن ذنبه. قال اللَّه تعالى: (عَفَا اللَّهُ عَنْكَ) وقال: (عَفَا اللَّهُ عَنْها) فإذا تعدّى إلى الذنب والجاني معا قيل: عفوت لفلان عما جنى، كما تقول: غفرت له ذنبه وتجاوزت له عنه. وعلى هذا ما في الآية، كأنه قيل: فمن عفى له عند جنايته، فاستغنى عن ذكر الجناية. فإن قلت: هلا فسرت عفى بترك حتى يكون شيء في معنى المفعول به؟ قلت: لأن عفا الشيء بمعنى تركه ليس بثبت، ولكن أعفاه. ومنه قوله عليه الصلاة والسلام: «وأعفوا اللحى» [[متفق عليه من حديث ابن عمر رضى اللَّه عنهما]] فإن قلت. فقد ثبت قولهم: عفا أثره إذا محاه وأزاله، فهلا جعلت معناه: فمن محى له من أخيه شيء؟ قلت: عبارة قلقة في مكانها، والعفو في باب الجنايات عبارة متداولة مشهورة في الكتاب والسنة واستعمال الناس، فلا يعدل عنها إلى أخرى قلقة نابية عن مكانها، وترى كثيراً ممن يتعاطى هذا العلم يجترئ- إذا أعضل عليه تخريج وجه للمشكل من كلام اللَّه- على اختراع لغة وادعاء على العرب ما لا تعرفه، وهذه جرأة يستعاذ باللَّه منها. فإن قلت؟ لم قيل: شيء من العفو؟ قلت:
للإشعار بأنه إذا عفى له طرف من العفو وبعض منه بأن يعفى عن بعض الدم، أو عفا عنه بعض الورثة تم العفو وسقط القصاص ولم تجب إلا الدية فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ فليكن اتباع، أو فالأمر اتباع. وهذه توصية للمعفو عنه والعافي جميعا. يعنى فليتبع الولي القاتل بالمعروف بأن لا يعنف به ولا يطالبه إلا مطالبة جميلة، وليؤدّ إليه القاتل بدل الدم أداء بإحسان، بأن لا يمطله ولا يبخسه ذلِكَ الحكم المذكور من العفو والدية تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ لأن أهل التوراة كتب عليهم القصاص البتة وحرّم العفو وأخذ الدية، وعلى أهل الإنجيل العفو وحرّم القصاص والدية، وخيرت هذه الأمّة بين الثلاث: القصاص والدية والعفو، توسعة عليهم وتيسيراً فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ التخفيف، فتجاوز ما شرع له من قتل غير القاتل [[قوله «من قتل غير القاتل» بيان للتجاوز والاعتداء. (ع)]] ، أو القتل بعد أخذ الدية. فقد كان الولي في الجاهلية يؤمّن القاتل بقبوله الدية، ثم يظفر به فيقتله فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ نوع من العذاب شديد الألم في الآخرة. وعن قتادة: العذاب الأليم أن يقتل لا محالة ولا يقبل منه دية، لقوله عليه السلام «لا أعافى أحداً قتل بعد أخذه الدية» وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ كلام فصيح لما فيه من الغرابة [[قال محمود رحمه اللَّه: «كلام فصيح لما فيه من الغرابة ... الخ» . قال أحمد رحمه اللَّه: قوله جعل أحد الضدين محلا للآخر: كلام إما وهم فيه أو تسامح، لأن شرط تضاد الحياة والموت اجتماعهما في محل واحد تقديراً، ولا تضاد بين حياة غير المقتص منه وموت المقتص، والبلاغة التي أوضحها في الآية بينة بدون هذا الإطلاق.]] ، وهو أنّ القصاص قتل وتفويت للحياة، وقد جعل مكانا وظرفا للحياة، ومن إصابة محز البلاغة بتعريف القصاص وتنكير الحياة لأنّ المعنى: ولكم في هذا الجنس من الحكم الذي هو القصاص حياة عظيمة، وذلك أنهم كانوا يقتلون بالواحد الجماعة، وكم قتل مهلهل بأخيه كليب حتى كاد يفنى بكر بن وائل، وكان يقتل بالمقتول غير قاتله فتثور الفتنة ويقع بينهم التناحر، فلما جاء الإسلام بشرع القصاص كانت فيه حياة أىّ حياة، أو نوع من الحياة، وهي الحياة الحاصلة بالارتداع عن القتل لوقوع العلم بالاقتصاص من القاتل، لأنه إذا همّ بالقتل فعلم أنه يقتصّ فارتدع منه سلم صاحبه من القتل، وسلم هو من القود، فكان القصاص سبب حياة نفسين. وقرأ أبو الجوزاء: ولكم في القصاص حياة: أى فيما قص عليكم من حكم القتل. والقصاص. وقيل القصص: القرآن، أى ولكم في القرآن حياة للقلوب: كقوله تعالى: (رُوحاً مِنْ أَمْرِنا) ، (وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ) . لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ أى أريتكم ما في القصاص من استبقاء الأرواح وحفظ النفوس (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) تعملون عمل أهل التقوى في المحافظة على القصاص والحكم به. وهو خطاب له فضل اختصاص بالأئمة.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences