Az-Zamakhshari · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:212–221
2:212Page 33
زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَا وَيَسۡخَرُونَ مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْۘ وَٱلَّذِينَ ٱتَّقَوۡاْ فَوۡقَهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۗ وَٱللَّهُ يَرۡزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيۡرِ حِسَابٖ ٢١٢
Beautified for those who disbelieve is the life of this world, and they ridicule those who believe. But those who fear Allāh are above them on the Day of Resurrection. And Allāh gives provision to whom He wills without account.
المزين هو الشيطان [[قال محمود رحمه اللَّه «المزين هو الشيطان ... الخ» قال أحمد رحمه اللَّه: وردت إضافة التزيين إلى اللَّه تعالى وإضافته إلى غيره في مواضع من الكتاب العزيز وهذه الآية تحتمل الوجهين، لكن الاضافة إلى قدرة اللَّه تعالى حقيقة، والاضافة إلى غيره مجاز. على قواعد السنة. والزمخشري يعمل على عكس هذا، فان أضاف للَّه فعلا من أفعاله إلى قدرته جعله مجازا وإن أضافه إلى بعض مخلوقاته جعله حقيقة. وسبب هذا هو التعكيس باتباع الهوى في القواعد الفاسدة.]] زين لهم الدنيا وحسنها في أعينهم بوساوسه وحببها إليهم فلا يريدون غيرها.
ويجوز أن يكون اللَّه قد زينها لهم بأن خذلهم حتى استحسنوها وأحبوها، أو جعل إمهال المزين له تزيينا، ويدل عليه قراءة من قرأ (زين الذين كفروا الحياة الدنيا) على البناء للفاعل وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا كانت الكفرة يسخرون من المؤمنين الذين لا حظ لهم من الدنيا كابن مسعود وعمار وصهيب وغيرهم، أى لا يريدون غيرها. وهم يسخرون ممن لا حظ له فيها، أو ممن يطلب غيرها وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ لأنهم في عليين من السماء، وهم في سجين من الأرض [[قال محمود رحمه اللَّه: «لأنهم في عليين من السماء، وهم في سجين ... الخ» . قال أحمد رحمه اللَّه: وهذا من وضع الظاهر موضع المضمر بصفة أخرى ومثله في كتاب اللَّه كثير، قال اللَّه تعالى: (إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَلا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذابٍ مُقِيمٍ) وكان الأصل: ألا إنهم ... الآية، فوضع الظاهر موضع المضمر بصفة أخرى، وضمنه ذكر صفة الظلم بتلو صفة الخسران. وفي كلام الزمخشري طماح إلى قاعدته في وجوب وعيد العصاة. ألا تراه يقول: ليريك أنه لا يسعد عنده إلا المؤمن المتقى، إشارة إلى أن غير المتقى وهو المصر على الكبائر شقى حتما كهؤلاء الذين يسخرون من الذين آمنوا، ومنهم من يتمحل فيقول: لأنه جعل المؤمن عين المتقى ومقتضى قاعدته الفاسدة: أن الايمان يستلزم القوى حتى لا يفرض مؤمن إلا متقيا. إذ الايمان فيما فسره هو في تفسيره هذا وفيما فسره أهل بدعته في كتبهم هو تصديق الاعتقاد الصحيح والنطق به بالعمل الصالح، والمخل عندهم بالعمل إما بالإصرار على كبيرة أو بترك مهم من الواجبات فاسق ليس بمؤمن ولا كافر. فمقتضى هذا التقرير على ما ترى أن كل مؤمن متق، وقد علمت من كلامه على هذه الآية ما يأبى ذلك وينقصه.]] أو حالهم عالية لحالهم لأنهم في كرامة وهم في هوان. أو هم عالون عليهم متطاولون يضحكون منهم كما يتطاول هؤلاء عليهم في الدنيا ويرون الفضل لهم عليهم، (فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ) . وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ بغير تقدير، يعنى أنه يوسع على من توجب الحكمة التوسعة عليه كما وسع على قارون وغيره، فهذه التوسعة عليكم من جهة اللَّه لما فيها من الحكمة وهي استدراجكم بالنعمة. ولو كانت كرامة لكان أولياؤه المؤمنون أحق بها منكم. فإن قلت: لم قال: (مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا) ثم قال: (وَالَّذِينَ اتَّقَوْا) ؟ قلت: ليريك أنه لا يسعد عنده إلا المؤمن المتقى، وليكون بعثا للمؤمنين على التقوى إذا سمعوا ذلك.
2:213Page 33
كَانَ ٱلنَّاسُ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ فَبَعَثَ ٱللَّهُ ٱلنَّبِيِّـۧنَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ لِيَحۡكُمَ بَيۡنَ ٱلنَّاسِ فِيمَا ٱخۡتَلَفُواْ فِيهِۚ وَمَا ٱخۡتَلَفَ فِيهِ إِلَّا ٱلَّذِينَ أُوتُوهُ مِنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَتۡهُمُ ٱلۡبَيِّنَٰتُ بَغۡيَۢا بَيۡنَهُمۡۖ فَهَدَى ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لِمَا ٱخۡتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ ٱلۡحَقِّ بِإِذۡنِهِۦۗ وَٱللَّهُ يَهۡدِي مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٍ ٢١٣
Mankind was [of] one religion [before their deviation]; then Allāh sent the prophets as bringers of good tidings and warners and sent down with them the Scripture in truth to judge between the people concerning that in which they differed. And none differed over it [i.e., the Scripture] except those who were given it - after the clear proofs came to them - out of jealous animosity among themselves. And Allāh guided those who believed to the truth concerning that over which they had differed, by His permission. And Allāh guides whom He wills to a straight path.
كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً متفقين على دين الإسلام فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ يريد: فاختلفوا فبعث اللَّه. وإنما حذف لدلالة قوله: (لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ) عليه. وفي قراءة عبد اللَّه: كان الناس أمّة واحدة فاختلفوا فبعث اللَّه. والدليل عليه قوله عز وعلا (وَما كانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً واحِدَةً فَاخْتَلَفُوا) وقيل: كان الناس أمة واحدة كفاراً، فبعث اللَّه النبيين، فاختلفوا عليهم. والأوّل الوجه. فإن قلت: متى كان الناس أمة واحدة متفقين على الحق؟ قلت: عن ابن عباس رضى اللَّه عنهما: أنه كان بين آدم وبين نوح عشرة قرون على شريعة من الحق فاختلفوا.
وقيل: هم نوح ومن كان معه في السفينة وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ يريد الجنس، أو مع كل واحد منهم كتابه لِيَحْكُمَ اللَّه، أو الكتاب، أو النبىّ المنزل عليه فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ في الحق ودين الإسلام الذي اختلفوا فيه بعد الاتفاق وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ في الحق إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ إلا الذين أوتوا الكتاب المنزل لإزالة الاختلاف، أى ازدادوا في الاختلاف لما أنزل عليهم الكتاب، وجعلوا نزول الكتاب سببا في شدّة الاختلاف واستحكامه بَغْياً بَيْنَهُمْ حسداً بينهم وظلما لحرصهم على الدنيا وقلة إنصاف منهم. ومِنَ الْحَقِّ بيان لما اختلفوا فيه، أى فهدى اللَّه الذين آمنوا للحق الذي اختلف فيه من اختلف.
2:214Page 33
أَمۡ حَسِبۡتُمۡ أَن تَدۡخُلُواْ ٱلۡجَنَّةَ وَلَمَّا يَأۡتِكُم مَّثَلُ ٱلَّذِينَ خَلَوۡاْ مِن قَبۡلِكُمۖ مَّسَّتۡهُمُ ٱلۡبَأۡسَآءُ وَٱلضَّرَّآءُ وَزُلۡزِلُواْ حَتَّىٰ يَقُولَ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُۥ مَتَىٰ نَصۡرُ ٱللَّهِۗ أَلَآ إِنَّ نَصۡرَ ٱللَّهِ قَرِيبٞ ٢١٤
Or do you think that you will enter Paradise while such [trial] has not yet come to you as came to those who passed on before you? They were touched by poverty and hardship and were shaken until [even their] messenger and those who believed with him said, "When is the help of Allāh?" Unquestionably, the help of Allāh is near.
أَمْ منقطعة، ومعنى الهمزة [[قوله «أم منقطعة ومعنى الهمزة» تفسر بمعنى بل والهمزة. (ع)]] فيها للتقرير وإنكار الحسبان واستبعاده. ولما ذكر ما كانت عليه الأمم من الاختلاف على النبيين بعد مجيء البينات- تشجيعاً لرسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم والمؤمنين على الثبات والصبر مع الذين اختلفوا عليه من المشركين وأهل الكتاب وإنكارهم لآياته وعداوتهم له- قال لهم على طريقة الالتفات التي هي أبلغ: أم حسبتم وَلَمَّا فيها معنى التوقع، وهي في النفي نظيرة «قد» في الإثبات. والمعنى أن إتيان ذلك متوقع منتظر مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا حالهم التي هي مثل في الشدّة. ومَسَّتْهُمُ بيان للمثل وهو استئناف، كأن قائلا قال:
كيف كان ذلك المثل؟ فقيل: مستهم البأساء وَزُلْزِلُوا وأزعجوا إزعاجا شديداً شبيها بالزلزلة بما أصابهم من الأهوال والأفزاع حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ إلى الغاية التي قال الرسول ومن معه فيها مَتى نَصْرُ اللَّهِ أى بلغ بهم الضجر ولم يبق لهم صبر حتى قالوا ذلك. ومعناه طلب الصبر وتمنيه، واستطالة زمان الشهدة. وفي هذه الغاية دليل على تناهى الأمر في الشدة وتماديه في العظم، لأنّ الرسل لا يقادر قدر ثباتهم واصطبارهم وضبطهم لأنفسهم، فإذا لم يبق لهم صبر حتى ضجوا كان ذلك الغاية في الشدة التي لا مطمح وراءها أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ على إرادة القول، يعنى فقيل لهم ذلك إجابة لهم إلى طلبتهم من عاجل النصر. وقرئ (حتى يقول) بالنصب على إضمار أن ومعنى الاستقبال لأنّ «أن» علم له. وبالرفع على أنه في معنى الحال، كقولك: شربت الإبل حتى يجيء البعير يجرّ بطنه، إلا أنها حال ماضية محكية.
2:215Page 33
يَسۡـَٔلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَۖ قُلۡ مَآ أَنفَقۡتُم مِّنۡ خَيۡرٖ فَلِلۡوَٰلِدَيۡنِ وَٱلۡأَقۡرَبِينَ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينِ وَٱبۡنِ ٱلسَّبِيلِۗ وَمَا تَفۡعَلُواْ مِنۡ خَيۡرٖ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِۦ عَلِيمٞ ٢١٥
They ask you, [O Muḥammad], what they should spend. Say, "Whatever you spend of good is [to be] for parents and relatives and orphans and the needy and the traveler. And whatever you do of good - indeed, Allāh is Knowing of it."
فإن قلت: كيف طابق الجواب السؤال في قوله: قُلْ ما أَنْفَقْتُمْ وهم قد سألوا عن بيان ما ينفقون وأجيبوا ببيان المصرف؟ قلت: قد تضمن قوله ما أنفقتم مِنْ خَيْرٍ بيان ما ينفقونه وهو كل خير، وبنى الكلام على ما هو أهم وهو بيان المصرف لأنّ النفقة لا يعتد بها إلا أن تقع موقعها. قال الشاعر:
إنَّ الصَّنِيعَةَ لَا تَكُونُ صَنِيعَةً ... حَتَّى يُصَابَ بهَا طَرِيقُ الْمصنَعِ [[إن الصنيعة لا تكون صنيعة ... حتى يصاب بها طريق المصنع
فإذا صنعت صنيعة فاعمد بها ... للَّه أو لذوي القرابة أو دع
يقول: إن العطية لا تكون عطية حقيقة حتى تكون في موضعها، فكنى باصابة الطريق عن إيصالها إلى المقصد، وهو من يستحقها. وقوله «فاعمد بها» أى اقصد بها. وضمنه معنى اذهب بها، فعداه باللام. ويروى: لذوي القرائب فلعل معناه لأصحاب القرابات القرائب. وقوله «أو دع» أى اترك، لأنه ليس بعد هذين إلا الفخر.]]
وعن ابن عباس رضى اللَّه عنهما: أنه جاء عمرو بن الجموح وهو شيخ هِمّ [[قوله «وهو شيخ هم وله مال» في الصحاح الهم- بالكسر-: الشيخ الفاني. (ع)]] وله مال عظيم فقال:
ماذا ننفق من أموالنا؟ وأين نضعها؟ فنزلت. وعن السدى: هي منسوخة بفرض الزكاة. وعن الحسن: هي في التطوّع.
2:216Page 34
كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡقِتَالُ وَهُوَ كُرۡهٞ لَّكُمۡۖ وَعَسَىٰٓ أَن تَكۡرَهُواْ شَيۡـٔٗا وَهُوَ خَيۡرٞ لَّكُمۡۖ وَعَسَىٰٓ أَن تُحِبُّواْ شَيۡـٔٗا وَهُوَ شَرّٞ لَّكُمۡۚ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ وَأَنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ ٢١٦
Battle has been enjoined upon you while it is hateful to you. But perhaps you hate a thing and it is good for you; and perhaps you love a thing and it is bad for you. And Allāh knows, while you know not.
وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ من الكراهة بدليل قوله وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً ثم إما أن يكون بمعنى الكراهة على وضع المصدر موضع الوصف مبالغة، كقولها:
فَإنَّمَا هِىَ إقْبَالٌ وَإدْبَارُ [[مر شرح هذا الشاهد بهذا الجزء صفحة 218 فراجعه إن شئت اه مصححه]] كأنه في نفسه لفرط كراهتهم له. وإما أن يكون فعلا بمعنى مفعول كالخبز بمعنى المخبوز، أى وهو مكروه لكم. وقرأ السلمى- بالفتح- على أن يكون بمعنى المضموم، كالضعف والضعف، ويجوز أن يكون بمعنى الإكراه على طريق المجاز، كأنهم أكرهوا عليه لشدة كراهتهم له ومشقته عليهم. ومنه قوله تعالى: (حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً) [[قوله «ووضعته كرها وعلى قوله تعالى» أى جميع ما كلفوه جار على قوله تعالى: (وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا ... )
الخ فان النفوس تكرهه وهو خير لهم، وتحب خلافه وهو شر لهم. (ع)]] ، وعلى قوله تعالى: (وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً) جميع ما كلفوه، فإن النفوس تكرهه وتنفر عنه وتحب خلافه وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما يصلحكم وما هو خير لكم وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ذلك.
2:217–218Page 34
يَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلشَّهۡرِ ٱلۡحَرَامِ قِتَالٖ فِيهِۖ قُلۡ قِتَالٞ فِيهِ كَبِيرٞۚ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَكُفۡرُۢ بِهِۦ وَٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ وَإِخۡرَاجُ أَهۡلِهِۦ مِنۡهُ أَكۡبَرُ عِندَ ٱللَّهِۚ وَٱلۡفِتۡنَةُ أَكۡبَرُ مِنَ ٱلۡقَتۡلِۗ وَلَا يَزَالُونَ يُقَٰتِلُونَكُمۡ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمۡ عَن دِينِكُمۡ إِنِ ٱسۡتَطَٰعُواْۚ وَمَن يَرۡتَدِدۡ مِنكُمۡ عَن دِينِهِۦ فَيَمُتۡ وَهُوَ كَافِرٞ فَأُوْلَٰٓئِكَ حَبِطَتۡ أَعۡمَٰلُهُمۡ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ٢١٧
They ask you about the sacred month1 - about fighting therein. Say, "Fighting therein is great [sin], but averting [people] from the way of Allāh and disbelief in Him and [preventing access to] al-Masjid al-Ḥarām and the expulsion of its people therefrom are greater [evil] in the sight of Allāh. And fitnah2 is greater than killing." And they will continue to fight you until they turn you back from your religion if they are able. And whoever of you reverts from his religion [to disbelief] and dies while he is a disbeliever - for those, their deeds have become worthless in this world and the Hereafter, and those are the companions of the Fire; they will abide therein eternally.
إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ وَجَٰهَدُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أُوْلَٰٓئِكَ يَرۡجُونَ رَحۡمَتَ ٱللَّهِۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٢١٨
Indeed, those who have believed and those who have emigrated and fought in the cause of Allāh - those expect the mercy of Allāh. And Allāh is Forgiving and Merciful.
بعث رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم عبد اللَّه بن جحش على سرية في جمادى الآخرة»
قبل قتال بدر بشهرين ليترصد عيراً لقريش فيها عمرو بن عبد اللَّه الحضرمي وثلاثة معه، فقتلوه وأسروا اثنين واستاقوا العير وفيها من تجارة الطائف، وكان ذلك أول يوم من رجب وهم يظنونه من جمادى الآخرة، فقالت قريش: قد استحل محمد الشهر الحرام شهرا يأمن فيه الخائف ويبذعرّ [[قوله «ويبذعر فيه الناس» أى يتفرقون فيه. أفاده الصحاح. (ع)]] فيه الناس إلى معايشهم فوقف رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم العير، وعظم ذلك على أصحاب السرية وقالوا: ما نبرح حتى تنزل توبتنا، وردّ رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم العير والأسارى، وعن ابن عباس رضى اللَّه عنه: لما نزلت أخذ رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم الغنيمة. والمعنى: يسألك الكفار أو المسلمون عن القتال في الشهر الحرام. وقِتالٍ فِيهِ بدل الاشتمال من الشهر. وفي قراءة عبد اللَّه: عن قتال فيه، على تكرير العامل، كقوله: (لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ) وقرأ عكرمة: قتل فيه قل قتل فيه كبير، أى إثم كبير. وعن عطاء: أنه سئل عن القتال في الشهر الحرام؟
فحلف باللَّه ما يحل للناس أن يغزوا في الحرم ولا في الشهر الحرام إلا أن يقاتلوا فيه، وما نسخت.
وأكثر الأقاويل على أنها منسوخة بقوله: (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ) . وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مبتدأ وأكبر خبره، يعنى وكبائر قريش من صدّهم عن سبيل اللَّه وعن المسجد الحرام، وكفرهم باللَّه وإخراج أهل المسجد الحرام وهم رسول اللَّه والمؤمنون أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ مما فعلته السرية من القتال في الشهر الحرام على سبيل الخطأ والبناء على الظن وَالْفِتْنَةُ الإخراج أو الشرك. والمسجد الحرام: عطف على سبيل اللَّه، ولا يجوز أن يعطف على الهاء في: (بِهِ) . وَلا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكُمْ إخبار عن دوام عداوة الكفار للمسلمين وأنهم لا ينفكون عنها حتى يردّوهم عن دينهم، وحتى معناها التعليل كقولك: فلان يعبد اللَّه حتى يدخل الجنة، أى يقاتلونكم كى يردّوكم. وإِنِ اسْتَطاعُوا استبعاد لاستطاعتهم كقول الرجل لعدوّه: إن ظفرت بى فلا تبق علىَّ. وهو واثق بأنه لا يظفر به وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ ومن يرجع عن دينه إلى دينهم ويطاوعهم على ردّه إليه فَيَمُتْ على الردّة فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ لما يفوتهم بإحداث الردة مما للمسلمين في الدنيا من ثمرات الإسلام، وباستدامتها والموت عليها من ثواب الآخرة. وبها احتج الشافعي على أن الردّة لا تحبط الأعمال حتى يموت عليها. وعند أبى حنيفة أنها تحبطها وإن رجع مسلماً. إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هاجَرُوا روى أن عبد اللَّه بن جحش وأصحابه حين قتلوا الحضرمي، ظنّ قوم أنهم إن سلموا من الإثم فليس لهم أجر، فنزلت أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وعن قتادة: هؤلاء خيار هذه الأمّة، ثم جعلهم اللَّه أهل رجاء كما تسمعون. وإنه من رجا طلب، ومن خاف هرب.
2:219–220Page 34
۞ يَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلۡخَمۡرِ وَٱلۡمَيۡسِرِۖ قُلۡ فِيهِمَآ إِثۡمٞ كَبِيرٞ وَمَنَٰفِعُ لِلنَّاسِ وَإِثۡمُهُمَآ أَكۡبَرُ مِن نَّفۡعِهِمَاۗ وَيَسۡـَٔلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَۖ قُلِ ٱلۡعَفۡوَۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلۡأٓيَٰتِ لَعَلَّكُمۡ تَتَفَكَّرُونَ ٢١٩
They ask you about wine1 and gambling. Say, "In them is great sin and [yet, some] benefit for people. But their sin is greater than their benefit." And they ask you what they should spend. Say, "The excess [beyond needs]." Thus Allāh makes clear to you the verses [of revelation] that you might give thought
فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِۗ وَيَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلۡيَتَٰمَىٰۖ قُلۡ إِصۡلَاحٞ لَّهُمۡ خَيۡرٞۖ وَإِن تُخَالِطُوهُمۡ فَإِخۡوَٰنُكُمۡۚ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ ٱلۡمُفۡسِدَ مِنَ ٱلۡمُصۡلِحِۚ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ لَأَعۡنَتَكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٞ ٢٢٠
To this world and the Hereafter. And they ask you about orphans. Say, "Improvement for them is best. And if you mix your affairs with theirs - they are your brothers. And Allāh knows the corrupter from the amender. And if Allāh had willed, He could have put you in difficulty. Indeed, Allāh is Exalted in Might and Wise."
نزلت في الخمر أربع آيات نزلت بمكة [[قال محمود رحمه اللَّه: نزلت في الخمر أربع آيات نزلت بمكة ... الخ» . قال أحمد: ويظهر لي سر واقع مما ذكره في هذا الغرض، وذلك أن السؤال الأول من الأسئلة المقرونة بالواو عين السؤال الأول من الأسئلة المجردة عن الواو. ولكن وقع جوابه أولا بالمصرف لأنه الأهم وإن كان المسئول عنه إنما هو المنفق لا وجه مصرفه، ثم لما لم يكن في الجواب الأول تصريح بالمسئول عنه أعيد السؤال ليجابوا عن المسئول عنه صريحاً، فقيل العفو أى الفاضل من النفقة الواجبة على العيال، أو نحو ذلك حيثما ورد في تفسيره، فتعين إذاً اقتران هذا السؤال بالواو ليرتبط بالأول. ويحتمل أنهم لما أجيبوا أولا ببيان جهة المصرف ولم يصرح لهم بالجواب على عين المنفق ما هو، أعاد السؤال لكي يتلقوا جوابه صريحاً، فتعين دخول الواو. وأما السؤال الثاني من الأسئلة المقرونة بالواو، فقد وقع عن أحوالهم مع اليتامى وهل يجوز لهم مخالطتهم في النفقة والكسوة والسكنى وقد كانوا يتحرجون من ذلك في الجاهلية؟ فلما كان مناسباً للسؤال عن الإنفاق باعتبار المنفق وباعتبار جهة المصرف، عطف عليه ليكمل لهم بيان المشروعية في النفقة وآدابها الدينية بيانا شافياً، لأنه قد اجتمع في علمهم ما ينفقون، وفيم ينفقون، وعلى أى حالة ينفقون من مخالطة اليتيم والانفراد عنه. وأما السؤال الثالث منها وهو الواقع عن النساء الحيض، فقد ورد أنهم في الجاهلية كانوا يعتزلون الحيض في المؤاكلة والمساكنة يقتدون في ذلك باليهود، فسألوا السؤال المذكور، كما كانوا يعتزلون اليتامى في المساكنة والمؤاكلة تحرجا جاهلياً، وكان بين هذين السؤالين تناسب كما ترى، فحسن أن يعطف الآخر على ما قبله تنبيهاً على ما بينهما من المشاكلة واللَّه أعلم. وإذا اعتبرت الأسئلة المجردة عن الواو لم تجد بينها مداناة ولا مناسبة البتة، إذ الأول منها عن النفقة، والثاني عن القتال في الشهر الحرام، والثالث عن الخمر والميسر. فبين هذه الأسئلة من التباين والتقاطع ما لا يخفى، فذكرت كذلك مرسلة متعاطفة غير مربوطة بعضها ببعض، فتنبه لهذا السر فانه بديع لا تجده يراعى إلا في الكتاب العزيز، لاستيلائه على أسرار البلاغة ونكت الفصاحة، ولا يستفاد منه إلا بالتنقيب في صناعة البيان وعلم اللسان. وقد اشتمل جواب الزمخشري المقدم على وهم أنبه عليه، وذلك أنه قال: الأسئلة الثلاثة الأخيرة وقعت في وقت واحد وكانت في حكم السؤال الواحد، فربط بعضها ببعض بالواو، وهذا يقتضى كما ترى أن يقترن السؤال الثاني والثالث بالواو خاصة دون الأول، إذ الواو إنما يربط ما بعدها بما قبلها، فاقترانها بالأول لا يربطه بالثاني وإنما يربطه بما قبله، وعلى هذا تكون الأسئلة التي وقعت في وقت واحد أربعة أسئلة لا ثلاثة خاصة، وقد قال: إن الأسئلة المرتبطة الواقعة في وقت واحد هي الثلاثة الأخيرة، فهو واهم بلا شك وكل أحد مأخوذ من قوله ومتروك إلا المعصوم.]] : (وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً) فكان المسلمون يشربونها وهي لهم حلال. ثم إن عمر ومعاذاً ونفراً من الصحابة قالوا يا رسول اللَّه، أفتنا في الخمر فإنها مذهبة للعقل مسلبة للمال، فنزلت: (فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ) فشربها قوم وتركها آخرون. ثم دعا عبد الرحمن بن عوف ناساً منهم فشربوا وسكروا فأمّ بعضهم فقرأ: قل يا أيها الكافرون أعبد ما تعبدون فنزلت: «لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى» فقل من يشربها. ثم دعا عتبان بن مالك قوما فيهم سعد بن أبى وقاص فلما سكروا افتخروا وتناشدوا حتى أنشد سعد شعراً فيه هجاء الأنصار فضربه أنصارى بلحى بعير فشجه موضحة، فشكا إلى رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم. فقال عمر: اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا، فنزلت (إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ) إلى قوله (فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ) فقال عمر رضى اللَّه عنه: انتهينا يا رب [[هكذا ذكره الثعلبي في تفسيره بغير إسناد وسيأتى في تفسير سورة النساء من حديث أبى هريرة معناه.]] . وعن علىّ رضى اللَّه عنه: لو وقعت قطرة في بئر فبنيت مكانها منارة لم أؤذن عليها [[لم أجده عنه.]] ولو وقعت في بحر ثم جف ونبت فيه الكلأ لم أرعه. وعن ابن عمر رضى اللَّه عنهما: لو أدخلت أصبعى فيه لم تتبعني [[أخرجه ابن أبى شيبة عن ابن المبارك عن الأوزاعى عن سليمان بن حبيب أن ابن عمر قال «لو أدخلت أصبعي في خمر ما أحببت أن ترجع إلى.]] . وهذا هو الإيمان حقاً، وهم الذين اتقوا اللَّه حق تقاته. والخمر: ما غلى واشتدّ وقذف بالزبد من عصير العنب، وهو حرام، وكذلك نقيع الزبيب أو التمر الذي لم يطبخ، فإن طبخ حتى ذهب ثلثاه ثم غلى واشتدّ ذهب خبثه ونصيب الشيطان، وحلّ شربه ما دون السكر إذا لم يقصد بشربه اللهو والطرب عند أبى حنيفة. وعن بعض أصحابه: لأن أقول مراراً هو حلال، أحبّ إلىّ من أن أقول مرة هو حرام، ولأن أخرّ من السماء فأتقطع قطعاً أحبّ إلىّ من أن أتناول منه قطرة. وعند أكثر الفقهاء هو حرام كالخمر، وكذلك كل ما أسكر من كل شراب. وسميت خمراً لتغطيتها العقل والتمييز كما سميت سكراً لأنها تسكرهما، أى تحجزهما، وكأنها سميت بالمصدر من «خمره خمراً» إذا ستره للمبالغة. والميسر: القمار، مصدر من يسر، كالموعد والمرجع من فعلهما. يقال: يسرته، إذا قمرته، واشتقاقه من اليسر، لأنه أخذ مال الرجل بيسر وسهولة من غير كد ولا تعب، أو من اليسار.
لأنه سلب يساره. وعن ابن عباس رضى اللَّه عنهما: كان الرجل في الجاهلية يخاطر على أهله وماله قال:
أقُولُ لَهُمْ بِالشِّعْبِ إذْ يَيْسِرُونَنِى [[أقول لهم بالشعب إذ ييسروننى ... ألم تيأسوا أنى ابن فارس زهدم
لسحيم بن وثيل الرياحي. والشعب: اسم مكان. ويقال: يسره، إذا غلبه في لعب الميسر وهو القمار. واليأس هنا بمعنى العلم. وزهدم في الأصل فرخ البازي يسمى به الفرس لسرعته. أى أقول لهم في هذا الموقع وقت أن غلبوني في الميسر وضربونى بسهامه: ألم تعلموا أنى ابن الرجل الشجاع فارس تلك الفرس. والاستفهام للتقرير والتقريع.
وروى: إذ يأسروننى، أى يأخذوننى أسيراً عندهم. ويجوز أن المعنى: ألم تيأسوا وتقطعوا أطماعكم عما تريدون بى لأنى ابن ذلك الفارس المشهور، فالاستفهام للتوبيخ والحث على اليأس من ذلك.]]
أى يفعلون بى ما يفعل الياسرون بالميسور. فإن قلت: كيف صفة الميسر؟ قلت: كانت لهم عشرة أقداح، وهي: الأزلام والأقلام، والفذ، والتوأم، والرقيب، والحلس، والنافس، والمسبل، والمعلى والمنيح والسفيح، والوغد. لكل واحد منها نصيب معلوم من جزور ينحرونها ويجزءونها عشرة أجزاء. وقيل: ثمانية وعشرين إلا لثلاثة، وهي المنيح والسفيح والوغد. ولبعضهم:
لِىَ فِى الدُّنْيَا سِهَامٌ ... لَيْسَ فِيهِنَّ رَبِيحُ
وَأسَامِيهِنَّ وَغْدٌ ... وَسَفِيحٌ وَمنِيحُ [[الأسماء الثلاثة لأقلام الميسر التي لا نصيب لها من الجزور كل اسم لعلم، والوغد في الأصل: الحادم، والدنىء، وثمر الباذنجان بخلاف السبعة الباقية فلها أنصباء. والكلام من باب التمثيل، شبه حاله في الدنيا بحال من خرجت له تلك السهام في الميسر لعدم الظفر بالمرام. ويبعد كونه كناية عن الكرم، حيث يعطى ولا يأخذ.
ويروى بدل «وأساميهن» «إنما سهمي» أى سهامي، بدليل: سهام قبله.]] للفذ سهم، وللتوأم سهمان، وللرقيب ثلاثة، وللحلس أربعة، وللنافس خمسة، وللمسبل ستة وللمعلى سبعة يجعلونها في الربابة وهي خريطة، ويضعونها على يدي عدل، ثم يجلجلها ويدخل يده فيخرج باسم رجل رجل قدحا منها. فمن خرج له قدح من ذوات الأنصباء أخذ النصيب الموسوم به ذلك القدح. ومن خرج له قدح مما لا نصيب له لم يأخذ شيئا وغرم ثمن الجزور كله. وكانوا يدفعون تلك الأنصباء إلى الفقراء ولا يأكلون منها. ويفتخرون بذلك ويذمون من لم يدخل فيه، ويسمونه البرم. وفي حكم الميسر: أنواع القمار، من النرد والشطرنج وغيرهما. وعن النبي صلى اللَّه عليه وسلم: «إياكم وهاتين اللعبتين المشئومتين فإنهما من ميسر العجم [[أخرجه ابن مردويه من حديث سمرة بن جندب. ومن حديث أبى موسى الأشعرى نحوه، ورواه أحمد، والبخاري في الأدب المفرد من وجهين عن أبى الأحوص عن عبد اللَّه بن مسعود بلفظ «اتقوا هاتين اللعبتين المشئومتين اللتين يزجران زجرا فإنهما من ميسر العجم» .]] » وعن علىّ رضى اللَّه عنه: أنّ النرد والشطرنج من الميسر [[أخرجه ابن أبى حاتم والبيهقي والثعلبي من طريق حاتم بن إسماعيل عن جعفر بن محمد عن أبيه «أن عليا قال في النرد والشطرنج: هما من الميسر» وهو منقطع.]] . وعن ابن سيرين: كل شيء فيه خطر فهو من الميسر.
والمعنى: يسألونك عما في تعاطيهما، بدليل قوله تعالى قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ، وَإِثْمُهُما وعقاب الإثم في تعاطيهما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما وهو الالتذاذ بشرب الخمر والقمار، والطرب فيهما، والتوصل بهما إلى مصادقات الفتيان ومعاشراتهم، والنيل من مطاعمهم ومشاربهم وأعطياتهم، وسلب الأموال بالقمار، والافتخار على الأبرام [[قوله «والافتخار على الأبرام» جمع للبرم بالتحريك، وهو الذي لا يدخل مع القوم في الميسر. كذا في الصحاح. (ع)]] . وقرئ: إثم كثير- بالثاء- وفي قراءة أبىّ: وإثمهما أقرب. ومعنى الكثرة: أن أصحاب الشرب والقمار يقترفون فيهما الآثام من وجوه كثيرة الْعَفْوَ نقيض الجهد وهو أن ينفق ما لا يبلغ إنفاقه منه الجهد واستفراغ الوسع، قال:
خُذِى الْعَفْوَ مِنِّى تَسْتَدِيمِى مَوَدَّتِى [[خذي العفو منى تستديمى مودتي ... ولا تنطقى في سورتي حين أغضب
فانى رأيت الحب في الصدر والأذى ... إذا اجتمعا لم يلبث الحب يذهب
ولا تضربينى مرة بعد مرة ... فإنك لا تدرين كيف المغيب
لأسماء بن خارجة النزاري أحد حكماء العرب يخاطب زوجته حين بنى عليها. والعفو: السهل اليسير. والسورة:
شدة الغضب. واجتمعا: شارفا الاجتماع. ويذهب: استئناف وقع جواب سؤال مقدر، والضرب مجاز عن الإيذاء، والمغيب عاقبة الأمر، أى خذي السهل من أخلاقى لئلا يذهب حبى إياك ويذهب فيه رائحة الاضراب، أى بل يذهب.]]
ويقال للأرض السهلة: العفو. وقرئ بالرفع والنصب. وعن النبي صلى اللَّه عليه وسلم، أنّ رجلا أتاه ببيضة من ذهب أصابها في بعض المغازي فقال: خذها منى صدقة، فأعرض عنه رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم فأتاه من الجانب الأيمن فقال مثله فأعرض عنه، ثم أتاه من الجانب الأيسر فأعرض عنه فقال: هاتها مغضبا، فأخذها فخذفه بها خذفا لو أصابه لشجه أو عقره، ثم قال: «يجيء أحدكم بماله كله يتصدّق به ويجلس يتكفف الناس! إنما الصدقة عن ظهر غنى [[أخرجه أبو داود وابن حبان والبزار، والدارمي، وأبو يعلى، وابن أبى شيبة، وعبد بن حميد، وإسحاق في مسانيدهم: كلهم من رواية محمود بن لبيد عن جابر. ورواه ابن سعد في ترجمة أبى حصين السلمى من رواية عمر ابن الحكم بن ثوبان عن جابر، قال «قدم أبو حصين السلمى بذهب أصابه من معدنهم فقضى منه دينا كان عليه» فذكر الحديث مثل سياق أبى داود. وفي إسناده الواقدي.]] » فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ إمّا أن يتعلق بتتفكرون، فيكون المعنى: لعلكم تتفكرون فيما يتعلق بالدارين فتأخذون بما هو أصلح لكم كما بينت لكم أنّ العفو أصلح من الجهد في النفقة، وتتفكرون في الدارين فتؤثرون أبقاهما وأكثرهما منافع. ويجوز أن يكون إشارة إلى قوله: (وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما) لتتفكروا [[قوله «أكبر من نفعهما لتتفكروا» لعله فيكون المعنى: لتتفكروا. (ع)]] في عقاب الإثم في الآخرة والنفع في الدنيا. حتى لا تختاروا النفع العاجل على النجاة من العقاب العظيم. وإمّا أن يتعلق بيبين على معنى: يبين لكم الآيات في أمر الدارين وفيما يتعلق بهما لعلكم تتفكرون، لما نزلت (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً) اعتزلوا اليتامى وتحاموهم وتركوا مخالطتهم والقيام بأموالهم والاهتمام بمصالحهم، فشق ذلك عليهم وكاد يوقعهم في الحرج، فقيل إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ أى مداخلتهم على وجه الإصلاح لهم ولأموالهم خير من مجانبتهم وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ وتعاشروهم ولم تجانبوهم (فهم) فَإِخْوانُكُمْ في الدين، ومن حق الأخ أن يخالط أخاه، وقد حملت المخالطة على المصاهرة وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ أى لا يخفى على اللَّه من داخلهم بإفساد وإصلاح فيجازيه على حسب مداخلته، فاحذروه ولا تتحروا غير الإصلاح وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ لحملكم على العنت وهو المشقة وأحرجكم فلم يطلق لكم مداخلتهم. وقرأ طاوس: قل إصلاح إليهم. ومعناه إيصال الصلاح وقرئ: لعنتكم، بطرح الهمزة وإلقاء حركتها على اللام، وكذلك (فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ) [[قوله «وكذلك فلا إثم عليه» لعله: كذلك في طرح الهمزة، لا في نقل الحركة، وتطرح ألف المد لالتقاء الساكنين. فليحرر. (ع)]] . إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غالب يقدر على أن يعنت عباده ويحرجهم ولكنه حَكِيمٌ لا يكلف إلا ما تتسع فيه طاقتهم.
2:221Page 35
وَلَا تَنكِحُواْ ٱلۡمُشۡرِكَٰتِ حَتَّىٰ يُؤۡمِنَّۚ وَلَأَمَةٞ مُّؤۡمِنَةٌ خَيۡرٞ مِّن مُّشۡرِكَةٖ وَلَوۡ أَعۡجَبَتۡكُمۡۗ وَلَا تُنكِحُواْ ٱلۡمُشۡرِكِينَ حَتَّىٰ يُؤۡمِنُواْۚ وَلَعَبۡدٞ مُّؤۡمِنٌ خَيۡرٞ مِّن مُّشۡرِكٖ وَلَوۡ أَعۡجَبَكُمۡۗ أُوْلَٰٓئِكَ يَدۡعُونَ إِلَى ٱلنَّارِۖ وَٱللَّهُ يَدۡعُوٓاْ إِلَى ٱلۡجَنَّةِ وَٱلۡمَغۡفِرَةِ بِإِذۡنِهِۦۖ وَيُبَيِّنُ ءَايَٰتِهِۦ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمۡ يَتَذَكَّرُونَ ٢٢١
And do not marry polytheistic women until they believe.1 And a believing slave woman is better than a polytheist, even though she might please you. And do not marry polytheistic men [to your women] until they believe. And a believing slave is better than a polytheist, even though he might please you. Those invite [you] to the Fire, but Allāh invites to Paradise and to forgiveness, by His permission. And He makes clear His verses [i.e., ordinances] to the people that perhaps they may remember.
وَلا تَنْكِحُوا وقرئ بضم التاء، أى لا تتزوّجوهنّ أو لا تزوّجوهن. والْمُشْرِكاتِ الحربيات، والآية ثابتة. وقيل المشركات الحربيات والكتابيات جميعاً، لأن أهل الكتاب من أهل الشرك، لقوله تعالى: (وَقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ، وَقالَتِ النَّصارى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ) إلى قوله تعالى: (سُبْحانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) ، وهي منسوخة بقوله تعالى: (وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ) . وسورة المائدة كلها ثابتة لم ينسخ منها شيء قط، وهو قول ابن عباس والأوزاعى.
وروى أنّ رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم بعث مرثد بن أبى مرثد الغنوي إلى مكة ليخرج منها ناسا من المسلمين وكان يهوى امرأة في الجاهلية اسمها عناق، فأتته وقالت: ألا نخلو؟ فقال:
ويحك! إن الإسلام قد حال بيننا. فقالت: فهل لك أن تتزوّج بى؟ قال: نعم، ولكن أرجع إلى رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم فاستأمره، فاستأمره [[أورده الواحدي من تفسير الكلبي عن ابن عباس «أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم بعث رجلا يقال له: مرثد بن أبى مرثد فذكره» ونزولها في هذه القصة ليس بصحيح فقد رواه أبو داود والترمذي والنسائي من رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال «كان رجل يقال له: مرثد بن أبى مرثد الغنوي. وكان رجلا شديداً يحمل الأسارى من مكة حتى يأتى بهم المدينة- الحديث بطوله. وفيه حتى نزلت (الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إِلَّا زانٍ أَوْ مُشْرِكٌ) قال فدعاني رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم، فقرأها على. وقال لا تنكحها وكذا أخرجه أحمد وإسحاق والبزار. وقال لا نعلم أسند مرثد بن أبى مرثد إلا هذا الحديث.]] فنزلت وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ ولامرأة مؤمنة حرّة كانت أو مملوكة، وكذلك (وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ) لأنّ الناس كلهم عبيد اللَّه وإماؤه وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ ولو كان الحال أنّ المشركة تعجبكم وتحبونها، فإنّ المؤمنة خير منها مع ذلك أُولئِكَ إشارة إلى المشركات والمشركين، أى يدعون إلى الكفر فحقهم أن لا يوالوا ولا يصاهروا ولا يكون بينهم وبين المؤمنين إلا المناصبة والقتال وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلَى الْجَنَّةِ يعنى وأولياء اللَّه وهم المؤمنون يدعون إلى الجنة وَالْمَغْفِرَةِ وما يوصل إليهما فهم الذين تجب موالاتهم ومصاهرتهم، وأن يؤثروا على غيرهم بِإِذْنِهِ بتيسير اللَّه وتوفيقه للعمل الذي تستحق به الجنة والمغفرة. وقرأ الحسن: والمغفرة بإذنه- بالرفع- أى والمغفرة حاصلة بتيسيره.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences