Az-Zamakhshari · Tafsir · in Arabic
Al-'Ankabut 29:49–69
29:49Page 402
بَلۡ هُوَ ءَايَٰتُۢ بَيِّنَٰتٞ فِي صُدُورِ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَۚ وَمَا يَجۡحَدُ بِـَٔايَٰتِنَآ إِلَّا ٱلظَّٰلِمُونَ ٤٩
Rather, it [i.e., the Qur’ān] is distinct verses [preserved] within the breasts of those who have been given knowledge. And none reject Our verses except the wrongdoers.
وأنت أمىّ ما عرفك أحد قط بتلاوة كتاب ولا خط إِذاً لو كان شيء من ذلك، أى، من التلاوة والخط لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ من أهل الكتاب وقالوا: الذي نجده في كتبنا أمى لا يكتب ولا يقرأ وليس به. أو لارتاب مشركو مكة وقالوا: لعله تعلمه أو كتبه بيده. فإن قلت:
لم سماهم مبطلين، ولو لم يكن أمّيا وقالوا: ليس بالذي نجده في كتبنا لكانوا صادقين محقين؟
ولكان أهل مكة أيضا على حق في قولهم لعله تعلمه أو كتبه فإنه رجل قارئ كاتب؟ قلت: سماهم مبطلين لأنهم كفروا به وهو أمىّ بعيد من الريب، فكأنه قال: هؤلاء المبطلون في كفرهم به لو لم يكن أمّيا لارتابوا أشدّ الريب، فحين ليس [[قوله «فحين ليس» لعله فحين كان ليس. (ع)]] بقارئ كاتب فلا وجه لارتيابهم. وشيء آخر: وهو أن سائر الأنبياء عليهم السلام لم يكونوا أمّيين، ووجب الإيمان بهم وبما جاءوا به، لكونهم مصدقين من جهة الحكيم بالمعجزات، فهب أنه قارئ كاتب فما لهم لم يؤمنوا به من الوجه الذي آمنوا منه بموسى وعيسى عليهما السلام؟ على أن المنزلين [[قوله «على أن المنزلين ليسا بمعجزين» لعله: المنزلين عليهما. (ع)]] ليسا بمعجزين، وهذا المنزل معجز، فإذا هم مبطلون حيث لم يؤمنوا به وهو أمى، ومبطلون لو لم يؤمنوا به وهو غير أمى.
فان قلت: ما فائدة قوله بيمينك؟ قلت ذكر اليمين وهي الجارحة التي يزاول بها الخط: زيادة تصوير لما نفى عنه من كونه كاتبا. ألا ترى أنك إذا قلت في الإثبات، رأيت الأمير يخط هذا الكتاب بيمينه، كان أشد لإثباتك أنه تولى كتبته، فكذلك النفي بَلْ القرآن آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ العلماء به وحفاظه، وهما من خصائص القرآن: كون آياته بينات الإعجاز، وكونه محفوظا في الصدور يتلوه أكثر الأمة ظاهرا: بخلاف سائر الكتب، فإنها لم تكن معجزات، وما كانت تقرأ إلا من المصاحف. ومنه ما جاء في صفة هذه الأمة «صدورهم أناجيلهم» [[أخرجه الطبراني من روآية سنان بن الحارث عن إبراهيم عن علقمة عن ابن مسعود مرفوعا في أثناء حديث وروى الواقدي في الردة عن إسماعيل بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن أبى ربيعة عن أبيه أن يهوديا من أهل سبأ يقال له نعمان، وكان أعلم أحبار يهود فذكر قصة فيها صفة النبي ﷺ في سفر عندهم مختوم وفيه هذا.]] وَما يَجْحَدُ بآيات الله الواضحة، إلا المتوغلون في الظلم المكابرون.
3388
29:50Page 402
وَقَالُواْ لَوۡلَآ أُنزِلَ عَلَيۡهِ ءَايَٰتٞ مِّن رَّبِّهِۦۚ قُلۡ إِنَّمَا ٱلۡأٓيَٰتُ عِندَ ٱللَّهِ وَإِنَّمَآ أَنَا۠ نَذِيرٞ مُّبِينٌ ٥٠
But they say, "Why are not signs sent down to him from his Lord?" Say, "The signs are only with Allāh, and I am only a clear warner."
3388
29:51–52Page 402
أَوَلَمۡ يَكۡفِهِمۡ أَنَّآ أَنزَلۡنَا عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ يُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَرَحۡمَةٗ وَذِكۡرَىٰ لِقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ ٥١
And is it not sufficient for them that We revealed to you the Book [i.e., the Qur’ān] which is recited to them? Indeed in that is a mercy and reminder for a people who believe.
قُلۡ كَفَىٰ بِٱللَّهِ بَيۡنِي وَبَيۡنَكُمۡ شَهِيدٗاۖ يَعۡلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۗ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱلۡبَٰطِلِ وَكَفَرُواْ بِٱللَّهِ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ ٥٢
Say, "Sufficient is Allāh between me and you as Witness. He knows what is in the heavens and earth. And they who have believed in falsehood and disbelieved in Allāh - it is those who are the losers."
قرئ: آية، وآيات. أرادوا: هلا أنزل عليه آية مثل ناقة صالح ومائدة عيسى عليهما السلام ونحو ذلك إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ ينزل أيتها شاء، ولو شاء أن ينزل ما تقترحونه لفعل وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ كلفت الإنذار وإبانته بما أعطيت من الآيات، وليس لي أن أتخير على الله آياته فأقول، أنزل علىّ آية كذا دون آية كذا، مع علمى أنّ الغرض من الآية ثبوت الدلالة، والآيات كلها في حكم آية واحدة في ذلك، ثم قال أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ آية مغنية عن سائر الآيات- إن كانوا طالبين للحق غير متعنتين- هذا القرآن الذي تدوم تلاوته عليهم في كل مكان وزمان فلا يزال معهم آية ثابتة لا تزول ولا تضمحلّ، كما تزول كل آية بعد كونها، وتكون في مكان دون مكان. إنّ في مثل هذه الآية الموجودة في كل مكان وزمان إلى آخر الدهر لَرَحْمَةً لنعمة عظيمة لا تشكر. وتذكرة لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ وقيل: أو لم يكفهم، يعنى اليهود: أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم بتحقيق ما في أيديهم من نعتك ونعت دينك. وقيل: إنّ ناسا من المسلمين أتوا رسول الله ﷺ بكتف قد كتبوا فيها بعض ما يقول اليهود، فلما أن نظر إليها ألقاها وقال: كفى بها حماقة قوم أو ضلالة قوم أن يرغبوا عما جاءهم به نبيهم إلى ما جاء به غير نبيهم، فنزلت [[أخرجه الطبري وأبو داود في المراسيل من طريق يحيى بن جعدة «أن النبي ﷺ أتاه قوم من المسلمين بكتاب في كتف» فذكر نحوه ولفظ الطبري كالأصل.]] . والوجه ما ذكرناه كَفى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيداً أنى قد بلغتكم ما أرسلت به إليكم وأنذرتكم، وأنكم قابلتمونى بالجحد والتكذيب يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فهو مطلع على أمرى وأمركم، وعالم بحقي وباطلكم وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْباطِلِ منكم وهو ما تعبدون من دون الله وَكَفَرُوا بِاللَّهِ وآياته أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ المغبونون في صفقتهم حيث اشتروا الكفر بالإيمان، إلا أن الكلام ورد مورد الإنصاف، كقوله وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ وكقول حسان:
فشر كما لخير كما الفداء [[تقدم شرح هذا الشاهد ضمن أبيات بالجزء الثاني صفحة 563 فراجعه إن شئت اه مصححه.]]
وروى أنّ كعب بن الأشرف وأصحابه قالوا: يا محمد، من يشهد لك بأنك رسول الله، فنزلت.
29:53–55Page 403
وَيَسۡتَعۡجِلُونَكَ بِٱلۡعَذَابِ وَلَوۡلَآ أَجَلٞ مُّسَمّٗى لَّجَآءَهُمُ ٱلۡعَذَابُۚ وَلَيَأۡتِيَنَّهُم بَغۡتَةٗ وَهُمۡ لَا يَشۡعُرُونَ ٥٣
And they urge you to hasten the punishment. And if not for [the decree of] a specified term, punishment would have reached them. But it will surely come to them suddenly while they perceive not.
يَسۡتَعۡجِلُونَكَ بِٱلۡعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةُۢ بِٱلۡكَٰفِرِينَ ٥٤
They urge you to hasten the punishment. And indeed, Hell will be encompassing of the disbelievers
يَوۡمَ يَغۡشَىٰهُمُ ٱلۡعَذَابُ مِن فَوۡقِهِمۡ وَمِن تَحۡتِ أَرۡجُلِهِمۡ وَيَقُولُ ذُوقُواْ مَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ٥٥
On the Day the punishment will cover them from above them and from below their feet and it is said, "Taste [the result of] what you used to do."
كان استعجال العذاب استهزاء منهم وتكذيبا، والنضر بن الحرث هو الذي قال: اللهم أمطر علينا حجارة من السماء، كما قال أصحاب الأيكة: فأسقط علينا كسفا من السماء وَلَوْلا أَجَلٌ قد سماه الله وبينه في اللوح لعذابهم، وأوجبت الحكمة تأخيره إلى ذلك الأجل المسمى لَجاءَهُمُ الْعَذابُ عاجلا. والمراد بالأجل: الآخرة، لما روى أنّ الله تعالى وعد رسول الله ﷺ أن لا يعذب قومه ولا يستأصلهم، وأن يؤخر عذابهم إلى يوم القيامة [[لم أجده.]] .
وقيل: يوم بدر. وقيل: وقت فنائهم بآجالهم لَمُحِيطَةٌ أى ستحيط بهم يَوْمَ يَغْشاهُمُ الْعَذابُ أو هي محيطة بهم في الدنيا: لأنّ المعاصي التي توجبها محيطة بهم. أو لأنها مآلهم ومرجعهم لا محالة فكأنها الساعة محيطة بهم. ويَوْمَ يَغْشاهُمُ على هذا منصوب بمضمر، أى: يوم يغشاهم العذاب كان كيت وكيت. مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ كقوله تعالى لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ، وَيَقُولُ قرئ بالنون والياء ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ أى جزاءه.
29:56Page 403
يَٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِنَّ أَرۡضِي وَٰسِعَةٞ فَإِيَّٰيَ فَٱعۡبُدُونِ ٥٦
O My servants who have believed, indeed My earth is spacious, so worship only Me.
معنى الآية: أنّ المؤمن إذا لم يتسهل له العبادة في بلد هو فيه ولم يتمش له أمر دينه كما يحب فليهاجر عنه إلى بلد يقدّر أنه فيه أسلم قلبا وأصح دينا وأكثر عبادة وأحسن خشوعا. ولعمري إن البقاع تتفاوت في ذلك التفاوت الكثير، ولقد جرّبنا وجرّب أوّلونا، فلم نجد فيما درنا وداروا: أعون على قهر النفس وعصيان الشهوة وأجمع للقلب المتلفت وأضم للهم المنتشر وأحث على القناعة وأطرد للشيطان وأبعد من كثير من الفتن وأضبط للأمر الديني في الجملة- من سكنى حرم الله وجوار بيت الله، فلله الحمد على ما سهل من ذلك وقرب، ورزق من الصبر وأوزع من الشكر. وعن النبي ﷺ «من فرّ بدينه من أرض إلى أرض وإن كان شبرا من الأرض، استوجب الجنة وكان رفيق إبراهيم [[أخرجه الثعلبي من مرسل الحسن وقد تقدم في النساء.]] ومحمد» وقيل: هي في المستضعفين بمكة الذين نزل فيهم أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها وإنما كان ذلك لأنّ أمر دينهم ما كان يستتب لهم بين ظهراني الكفرة فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ
في المتكلم، نحو: إياه ضربته، في الغائب وإياك عضتك، في المخاطب. والتقدير: فإياى فاعبدوا: فاعبدون. فإن قلت: ما معنى الفاء في فَاعْبُدُونِ
وتقديم المفعول؟ قلت: الفاء جواب شرط محذوف، لأنّ المعنى: إنّ أرضى واسعة فإن لم تخلصوا العبادة لي في أرض فأخلصوها لي في غيرها، ثم حذف الشرط وعوّض من حذفه تقديم المفعول، مع إفادة تقديمه معنى الاختصاص والإخلاص.
29:57Page 403
كُلُّ نَفۡسٖ ذَآئِقَةُ ٱلۡمَوۡتِۖ ثُمَّ إِلَيۡنَا تُرۡجَعُونَ ٥٧
Every soul will taste death. Then to Us will you be returned.
لما أمر عباده بالحرص على العبادة وصدق الاهتمام بها حتى يتطلبوا لها أوفق البلاد وإن شسعت [[قوله «أوفق البلاد وإن شعست» أى بعدت. (ع)]] ، أتبعه قوله كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ أى واجدة مرارته وكربه كما يجد الذائق طعم المذوق. ومعناه: إنكم ميتون فواصلون الى الجزاء، ومن كانت هذه عاقبته لم يكن له بد من التزود لها والاستعداد بجهده.
29:58–59Page 403
وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَنُبَوِّئَنَّهُم مِّنَ ٱلۡجَنَّةِ غُرَفٗا تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ نِعۡمَ أَجۡرُ ٱلۡعَٰمِلِينَ ٥٨
And those who have believed and done righteous deeds - We will surely assign to them of Paradise [elevated] chambers beneath which rivers flow, wherein they abide eternally. Excellent is the reward of the [righteous] workers
ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَلَىٰ رَبِّهِمۡ يَتَوَكَّلُونَ ٥٩
Who have been patient and upon their Lord rely.
لَنُبَوِّئَنَّهُمْ لننزلنهم مِنَ الْجَنَّةِ علالي. وقرئ: لنثوّينهم، من الثواء وهو النزول للإقامة.
يقال: ثوى في المنزل، وأثوى هو، وأثوى غيره وثوى: غير متعد، فإذا تعدى بزيادة همزة النقل لم يتجاوز مفعولا واحدا، نحو: ذهب، وأذهبته. والوجه في تعديته إلى ضمير المؤمنين وإلى الغرف: إمّا إجراؤه مجرى لننزلنهم ونبوئنهم. أو حذف الجار وإيصال الفعل: أو تشبيه الظرف المؤقت [[قوله «الظرف المؤقت» أى المحدد، وهو الغرف. (ع)]] بالمبهم. وقرأ يحيى بن وثاب: فنعم، بزيادة الفاء الَّذِينَ صَبَرُوا على مفارقة الأوطان والهجرة لأجل الدين. وعلى أذى المشركين، وعلى المحن والمصائب، وعلى الطاعات، وعن المعاصي، ولم يتوكلوا في جميع ذلك إلا على الله.
29:60Page 403
وَكَأَيِّن مِّن دَآبَّةٖ لَّا تَحۡمِلُ رِزۡقَهَا ٱللَّهُ يَرۡزُقُهَا وَإِيَّاكُمۡۚ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ ٦٠
And how many a creature carries not its [own] provision. Allāh provides for it and for you. And He is the Hearing, the Knowing.
لما أمر رسول الله ﷺ من أسلم بمكة بالهجرة، خافوا الفقر والضيعة، فكان يقول الرجل منهم: كيف أقدم بلدة ليست لي فيها معيشة، فنزلت. والدابة: كل نفس دبت على وجه الأرض، عقلت أو لم تعقل. تَحْمِلُ رِزْقَهَا لا تطيق أن تحمله لضعفها عن حمله اللَّهُ يَرْزُقُها وَإِيَّاكُمْ أى لا يرزق تلك الدواب الضعاف إلا الله، ولا يرزقكم أيضا أيها الأقوياء إلا هو وإن كنتم مطيقين لحمل أرزاقكم وكسبها، لأنه لو لم يقدركم ولم يقدّر لكم أسباب الكسب، لكنتم أعجز من الدواب التي لا تحمل، وعن الحسن لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا لا تدّخره، إنما تصبح فيرزقها الله. وعن ابن عيينة: ليس شيء يخبأ إلا الإنسان والنملة والفأرة.
وعن بعضهم: رأيت البلبل يحتكر في حضنيه. ويقال: للعقعق مخابئ إلا أنه ينساها وَهُوَ السَّمِيعُ لقولكم: نخشى الفقر والضيعة الْعَلِيمُ بما في ضمائركم.
29:61Page 403
وَلَئِن سَأَلۡتَهُم مَّنۡ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَسَخَّرَ ٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُۖ فَأَنَّىٰ يُؤۡفَكُونَ ٦١
If you asked them, "Who created the heavens and earth and subjected the sun and the moon?" they would surely say, "Allāh." Then how are they deluded?
الضمير في سَأَلْتَهُمْ لأهل مكة فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ فكيف يصرفون عن توحيد الله وأن لا يشركوا به، مع إقرارهم بأنه خالق السماوات والأرض.
29:62Page 403
ٱللَّهُ يَبۡسُطُ ٱلرِّزۡقَ لِمَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦ وَيَقۡدِرُ لَهُۥٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ ٦٢
Allāh extends provision for whom He wills of His servants and restricts for him. Indeed Allāh is, of all things, Knowing.
قدر الرزق وقتره بمعنى إذا ضيقه. فإن قلت: الذي رجع إليه الضمير في قوله وَيَقْدِرُ لَهُ هو من يشاء، فكأن بسط الرزق وقدره جعلا لواحد. قلت: يحتمل الوجهين جميعا:
أن يريد ويقدر لمن يشاء، فوضع الضمير موضع من يشاء، لأن لِمَنْ يَشاءُ مبهم غير معين، فكان الضمير مبهما مثله، وأن يريد تعاقب الأمرين على واحد على حسب المصلحة إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ يعلم ما يصلح العباد وما يفسدهم.
29:63Page 403
وَلَئِن سَأَلۡتَهُم مَّن نَّزَّلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَحۡيَا بِهِ ٱلۡأَرۡضَ مِنۢ بَعۡدِ مَوۡتِهَا لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُۚ قُلِ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِۚ بَلۡ أَكۡثَرُهُمۡ لَا يَعۡقِلُونَ ٦٣
And if you asked them, "Who sends down rain from the sky and gives life thereby to the earth after its lifelessness?" they would surely say, "Allāh." Say, "Praise to Allāh"; but most of them do not reason.
استحمد رسول الله ﷺ على أنه ممن أقر بنحو ما أقروا به ثم نفعه ذلك في توحيد الله ونفى الأنداد والشركاء عنه، ولم يكن إقرارا عاطلا كاقرار المشركين، وعلى أنهم أقروا بما هو حجة عليهم حيث نسبوا النعمة إلى الله وقد جعلوا العبادة للصنم، ثم قال بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ ما يقولون وما فيه من الدلالة على بطلان الشرك وصحة التوحيد. أو لا يعقلون ما تريد بقولك الحمد لله، ولا يفطنون لم حمدت الله عند مقالتهم؟
29:64Page 404
وَمَا هَٰذِهِ ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَآ إِلَّا لَهۡوٞ وَلَعِبٞۚ وَإِنَّ ٱلدَّارَ ٱلۡأٓخِرَةَ لَهِيَ ٱلۡحَيَوَانُۚ لَوۡ كَانُواْ يَعۡلَمُونَ ٦٤
And this worldly life is not but diversion and amusement. And indeed, the home of the Hereafter - that is the [eternal] life, if only they knew.
هذِهِ فيها ازدراء للدنيا وتصغير لأمرها، وكيف لا يصغرها وهي لا تزن عنده جناح بعوضة. يريد: ما هي- لسرعة زوالها عن أهلها وموتهم عنها- إلا كما يلعب الصبيان ساعة ثم يتفرقون وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ أى ليس فيها إلا حياة مستمرة دائمة خالدة لا موت [[قال محمود: «إنما عدل عن الحياة إلى هذا البناء تنبيها على تعظيم حياة الآخرة ودوامها» قال أحمد:
والذي يخص هذا البناء به إفادة ما لا يخلو من الحركة، كالنزوان والجولان. والحيوان من ذلك، والله أعلم.]] فيها، فكأنها في ذاتها حياة. والحيوان: مصدر حي، وقياسه حييان، فقلبت الياء الثانية واوا، كما قالوا: حيوة، في اسم رجل، وبه سمى ما فيه حياة: حيوانا. قالوا: اشتر من الموتان، ولا تشتر من الحيوان [[قوله «اشتر من الموتان ... الخ» الذي في الصحاح: اشتر الموتان، ولا تشتر الحيوان. أى: اشتر الأرض والدور، ولا تشتر الرقيق والدواب اه (ع)]] . وفي بناء الحيوان زيادة معنى ليس في بناء الحياة، وهي ما في بناء فعلان من معنى الحركة والاضطراب، كالنزوان والنغصان واللهبان [[قوله «كالنزوان والنغضان واللهبان» في الصحاح «اللهبان» بالتحريك: اتقاد النار. (ع)]] ، وما أشبه ذلك. والحياة: حركة، كما أن الموت سكون، فمجيئه على بناء دال على معنى الحركة، مبالغة في معنى الحياة، ولذلك اختيرت على الحياة في هذا الموضع المقتضى للمبالغة لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ فلم يؤثروا الحياة الدنيا عليها.
29:65–66Page 404
فَإِذَا رَكِبُواْ فِي ٱلۡفُلۡكِ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخۡلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ فَلَمَّا نَجَّىٰهُمۡ إِلَى ٱلۡبَرِّ إِذَا هُمۡ يُشۡرِكُونَ ٦٥
And when they board a ship, they supplicate Allāh, sincere to Him in religion [i.e., faith and hope]. But when He delivers them to the land, at once they associate others with Him
لِيَكۡفُرُواْ بِمَآ ءَاتَيۡنَٰهُمۡ وَلِيَتَمَتَّعُواْۚ فَسَوۡفَ يَعۡلَمُونَ ٦٦
So that they will deny what We have granted them, and they will enjoy themselves. But they are going to know.1
فإن قلت: بم اتصل قوله فَإِذا رَكِبُوا؟ قلت: بمحذوف دلّ عليه ما وصفهم به وشرح من أمرهم، معناه: هم على ما وصفوا به من الشرك والعناد فَإِذا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كائنين في صورة من يخلص الدين لله من المؤمنين، حيث لا يذكرون إلا الله ولا يدعون معه إلها آخر. وفي تسميتهم مخلصين: ضرب من التهكم فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ وآمنوا عادوا إلى حال الشرك: واللام في لِيَكْفُرُوا محتملة أن تكون لام كى، وكذلك في وَلِيَتَمَتَّعُوا فيمن قرأها بالكسر. والمعنى: أنهم يعودون إلى شركهم ليكونوا- بالعود إلى شركهم- كافرين بنعمة النجاة، قاصدين التمتع بها والتلذذ لا غير، على خلاف ما هو عادة المؤمنين المخلصين على الحقيقة: إذا أنجاهم الله أن يشكروا نعمة الله في إنجائهم، ويجعلوا نعمة النجاة ذريعة إلى ازدياد الطاعة، لا إلى التمتع والتلذذ، وأن تكون لام الأمر وقراءة من قرأ وليتمتعوا بالسكون تشهد له. ونحوه قوله تعالى اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ. فإن قلت: كيف جاز أن يأمر الله تعالى بالكفر وبأن يعمل العصاة ما شاءوا، وهو ناه عن ذلك ومتوعد عليه؟ قلت: هو مجاز عن الخذلان والتخلية، وأن ذلك الأمر متسخط إلى غاية. ومثاله أن ترى الرجل قد عزم على أمر، وعندك أنّ ذلك الأمر خطأ، وأنه يؤدى إلى ضرر عظيم، فتبالغ في نصحه واستنزاله عن رأيه، فإذا لم تر منه إلا الإباء والتصميم، حردت [[قوله «حردت عليه» أى غضبت. أفاده الصحاح. (ع)]] عليه وقلت:
أنت وشأنك وافعل ما شئت، فلا تريد بهذا حقيقة الأمر. وكيف والآمر بالشيء مريد له، وأنت شديد الكراهة متحسر، ولكنك كأنك تقول له: فإذ قد أبيت قبول النصيحة، فأنت أهل ليقال لك: افعل ما شئت وتبعث عليه، ليتبين لك- إذا فعلت- صحة رأى الناصح وفساد رأيك.
29:67Page 404
أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّا جَعَلۡنَا حَرَمًا ءَامِنٗا وَيُتَخَطَّفُ ٱلنَّاسُ مِنۡ حَوۡلِهِمۡۚ أَفَبِٱلۡبَٰطِلِ يُؤۡمِنُونَ وَبِنِعۡمَةِ ٱللَّهِ يَكۡفُرُونَ ٦٧
Have they not seen that We made [Makkah] a safe sanctuary, while people are being taken away1 all around them? Then in falsehood do they believe, and in the favor of Allāh they disbelieve?
كانت العرب حول مكة يغزو بعضهم بعضا، ويتغاورون، ويتناهبون، وأهل مكة قارّون آمنون فيها، لا يغزون ولا يغار عليهم مع قلتهم وكثرة العرب، فذكرهم الله هذه النعمة الخاصة عليهم، ووبخهم بأنهم يؤمنون بالباطل الذي هم عليه، ومثل هذه النعمة المكشوفة الظاهرة وغيرها من النعم التي لا يقدر عليها إلا الله وحده مكفورة عندهم.
29:68Page 404
وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّنِ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أَوۡ كَذَّبَ بِٱلۡحَقِّ لَمَّا جَآءَهُۥٓۚ أَلَيۡسَ فِي جَهَنَّمَ مَثۡوٗى لِّلۡكَٰفِرِينَ ٦٨
And who is more unjust than one who invents a lie about Allāh or denies the truth when it has come to him? Is there not in Hell a [sufficient] residence for the disbelievers?
افتراؤهم على الله كذبا: زعمهم أن لله شريكا. وتكذيبهم بما جاءهم من الحق: كفرهم بالرسول والكتاب. وفي قوله لَمَّا جاءَهُ تسفيه لهم، يعنى: لم يتلعثموا في تكذيبه وقت سمعوه، ولم يفعلوا كما يفعل المراجيح العقول المثبتون في الأمور: يسمعون الخبر فيستعملون فيه الروية والفكر، ويستأنون إلى أن يصح لهم صدقه أو كذبه أَلَيْسَ تقرير لثوائهم في جهنم، كقوله:
ألستم خير من ركب المطايا [[ألستم خير من ركب المطايا ... وأندى العالمين بطون راح
لجرير: في عبد الملك بن مروان. والاستفهام للإنكار، يعنى: لا تنتفى زيادتكم في الفضل والكرم على جميع الناس ومن ركب المطايا: كناية عنهم، لأن الركوب من خواصهم. والراح: اسم جمع واحده راحة، وهي ما عدا الأصابع من الكف، وذلك كناية عن الكرم، لأن بها بذل المعروف في العادة. قيل: لما بلغ جرير هذا البيت في القصيدة، كان عبد الملك متكئا فاستوى جالسا فرحا وقال: هكذا مدحنا. وأعطاه مائة من الإبل.]]
قال بعضهم: ولو كان استفهاما ما أعطاه الخليفة مائة من الإبل. وحقيقته: أن الهمزة همزة الإنكار دخلت على النفي، فرجع إلى معنى التقرير، فهما وجهان، أحدهما: ألا يثوون في جهنم، وألا يستوجبون الثواء فيها، وقد افتروا مثل هذا الكذب على الله، وكذبوا بالحق هذا التكذيب والثاني: ألم يصح عندهم أن في جهنم مثوى للكافرين، حتى اجترءوا مثل هذه الجرأة؟.
29:69Page 404
وَٱلَّذِينَ جَٰهَدُواْ فِينَا لَنَهۡدِيَنَّهُمۡ سُبُلَنَاۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ٦٩
And those who strive for Us - We will surely guide them to Our ways.1 And indeed, Allāh is with the doers of good.
أطلق المجاهدة ولم يقيدها بمفعول، ليتناول كل ما يجب مجاهدته من النفس الأمّارة بالسوء والشيطان وأعداء الدين فِينا في حقنا ومن أجلنا ولوجهنا خالصا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا لنزيدنهم هداية إلى سبل الخير وتوفيقا، كقوله تعالى وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً وعن أبى سليمان الداراني: والذين جاهدوا فيما علموا لنهدينهم إلى ما لم يعلموا. وعن بعضهم: من عمل بما يعلم وفق لما لا يعلم. وقيل: إن الذي نرى من جهلنا بما لا نعلم، إنما هو من تقصيرنا فيما نعلم لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ لناصرهم ومعينهم.
وعن رسول الله ﷺ «من قرأ سورة العنكبوت كان له من الأجر عشر حسنات بعدد كل المؤمنين والمنافقين [[أخرجه الثعلبي وابن مردويه والواحدي من حديث أبى بن كعب.]] » .
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences