Az-ZamakhshariAli 'Imran · 3:176–191

Az-Zamakhshari · Tafsir · in Arabic

Ali 'Imran 3:176–191

3:176–178Page 73

وَلَا يَحۡزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡكُفۡرِۚ إِنَّهُمۡ لَن يَضُرُّواْ ٱللَّهَ شَيۡـٔٗاۚ يُرِيدُ ٱللَّهُ أَلَّا يَجۡعَلَ لَهُمۡ حَظّٗا فِي ٱلۡأٓخِرَةِۖ وَلَهُمۡ عَذَابٌ عَظِيمٌ ١٧٦

And do not be grieved, [O Muḥammad], by those who hasten into disbelief. Indeed, they will never harm Allāh at all. Allāh intends that He should give them no share in the Hereafter, and for them is a great punishment.

إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱشۡتَرَوُاْ ٱلۡكُفۡرَ بِٱلۡإِيمَٰنِ لَن يَضُرُّواْ ٱللَّهَ شَيۡـٔٗاۖ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ١٧٧

Indeed, those who purchase disbelief [in exchange] for faith - never will they harm Allāh at all, and for them is a painful punishment.

وَلَا يَحۡسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَنَّمَا نُمۡلِي لَهُمۡ خَيۡرٞ لِّأَنفُسِهِمۡۚ إِنَّمَا نُمۡلِي لَهُمۡ لِيَزۡدَادُوٓاْ إِثۡمٗاۖ وَلَهُمۡ عَذَابٞ مُّهِينٞ ١٧٨

And let not those who disbelieve ever think that [because] We extend their time [of enjoyment] it is better for them. We only extend it for them so that they may increase in sin, and for them is a humiliating punishment.

يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ يقعون فيه سريعاً ويرغبون فيه أشدّ رغبة، وهم الذين نافقوا من المتخلفين. وقيل: هم قوم ارتدّوا عن الإسلام. فإن قلت: فما معنى قوله: (وَلا يَحْزُنْكَ) ؟ ومن حق الرسول أن يحزن لنفاق من نافق وارتداد من ارتدّ؟ قلت: معناه: لا يحزنوك لخوف أن أن يضرّوك ويعينوا عليك. ألا ترى إلى قوله إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً يعنى أنهم لا يضرون بمسارعتهم في الكفر غير أنفسهم، وما وبال ذلك عائداً على غيرهم. ثم بين كيف يعود وباله عليهم بقوله يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ أى نصيباً من الثواب وَلَهُمْ بدل الثواب عَذابٌ عَظِيمٌ وذلك أبلغ ما ضرّ به الإنسان نفسه. فإن قلت: هلا قيل: لا يجعل اللَّه لهم حظاً في الآخرة، وأىّ فائدة في ذكر الإرادة؟ قلت: فائدته الإشعار بأنّ الداعي إلى حرمانهم وتعذيبهم قد خلص خلوصاً لم يبق معه صارف قط حين سارعوا في الكفر، تنبيهاً على تماديهم في الطغيان وبلوغهم الغاية فيه، حتى أنّ أرحم الراحمين يريد أن لا يرحمهم إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيْمانِ

إمّا أن يكون تكريراً لذكرهم للتأكيد والتسجيل عليهم بما أضاف إليهم. وإمّا أن يكون عاما للكفار، والأوّل خاصاً فيمن نافق من المتخلفين، أو ارتدّ عن الإسلام أو على العكس. وشَيْئاً نصب على المصدر لأن المعنى: شيئا من الضرر وبعض الضرر الَّذِينَ كَفَرُوا فيمن قرأ بالتاء نصب وأَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ بدل منه: أى ولا تحسبنّ أنّ ما نملي للكافرين خير لهم، و «أن» مع ما في حيزه ينوب عن المفعولين، كقوله: أم تحسب أنّ أكثرهم يسمعون، وما مصدرية، بمعنى: ولا تحسبنّ أنّ إملاءنا خير، وكان حقها في قياس علم الخط أن تكتب مفصولة. ولكنها وقعت في الإمام متصلة فلا يخالف، وتتبع سنة الإمام في خط المصاحف. فإن قلت: كيف صحّ مجيء البدل ولم يذكر إلا أحد المفعولين، ولا يجوز الاقتصار بفعل الحسبان على مفعول واحد؟

قلت: صحّ ذلك من حيث أنّ التعويل على البدل والمبدل منه في حكم المنحى: ألا تراك تقول:

جعلت متاعك بعضه فوق بعض، مع امتناع سكوتك على متاعك. ويجوز أن يقدّر مضاف محذوف على: ولا تحسبنّ الذين كفروا أصحاب أن الإملاء خير لأنفسهم. أو ولا تحسبنّ حال الذين كفروا أن الإملاء خير لأنفسهم. وهو فيمن قرأ بالياء رفع، والفعل متعلق بأن وما في حيزه.

والإملاء لهم: تخليتهم وشأنهم، مستعار من أملى لفرسه إذا أرخى له الطول ليرعى كيف شاء.

وقيل: هو إمهالهم وإطالة عمرهم. والمعنى: ولا تحسبنّ أن الإملاء خير لهم من منعهم أو قطع آجالهم أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ «ما» هذه حقها أن تكتب متصلة، لأنها كافة دون الأولى، وهذه جملة مستأنفة تعليل للجملة قبلها، كأنه قيل: ما بالهم لا يحسبون الإملاء خيراً لهم، فقيل: إنما نملي لهم ليزدادوا إثما. فإن قلت: كيف جاز أن يكون ازدياد الإثم غرضاً للَّه تعالى في إملائه [[قال محمود: «إن قلت: كيف جاز أن يكون ازدياد الإثم غرضاً للَّه تعالى في إملائه لهم ... الخ» ؟ قال أحمد: بنى الزمخشري هذا الجواز على شفا جرف هار فانهار، لأن معتقده أن الإثم الواقع منهم ليس مرداً للَّه تعالى بل هو واقع على خلاف الارادة الربانية، فلما وردت الآية مشعرة بأن ازدياد الإثم مراداً للَّه تعالى إشعاراً لا يقبل التأويل، أخذ يعمل الحيلة في وجه من التعطيل التزاما لإتمام الفاسد وضرباً في حديد بارد، فجعل ازدياد الإثم سبباً وليس بغرض.]] لهم؟ قلت: هو علة للإملاء، وما كل علة بغرض. ألا تراك تقول: قعدت عن الغزو للعجز والفاقة، وخرجت من البلد لمخافة الشر، وليس شيء منها بغرض لك. وإنما هي علل وأسباب، فكذلك ازدياد الإثم جعل علة للإمهال وسبباً فيه. فإن قلت: كيف يكون ازدياد الإثم علة للإملاء كما كان العجز علة للقعود عن الحرب؟ قلت: لما كان في علم اللَّه المحيط بكل شيء أنهم مزدادون إثما، فكان الإملاء وقع من أجله وبسببه على طريق المجاز. وقرأ يحيى بن وثاب بكسر الأولى وفتح الثانية. ولا يحسبنّ بالياء، على معنى: ولا يحسبنّ الذين كفروا أن إملاءنا لازدياد الإثم كما يفعلون، وإنما هو ليتوبوا ويدخلوا في الإيمان. وقوله: (أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ) اعتراض بين الفعل ومعموله. ومعناه: أن إملاءنا خير لأنفسهم إن عملوا فيه وعرفوا إنعام اللَّه عليهم بتفسيح المدّة وترك المعاجلة بالعقوبة. فإن قلت: فما معنى قوله وَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ على هذه القراءة؟ قلت: معناه: ولا تحسبوا إن إملاءنا لزيادة الإثم وللتعذيب، والواو للحال، كأنه قيل: ليزدادوا إثما معداً لهم عذاب مهين.

3:179Page 73

مَّا كَانَ ٱللَّهُ لِيَذَرَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ عَلَىٰ مَآ أَنتُمۡ عَلَيۡهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ ٱلۡخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيِّبِۗ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُطۡلِعَكُمۡ عَلَى ٱلۡغَيۡبِ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَجۡتَبِي مِن رُّسُلِهِۦ مَن يَشَآءُۖ فَـَٔامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦۚ وَإِن تُؤۡمِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَلَكُمۡ أَجۡرٌ عَظِيمٞ ١٧٩

Allāh would not leave the believers in that [state] you are in [presently] until He separates the evil from the good. Nor would Allāh reveal to you the unseen. But [instead], Allāh chooses of His messengers whom He wills, so believe in Allāh and His messengers. And if you believe and fear Him, then for you is a great reward.

اللام لتأكيد النفي عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ من اختلاط المؤمنين الخلص والمنافقين حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ حتى يعزل المنافق عن المخلص. وقرئ: يميز. من ميز. وفي رواية عن ابن كثير: يميز، من أماز بمعنى ميز. فإن قلت: لمن الخطاب في: (أَنْتُمْ) ؟ قلت: للمصدّقين جميعاً من أهل الإخلاص والنفاق، كأنه قيل: ما كان اللَّه ليذر المخلصين منكم على الحال التي أنتم عليها- من اختلاط بعضكم ببعض، وأنه لا يعرف مخلصكم من منافقكم لاتفاقكم على التصديق جميعاً- حتى يميزهم منكم بالوحي إلى نبيه وإخباره بأحوالكم، ثم قال وَما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ أى وما كان اللَّه ليؤتى أحداً منكم علم الغيوب، فلا تتوهموا عند إخبار الرسول عليه الصلاة والسلام بنفاق الرجل وإخلاص الآخر أنه يطلع على ما في القلوب اطلاع اللَّه فيخبر عن كفرها وإيمانها وَلكِنَّ اللَّهَ يرسل الرسول فيوحى إليه ويخبره بأنّ في الغيب كذا، وأن فلانا في قلبه النفاق وفلانا في قلبه الإخلاص، فيعلم ذلك من جهة إخبار اللَّه لا من جهة اطلاعه على المغيبات. ويجوز أن يراد:

لا يترككم مختلطين حتى يميز الخبيث من الطيب، بأن يكلفكم التكاليف الصعبة التي لا يصبر عليها إلا الخلص الذين امتحن اللَّه قلوبهم. كبذل الأرواح في الجهاد، وإنفاق الأموال في سبيل اللَّه، فيجعل ذلك عياراً على عقائدكم وشاهداً بضمائركم، حتى يعلم بعضكم ما في قلب بعض من طريق الاستدلال، لا من جهة الوقوف على ذات الصدور والاطلاع عليها، فإن ذلك مما استأثر اللَّه به.

وما كان اللَّه ليطلع أحداً منكم على الغيب ومضمرات القلوب حتى يعرف صحيحها من فاسدها مطلعا عليها وَلكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشاءُ فيخبره ببعض المغيبات فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ بأن تقدروه حق قدره، وتعلموه وحده مطلعا على الغيوب، وأن تنزلوهم منازلهم بأن تعلموهم عباداً مجتبين، لا يعلمون إلا ما علمهم اللَّه، ولا يخبرون إلا بما أخبرهم اللَّه به من الغيوب، وليسوا من علم الغيب في شيء. وعن السدى قال الكافرون: إن كان محمد صادقا فليخبرنا من يؤمن منا ومن يكفر. فنزلت.

3:180Page 73

وَلَا يَحۡسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَبۡخَلُونَ بِمَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦ هُوَ خَيۡرٗا لَّهُمۖ بَلۡ هُوَ شَرّٞ لَّهُمۡۖ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِۦ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۗ وَلِلَّهِ مِيرَٰثُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٞ ١٨٠

And let not those who [greedily] withhold what Allāh has given them of His bounty ever think that it is better for them. Rather, it is worse for them. Their necks will be encircled by what they withheld on the Day of Resurrection. And to Allāh belongs the heritage of the heavens and the earth. And Allāh, of what you do, is [fully] Aware.

(ولا تحسبن) من قرأ بالتاء قدّر مضافا محذوفا، أى ولا تحسبن بخل الذين يبخلون هو خيراً لهم. وكذلك من قرأ بالياء وجعل فاعل يحسبن ضمير رسول اللَّه، أو ضمير أحد. ومن جعل فاعله الذين يبخلون كان المفعول الأوّل عنده محذوفا تقديره: ولا يحسبن الذين يبخلون بخلهم هُوَ خَيْراً لَهُمْ والذي سوغ حذفه دلالة (يَبْخَلُونَ) عليه، وهو فصل. وقرأ الأغمش بغير هو سَيُطَوَّقُونَ تفسير لقوله هُوَ شَرٌّ لَهُمْ أى سيلزمون وبال ما بخلوا به إلزام الطوق. وفي أمثالهم: تقلدها طوق الحمامة، إذا جاء بهنة يسب بها ويذم. وقيل: يجعل ما بخل به من الزكاة حية يطوقها في عنقه يوم القيامة، تنهشه من قرنه إلى قدمه وتنقر رأسه وتقول: أنا مالك. وعن النبي صلى اللَّه عليه وسلم في مانع الزكاة «يطوق بشجاع أقرع [[متفق عليه من حديث أبى هريرة رفعه «من آتاه اللَّه مالا فلم يؤد زكاته مثل ماله بشجاع أقرع له زبيبتان بطوقه يوم القيامة» .]] » وروى بشجاع أسود. وعن النخعي سيطوقون بطوق من نار وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أى وله ما فيها مما يتوارثه أهلها من مال وغيره فما لهم يبخلون عليه بملكه ولا ينفقونه في سبيله. ونحوه قوله: (وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ) وقرئ (بِما تَعْمَلُونَ بالتاء والياء فالتاء على طريقة الالتفات، وهي أبلغ في الوعيد والياء على الظاهر.

3:181–182Page 74

لَّقَدۡ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوۡلَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ فَقِيرٞ وَنَحۡنُ أَغۡنِيَآءُۘ سَنَكۡتُبُ مَا قَالُواْ وَقَتۡلَهُمُ ٱلۡأَنۢبِيَآءَ بِغَيۡرِ حَقّٖ وَنَقُولُ ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلۡحَرِيقِ ١٨١

Allāh has certainly heard the statement of those [Jews] who said, "Indeed, Allāh is poor, while we are rich." We will record what they said and their killing of the prophets without right and will say, "Taste the punishment of the Burning Fire.

ذَٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتۡ أَيۡدِيكُمۡ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيۡسَ بِظَلَّامٖ لِّلۡعَبِيدِ ١٨٢

That is for what your hands have put forth and because Allāh is not ever unjust to [His] servants."

قال ذلك اليهود حين سمعوا قول اللَّه تعالى من ذا الذي يقرض اللَّه قرضاً حسناً، فلا يخلو إمّا أن يقولوه عن اعتقاد لذلك، أو عن استهزاء بالقرآن، وأيهما كان فالكلمة عظيمة لا تصدر إلا عن متمردين في كفرهم. ومعنى سماع اللَّه له: أنه لم يخف عليه، وأنه أعدّ له كفاءه من العقاب سَنَكْتُبُ ما قالُوا في صحائف الحفظة. أو سنحفظه ونثبته في علمنا لا ننساه كما يثبت المكتوب فإن قلت: كيف قال: (لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ) ثم قال: (سَنَكْتُبُ) وهلا قيل: ولقد كتبنا؟ قلت: ذكر وجود السماع أوّلا مؤكداً بالقسم ثم قال: سنكتب على جهة الوعيد بمعنى لن يفوتنا أبداً إثباته وتدوينه كما لن يفوتنا قتلهم الأنبياء. وجعل قتلهم الأنبياء قرينة له إيذانا بأنهما في العظم أخوان، وبأن هذا ليس بأوّل ما ركبوه من العظائم، وأنهم أصلاء في الكفر ولهم فيه سوابق، وأن من قتل الأنبياء لم يستبعد منه الاجتراء على مثل هذا القول. وروى أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم كتب مع أبى بكر رضى اللَّه عنه إلى يهود بنى قينقاع يدعوهم إلى الإسلام وإلى إقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وأن يقرضوا اللَّه قرضاً حسناً [[أخرجه ابن أبى حاتم من طريق ابن إسحاق، حدثني محمد بن أبى محمد عن عكرمة عن ابن عباس.

فذكره مطولا]] ، فقال فنحاص اليهودي: إنّ اللَّه فقير حين سألنا القرض فلطمه أبو بكر في وجهه وقال: لولا الذي بيننا وبينكم من العهد لضربت عنقك فشكاه إلى رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم وجحد ما قاله، فنزلت. ونحوه قولهم (يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ) وَنَقُولُ لهم ذُوقُوا وننتقم منهم بأن نقول لهم يوم القيامة: ذوقوا عَذابَ الْحَرِيقِ كما أذقتم المسلمين الغصص. يقال للمنتقم منه: أحس، وذق. وقال أبو سفيان لحمزة [[ذكره ابن إسحاق في المغازي قال: وكان الجليس بن زياد الكناني سيد الأحابيش مر بأبى سفيان وهو يضرب في شدق حمزة بن عبد المطلب بزج الرمح ويقول «ذق عقق» ومن طريق ابن إسحاق أخرجه الدارقطني في المؤتلف.]] رضى اللَّه عنه: ذق عقق [[قوله: «لحمزة رضى اللَّه عنه: ذق عقق» في الصحاح: عاق وعقق، مثل عامر وعمر. وذق عقق: أى ذق جزاء فعلك يا عاق. (ع)]] وقرأ حمزة: سيكتب، بالياء على البناء للمفعول، ويقول بالياء. وقرأ الحسن والأعرج: سيكتب بالياء وتسمية الفاعل. وقرأ ابن مسعود: ويقال ذوقوا ذلِكَ إشارة إلى ما تقدّم من عقابهم وذكر الأيدى لأن أكثر الأعمال تزاول بهنّ، فجعل كل عمل كالواقع بالأيدى على سبيل التغليب فإن قلت: فلم عطف قوله وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ على ما قدّمت أيديكم، وكيف جعل كونه غير ظلام للعبيد شريكا لاجتراحهم السيئات في استحقاق التعذيب؟ قلت: معنى كونه غير ظلام للعبيد أنه عادل عليهم ومن العدل أن يعاقب المسيء منهم ويثيب المحسن.

3:183–184Page 74

ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ عَهِدَ إِلَيۡنَآ أَلَّا نُؤۡمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّىٰ يَأۡتِيَنَا بِقُرۡبَانٖ تَأۡكُلُهُ ٱلنَّارُۗ قُلۡ قَدۡ جَآءَكُمۡ رُسُلٞ مِّن قَبۡلِي بِٱلۡبَيِّنَٰتِ وَبِٱلَّذِي قُلۡتُمۡ فَلِمَ قَتَلۡتُمُوهُمۡ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ١٨٣

[They are] those who said, "Indeed, Allāh has taken our promise not to believe any messenger until he brings us an offering which fire [from heaven] will consume." Say, "There have already come to you messengers before me with clear proofs and [even] that of which you speak. So why did you kill them, if you should be truthful?"

فَإِن كَذَّبُوكَ فَقَدۡ كُذِّبَ رُسُلٞ مِّن قَبۡلِكَ جَآءُو بِٱلۡبَيِّنَٰتِ وَٱلزُّبُرِ وَٱلۡكِتَٰبِ ٱلۡمُنِيرِ ١٨٤

Then if they deny you, [O Muḥammad] - so were messengers denied before you, who brought clear proofs and written ordinances and the enlightening Scripture.1

عَهِدَ إِلَيْنا أمرنا في التوراة وأوصانا بأن لا نؤمن لرسول حتى يأتينا بهذه الآية الخاصة، وهو أن يرينا قربانا تنزل نار من السماء فتأكله، كما كان أنبياء بنى إسرائيل تلك آيتهم، كان يقرب بالقربان، فيقوم النبي فيدعو، فتنزل نار من السماء فتأكله، وهذه دعوى باطلة وافتراء على اللَّه، لأن أكل النار القربان لم يوجب الإيمان للرسول الآتي به إلا لكونه آية ومعجزة فهو إذن وسائر الآيات سواء فلا يجوز أن يعينه اللَّه تعالى من بين الآيات. وقد ألزمهم اللَّه أن أنبياءهم جاءوهم بالبينات الكثيرة التي أوجبت عليهم التصديق، وجاءوهم أيضا بهذه الآية التي اقترحوها فلم قتلوهم إن كانوا صادقين أن الإيمان يلزمهم بإتيانها وقرئ (بِقُرْبانٍ) بضمتين. ونظيره السلطان. فإن قلت:

ما معنى قوله وَبِالَّذِي قُلْتُمْ؟ قلت: معناه، وبمعنى الذي قلتموه من قولكم: قربان تأكله النار.

ومؤدّاه كقوله: (ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا) أى لمعنى ما قالوا. في مصاحف أهل الشام: وبالزبر وهي الصحف وَالْكِتابِ الْمُنِيرِ التوراة والإنجيل والزبور. وهذه تسلية لرسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم من تكذيب قومه وتكذيب اليهود.

3:185Page 74

كُلُّ نَفۡسٖ ذَآئِقَةُ ٱلۡمَوۡتِۗ وَإِنَّمَا تُوَفَّوۡنَ أُجُورَكُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۖ فَمَن زُحۡزِحَ عَنِ ٱلنَّارِ وَأُدۡخِلَ ٱلۡجَنَّةَ فَقَدۡ فَازَۗ وَمَا ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَآ إِلَّا مَتَٰعُ ٱلۡغُرُورِ ١٨٥

Every soul will taste death, and you will only be given your [full] compensation on the Day of Resurrection. So he who is drawn away from the Fire and admitted to Paradise has attained [his desire]. And what is the life of this world except the enjoyment of delusion.

وقرأ اليزيدي ذائِقَةُ الْمَوْتِ على الأصل. وقرأ الأعمش (ذائقة الموت) بطرح التنوين مع النصب كقوله:

وَلَا ذَاكِرَ اللَّهَ إلّا قَلِيلَا [[فذكرته ثم عاتبته ... عتاباً رقيقاً وقولا جميلا

فألقيته غير مستعتب ... ولا ذاكر اللَّه إلا قليلا

لأبى الأسود الدؤلي، كان يجلس إلى فناء امرأة جميلة بالبصرة فقالت له: هل لك أن أتزوج بك؟ فانى حميدة الخصال وكيت وكيت. فقال: نعم وتزوجها من أهلها، فوجدها بضد ما قالت، فعاتبها وخاطب أهلها بشعر منه ذلك، ثم طلقها أمامهم. وكنى بضمير المذكر عنها استحياء. أى فذكرتها بما قالت وعاتبتها على ما فعلت عتابا حسناً، فوجدتها غير قابلة منى عتاباً. ولفظ الجلالة نصب بذاكر، وحذف تنوينه مع أنه غير مضاف تشبيها بحذف نون التوكيد الخفيفة لملاقاة الساكن. أو بتنوين العلم الموصوف بابن مضافا إلى علم. وذاكر: عطف على مستعتب.

و «لا» زائدة لتوكيد النفي، ولم يضف ذاكر إلى اللَّه ليتمحض للتنكير كالذي قبله، وليكون أبلغ في النفي لأن الاضافة قد تفيد أن شأنه الذكر، فيتوهم أن النفي هو الشأنية لا أصل الذكر.]]

فإن قلت: كيف اتصل به قوله وَإِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ؟ قلت: اتصاله به على أن كلكم تموتون ولا بدّ لكم من الموت ولا توفون أجوركم على طاعاتكم ومعاصيكم عقيب موتكم، وإنما توفونها يوم قيامكم من القبور. فإن قلت فهذا يوهم نفى ما يروى أن القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار [[أخرجه الترمذي من حديث أبى سعيد وهو ضعيف. ورواه الطبراني في الأوسط في ترجمة مسعود بن محمد الرملي بإسناده إلى أبى هريرة وقال: لم يروه عن الأوزاعى إلا أيوب بن سويد. تفرد به ولده محمد عنه. قلت:

وهو ضعيف.]] . قلت: كلمة التوفية تزيل هذا الوهم لأن المعنى أن توفية الأجور وتكميلها [[قال محمود: «لأن المعنى أن توفية الأجور وتكميلها يكون ... الخ» قال أحمد: هذا كما ترى صريح في اعتقاده حصول بعضها قبل يوم القيامة، وهو المراد بما يكون في القبر من نعيم وعذاب. ولقد أحسن الزمخشري في مخالفة أصحابه في هذه العقيدة، فإنهم يجحدون عذاب القبر، وها هو قد اعترف به، واللَّه الموفق.]] يكون ذلك اليوم، وما يكون قبل ذلك فبعض الأجور. الزحزحة: التنحية والإبعاد تكرير الزح، وهو الجذب بعجلة فَقَدْ فازَ فقد حصل له الفوز المطلق المتناول لكل ما يفاز به ولا غاية للفوز وراء النجاة من سخط اللَّه والعذاب السرمد، ونيل رضوان اللَّه والنعيم المخلد. اللهم وفقنا لما ندرك به عندك الفوز في المآب. وعن النبي صلى اللَّه عليه وسلم: «من أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتدركه منيته وهو مؤمن باللَّه واليوم الآخر، ويأتى إلى الناس ما يحب أن يؤتى إليه [[أخرجه مسلم من حديث عبد اللَّه بن عمرو بن العاص في حديث طويل]] » وهذا شامل للمحافظة على حقوق اللَّه وحقوق العباد. شبه الدنيا بالمتاع الذي يدلس به على المستام ويغرّ حتى يشتريه ثم يتبين له فساده ورداءته. والشيطان هو المدلس الغرور. وعن سعيد بن جبير: إنما هذا لمن آثرها على الآخرة فأما من طلب الآخرة بها فإنها متاع بلاغ، خوطب المؤمنون بذلك ليوطنوا أنفسهم على احتمال ما سيلقون من الأذى والشدائد والصبر عليها، حتى إذا لقوها لقوها وهم مستعدون لا يرهقهم ما يرهق من يصيبه الشدة بغتة فينكرها وتشمئز منها نفسه.

3:186Page 74

۞ لَتُبۡلَوُنَّ فِيٓ أَمۡوَٰلِكُمۡ وَأَنفُسِكُمۡ وَلَتَسۡمَعُنَّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلِكُمۡ وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشۡرَكُوٓاْ أَذٗى كَثِيرٗاۚ وَإِن تَصۡبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَٰلِكَ مِنۡ عَزۡمِ ٱلۡأُمُورِ ١٨٦

You will surely be tested in your possessions and in yourselves. And you will surely hear from those who were given the Scripture before you and from those who associate others with Allāh much abuse. But if you are patient and fear Allāh - indeed, that is of the matters [worthy] of resolve.

والبلاء في الأنفس: القتل والأسر والجراح وما يرد عليها من أنواع المخاوف والمصائب.

وفي الأموال: الإنفاق في سبيل الخير وما يقع فيها من الآفات. وما يسمعون من أهل الكتاب [[قوله «وما يسمعون من أهل الكتاب» بقي ما يسمعون من الذين أشركوا. (ع)]] المطاعن في الدين الحنيف، وصدّ من أراد الإيمان، وتخطئة من آمن، وما كان من كعب بن الأشرف من هجائه لرسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم وتحريض المشركين، ومن فنحاص، ومن بنى قريظة والنضير فَإِنَّ ذلِكَ فإن الصبر والتقوى مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ من معزومات الأمور، أى مما يجب العزم عليه من الأمور أو مما عزم اللَّه أن يكون، يعنى أنّ ذلك عزمة من عزمات اللَّه لا بد لكم أن تصبروا وتتقوا.

3:187Page 75

وَإِذۡ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَٰقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ لَتُبَيِّنُنَّهُۥ لِلنَّاسِ وَلَا تَكۡتُمُونَهُۥ فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمۡ وَٱشۡتَرَوۡاْ بِهِۦ ثَمَنٗا قَلِيلٗاۖ فَبِئۡسَ مَا يَشۡتَرُونَ ١٨٧

And [mention, O Muḥammad], when Allāh took a covenant from those who were given the Scripture, [saying], "You must make it clear [i.e., explain it] to the people and not conceal it." But they threw it away behind their backs and exchanged it for a small price. And wretched is that which they purchased.

وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ واذكر وقت أخذ اللَّه ميثاق أهل الكتاب لَتُبَيِّنُنَّهُ الضمير للكتاب.

أكد عليهم إيجاب بيان الكتاب واجتناب كتمانه كما يؤكد على الرجل إذا عزم عليه وقيل له.

آللَّه لتفعلنّ فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ فنبذوا الميثاق وتأكيده عليهم، يعنى لم يراعوه ولم يلتفتوا إليه. والنبذ وراء الظهر مثل في الطرح وترك الاعتداد. ونقيضه جعله نصب عينيه وألقاه بين عينيه، وكفى به دليلا على أنه مأخوذ على العلماء أن يبينوا أحق للناس وما علموه وأن لا يكتموا منه شيئا لغرض فاسد من تسهيل على الظلمة، وتطيب لنفوسهم. واستجلاب لمسارّهم، أو لجرّ منفعة وحطام دنيا، أو لتقية: مما لا دليل عليه ولا أمارة أو لبخل بالعلم، وغبرة أن ينسب إليه غيرهم.

وعن النبي صلى اللَّه عليه وسلم «من كتم علما عن أهله ألحم بلجام من نار» [[أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجة من رواية على بن الحكم البناني عن عطاء عن أبى هريرة بلفظ «من سئل عن علم فكتمه ألجمه اللَّه بلجام من نار» أخرجه أبو داود من رواية حماد بن سلمة، والآخران من رواية عمارة بن زاذان كلاهما عن على، ورجال أبى داود ثقات. لكن له علة. رواه عبد الوارث عن على بن الحكم عن رجل عن عطاء. ويقال: إن هذا المبهم حجاج بن أرطاة، وفي رواية ابن ماجة التصريح بسماع على بن عطاء.

لكن عمارة ضعيف. ولحديث أبى هريرة طريق أخرى حسنها ابن القطان فذكره من رواية قاسم بن أصبغ عن أبى الأحوص وهو العكبري عن ابن السرى عن معتمر عن أبيه عن عطاء به، وابن أبى السرى له أرهام، وكأنه دخل عليه حديث في حديث. ورواه الطبراني في الأوسط من طريق جابر الجعفي عن الشعبي عن عطاء به، وجابر ضعيف، وله طرق كثيرة عن أبى هريرة أوردها ابن الجوزي في العلل المتناهية. وفي الباب عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص أخرجه ابن حبان في صحيحه، والحاكم من طريق ابن وهب عن عبد اللَّه بن عباس عن أبيه عن أبى عبد الرحمن الحبلى عنه، وعن ابن عباس أخرجه الطبراني والعقيلي وفيه معمر بن زائدة قال العقيلي: لا يتابع عليه. وله طريق أخرى قاله أبو يعلى: حدثنا زهير حدثنا يونس بن محمد حدثنا أبو عوانة عن عبد الأعلى عن سعيد بن جبير عن ابن عباس به. وأخرجه ابن الجوزي من طريقين آخرين وضعفهما. وعن أنس، رواه ابن ماجة من طريق يوسف بن ابراهيم سمعت أنساً به وأخرجه ابن الجوزي من طريقين آخرين وضعفهما أيضاً. وعن ابن مسعود وطلق بن على كلاهما في الطبراني. وعن جابر وعائشة كلاهما عند العقيلي. وعن ابن عمر عند ابن عدى. وعن أبى سعيد الخدري عن أبى يعلى وأسانيدها كلها ضعيفة. وعن عمرو بن عبسة أخرجه ابن الجوزي بلفظ «فقد بريء من الإسلام» وإسناده ضعيف أيضا. قال الامام أحمد: لا يصح في هذا الباب شيء (تنبيه) ليس في شيء من طرقه «عن أهله»]] وعن طاوس أنه قال لوهب: إنى أرى اللَّه سوف يعذبك بهذه الكتب. وقال: واللَّه لو كنت نبيا فكتمت العلم كما تكتمه لرأيت أنّ اللَّه سيعذبك، وعن محمد بن كعب: لا يحل لأحد من العلماء أن يسكت على علمه [[قوله «على علمه» لعل بعده سقطا تقديره «حتى يعلم» . (ع)]] ولا يحل لجاهل أن يسكت على جهله حتى يسأل. وعن على رضى اللَّه عنه. ما أخذ اللَّه على أهل الجهل أن يتعلموا حتى أخذ على أهل العلم أن يعلموا [[رواه الحرث بن أبى أسامة أخبرنا عبد الوهاب الخفافى حدثنا الحسن بن عمارة حدثني الحكم بن عيينة عن يحيى بن الجزار: سمعت عليا يقول فذكره والحسن متروك، ومن طريق الحرث رواه الثعلبي ورويناه في جزء الذراع قال: كتب الحارث بن أسامة فذكره، وذكره ابن عبد البر في العلم. قال: ويروى عن على. وذكره صاحب الفردوس عن على. فكأنه وقف عليه مرفوعا.]] . وقرئ: ليبيننه. ولا يكتمونه، بالياء، لأنهم غيب. وبالتاء، على حكاية مخاطبتهم، كقوله: (وَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ فِي الْكِتابِ لَتُفْسِدُنَّ)

3:188Page 75

لَا تَحۡسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَفۡرَحُونَ بِمَآ أَتَواْ وَّيُحِبُّونَ أَن يُحۡمَدُواْ بِمَا لَمۡ يَفۡعَلُواْ فَلَا تَحۡسَبَنَّهُم بِمَفَازَةٖ مِّنَ ٱلۡعَذَابِۖ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ١٨٨

And never think that those who rejoice in what they have perpetrated and like to be praised for what they did not do - never think them [to be] in safety from the punishment, and for them is a painful punishment.

لا تَحْسَبَنَّ خطاب لرسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم. وأحد المفعولين الَّذِينَ يَفْرَحُونَ والثاني (بِمَفازَةٍ) وقوله فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ تأكيد تقديره: لا تحسبنهم، فلا تحسبنهم فائزين. وقرئ:

لا تحسبن. فلا تحسبنهم، بضم الباء على خطاب المؤمنين. ولا يحسبن. فلا يحسبنهم، بالياء وفتح الباء فيهما، على أنّ الفعل للرسول. وقرأ أبو عمرو بالياء وفتح الباء في الأوّل وضمها في الثاني، على أن الفعل للذين يفرحون، والمفعول الأوّل محذوف على: لا يحسبنهم الذين يفرحون بمفازة، بمعنى: لا يحسبن أنفسهم الذين يفرحون فائزين، وفلا يحسبنهم، تأكيد. ومعنى بِما أُوتُوا بما فعلوا. وأتى وجاء، يستعملان بمعنى فعل. قال اللَّه تعالى: (إِنَّهُ كانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا) ، (لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا) . ويدل عليه قراءة أبىّ: يفرحون بما فعلوا. وقرئ: آتوا، بمعنى أعطوا. وعن على رضى اللَّه عنه: بما أوتوا. ومعنى بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ بمنجاة منه. روى أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم سأل اليهود عن شيء مما في التوراة فكتموا الحق وأخبروه بخلافه [[متفق عليه من رواية حميد بن عبد الرحمن أن مروان قال لبوابه: يا رافع اذهب إلى ابن عباس فقل له لئن كان امرؤ منا فرح بما أوتى وحمد بما لم يفعل عذب لنعذبن جميعاً. فقال ابن عباس رضى اللَّه عنهما: إنما نزلت هذه الآية في أهل الكتاب، أتاه اليهود فسألهم النبي صلى اللَّه عليه وسلم عن شيء فكتموه ... الحديث» .]] ، وأروه أنهم قد صدقوه، واستحمدوا إليه، وفرحوا بما فعلوا، فأطلع اللَّه رسوله على ذلك وسلاه بما أنزل من وعيدهم: أى: لا تحسبن اليهود الذين يفرحون بما فعلوا- من تدليسهم عليك ويحبون أن تحمدهم بما لم يفعلوا من إخبارك بالصدق عما سألتهم عنه- ناجين من العذاب. ومعنى (يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا) بما أوتوه من علم التوراة. وقيل يفرحون بما فعلوا من كتمان نعت رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم، ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا من اتباع دين إبراهيم حيث ادعوا أن إبراهيم كان على اليهودية وأنهم على دينه. وقيل: هم قوم تخلفوا عن الغزو مع رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم، فلما قفل اعتذروا إليه بأنهم رأوا المصلحة في التخلف، واستحمدوا إليه بترك الخروج. وقيل: هم المنافقون يفرحون بما أتوا من إظهار الإيمان للمسلمين ومنافقتهم وتوصلهم بذلك إلى أغراضهم، ويستحمدون إليهم بالإيمان الذي لم يفعلوه على الحقيقة لإبطانهم الكفر. ويجوز أن يكون شاملا لكل من يأتى بحسنة فيفرح بها فرح إعجاب، ويحب أن يحمده الناس ويثنوا عليه بالديانة والزهد وبما ليس فيه.

3:189–191Page 75

وَلِلَّهِ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ ١٨٩

And to Allāh belongs the dominion of the heavens and the earth, and Allāh is over all things competent.

إِنَّ فِي خَلۡقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱخۡتِلَٰفِ ٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ لَأٓيَٰتٖ لِّأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ ١٩٠

Indeed, in the creation of the heavens and the earth and the alternation of the night and the day are signs for those of understanding -

ٱلَّذِينَ يَذۡكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَٰمٗا وَقُعُودٗا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمۡ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلۡقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ رَبَّنَا مَا خَلَقۡتَ هَٰذَا بَٰطِلٗا سُبۡحَٰنَكَ فَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ ١٩١

Who remember Allāh while standing or sitting or [lying] on their sides and give thought to the creation of the heavens and the earth, [saying], "Our Lord, You did not create this aimlessly; exalted are You [above such a thing]; then protect us from the punishment of the Fire.

وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فهو يملك أمرهم. وهو على كل شيء قدير، فهو يقدر على عقابهم لَآياتٍ لأدلة واضحة على الصانع وعظيم قدرته وباهر حكمته لِأُولِي الْأَلْبابِ للذين يفتحون بصائرهم للنظر والاستدلال والاعتبار، ولا ينظرون إليها نظر البهائم غافلين عما فيها من عجائب الفطر. وفي النصائح الصغار: املأ عينيك من زينة هذه الكواكب، وأجلهما في جملة هذه العجائب، متفكرا في قدرة مقدّرها، متدبرا حكمة مدبرها، قبل أن يسافر بك القدر، ويحال بينك وبين النظر: وعن ابن عمر رضى اللَّه عنهما: قلت لعائشة رضى اللَّه عنها: أخبرينى بأعجب ما رأيت من رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم، [[أخرجه ابن حبان من رواية عبد الملك بن أبى سليمان عن عطاء: دخلت أنا وابن عمر وعبيد بن عمير على عائشة، فقالت: قد آن لك أن تزورنا، فقال: أقول كما قال الأول: زر غباً تزدد حباً، فقالت: دعونا من بطالتكم هذه. ثم قال ابن عمر لعائشة: أخبرينا بأعجب شيء رأيته من رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم ... الحديث بطوله ورواه عبد بن حميد، والثعلبي وغيرهم من رواية أبى جناب الكلبي عن عطاء قال: دخلت أنا وابن عمر على عائشة فقال لها ابن عمر أخبرينى ... فذكّره.]] فبكت وأطالت، ثم قالت: كل أمره عجب، أتانى في ليلتي فدخل في لحافي حتى ألصق جلده بجلدي، ثم قال: يا عائشة، هل لك أن تأذنى لي الليلة في عبادة ربى؟ فقلت: يا رسول اللَّه، إنى لأحب قربك وأحب هواك، قد أذنت لك. فقام إلى قربة من ماء في البيت فتوضأ ولم يكثر من صب الماء، ثم قام يصلى، فقرأ من القرآن فجعل يبكى حتى بلغ الدموع حقويه، ثم جلس فحمد اللَّه وأثنى عليه وجعل يبكى، ثم رفع يديه فجعل يبكى حتى رأيت دموعه قد بلت الأرض، فأتاه بلال يؤذنه بصلاة الغداة فرآه يبكى فقال له: يا رسول اللَّه، أتبكي وقد غفر اللَّه لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخر؟ فقال: يا بلال أفلا أكون عبداً شكورا. ثم قال: ومالى لا أبكى وقد أنزل اللَّه علىّ في هذه الليلة (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) ثم قال: ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها. وروى: «ويل لمن لاكها بين فكيه ولم يتأمّلها» [[رواه ابن مردويه في تفسير سورة الروم من رواية أبى جناب عن عطاء عن عائشة قالت «لما نزلت هذه الآية (وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوانِكُمْ) قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم: ويح لمن لاكها بين لحييه ثم لم يتفكر فيها»]] وعن على رضى اللَّه عنه: أنّ النبىّ صلى اللَّه عليه وسلم كان إذا قام من الليل يتسوّك ثم ينظر إلى السماء ثم يقول (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) [[رواه الثعلبي من طريق حماد عن حجاج عن حبيب بن أبى ثابت عن محمد بن على بن أبى طالب عن على وأصله في المتفق عليه من حديث ابن عباس.]] . وحكى أنّ الرجل من بنى إسرائيل كان إذا عبد اللَّه ثلاثين سنة أظلته سحابة، فعبدها فتى من فتيانهم فلم تظله، فقالت له أمّه: لعلّ فرطة فرطت منك في مدّتك؟ فقال: ما أذكر. قالت: لعلك نظرت مرّة إلى السماء ولم تعتبر؟ قال: لعلّ. قالت:

فما أُتيت إلا من ذاك الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ ذكراً دائباً على أى حال كانوا، من قيام وقعود واضطجاع لا يخلون بالذكر في أغلب أحوالهم. وعن ابن عمر وعروة بن الزبير وجماعة أنهم خرجوا يوم العيد إلى المصلى فجعلوا يذكرون اللَّه، فقال بعضهم: أما قال اللَّه تعالى: (يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً) فقاموا يذكرون اللَّه على أقدامهم. وعن النبي صلى اللَّه عليه وسلم «من أحبّ أن يرتع في رياض الجنة فليكثر ذكر اللَّه [[أخرجه ابن أبى شيبة وإسحاق والطبراني من حديث معاذ وفي إسناده موسى بن عبيدة وهو ضعيف. وأخرجه الثعلبي في تفسير العنكبوت، وابن مردويه في تفسير الواقعة.]] » وقيل: معناه يصلون في هذه الأحوال على حسب استطاعتهم. قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم لعمران بن الحصين «صل قائما فإن لم تستطع فقاعداً فإن لم تستطع فعلى جنب، تومئ إيماء [[أخرجه البخاري وأصحاب السنن، من حديث عمران بن حصين. قال «كانت في بواسير- فذكر الحديث» وليس في آخره يومئ إيماء» وأورده صاحب الهداية- كما أورده الزمخشري.]] » وهذه حجة للشافعي رحمه اللَّه في إضجاع المريض على جنبه كما في اللحد. وعند أبى حنيفة رحمه اللَّه أنه يستلقى حتى إذا وجد خفة قعد.

ومحل عَلى جُنُوبِهِمْ نصب على الحال عطفاً على ما قبله، كأنه قيل: قياما وقعوداً ومضطجعين وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وما يدل عليه اختراع هذه الأجرام العظام وإبداع صنعتها وما دبر فيها بما تكل الأفهام عن إدراك بعض عجائبه على عظم [[قوله «على عظم» لعله من عظم ... الخ، فيكون بيانا لما يدل عليه. (ع)]] شأن الصانع وكبرياء سلطانه. وعن سفيان الثوري أنه صلى خلف المقام ركعتين ثم رفع رأسه إلى السماء، فلما رأى الكواكب غشى عليه، وكان يبول الدم من طول حزنه وفكرته. وعن النبىّ صلى اللَّه عليه وسلم «بينما رجل مستلق على فراشه إذ رفع رأسه فنظر إلى النجوم وإلى السماء فقال: أشهد أنّ لك رباً وخالقاً، اللهمّ اغفر لي، فنظر اللَّه إليه فغفر له» [[أخرجه الثعلبي من رواية زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبى هريرة وفي إسناده من لا يعرف.]] وقال النبي صلى اللَّه عليه وسلم «لا عبادة كالتفكر [[أخرجه ابن حبان في الضعفاء، والبيهقي في الشعب من رواية أبى رجاء محمد بن عبد اللَّه الخرطى من أهل شر عن شعبة عن أبى إسحاق عن عاصم بن ضمرة عن على رضى اللَّه عنه أنه قال لابنه الحسن «يا بنى، سمعت رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم يقول: لا مال أعوز من العقل، ولا فقر أشد من الجهل، ولا عقل كالتدبير، ولا ورع كحسن الخلق، ولا عبادة كالتفكر ... الحديث بطوله» وأبو رجاء، قال البيهقي: ليس بالقوى، وقال ابن حبان يروى عن الثقات ما ليس من حديث الأثبات.]] » وقيل: الفكرة تذهب الغفلة وتحدث للقلب الخشية كما يحدث الماء للزرع النبات، وما جليت القلوب بمثل الأحزان ولا استنارت بمثل الفكرة. وروى عن النبي صلى اللَّه عليه وسلم «لا تفضلوني على يونس بن متى فإنه كان يرفع له في كل يوم مثل عمل أهل الأرض» [[لم أجده.]] قالوا:

وإنما كان ذلك التفكر في أمر اللَّه الذي هو عمل القلب، لأن أحداً لا يقدر أن يعمل بجوارحه في اليوم مثل عمل أهل الأرض ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا على إرادة القول. أى يقولون ذلك وهو في محل الحال، بمعنى يتفكرون قائلين. والمعنى: ما خلقته خلقاً باطلا بغير حكمة، بل خلقته لداعي حكمة عظيمة، وهو أن تجعلها مساكن للمكلفين وأدلة لهم على معرفتك ووجوب طاعتك واجتناب معصيتك ولذلك وصل به قوله فَقِنا عَذابَ النَّارِ لأنه جزاء من عصى ولم يطع. فإن قلت:

هذا إشارة إلى ماذا؟ قلت: إلى الخلق على أن المراد به المخلوق، كأنه قيل: ويتفكرون في مخلوق السموات والأرض، أى فيما خلق منها. ويجوز أن يكون إشارة إلى السموات والأرض لأنها في معنى المخلوق. كأنه قيل: ما خلقت هذا المخلوق العجيب باطلا. وفي هذا ضرب من التعظيم كقوله: (إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ) ويجوز أن يكون باطلا حالا من هذا. وسبحانك:

اعتراض للتنزيه من العبث، وأن يخلق شيئاً بغير حكمة.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском