Az-ZamakhshariAli 'Imran · 3:33–44

Az-Zamakhshari · Tafsir · in Arabic

Ali 'Imran 3:33–44

3:33–37Page 54

۞ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصۡطَفَىٰٓ ءَادَمَ وَنُوحٗا وَءَالَ إِبۡرَٰهِيمَ وَءَالَ عِمۡرَٰنَ عَلَى ٱلۡعَٰلَمِينَ ٣٣

Indeed, Allāh chose Adam and Noah and the family of Abraham and the family of ʿImrān over the worlds -

ذُرِّيَّةَۢ بَعۡضُهَا مِنۢ بَعۡضٖۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ٣٤

Descendants, some of them from others. And Allāh is Hearing and Knowing.

إِذۡ قَالَتِ ٱمۡرَأَتُ عِمۡرَٰنَ رَبِّ إِنِّي نَذَرۡتُ لَكَ مَا فِي بَطۡنِي مُحَرَّرٗا فَتَقَبَّلۡ مِنِّيٓۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ ٣٥

[Mention, O Muḥammad], when the wife of ʿImrān said, "My Lord, indeed I have pledged to You what is in my womb, consecrated [for Your service], so accept this from me. Indeed, You are the Hearing, the Knowing."

فَلَمَّا وَضَعَتۡهَا قَالَتۡ رَبِّ إِنِّي وَضَعۡتُهَآ أُنثَىٰ وَٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِمَا وَضَعَتۡ وَلَيۡسَ ٱلذَّكَرُ كَٱلۡأُنثَىٰۖ وَإِنِّي سَمَّيۡتُهَا مَرۡيَمَ وَإِنِّيٓ أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ ٱلشَّيۡطَٰنِ ٱلرَّجِيمِ ٣٦

But when she delivered her, she said, "My Lord, I have delivered a female." And Allāh was most knowing of what she delivered, and the male is not like the female. "And I have named her Mary, and I seek refuge for her in You and [for] her descendants from Satan, the expelled [from the mercy of Allāh]."

فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٖ وَأَنۢبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنٗا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّاۖ كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيۡهَا زَكَرِيَّا ٱلۡمِحۡرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزۡقٗاۖ قَالَ يَٰمَرۡيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَٰذَاۖ قَالَتۡ هُوَ مِنۡ عِندِ ٱللَّهِۖ إِنَّ ٱللَّهَ يَرۡزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيۡرِ حِسَابٍ ٣٧

So her Lord accepted her with good acceptance and caused her to grow in a good manner and put her in the care of Zechariah. Every time Zechariah entered upon her in the prayer chamber, he found with her provision. He said, "O Mary, from where is this [coming] to you?" She said, "It is from Allāh. Indeed, Allāh provides for whom He wills without account."

آلَ إِبْراهِيمَ إسماعيل وإسحاق وأولادهما. وآلَ عِمْرانَ موسى وهرون [[قال محمود رحمه اللَّه «آل عمران موسى وهرون ... الخ» قال أحمد رحمه اللَّه: ومما يرجح هذا القول الثاني أن السورة تسمي آل عمران ولم تشرح قصة عيسى ومريم في سورة أبسط من شرحها في هذه السورة. وأما موسى وهارون فلم يذكر قصتهما في هذه السورة، فدل ذلك على أن عمران المذكور هاهنا هو أبو مريم واللَّه أعلم.]] ابنا عمران ابن يصهر. وقيل عيسى ومريم بنت عمران بن ماثان، وبين العمرانين ألف وثمانمائة سنة.

وذُرِّيَّةً بدل من آل إبراهيم وآل عمران بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ يعنى أنّ الآلين ذرّية واحدة متسلسلة بعضها متشعب من بعض: موسى وهرون من عمران، وعمران من يصهر، ويصهر من فاهث، وفاهث من لاوى، ولاوى من يعقوب، ويعقوب من إسحاق. وكذلك عيسى ابن مريم بنت عمران بن ماثان بن سليمان بن داود [[قوله «ابن ماثان بن سليمان بن داود» قوله: ابن سليمان، أى من نسله. وقوله: ابن يهوذا، أى من نسله، كما صرح به الفخر الرازي. وذكر أبو السعود بين ماثان وسليمان نحو خمسة عشر جداً، وبين إيشا ويهوذا تسعة جدود. (ع)]] بن ايشا بن يهوذا بن يعقوب بن إسحاق. وقد دخل في آل إبراهيم رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم. وقيل بعضها من بعض في الدين، كقوله تعالى (الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ) . وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ يعلم من يصلح للاصطفاء، أو يعلم أنّ بعضهم من بعض في الدين. أو سميع عليم لقول امرأة عمران ونيتها. وإِذْ منصوب به.

وقيل: بإضمار اذكر. وامرأة عمران هي امرأة عمران بن ماثان، أمّ مريم البتول، جدّة عيسى عليه السلام، وهي حنة بنت فاقوذ. وقوله إِذْ قالَتِ امْرَأَتُ عِمْرانَ على أثر قوله: (وَآلَ عِمْرانَ) مما يرجح أنّ عمران هو عمران بن ماثان جدّ عيسى، والقول الآخر يرجحه أن موسى يقرن بإبراهيم كثيراً في الذكر. فإن قلت: كانت لعمران بن يصهر بنت اسمها مريم أكبر من موسى وهرون، ولعمران بن ماثان مريم البتول، فما أدراك أن عمران هذا هو أبو مريم البتول دون عمران أبى مريم التي هي أخت موسى وهرون؟ قلت: كفى بكفالة زكريا دليلا على أنه عمران أبو البتول، لأن زكريا بن آذن وعمران بن ماثان كانا في عصر واحد، وقد تزوّج زكريا بنته إيشاع أخت مريم فكان يحيى وعيسى ابني خالة. روى أنها كانت عاقراً لم تلد إلى أن عجزت، فبينا هي في ظل شجرة بصرت بطائر يطعم فرخاً له فتحرّكت نفسها للولد وتمنته، فقالت: اللهم إن لك علىّ نذراً شكراً إن رزقتني ولداً أن أتصدق به على بيت المقدس فيكون من سدنته وخدمه، فحملت بمريم وهلك عمران وهي حامل مُحَرَّراً معتقاً لخدمة بيت المقدس لا يدَ لي عليه ولا أستخدمه ولا أشغله بشيء، وكان هذا النوع من النذر مشروعا عندهم. وروى أنهم كانوا ينذرون هذا النذر، فإذا بلغ الغلام خير بين أن يفعل وبين أن لا يفعل. وعن الشعبي (مُحَرَّراً) مخلصاً للعبادة، وما كان التحرير إلا للغلمان، وإنما بنت الأمر على التقدير، أو طلبت أن ترزق ذكراً فَلَمَّا وَضَعَتْها الضمير لما في بطني [[قال محمود: «الضمير عائد إلى ما في بطني ... الخ» قال أحمد: الضمير في قوله «وضعتها» يتناول إذا ما نسب إليها الوضع والأنوثة، فالحال واقعة عليها من حيث الجهة العامة وتلك الجهة كونها شيئا وضع لا لخصوص نسبة الأنوثة إليها. وقد مر هذا البحث بعينه عند قوله تعالى: (فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ) .]] ، وإنما أنث على المعنى لأن ما في بطنها كان أنثى في علم اللَّه، أو على تأويل الحبلة أو النفس أو النسمة. فإن قلت: كيف جاز انتصاب أُنْثى حالا من الضمير في وضعتها وهو كقولك وضعت الأنثى أنثى؟ قلت: الأصل: وضعته أنثى، وإنما أنث لتأنيث الحال لأن الحال وذا الحال لشيء واحد، كما أنث الاسم في ما كانت أمّك لتأنيث الخبر. ونظيره قوله تعالى: (فَإِنْ كانَتَا اثْنَتَيْنِ) وأمّا على تأويل الحبلة أو النسمة فهو ظاهر، كأنه قيل: إنى وضعت الحبلة أو النسمة أنثى. فإن قلت: فلم قالت: إنى وضعتها أنثى وما أرادت إلى هذا القول؟ قلت: قالته تحسراً [[(عاد كلامه) قال: «وإنما أرادت بقولها: وضعتها أنثى التحسر والتأسف ... الخ» قال أحمد: هذا التأويل على أنه من كلام اللَّه تعالى لا حكاية عنها. وقد ذكر أهل التفسير تأويلا آخر، وهو أن يكون هذا القول قولها حكاه اللَّه تعالى عنها، أعنى قوله: (وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى) ويرشد إليه عطف كلامها عليه وهو قوله: (وَإِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ ... ) الخ ويوردون على هذا الوجه أن قياس كونه من قولها أن يكون: وليست الأنثى كالذكر، فان مقصودها تنقيص الأنثى بالنسبة إلى الذكر، والعادة في مثله أن ينفى عن الناقص شبهه بالكامل لا العكس، وقد وجد الأمر في ذلك مختلفاً فلم يثبت لي عين ما قالوه. ألا ترى إلى قوله تعالى: (لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ) فنفى عن الكامل شبه الناقص، مع أن الكمال لأزواج النبي عليه الصلاة والسلام ثابت بالنسبة إلى عموم النساء. وعلى ذلك جاءت عبارة امرأة عمران واللَّه أعلم. ومنه أيضا (أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ) .]] على ما رأت من خيبة رجائها وعكس تقديرها، فتحزنت إلى ربها لأنها كانت ترجو وتقدر أن تلد ذكراً، ولذلك نذرته محرّراً للسدانة. ولتكلمها بذلك على وجه التحسر والتحزن قال اللَّه تعالى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ تعظيما لموضوعها وتجهيلا لها بقدر ما وهب لها منه. ومعناه: واللَّه أعلم بالشيء الذي وضعت وما علق به من عظائم الأمور، وأن يجعله وولده آية للعالمين وهي جاهلة بذلك لا تعلم منه شيئا، فلذلك تحسرت. وفي قراءة ابن عباس: (وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ) على خطاب اللَّه تعالى لها أى أنك لا تعلمين قدر هذا الموهوب وما علم اللَّه من عظم شأنه وعلوّ قدره. وقرئ:

وضعت. بمعنى: ولعلّ للَّه تعالى فيه سراً وحكمة، ولعلّ هذه الأنثى خير من الذكر تسلية لنفسها.

فإن قلت: فما معنى قوله وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى؟ قلت: هو بيان لما في قوله: (وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ) من التعظيم للموضوع والرفع منه، ومعناه: وليس الذكر الذي طلبت كالأنثى التي وهبت لها، واللام فيهما للعهد. فإن قلت: علام عطف قوله وَإِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ؟ قلت: هو عطف على إنى وضعتها أنثى، وما بينهما جملتان معترضتان، كقوله تعالى: وإنه لقسم لو تعلمون عظيم. فإن قلت: فلم ذكرت تسميتها مريم لربها؟ قلت: لأن مريم في لغتهم بمعنى العابدة [[(عاد كلامه) قال: «وفائدة قولها (وَإِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ) أن مريم في لغتهم العابدة ... الخ» قال أحمد:

أما الحديث فمذكور في الصحاح متفق على صحته، فلا محيص له إذاً عن تعطيل كلامه عليه السلام بتحميله ما لا يحتمله جنوحا إلى اعتزال منتزع في فلسفة منتزع في إلحاد ظلمات بعضها فوق بعض. وقد قدمت عند قوله تعالى: (لا يَقُومُونَ إِلَّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ) ما فيه كفاية، وما أرى الشيطان إلا طعن في خواصر القدرية حتى بقرها، ووكر في قلوبهم حتى حمل الزمخشري وأمثاله أن يقول في كتاب اللَّه تعالى وكلام رسوله عليه السلام بما يتخيل، كما قال في هذا الحديث، ثم نظره بتخييل ابن الرومي في شعره، جراءة وسوء أدب. ولو كان معنى ما قاله صحيحاً لكانت هذه العبارة واجبا أن تجتنب، ولو كان الصراخ غير واقع من المولود لأمكن على بعد أن يكون تمثيلا. وما هو واقع مشاهد فلا وجه لحمله على التخييل إلا الاعتقاد الضئيل وارتكاب الهوى الوبيل.]] ، فأرادت بذلك التقرب والطلب إليه أن يعصمها حتى يكون فعلها مطابقاً لاسمها، وأن يصدق فيها ظنها بها. ألا ترى كيف أتبعته طلب الإعاذة لها ولولدها من الشيطان وإغوائه. وما يروى من الحديث «ما من مولود يولد إلا والشيطان يمسه حين يولد فيستهلّ صارخاً من مس الشيطان إياه، إلا مريم وابنها» [[قال المصنف: اللَّه أعلم بصحته هكذا قال. والحديث في الصحيحين من حديث أبى هريرة في آخره: قال أبو هريرة: اقرءوا إن شئتم: (وَإِنِّي أُعِيذُها بِكَ وَذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ) .]] فاللَّه أعلم بصحته. فإن صح فمعناه أن كل مولود يطمع الشيطان في إغوائه إلا مريم وابنها، فإنهما كانا معصومين، وكذلك كل من كان في صفتهما كقوله تعالى: (لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ) واستهلاله صارخاً من مسه تخييل وتصوير لطمعه فيه، كأنه يمسه ويضرب بيده عليه ويقول: هذا ممن أغويه، ونحوه من التخييل قول ابن الرومي:

لِمَا تُؤْذِنُ الدُّنْيَا بِهِ مِنْ صُرُوفِهَا ... يَكُونُ بُكَاءُ الطِّفْلِ سَاعَةَ يُولَدُ [[لما تؤذن الدنيا به من صروفها ... يكون بكاء الطفل ساعة يولد

وإلا فما يبكيه منها وإنها ... لأفسح مما كان فيه وأرغد

إذا أبصر الدنيا استهل كأنه ... بما سوف يلقى من أذاها يهدد

لابن الرومي، يقول: إن بكاء الطفل حين ولادته لأجل ما تشعر به الدنيا من حوادثها فقط، وإن لا يكن بكاؤه لذلك، فأى شيء منها يبكيه، أو فأى شيء يبكيه منها، وإنها أى الدنيا. وروى: وإنه، أى الطفل لأفسح موضعا مما كان فيه من ضيق الرحم وأرغد منه. وعوده على ما يبكيه بعيد، أو غير سديد. ويجوز أنه عائد على فضاء الدنيا المعلوم من المقام، ثم قال: إذا أبصرها صرخ، كأنه يخوف بما سوف يناله من أذاها قبل حصوله.]]

وأما حقيقة المس والنخس كما يتوهم أهل الحشو فكلا، ولو سلط إبليس على الناس ينخسهم لامتلأت الدنيا صراخا وعياطا مما يبلونا به من نخسه فَتَقَبَّلَها رَبُّها فرضي بها في النذر مكان الذكر بِقَبُولٍ حَسَنٍ فيه وجهان: أحدهما أن يكون القبول اسم ما تقبل به الشيء كالسعوط واللدود، لما يسعط به ويلد، وهو اختصاصه لها بإقامتها مقام الذكر في النذر، ولم يقبل قبلها أنثى في ذلك، أو بأن تسلمها من أمّها عقيب الولادة قبل أن تنشأ وتصلح للسدانة. وروى أن حنة حين ولدت مريم، لفتها في خرقة وحملتها إلى المسجد، ووضعتها عند الأحبار أبناء هرون، وهم في بيت المقدس كالحجبة في الكعبة، فقالت لهم: دونكم هذه النذيرة فتنافسوا فيها لأنها كانت بنت إمامهم وصاحب قربانهم، وكانت بنو ماثان رءوس بنى إسرائيل وأحبارهم وملوكهم، فقال لهم زكريا: أنا أحق بها، عندي خالتها [[قوله «أنا أحق بها عندي خالتها» قوله خالتها: يعنى زوجته ايشاع أخت حنة لكن تقدم أنها أخت مريم وقال صلى اللَّه عليه وسلم في يحيى وعيسى هما ابنا خالة وفي أبى السعود قيل في تأويل ذلك أن الأخت كثيراً ما تطلق على بنت الأخت فجرى الحديث على ذلك وقيل إن ايشاع أخت حنة من الأم وأخت مريم من الأب بأن نكح عمران أم حنة فولدت إيشاع ثم نكح حنة ربيبته فولدت مريم بناء على حل نكاح الربائب عندهم. (ع)]] . فقالوا: لا حتى نقترع عليها، فانطلقوا- وكانوا سبعة وعشرين- إلى نهر، فألقوا فيه أقلامهم، فارتفع قلم زكريا فوق الماء ورسبت أقلامهم، فتكفلها. والثاني: أن يكون مصدراً على تقدير حذف المضاف بمعنى: فتقبلها بذي قبول حسن، أى بأمر ذى قبول حسن وهو الاختصاص. ويجوز أن يكون معنى (فتقبلها) فاستقبلها، كقولك:

تعجله بمعنى استعجله، وتقصاه بمعنى استقصاه، وهو كثير في كلامهم، من استقبل الأمر إذا أخذه بأوّله وعنفوانه. قال القطامي:

وَخَيْرُ الأَمْرِ مَا اسْتَقْبَلْتَ مِنْهُ ... وَلَيْسَ بِأَنْ تَتَبَّعَهُ اتِّبَاعَا [[يقول: خير الأمور هو الذي تستقبله وتنتظره فتأخذه أول إتيانه، وليس خبرها ما تصبر عنه حتى يفوتك ويمضى ثم تتبعه وتذهب وراءه لتدركه، فالباء زائدة في خبر ليس، وهو على تقدير مضاف، أى ذى التتبع.

وتتبعه: أصله تتبعه حذفت منه تاء المضارعة أو تاء التفعل أو التاء التي هي فاء الفعل وهو أولاها، لأن كل من الأوليين جاء لمعنى. وقال الجوهري: وضع الاتباع موضع التتبع اه، فهو اسم مصدر، أو مصدر حذف منه بعض الزوائد، والتفعل أبلغ من الافتعال، فيتعين إرادته هنا لأنه مؤكد.]]

ومنه المثل «خذ الأمر بقوابله» أى فأخذها في أوّل أمرها حين ولدت بقبول حسن وَأَنْبَتَها نَباتاً حَسَناً مجاز عن التربية الحسنة العائدة عليها بما يصلحها في جميع أحوالها. وقرئ: وكفلها زكرياء، بوزن وعملها وَكَفَّلَها زَكَرِيَّا بتشديد الفاء ونصب زكرياء، [[قوله «ونصب زكريا الفعل للَّه تعالى» لعله والفعل. (ع)]] الفعل للَّه تعالى بمعنى:

وضمها إليه وجعله كافلا لها وضامناً لمصالحها. ويؤيدها قراءة أبىّ: وأكفلها، من قوله تعالى (فَقالَ أَكْفِلْنِيها) وقرأ مجاهد: فتقبلها ربها، وأنبتها، وكفلها، على لفظ الأمر في الأفعال الثلاثة، ونصب ربها، تدعو بذلك، أى فاقبلها يا ربها وربها، واجعل زكريا كافلا لها. قيل بنى لها زكريا محرابا في المسجد، أى غرفة يصعد إليها بسلم. وقيل المحراب أشرف المجالس ومقدّمها، كأنها وضعت في أشرف موضع من بيت المقدس. وقيل: كانت مساجدهم تسمى المحاريب. وروى أنه كان لا يدخل عليها إلا هو وحده، وكان إذا خرج غلق عليها سبعة أبواب وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً كان رزقها ينزل عليها من الجنة ولم ترضع ثديا قط، فكان يجد عندها فاكهة الشتاء في الصيف وفاكهة الصيف في الشتاء أَنَّى لَكِ هذا من أين لك هذا الرزق الذي لا يشبه أرزاق الدنيا وهو آت في غير حينه والأبواب مغلقة عليك لا سبيل للداخل به إليك؟ قالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فلا تستبعد. قيل تكلمت وهي صغيرة كما تكلم عيسى وهو في المهد. وعن النبي صلى اللَّه عليه وسلم: أنه جاع في زمن قحط [[رواه أبو يعلي من حديث جابر، وهو من رواية ابن لهيعة عن ابن المنكدر عنه. والمتن ظاهر النكارة.]] فأهدت له فاطمة رضى اللَّه عنها رغيفين وبضعة لحم آثرته بها، فرجع بها إليها وقال: هلمى يا بنية فكشفت عن الطبق فإذا هو مملوء خبزاً ولحماً، فبهتت وعلمت أنها نزلت من عند اللَّه، فقال لها صلى اللَّه عليه وسلم: أنى لك هذا؟ فقالت:

هو من عند اللَّه، إن اللَّه يرزق من يشاء بغير حساب. فقال عليه الصلاة والسلام: الحمد للَّه الذي جعلك شبيهة سيدة نساء بنى إسرائيل، ثم جمع رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم علىّ بن أبى طالب والحسن والحسين وجميع أهل بيته، فأكلوا عليه حتى شبعوا وبقي الطعام كما هو، فأوسعت فاطمة على جيرانها. إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ من جملة كلام مريم عليها السلام، أو من كلام رب العزّة عزّ من قائل بِغَيْرِ حِسابٍ بغير تقدير لكثرته، أو تفضلا بغير محاسبة ومجازاة على عمل بحسب الاستحقاق.

3:38–41Page 55

هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُۥۖ قَالَ رَبِّ هَبۡ لِي مِن لَّدُنكَ ذُرِّيَّةٗ طَيِّبَةًۖ إِنَّكَ سَمِيعُ ٱلدُّعَآءِ ٣٨

At that, Zechariah called upon his Lord, saying, "My Lord, grant me from Yourself a good offspring. Indeed, You are the Hearer of supplication."

فَنَادَتۡهُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ وَهُوَ قَآئِمٞ يُصَلِّي فِي ٱلۡمِحۡرَابِ أَنَّ ٱللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحۡيَىٰ مُصَدِّقَۢا بِكَلِمَةٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَسَيِّدٗا وَحَصُورٗا وَنَبِيّٗا مِّنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ٣٩

So the angels called him while he was standing in prayer in the chamber, "Indeed, Allāh gives you good tidings of John, confirming a word1 from Allāh and [who will be] honorable, abstaining [from women], and a prophet from among the righteous."

قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَٰمٞ وَقَدۡ بَلَغَنِيَ ٱلۡكِبَرُ وَٱمۡرَأَتِي عَاقِرٞۖ قَالَ كَذَٰلِكَ ٱللَّهُ يَفۡعَلُ مَا يَشَآءُ ٤٠

He said, "My Lord, how will I have a boy when I have reached old age and my wife is barren?" He [the angel] said, "Such is Allāh; He does what He wills."

قَالَ رَبِّ ٱجۡعَل لِّيٓ ءَايَةٗۖ قَالَ ءَايَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ ٱلنَّاسَ ثَلَٰثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمۡزٗاۗ وَٱذۡكُر رَّبَّكَ كَثِيرٗا وَسَبِّحۡ بِٱلۡعَشِيِّ وَٱلۡإِبۡكَٰرِ ٤١

He said, "My Lord, make for me a sign." He said, "Your sign is that you will not [be able to] speak to the people for three days except by gesture. And remember your Lord much and exalt [Him with praise] in the evening and the morning."

هُنالِكَ في ذلك المكان حيث هو قاعد عند مريم في المحراب أو في ذلك الوقت، فقد يستعار هنا [[قال محمود: فقد يستعار هنا وثم وحيث للزمان ... الخ» قال أحمد: لا يليق بالنبي أن يقف علمه بجواز ولادة العاقر على مشاهدة مثله، فان العقل يقضى بجواز ذلك في قدرة اللَّه تعالى وإن لم يقع نظيره. وأحسن من هذه العبارة وأسلم أن يقال: لما شاهد وقوع هذا الحادث كرامة لمريم امتد أمله إلى حادث يناسبه كرامة له، واللَّه أعلم.]] وثم وحيث للزمان. لما رأى حال مريم في كرامتها على اللَّه ومنزلتها، رغب في أن يكون له من ايشاع ولد مثل ولد أختها حنة في النجابة والكرامة على اللَّه، وإن كانت عاقراً عجوزاً فقد كانت أختها كذلك. وقيل لما رأى الفاكهة في غير وقتها انتبه على جواز ولادة العاقر ذُرِّيَّةً ولداً. والذرية يقع على الواحد والجمع سَمِيعُ الدُّعاءِ مجيبه. قرئ: فناداه الملائكة. وقيل: ناداه جبريل عليه السلام، وإنما قيل الملائكة على قولهم: فلان يركب الخيل أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ) بالفتح على بأن اللَّه، وبالكسر على إرادة القول. أو لأن النداء نوع من القول.

وقرئ: يبشرك، ويبشرك، من بشره وأبشره. ويبشرك»

، بفتح الياء من بشره. ويحيى إن كان أعجمياً وهو الظاهر فمنع صرفه للتعريف والعجمة كموسى وعيسى، وإن كان عربياً فللتعريف ووزن الفعل كيعمر مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ مصدّقا بعيسى مؤمناً به. قيل هو أول من آمن به، وسمى عيسى «كلمة» لأنه لم يوجد إلا بكلمة اللَّه وحدها، وهي قوله: (كُنْ) من غير سبب آخر.

وقيل: مصدّقا بكلمة من اللَّه، مؤمناً بكتاب منه. وسمى الكتاب كلمة، كما قيل كلمة الحويدرة لقصيدته. والسيد: الذي يسود قومه، أى يفوقهم في الشرف. وكان يحيى فائقا لقومه وفائقا للناس كلهم في أنه لم يركب سيئة قط، ويا لها من سيادة. والحصور: الذي لا يقرب النساء حصراً لنفسه أى منعا لها من الشهوات. وقيل هو الذي لا يدخل مع القوم في الميسر. قال الأخطل:

وَشَارِبٍ مُرْبِحٍ بِالكأْسِ نَادَمَنِى ... لَا بِالْحَصُورِ وَلَا فِيهَا بِسَئَّارِ [[للأخطل، يقول: رب شارب مشتر للخمر بالثمن الربيح الزائد، نادمنى بالكأس. ويجوز تعلقه بما قبله، ليس حصورا مانعا نفسه من الدخول على القوم في لعب الميسر، ولا سآر على صيغة «فعال» للمبالغة، أى مبقيا في الكأس سؤرا، أى بقية، من أسأر إذا أبقى، وهو شاذ كجبار من أجبر. ويروى بسوار من السورة وهي الوثبة والعربدة، ففي سببية، أى ولا متغير العقل بسببها، ولا عاطفة على مربح، والثانية توكيد، والباء زائدة بعد كل، ونادمنى خبر، فيجوز الرجوع إلى الوصف بعد الاخبار.]]

فاستعير لمن لا يدخل في اللعب واللهو. وقد روى أنه مرّ وهو طفل بصبيان فدعوه إلى اللعب فقال: ما للعب خلقت مِنَ الصَّالِحِينَ ناشئا من الصالحين، لأنه كان من أصلاب الأنبياء، أو كائنا من جملة الصالحين كقوله: (وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ) . أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ استبعاد من حيث العادة كما قالت مريم وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ كقولهم: أدركته السنّ العالية. والمعنى أثر فىّ الكبر فأضعفنى، وكانت له تسع وتسعون سنة، ولامرأته ثمان وتسعون كَذلِكَ أى يفعل اللَّه ما يشاء من الأفعال العجيبة مثل ذلك الفعل، وهو خلق الولد بين الشيخ الفاني والعجوز العاقر، أو كذلك اللَّه مبتدأ وخبر، أى على نحو هذه الصفة اللَّه، ويفعل ما يشاء بيان له، أى يفعل ما يريد من الأفاعيل الخارقة للعادات آيَةً علامة أعرف بها الحبل لأتلقى النعمة إذا جاءت بالشكر قالَ آيَتُكَ أَلَّا تقدر على تكليم الناس ثَلاثَةَ أَيَّامٍ وإنما خص تكليم الناس ليعلمه أنه يحبس لسانه عن القدرة على تكليمهم خاصة، مع إبقاء قدرته على التكلم بذكر اللَّه، ولذلك قال: (وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ) يعنى في أيام عجزك عن تكليم الناس، وهي من الآيات الباهرة. فإن قلت: لم حبس لسانه عن كلام الناس؟ قلت:

ليخلص المدّة لذكر اللَّه لا يشتغل لسانه بغيره، توفراً منه على قضاء حق تلك النعمة الجسيمة، وشكرها الذي طلب الآية من أجله، كأنه لما طلب الآية من أجل الشكر قيل له: آيتك أن تحبس لسانك [[قوله «أن تحبس لسانك» لعله: يحبس. (ع)]] إلا عن الشكر. وأحسن الجواب وأوقعه ما كان مشتقا من السؤال. ومنتزعا منه إِلَّا رَمْزاً إلا إشارة بيد أو رأس أو غيرهما وأصله التحرّك. يقال ارتمز: إذا تحرّك. ومنه قيل للبحر الراموز. وقرأ يحيى بن وثاب (إلا رمزاً) بضمتين، جمع رموز كرسول ورسل. وقرئ (رمزاً) بفتحتين جمع رامز كخادم وخدم، وهو حال منه ومن الناس دفعة كقوله:

مَتَى مَا تَلْقَنِى فَرْدَيْنِ تَرْجُفْ ... رَوَانِفُ ألْيَتَيْكَ وَتُسْتَطَارَا [[أحولى تنفض استك مذرويها ... لتقتلني فها أنا ذا عمارا

متى ما تلقني فردين ترجف ... روانف أليتيك وتستطارا

وسيفي صارم قبضت عليه ... أصابع لا ترى فيها انتشارا

لعنترة يخاطب عمارة بن زياد العبسي، لما قال لقومه: ليتني لقيته فأرحتكم منه وأعلمتكم أنه عبد، والاست: الدبر، وهي فاعل. ومذرويها: مفعول، وكان قياسه: مذريان بالياء لأنه مقصور زائد على ثلاثة أحرف، وقياس تثنيته كذلك، فمجيئه بالواو شاذ، وسهله أن تثنيته تقديرية لأنه لم يسمع له مفرد. وحكى عن أبى عمرو «مذرى» مفردا، فيكون مثنى حقيقة، وبه قيل. وحكى عن أبى عبيدة مذرى مفردا، ومذريان مثنى بالياء على القياس، وإن نصب الاست كان مفعولا، ومذرويها بدلا منه. والمذروان بالكسر فرعا الأليتين وقرنا الرأس. يقال: جاء ينفض مذرويه يختال ويتبختر، وقوس هتافة المذروين، وهما موقعا الوتر من أعلى وأسفل. أى رنانتهما، وها أنا ذا أصله أنا هذا، فقدمت الهاء مبادرة إلى التنبيه، ثم قال: متى تلاقنى حال كوننا منفردين عن غيرنا، تخف متى فترتعد أطراف أليتيك، فارتعادها كناية عن الخوف. وتستطارا مؤكد بالنون الخفيفة المنقلبة ألفا، والفاعل ضمير المخاطب كأن الخوف يطيره. ويجوز أن الضمير للروانف، أى تنتفض وتنتشر كالطائر. ويروى: روادف، والمراد واحد.]]

بمعنى إلا مترامزين، كما يكلم الناس الأخرس بالإشارة ويكلمهم. والعشىّ: من حين تزول الشمس إلى أن تغيب. والْإِبْكارِ من طلوع الفجر إلى وقت الضحى. وقرئ: والأبكار، بفتح الهمزة جمع بكر، كسحر وأسحار. يقال: أتيته بكراً بفتحتين. فإن قلت: الرمز ليس من جنس الكلام فكيف استثنى منه؟ قلت: لما أدّى مؤدّى الكلام وفهم منه ما يفهم منه سمى كلاما ويجوز أن يكون استثناء منقطعا.

3:42–43Page 55

وَإِذۡ قَالَتِ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ يَٰمَرۡيَمُ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصۡطَفَىٰكِ وَطَهَّرَكِ وَٱصۡطَفَىٰكِ عَلَىٰ نِسَآءِ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٤٢

And [mention] when the angels said, "O Mary, indeed Allāh has chosen you and purified you and chosen you above the women of the worlds.

يَٰمَرۡيَمُ ٱقۡنُتِي لِرَبِّكِ وَٱسۡجُدِي وَٱرۡكَعِي مَعَ ٱلرَّٰكِعِينَ ٤٣

O Mary, be devoutly obedient to your Lord and prostrate and bow with those who bow [in prayer]."

يا مَرْيَمُ روى أنهم كلوها شفاها معجزة لزكريا أو إرهاصا لنبوّة عيسى اصْطَفاكِ أوّلا حين تقبلك من أمك ورباك واختصك بالكرامة السنية وَطَهَّرَكِ مما يستقذر من الأفعال ومما قرفك به اليهود وَاصْطَفاكِ آخرا عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ بأن وهب لك عيسى من غير أب ولم يكن ذلك لأحد من النساء. أمرت بالصلاة بذكر القنوت والسجود لكونهما من هيآت الصلاة وأركانها ثم قيل لها وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ بمعنى: ولتكن صلاتك مع المصلين أى في الجماعة أو انظمى نفسك في جملة المصلين وكوني معهم في عدادهم ولا تكوني في عداد غيرهم. ويحتمل أن يكون في زمانها من كان يقوم ويسجد في صلاته ولا يركع وفيه من يركع، فأمرت بأن تركع مع الراكعين ولا تكون مع من لا يركع.

3:44Page 55

ذَٰلِكَ مِنۡ أَنۢبَآءِ ٱلۡغَيۡبِ نُوحِيهِ إِلَيۡكَۚ وَمَا كُنتَ لَدَيۡهِمۡ إِذۡ يُلۡقُونَ أَقۡلَٰمَهُمۡ أَيُّهُمۡ يَكۡفُلُ مَرۡيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيۡهِمۡ إِذۡ يَخۡتَصِمُونَ ٤٤

That is from the news of the unseen which We reveal to you, [O Muḥammad]. And you were not with them when they cast their pens1 as to which of them should be responsible for Mary. Nor were you with them when they disputed.

ذلِكَ إشارة إلى ما سبق من نبإ زكريا ويحيى ومريم وعيسى عليهم السلام، يعنى أن ذلك من الغيوب التي لم تعرفها إلا بالوحي. فإن قلت: لم نفيت المشاهدة وانتفاؤها معلوم بغير شبهة؟

وترك نفى استماع الأنباء من حفاظها وهو موهوم؟ قلت: كان معلوما عندهم علما يقيناً أنه ليس من أهل السماع والقراءة وكانوا منكرين للوحى، فلم يبق إلا المشاهدة وهي في غاية الاستبعاد والاستحالة، فنفيت على سبيل التهكم بالمنكرين للوحى مع علمهم بأنه لا سماع له ولا قراءة. ونحوه (وَما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ) ، (وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ) ، (وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ) أَقْلامَهُمْ أزلامهم وهي قداحهم التي طرحوها في النهر مقترعين. وقيل: هي الأقلام التي كانوا يكتبون بها التوراة، اختاروها للقرعة تبركا بها إِذْ يَخْتَصِمُونَ في شأنها تنافسا في التكفل بها.

فإن قلت: (أَيُّهُمْ يَكْفُلُ) بم يتعلق؟ قلت: بمحذوف دلّ عليه يلقون أقلامهم، كأنه قيل: يلقونها ينظرون أيهم يكفل، أو ليعلموا، أو يقولون.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском