Az-Zamakhshari · Tafsir · in Arabic
الأحزاب
Al-Ahzab
The Combined Forces · Medinan · 73 ayahs
33:1–3Page 418
يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ ٱتَّقِ ٱللَّهَ وَلَا تُطِعِ ٱلۡكَٰفِرِينَ وَٱلۡمُنَٰفِقِينَۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمٗا ١
O Prophet, fear Allāh and do not obey the disbelievers and the hypocrites. Indeed, Allāh is ever Knowing and Wise.
وَٱتَّبِعۡ مَا يُوحَىٰٓ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٗا ٢
And follow that which is revealed to you from your Lord. Indeed Allāh is ever, of what you do, Aware.
وَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلٗا ٣
And rely upon Allāh; and sufficient is Allāh as Disposer of affairs.1
مدنية، وهي ثلاث وسبعون آية [نزلت بعد آل عمران] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
عن زرّ قال: قال لي أبىّ بن كعب رضى الله عنه: كم تعدّون سورة الأحزاب؟ قلت: ثلاثا وسبعين آية. قال: فو الذي يحلف به أبىّ بن كعب، إن كانت لتعدل سورة البقرة أو أطول.
ولقد قرأنا منها آية الرجم: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من الله والله عزيز حكيم [[أخرجه النسائي وابن حبان والحاكم والطبراني في الأوسط وابن مردويه كلهم من هذا الوجه.]] . أراد أبىّ رضى الله عنه أنّ ذلك من جملة ما نسخ من القرآن. وأمّا ما يحكى: أن تلك الزيادة كانت في صحيفة في بيت عائشة رضى الله عنها فأكلتها الداجن فمن تأليفات الملاحدة والروافض [[قلت: بل راويها ثقة غير متهم. قال إبراهيم الحربي في الغريب: حدثنا هرون بن عبد الله أن الرجم أنزل في سورة الأحزاب مكتوبا في خوصة في بيت عائشة. فأكلتها شاتها» وروى أبو يعلى والدارقطني والبزار والطبراني في الأوسط والبيهقي في المعرفة، كلهم من طريق محمد بن إسحاق عن عبد الله بن أبى بكر عن عائشة وعن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة انتهى. وكأن المصنف فهم أن ثبوت هذه الزيادة يقتضى ما تدعيه الروافض:
أن القرآن ذهب منه أشياء. وليس ذلك بلازم، بل هذا مما نسخت تلاوته وبقي حكمه. وأكل الدواجن لها وقع بعد النسخ]] . جعل نداءه بالنبىّ والرسول في قوله يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ. يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وترك نداءه باسمه كما قال: يا آدم. يا موسى، يا عيسى.
يا داود: كرامة له وتشريفا، وربئا بمحله وتنويها بفضله. فإن قلت: إن لم يوقع اسمه في النداء فقد أوقعه في الإخبار في قوله مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ. قلت: ذاك لتعليم الناس بأنه رسول الله وتلقين لهم أن يسموه بذلك ويدعوه به، فلا تفاوت بين النداء والإخبار، ألا ترى إلى ما لم يقصد به التعليم والتلقين من الأخبار كيف ذكره بنحو ما ذكره في النداء لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ، وَقالَ الرَّسُولُ يا رَبِّ، لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ، وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ، النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ، وَلَوْ كانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ. اتق الله: واظب على ما أنت عليه من التقوى، واثبت عليه، وازدد منه، وذلك لأن التقوى باب لا يبلغ آخره وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ لا تساعدهم على شيء. ولا تقبل لهم رأيا ولا مشورة، وجانبهم واحترس منهم، فإنهم أعداء الله وأعداء المؤمنين، لا يريدون إلا المضارّة والمضادّة. وروى أنّ النبي ﷺ لما هاجر إلى المدينة وكان يحب إسلام اليهود قريظة والنضير وبنى قينقاع وقد بايعه ناس منهم على النفاق فكان يلين لهم جانبه ويكرم صغيرهم وكبيرهم. وإذا أتى منهم قبيح تجاوز عنه، وكان يسمع منهم [[لم أجده.]] فنزلت. وروى أن أبا سفيان بن حرب وعكرمة بن أبى جهل وأبا الأعور السلمى قدموا عليه في الموادعة التي كانت بينه وبينهم، وقام معهم عبد الله بن أبىّ ومعتب بن قشير والجد بن قيس، فقالوا للنبىّ ﷺ: ارفض ذكر آلهتنا وقل إنها تشفع وتنفع وندعك وربك، فشق ذلك على رسول الله ﷺ وعلى المؤمنين وهموا بقتلهم [[هكذا ذكره الثعلبي والواحدي بغير سند.]] ، فنزلت: أى اتق الله في نقض العهد ونبذ الموادعة، ولا تطع الكافرين من أهل مكة والمنافقين من أهل المدينة فيما طلبوا إليك. وروى أنّ أهل مكة دعوا رسول الله ﷺ إلى أن يرجع عن دينه ويعطوه شطر أموالهم، وأن يزوجه شيبة بن ربيعة بنته، وخوفه منافقو المدينة أنهم يقتلونه إن لم يرجع. فنزلت إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً بالصواب من الخطإ، والمصلحة من المفسدة حَكِيماً لا يفعل شيئا ولا يأمر به إلا بداعي الحكمة وَاتَّبِعْ ما يُوحى إِلَيْكَ في ترك طاعة الكافرين والمنافقين وغير ذلك إِنَّ اللَّهَ الذي يوحى إليك خبير بِما تَعْمَلُونَ فموح إليك ما يصلح به أعمالكم، فلا حاجة بكم إلى الاستماع من الكفرة. وقرئ: يعملون، بالياء، أى: بما يعمل المنافقون من كيدهم لكم ومكرهم بكم وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وأسند أمرك إليه وكله إلى تدبيره وَكِيلًا حافظا موكولا إليه كل أمر.
33:4–5Page 418
مَّا جَعَلَ ٱللَّهُ لِرَجُلٖ مِّن قَلۡبَيۡنِ فِي جَوۡفِهِۦۚ وَمَا جَعَلَ أَزۡوَٰجَكُمُ ٱلَّٰٓـِٔي تُظَٰهِرُونَ مِنۡهُنَّ أُمَّهَٰتِكُمۡۚ وَمَا جَعَلَ أَدۡعِيَآءَكُمۡ أَبۡنَآءَكُمۡۚ ذَٰلِكُمۡ قَوۡلُكُم بِأَفۡوَٰهِكُمۡۖ وَٱللَّهُ يَقُولُ ٱلۡحَقَّ وَهُوَ يَهۡدِي ٱلسَّبِيلَ ٤
Allāh has not made for a man two hearts in his interior. And He has not made your wives whom you declare unlawful1 your mothers. And He has not made your claimed [i.e., adopted] sons your [true] sons. That is [merely] your saying by your mouths, but Allāh says the truth, and He guides to the [right] way.
ٱدۡعُوهُمۡ لِأٓبَآئِهِمۡ هُوَ أَقۡسَطُ عِندَ ٱللَّهِۚ فَإِن لَّمۡ تَعۡلَمُوٓاْ ءَابَآءَهُمۡ فَإِخۡوَٰنُكُمۡ فِي ٱلدِّينِ وَمَوَٰلِيكُمۡۚ وَلَيۡسَ عَلَيۡكُمۡ جُنَاحٞ فِيمَآ أَخۡطَأۡتُم بِهِۦ وَلَٰكِن مَّا تَعَمَّدَتۡ قُلُوبُكُمۡۚ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمًا ٥
Call them1 by [the names of] their fathers; it is more just in the sight of Allāh. But if you do not know their fathers - then they are [still] your brothers in religion and those entrusted to you. And there is no blame upon you for that in which you have erred but [only for] what your hearts intended. And ever is Allāh Forgiving and Merciful.
ما جمع الله قلبين في جوف، ولا زوجية وأمومة في امرأة، ولا بنوّة ودعوة في رجل.
والمعنى: أن الله سبحانه كما لم ير في حكمته أن يجعل للإنسان قلبين- لأنه لا يخلو إما أن يفعل بأحدهما مثل ما يفعل بالآخر من أفعال القلوب فأحدهما فضلة غير محتاج إليها، وإما أن يفعل بهذا غير ما يفعل بدأك، فذلك يؤدى إلى اتصاف الجملة بكونه مريدا كارها. عالما ظانا، موقنا شاكا في حالة واحدة- لم ير أيضا أن تكون المرأة الواحدة أمّا لرجل زوجا له، لأن الأم مخدومة مخفوض لها جناح الذل، والزوجة مستخدمة متصرف فيها بالاستفراش وغيره كالمملوكة وهما حالتان متنافيتان، وأن يكون الرجل الواحد دعيا لرجل وابنا له لأنّ النبوّة. أصالة في النسب وعراقة فيه، والدعوة: إلصاق عارض بالتسمية [[قال محمود: «أسد ما ذكر فيه من التأويلات أنهم كانوا يدعون لابن خطل قلبين، فنفى الله صحة ذلك وقرنه بما كانوا يقولونه من الأقاويل المتناقضة، كجعل الأدعياء أبناء والزوجات أمهات. قال: وهذه الأمور الثلاثة متنافية: أما الأول فلأنه يلزم من اجتماع القلبين قيام أحد المعنيين بأحدهما وضده في الآخر، وذلك كالعلم والجهل والأمن والخوف وغير ذلك. وأما الثاني فلأن الزوجة في مقام الامتهان والأم في محل الإكرام، فنافى أن تكون الزوجة أما. وأما الثالث فلأن النبوة أصالة وعراقة، والدعوة لاصقة عارضة، فهما متنافيان، وذكر الجوف ليصور به صورة اجتماع القلبين فيه حتى يبادره السامع بالإنكار.]] لا غير، ولا يجتمع في الشيء الواحد أن يكون أصيلا غير أصيل، وهذا مثل ضربه الله في زيد بن حارثة وهو رجل من كلب سبى صغيرا، وكانت العرب في جاهليتها يتغاورون ويتسابون. فاشتراه حكيم بن حزام لعمته خديجة، فلما تزوجها رسول الله ﷺ وهبته له، وطلبه أبوه وعمه، فخير فاختار رسول الله ﷺ، فأعتقه، وكانوا يقولون: زيد بن محمد [[هكذا ذكره ابن إسحاق وابن أبى خيثمة من طريقه. وزاد في آخره «كان رسول الله ﷺ أكبر منه بعشر سنين فتبناه» وعن سالم عن أبيه قال «ما كنا ندعوه إلا زيد بن محمد حتى أنزل الله ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ انتهى. وهذه الزيادة في الصحيحين عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه «ما كنا ندعو زيد بن حارثة مولى رسول الله ﷺ إلا زيد بن محمد حتى نزل القرآن ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ- الآية]] ، فأنزل الله عزّ وجلّ هذه الآية، وقوله ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ وقيل: كان أبو معمر رجلا من أحفظ العرب وأرواهم، فقيل له: ذو القلبين. وقيل: هو جميل بن أسد الفهري، وكان يقول: إن لي قلبين، أفهم بأحدهما أكثر مما يفهم محمد، فروى أنه انهزم يوم بدر، فمرّ بأبى سفيان وهو معلق إحدى نعليه بيده والأخرى في رجله، فقال له: ما فعل الناس؟ فقال: هم ما بين مقتول وهارب، فقال له: ما بال إحدى نعليك في رجلك والأخرى في يدك؟ فقال: ما ظننت إلا أنهما في رجلىّ، فأكذب الله قوله وقولهم، وضربه مثلا في الظهار والتبني. وعن ابن عباس رضى الله عنهما: كان المنافقون يقولون: لمحمد قلبان فأكذبهم الله. وقيل: سها في صلاته، فقالت اليهود: له قلبان: قلب مع أصحابه، وقلب معكم. وعن الحسن: نزلت في أن الواحد يقول:
نفس تأمرنى ونفس تنهاني. والتنكير في رجل، وإدخال من الاستغراقية على قلبين تأكيدان لما قصد من المعنى، كأنه قال: ما جعل الله لأمة الرجال ولا لواحد منهم قلبين البتة في جوفه.
فإن قلت: أى فائدة في ذكر الجوف؟ قلت: الفائدة فيه كالفائدة في قوله الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ وذلك ما يحصل للسامع من زيادة التصوّر التجلي المدلول عليه، لأنه إذا سمع به صور لنفسه جوفا يشتمل على قلبين، فكان أسرع إلى الإنكار. وقرئ: اللايئ [[قوله «وقرئ اللايئ بياء وهمزة مكسورتين» لعل مراد، قراءتان إحداهما بياء مكسورة والأخرى بهمزة مكسورة، لكن الياء ليست ياء صرفة، بل هي همزة مسهلة ينطق بها بين الهمزة والياء والحاصل: أنه قرئ اللائي بياء ساكنة بعد الهمزة. وقرئ اللاء بهمزة مكسورة من غير ياء. وقرئ: اللايى بشبه الياء مكسورة وهي الهمزة التي ينطق بها بين بين. وقرئ: اللاى بياء ساكنة بعد الألف من غير همز، فهذه أربع قراآت في لفظ اللائي أينما كان في القرآن، كما في شرح الشاطبية. (ع)]] ، بياء وهمزة مكسورتين. واللائي. بيا. ساكنة بعد الهمزة: وتظاهرون: من ظاهر. وتظاهرون.
من اظاهر، بمعنى تظاهر. وتظهرون: من أظهر، بمعنى تظهر. وتظهرون: من ظهر، بمعنى ظاهر كعقد بمعنى عاقد. وتظهرون: من ظهر، بلفظ فعل من الظهور. ومعنى ظاهر من امرأته:
قال لها: أنت علىّ كظهر أمى. ونحوه في العبارة عن اللفظ: لبى المحرم، إذا قال لبيك. وأفف الرجل: إذا قال: أف وأخوات لهنّ. فإن قلت: فما وجه تعديته وأخواته بمن؟ قلت: كان الظهار طلاقا عند أهل الجاهلية. فكانوا يتجنبون المرأة المظاهر منها كما يتجنبون المطلقة، فكان قولهم: تظاهر منها تباعد منها بجهة الظهار، وتظهر منها: تحرز منها. وظاهر منها:
حاذر منها، وظهر منها: وحش منها [[قوله «وحش منها» أى خلا منها أفاده الصحاح. (ع)]] . وظهر منها: خلص منها. ونظيره: آلى من امرأته، لما ضمن معنى التباعد منها عدّى بمن، وإلا فآلى في أصله الذي هو بمعنى: حلف وأقسم، ليس هذا بحكمه.
فإن قلت: ما معنى قولهم: أنت علىّ كظهر أمى؟ قلت: أرادوا أن يقولوا: أنت علىّ حرام كبطن أمى، فكنوا عن البطن بالظهر، لئلا يذكروا البطن الذي ذكره يقارب ذكر الفرج، وإنما جعلوا الكناية عن البطن بالظهر لأنه عمود البطن. ومنه حديث عمر رضى الله عنه: يجيء به أحدهم على عمود بطنه: أراد على ظهره. ووجه آخر: وهو أن إتيان المرأة وظهرها إلى السماء كان محرّما عندهم محظورا، وكان أهل المدينة يقولون: إذا أتيت المرأة ووجهها إلى الأرض جاء الولد أحول، فلقصد المطلق منهم إلى التغليظ في تحريم امرأته عليه، شبهها بالظهر ثم لم يقنع بذلك حتى جعله ظهر أمّه فلم يترك. فإن قلت: الدعىّ فعيل بمعنى مفعول، وهو الذي يدعى ولدا فما له جمع على افعلاء، وبابه: ما كان منه بمعنى فاعل، كتقى وأتقياء، وشقىّ وأشقياء، ولا يكون ذلك في نحو رمى وسمى. قلت: إن شذوذه عن القياس كشذوذ قتلاء وأسراء، والطريق في مثل ذلك التشبيه اللفظي ذلِكُمْ النسب هو قَوْلُكُمْ بِأَفْواهِكُمْ هذا ابني لا غير من غير أن يواطئه اعتقاد لصحته وكونه حقا. والله عز وجل لا يقول إلا ما هو حق ظاهره وباطنه، ولا يهدى إلا سبيل الحق. ثم قال ما هو الحق وهدى إلى ما هو سبيل الحق، وهو قوله ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ وبين أن دعاءهم لآبائهم هو أدخل الأمرين في القسط والعدل، وفي فصل هذه الجمل ووصلها [[قوله «وفي فصل هذه الجمل ووصلها» أى: فصل ما فصل منها ووصل ما وصل. (ع)]] : من الحسن والفصاحة ما لا يغبى على عالم بطرق النظم. وقرأ قتادة:
وهو الذي يهدى السبيل. وقيل: كان الرجل في الجاهلية إذا أعجبه جلد الرجل وظرفه: ضمه إلى نفسه وجعل له مثل نصيب الذكر من أولاده من ميراثه، وكان ينسب إليه فيقال: فلان ابن فلان فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا لهم آباء تنسبونهم إليهم «فهم» فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ وأولياؤكم في الدين فقولوا: هذا أخى وهذا مولاي، ويا أخى، ويا مولاي: يريد الأخوّة في الدين والولاية فيه ما تَعَمَّدَتْ في محل الجرّ عطفا على ما أخطأتم. ويجوز أن يكون مرتفعا على الابتداء، والخبر محذوف تقديره: ولكن ما تعمدت قلوبكم فيه الجناح. والمعنى: لا إثم عليكم فيما فعلتموه من ذلك مخطئين جاهلين قبل ورود النهى، ولكن الإثم فيما تعمدتموه بعد النهى.
أو لا إثم عليكم إذا قلتم لولد غيركم يا بنىّ على سبيل الخطإ وسبق اللسان، ولكن إذا قلتموه متعمدين. ويجوز أن يراد العفو عن الخطإ دون العمد على طريق العموم، كقوله عليه الصلاة والسلام «ما أخشى عليكم الخطأ ولكن أخشى عليكم العمد» [[أخرجه ابن حبان والحاكم والبيهقي في الشعب من طريق جعفر بن برقان عن يزيد بن الأصم عن أبى هريرة مرفوعا أتم منه. وأخرجه الطبراني في الأوسط وفي مسند الشاميين من رواية ثابت بن عجلان حدثني عطاء عن عائشة رضى الله عنها.]] وقوله عليه الصلاة والسلام وضع عن أمّتى الخطأ والنسيان وما أكرهوا عليه [[أخرجه ابن عدى من رواية حسن بن برقة حدثني أبى عن الحسن عن أبى بكرة رفعه «رفع الله عن هذه الأمة ثلاثا: الخطأ والنسيان والأمر المكرهون عليه» هذه من منكرات جعفر. وأخرجه ابن ماجة وابن حبان من حديث ابن عباس. فأما ابن حبان فقال: عن عطاء عن عبيد بن عمير عنه، بلفظ «إن الله تجاوز» وأما ابن ماجة فقال عن الأوزاعى «إن الله وضع»]] » ثم تناول لعمومه خطأ التبني وعمده.
فإن قلت: فإذا وجد التبني فما حكمه؟ قلت: إذا كان المتبنى مجهول النسب وأصغر سنا من المتبنى ثبت نسبه منه، وإن كان عبدا له عتق مع ثبوت النسب، وإن كان لا يولد مثله لمثله لم يثبت النسب، ولكنه يعتق عند أبى حنيفة رحمه الله تعالى، وعند صاحبيه لا يعتق. وأما المعروف النسب فلا يثبت نسبه بالتبني وإن كان عبدا عتق وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً لعفوه عن الخطأ وعن العمد إذا تاب العامد [[قوله «وعن العمد إذا تاب العامد» هذا عند المعتزلة، وقد يغفر بمجرد الفضل عند أهل السنة. (ع)]] .
33:6Page 418
ٱلنَّبِيُّ أَوۡلَىٰ بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ مِنۡ أَنفُسِهِمۡۖ وَأَزۡوَٰجُهُۥٓ أُمَّهَٰتُهُمۡۗ وَأُوْلُواْ ٱلۡأَرۡحَامِ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلَىٰ بِبَعۡضٖ فِي كِتَٰبِ ٱللَّهِ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُهَٰجِرِينَ إِلَّآ أَن تَفۡعَلُوٓاْ إِلَىٰٓ أَوۡلِيَآئِكُم مَّعۡرُوفٗاۚ كَانَ ذَٰلِكَ فِي ٱلۡكِتَٰبِ مَسۡطُورٗا ٦
The Prophet is more worthy of the believers than themselves,1 and his wives are [in the position of] their mothers. And those of [blood] relationship are more entitled [to inheritance] in the decree of Allāh than the [other] believers and the emigrants, except that you may do to your close associates a kindness [through bequest]. That was in the Book2 inscribed.
النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ في كل شيء من أمور الدين والدنيا مِنْ أَنْفُسِهِمْ ولهدا أطلق ولم يقيد، فيجب عليهم أن يكون أحبّ إليهم من أنفسهم، وحكمه أنفذ عليهم من حكمها، وحقه آثر لديهم من حقوقها، وشفقتهم عليه أقدم من شفقتهم عليها، وأن يبدلوها دونه ويجعلوها فداءه إذا أعضل خطب، ووقاءه إذا لقحت حرب، وأن لا يتبعوا ما تدعوهم إليه نفوسهم ولا ما تصرفهم عنه، ويتبعوا كل ما دعاهم إليه رسول الله ﷺ وصرفهم عنه، لأنّ كل ما دعا إليه فهو إرشاد لهم إلى نيل النجاة والظفر بسعادة الدارين وما صرفهم عنه، فأخذ بحجزهم [[قوله «فأخذ يحجزهم» في الصحاح «حجزة الإزار» : معقده. وحجزة السراويل: التي فيها التكة. (ع)]] لئلا يتهافتوا فيما يرمى بهم إلى الشقاوة وعذاب النار. أو هو أولى بهم، على معنى أنه أرأف بهم وأعطف عليهم وأنفع لهم، كقوله تعالى بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ وعن النبي ﷺ «ما من مؤمن إلا أنا أولى به في الدنيا والآخرة، اقرؤا إن شئتم النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ فأيما مؤمن هلك وترك مالا فليرثه عصبته من كانوا، وإن ترك دينا أو ضياعا فإلىّ» [[أخرجه البخاري من طريق عبد الرحمن بن أبى عمرة عن أبى هريرة رضى الله عنه بمعناه.]] وفي قراءة ابن مسعود: النبىّ أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وهو أب لهم. وقال مجاهد: كل نبىّ فهو أبو أمّته. ولذلك صار المؤمنون إخوة لأنّ النبي ﷺ أبوهم في الدين وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ تشبيه لهنّ بالأمهات في بعض الأحكام، وهو وجوب تعظيمهنّ واحترامهن، وتحريم نكاحهن: قال الله تعالى وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً وهن فيما وراء ذلك بمنزلة الأجنبيات، ولذلك قالت عائشة رضى الله عنها: لسنا أمهات النساء [[أخرجه الدارقطني من رواية مضر الأعتق حدثني حرفاء قالت: قلت لعائشة «يا أم. فقالت: لست أم النساء، إنما أنا أم الرجال» وفي الطبقات من طريق مسروق قال «قالت امرأة لعائشة: يا أم. فقالت عائشة إنى لست بأمك إنما أنا أم الرجال» .]] . تعنى أنهنّ إنما كنّ أمّهات الرجال، لكونهنّ محرّمات عليهم كتحريم أمّهاتهم. والدليل على ذلك: أنّ هذا التحريم لم يتعد إلى بناتهنّ، وكذلك لم يثبت لهنّ سائر أحكام الأمهات. كان المسلمون في صدر الإسلام يتوارثون بالولاية في الدين وبالهجرة لا بالقرابة، كما كانت تتألف قلوب قوم بإسهام لهم في الصدقات، ثم نسخ ذلك لما دجا الإسلام [[قوله «دجا الإسلام» في الصحاح: دجا الإسلام، أى: قوى وألبس كل شيء. (ع)]] وعزّ أهله، وجعل التوارث بحق القرابة فِي كِتابِ اللَّهِ في اللوح. أو فيما أوحى الله إلى نبيه وهو هذه الآية. أو في آية المواريث. أو فيما فرض الله كقوله كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ.
مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهاجِرِينَ يجوز أن يكون بيانا لأولى الأرحام، أى: الأقرباء من هؤلاء بعضهم أولى بأن يرث بعضا من الأجانب. ويجوز أن يكون لابتداء الغاية، أى: أولو الأرحام بحق القرابة أولى بالميراث من المؤمنين بحق الولاية في الدين، ومن المهاجرين بحق الهجرة.
فإن قلت: مم استثنى أَنْ تَفْعَلُوا؟ قلت: من أعم العام في معنى النفع والإحسان، كما تقول:
القريب أولى من الأجنبى إلا في الوصية، تريد: أنه أحق منه في كل نفع من ميراث وهبة وهدية وصدقة وغير ذلك، إلا في الوصية. والمراد بفعل المعروف: التوصية لأنه لا وصية لوارث وعدى تفعلوا بإلى، لأنه في معنى: تسدوا وتزلوا [[قوله «لأنه في معنى تسدوا وتزلوا» في الصحاح: أزلت إليه نعمة، أى: أسديتها. وفي الحديث:
«من أزلت إليه نعمة فليشكرها» اه. (ع)]] والمراد بالأولياء: المؤمنون والمهاجرون للولاية في الدين ذلِكَ إشارة إلى ما ذكر في الآيتين جميعا. وتفسير الكتاب: ما مر آنفا، والجملة مستأنفة كالخاتمة لما ذكر من الأحكام.
33:7–8Page 419
وَإِذۡ أَخَذۡنَا مِنَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ مِيثَٰقَهُمۡ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٖ وَإِبۡرَٰهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَى ٱبۡنِ مَرۡيَمَۖ وَأَخَذۡنَا مِنۡهُم مِّيثَٰقًا غَلِيظٗا ٧
And [mention, O Muḥammad], when We took from the prophets their covenant and from you and from Noah and Abraham and Moses and Jesus, the son of Mary; and We took from them a solemn covenant
لِّيَسۡـَٔلَ ٱلصَّٰدِقِينَ عَن صِدۡقِهِمۡۚ وَأَعَدَّ لِلۡكَٰفِرِينَ عَذَابًا أَلِيمٗا ٨
That He may question the truthful about their truth.1 And He has prepared for the disbelievers a painful punishment.
وَاذكر حين أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ جميعا مِيثاقَهُمْ بتبليغ الرسالة والدعاء إلى الدين القيم وَمِنْكَ خصوصا وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسَى وإنما فعلنا ذلك لِيَسْئَلَ الله يوم القيامة عند تواقف الأشهاد المؤمنين الذين صدقوا عهدهم ووفوا به، من جملة من أشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى عَنْ صِدْقِهِمْ عهدهم وشهادتهم، فيشهد لهم الأنبياء بأنهم صدقوا عهدهم وشهادتهم وكانوا مؤمنين. أو ليسأل المصدقين للأنبياء عن تصديقهم، لأن من قال للصادق: صدقت، كان صادقا في قوله. أو ليسأل الأنبياء ما الذي أجابتهم به أممهم. وتأويل مسألة الرسل: تبكيت الكافرين بهم، كقوله أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ.
فإن قلت: لم قدم رسول الله ﷺ على نوح فمن بعده [[قال محمود: «قدم النبي ﷺ على نوح لأنهم ذكروا تخصيصا بعد التعميم تفضيلا لهم فقدم أفضل المخصوصين» قال أحمد: وليس التقديم في الذكر بمقتض لذلك. ألا ترى إلى قوله:
بها ليل منهم جعفر وابن أمه ... على ومنهم أحمد المتخير
فأخر ذكر النبي ﷺ ليختم به تشريفا له، وإذا ثبت أن التفضيل ليس من لوازمه التقديم، فيظهر والله أعلم في سر تقديمه عليه الصلاة والسلام على نوح ومن بعده في الذكر: أنه هو المخاطب من بينهم، والمنزل عليه هذا المتلو، فكان تقديمه لذلك، ثم لما قدم ذكره عليه الصلاة والسلام: جرى ذكر الأنبياء صلوات الله عليهم بعده على ترتيب أزمنة وجودهم، والله أعلم.]] قلت: هذا العطف لبيان فضيلة الأنبياء الذين هم مشاهيرهم وذراريهم [[قوله «هم مشاهيرهم وذراريهم» لعله «دراريهم» بالدال المهملة، والدراري: الكواكب العظام، كما أفاده الصحاح. (ع)]] ، فلما كان محمد ﷺ أفضل هؤلاء المفضلين: قدم عليهم لبيان أنه أفضلهم، ولولا ذلك لقدم من قدمه زمانه. فإن قلت:
فقد قدم عليه نوح عليه السلام في الآية التي هي أخت هذه الآية، وهي قوله شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ ثم قدم على غيره. قلت: مورد هذه الآية على طريقة خلاف طريقة تلك، وذلك أنّ الله تعالى إنما أوردها لوصف دين الإسلام بالأصالة والاستقامة فكأنه قال: شرع لكم الدين الأصيل الذي بعث عليه نوح في العهد القديم، وبعث عليه محمد خاتم الأنبياء في العهد الحديث، وبعث عليه من توسط بينهما من الأنبياء المشاهير. فإن قلت: فماذا أراد بالميثاق الغليظ؟ قلت: أراد به ذلك الميثاق بعينه. معناه: وأخذنا منهم بذلك الميثاق ميثاقا غليظا. والغلظ: استعارة من وصف الأجرام، والمراد: عظم الميثاق وجلالة شأنه في بابه. وقيل الميثاق الغليظ: اليمين بالله على الوفاء بما حملوا. فإن قلت: علام عطف قوله وَأَعَدَّ لِلْكافِرِينَ؟ قلت: على أخذنا من النبيين، لأن المعنى أن الله أكد على الأنبياء الدعوة إلى دينه لأجل إثابة المؤمنين، وأعد للكافرين عذابا أليما. أو على ما دل عليه لِيَسْئَلَ الصَّادِقِينَ كأنه قال: فأثاب المؤمنين وأعدّ للكافرين.
33:9–11Page 419
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱذۡكُرُواْ نِعۡمَةَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ إِذۡ جَآءَتۡكُمۡ جُنُودٞ فَأَرۡسَلۡنَا عَلَيۡهِمۡ رِيحٗا وَجُنُودٗا لَّمۡ تَرَوۡهَاۚ وَكَانَ ٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرًا ٩
O you who have believed, remember the favor of Allāh upon you when armies came to [attack] you and We sent upon them a wind and armies [of angels] you did not see. And ever is Allāh, of what you do, Seeing.
إِذۡ جَآءُوكُم مِّن فَوۡقِكُمۡ وَمِنۡ أَسۡفَلَ مِنكُمۡ وَإِذۡ زَاغَتِ ٱلۡأَبۡصَٰرُ وَبَلَغَتِ ٱلۡقُلُوبُ ٱلۡحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِٱللَّهِ ٱلظُّنُونَا۠ ١٠
[Remember] when they came at you from above you and from below you, and when eyes shifted [in fear], and hearts reached the throats, and you assumed about Allāh [various] assumptions.
هُنَالِكَ ٱبۡتُلِيَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ وَزُلۡزِلُواْ زِلۡزَالٗا شَدِيدٗا ١١
There the believers were tested and shaken with a severe shaking.
اذْكُرُوا ما أنعم الله به عليكم يوم الأحزاب وهو يوم الخندق إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ وهم الأحزاب، فأرسل الله عليهم ريح الصبا. قال رسول الله ﷺ «نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور [[متفق عليه من حديث ابن عباس رضى الله عنهما.]] وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْها وهم الملائكة وكانوا ألفا: بعث الله عليهم صبا باردة في ليلة شاتية، فأخصرتهم [[قوله «فأخصرتهم» في الصحاح «الخصر» بالتحريك: البرد. وقد خصر الرجل: إذا آلمه البرد في أطرافه اه، فأخصرتهم: أوقعتهم في الخصر أى البرد. (ع)]] وسفت التراب في وجوههم، وأمر الملائكة فقلعت الأوتاد، وقطعت الأطناب، وأطفأت النيران، وأكفأت القدور، وما جت الخيل بعضها في بعض، وقذف في قلوبهم الرعب، وكبرت الملائكة في جوانب عسكرهم، فقال طليحة بن خويلد الأسدى: أما محمد فقد بدأكم بالسحر، فالنجاء النجاء، فانهزموا من غير قتال، وحين سمع رسول الله ﷺ بإقبالهم ضرب الخندق على المدينة، أشار عليه بذلك سلمان الفارسي رضى الله عنه، ثم خرج في ثلاثة آلاف من المسلمين فضرب معسكره والخندق بينه وبين القوم، وأمر بالذراري والنساء فرفعوا في الآطام [[قوله «فرفعوا في الآطام» أى الحصون، وهو جمع أطم كعنق. (ع)]] واشتدّ الخوف، وظن المؤمنون كل ظن، ونجم النفاق من المنافقين حتى قال معتب بن قشير: كان محمد يعدنا كنوز كسرى وقيصر لا نقدر أن نذهب إلى الغائط. وكانت قريش قد أقبلت في عشرة آلاف من الأحابيش وبنى كنانة وأهل تهامة وقائدهم أبو سفيان، وخرج غطفان في ألف ومن تابعهم من أهل نجد وقائدهم عيينة بن حصن، وعامر بن الطفيل في هوازن، وضامتهم اليهود من قريظة والنضير، ومضى على الفريقين قريب من شهر لا حرب بينهم إلا الترامي بالنبل والحجارة، حتى أنزل الله النصر [[أخرجه ابن إسحاق في المغازي. ومن طريقه الطبري عن زيد بن رومان عن عروة عن عبد الله بن أبى بكر ومحمد بن كعب وغيرهم من علمائنا، فذكر القصة بطولها وأتم مما هاهنا. وهو في السيرة لابن هشام من قول إسحاق.]] تَعْمَلُونَ قرئ بالتاء والياء مِنْ فَوْقِكُمْ من أعلى الوادي من قبل المشرق: بنو غطفان وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ من أسفل الوادي من قبل المغرب: قريش تحزبوا وقالوا: سنكون جملة واحدة حتى نستأصل محمدا زاغَتِ الْأَبْصارُ مالت عن سننها ومستوى نظرها حيرة وشخوصا.
وقيل: عدلت عن كل شيء فلم تلتفت إلا إلى عدوّها لشدة الروع. الحنجرة: رأس الغلصمة وهي منتهى الحلقوم. والحلقوم: مدخل الطعام والشراب، قالوا: إذا انتفخت الرئة من شدة الفزع أو الغضب أو الغمّ الشديد: ربت وارتفع القلب بارتفاعها إلى رأس الحنجرة، ومن ثمة قيل للجبان: انتفخ سحره. ويجوز أن يكون ذلك مثلا في اضطراب القلوب ووجيبها وإن لم تبلغ الحناجر حقيقة وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا خطاب للذين آمنوا. ومنهم الثبت القلوب والأقدام، والضعاف القلوب: الذين هم على حرف، والمنافقون: الذين لم يوجد منهم الإيمان إلا بألسنتهم فظن الأولون بالله أنه يبتليهم ويفتنهم فخافوا الزلل وضعف الاحتمال، وأمّا الآخرون فظنوا بالله ما حكى عنهم. وعن الحسن: ظنوا ظنونا مختلفة: ظن المنافقون أنّ المسلمين يستأصلون، وظنّ المؤمنون أنهم يبتلون. وقرئ: الظنون، بغير ألف في الوصل والوقف وهو القياس، وبزيادة ألف في الوقف زادوها في الفاصلة، كما زادها في القافية من قال:
أقلّى الّلوم عاذل والعتابا [[أقلى اللوم عاذل والعتابا ... وقولي إن أصبت لقد أصابا
إذا غضبت على بنو تميم ... وجدت الناس كلهم غضابا
لجرير، وزاد الألف في القافية للإطلاق، وبنو تميم ينشدون مثل ذلك بتنوين الترنم بدل حرف الإطلاق. قال الزمخشري: إذا وصل المنشد ولم يقف، وظاهر كلام النحويين: أنه إنما يجيء في الوقف. وعاذل: منادى، مرخم عاذلة. يقول: اتركي ملامى وعتابى، وإن فعلت صوابا فاعترفى به، ويروى بكسر التاء، فالمعنى: أن لومك خطأ فإذا أردت الصواب فقولي: لقد أصاب، وجعل غضب بنى تميم غضب كل الناس، لأن ما عداهم تبع. أو كالمعدوم.
ويروى: إذا غضبت عليك، والخطاب لكل سامع.]]
وكذلك الرسولا والسبيلا. وقرئ بزيادتها في الوصل أيضا، إجراء له مجرى الوقف. قال أبو عبيد: وهنّ كلهنّ في الإمام بألف. وعن أبى عمرو إشمام زاى زلزلوا. وقرئ زلزالا بالفتح. والمعنى: أنّ الخوف أزعجهم أشد الإزعاج
33:12–14Page 419
وَإِذۡ يَقُولُ ٱلۡمُنَٰفِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ مَّا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥٓ إِلَّا غُرُورٗا ١٢
And [remember] when the hypocrites and those in whose hearts is disease said, "Allāh and His Messenger did not promise us except delusion,"
وَإِذۡ قَالَت طَّآئِفَةٞ مِّنۡهُمۡ يَٰٓأَهۡلَ يَثۡرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمۡ فَٱرۡجِعُواْۚ وَيَسۡتَـٔۡذِنُ فَرِيقٞ مِّنۡهُمُ ٱلنَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوۡرَةٞ وَمَا هِيَ بِعَوۡرَةٍۖ إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارٗا ١٣
And when a faction of them said, "O people of Yathrib,1 there is no stability for you [here], so return [home]." And a party of them asked permission of the Prophet, saying, "Indeed, our houses are exposed [i.e., unprotected]," while they were not exposed. They did not intend except to flee.
وَلَوۡ دُخِلَتۡ عَلَيۡهِم مِّنۡ أَقۡطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُواْ ٱلۡفِتۡنَةَ لَأٓتَوۡهَا وَمَا تَلَبَّثُواْ بِهَآ إِلَّا يَسِيرٗا ١٤
And if they had been entered upon from all its [surrounding] regions and fitnah [i.e., disbelief] had been demanded of them, they would have done it and not hesitated over it except briefly.
إِلَّا غُرُوراً قيل قائله: معتب بن قشير حين رأى الأحزاب قال: يعدنا محمد فتح فارس والروم، وأحدنا لا يقدر أن يتبرز فرقا [[قوله «فرقا» أى خوفا. (ع)]] ، ما هذا إلا وعد غرور طائِفَةٌ مِنْهُمْ هم أوس بن قيظى ومن وافقه على رأيه. وعن السدى عبد الله بن أبىّ وأصحابه. ويثرب: اسم المدينة. وقيل: أرض وقعت المدينة في ناحية منها لا مُقامَ لَكُمْ قرئ بضم الميم وفتحها، أى لا قرار لكم هاهنا، ولا مكان تقيمون فيه أو تقومون فَارْجِعُوا إلى المدينة: أمروهم بالهرب من عسكر رسول الله ﷺ، وقيل: قالوا لهم: ارجعوا كفارا وأسلموا محمدا، وإلا فليست يثرب لكم بمكان. قرئ: عورة، بسكون الواو وكسرها، فالعورة: الخلل، والعورة: ذات العورة، يقال: عور المكان عورا إذا بدا فيه خلل يخاف منه العدو والسارق.
ويجوز أن تكون عَوْرَةٌ تخفيف: عورة، اعتذروا أنّ بيوتهم معرّضة للعدو ممكنة للسراق، لأنها غير محرزة ولا محصنة، فاستأذنوه ليحصنوها ثم يرجعوا إليه، فأكذبهم الله بأنهم لا يخافون ذلك، وإنما يريدون الفرار وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ المدينة. وقيل: بيوتهم، من قولك: دخلت على فلان داره مِنْ أَقْطارِها من جوانبها، يريد: ولو دخلت هذه العساكر المتحزبة التي يفرون خوفا منها مدينتهم وبيوتهم من نواحيها كلها. وانثالت [[قوله «وانثالت» في الصحاح: انثال عليه الناس من كل وجه، أى: انصبوا. (ع)]] على أهاليهم وأولادهم ناهبين سابين، ثم سئلوا عند ذلك الفزع وتلك الرجفة الْفِتْنَةَ أى الردة والرجعة إلى الكفر ومقاتلة المسلمين، لأتوها: لجاؤها وفعلوها. وقرئ: لآتوها: لأعطوها وَما تَلَبَّثُوا بِها وما ألبثوا إعطاءها إِلَّا يَسِيراً ريثما يكون السؤال والجواب من غير توقف. أو وما لبثوا بالمدينة بعد ارتدادهم إلا يسيرا، فإن الله يهلكهم. والمعنى: أنهم يتعللون بإعوار بيوتهم، ويتمحلون ليفروا عن نصرة رسول الله ﷺ والمؤمنين، وعن مصافة الأحزاب الذين ملؤهم هولا ورعبا، وهؤلاء الأحزاب كما هم لو كبسوا [[قوله «لو كبسوا» في الصحاح: كبسوا دار فلان: أغاروا عليها فجأة. (ع)]] عليهم أرضهم وديارهم وعرض عليهم الكفر وقيل لهم كونوا على المسلمين، لسارعوا إليه وما تعللوا بشيء، وما ذاك إلا لمقتهم الإسلام. وشدة بغضهم لأهله، وحبهم الكفر وتهالكهم على حزبه.
33:15–16Page 419
وَلَقَدۡ كَانُواْ عَٰهَدُواْ ٱللَّهَ مِن قَبۡلُ لَا يُوَلُّونَ ٱلۡأَدۡبَٰرَۚ وَكَانَ عَهۡدُ ٱللَّهِ مَسۡـُٔولٗا ١٥
And they had already promised Allāh before not to turn their backs [i.e., flee]. And ever is the promise to Allāh [that about which one will be] questioned.
قُل لَّن يَنفَعَكُمُ ٱلۡفِرَارُ إِن فَرَرۡتُم مِّنَ ٱلۡمَوۡتِ أَوِ ٱلۡقَتۡلِ وَإِذٗا لَّا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلٗا ١٦
Say, [O Muḥammad], "Never will fleeing benefit you if you should flee from death or killing; and then [if you did], you would not be given enjoyment [of life] except for a little."
عن ابن عباس: عاهدوا رسول الله ﷺ ليلة العقبة أن يمنعوه مما يمنعون منه أنفسهم. وقيل: هم قوم غابوا عن بدر فقالوا: لئن أشهدنا الله قتالا لنقاتلنّ. وعن محمد بن إسحاق عاهدوا يوم أحد أن لا يفرّوا بعد ما نزل فيهم ما نزل مَسْؤُلًا مطلوبا مقتضى حتى يوفى به لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرارُ مما لا بدّ لكم من نزوله بكم من حتف أنف أو قتل. وإن نفعكم الفرار مثلا فمنعتم بالتأخير: لم يكن ذلك التمتيع إلا زمانا قليلا. وعن بعض المروانية: أنه مرّ بحائط مائل فأسرع، فتليت له هذه الآية فقال: ذلك القليل نطلب.
33:17Page 420
قُلۡ مَن ذَا ٱلَّذِي يَعۡصِمُكُم مِّنَ ٱللَّهِ إِنۡ أَرَادَ بِكُمۡ سُوٓءًا أَوۡ أَرَادَ بِكُمۡ رَحۡمَةٗۚ وَلَا يَجِدُونَ لَهُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيّٗا وَلَا نَصِيرٗا ١٧
Say, "Who is it that can protect you from Allāh1 if He intends for you an ill or intends for you a mercy?" And they will not find for themselves besides Allāh any protector or any helper.
فإن قلت: كيف جعلت الرحمة قرينة السوء في العصمة ولا عصمة إلا من السوء؟ قلت: معناه أو يصيبكم بسوء إن أراد بكم رحمة، فاختصر الكلام وأجرى مجرى قوله:
متقلّدا سيفا ورمحا [[ورأيت زوجك في الوغى ... متقلدا سيفا ورمحا
الوغى: الحرب. ورمحا: نصب بمحذوف يناسبه، أى: متقلدا سيفا وحاملا رمحا. وروى بدل الشطر الأول:
«يا ليت زوجك قد غدا» أى: ذهب إلى الحرب غدوة لابسا سلاحه.]]
أو حمل الثاني على الأوّل لما في العصمة من معنى المنع.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences