Az-Zamakhshari · Tafsir · in Arabic
As-Saffat 37:40–94
37:40–49Page 447
إِلَّا عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلۡمُخۡلَصِينَ ٤٠
But not the chosen servants of Allāh.
أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ رِزۡقٞ مَّعۡلُومٞ ٤١
Those will have a provision determined -
فَوَٰكِهُ وَهُم مُّكۡرَمُونَ ٤٢
Fruits;1 and they will be honored
فِي جَنَّٰتِ ٱلنَّعِيمِ ٤٣
In gardens of pleasure
عَلَىٰ سُرُرٖ مُّتَقَٰبِلِينَ ٤٤
On thrones facing one another.
يُطَافُ عَلَيۡهِم بِكَأۡسٖ مِّن مَّعِينِۭ ٤٥
There will be circulated among them a cup [of wine] from a flowing spring,
بَيۡضَآءَ لَذَّةٖ لِّلشَّٰرِبِينَ ٤٦
White and delicious to the drinkers;
لَا فِيهَا غَوۡلٞ وَلَا هُمۡ عَنۡهَا يُنزَفُونَ ٤٧
No bad effect is there in it, nor from it will they be intoxicated.
وَعِندَهُمۡ قَٰصِرَٰتُ ٱلطَّرۡفِ عِينٞ ٤٨
And with them will be women limiting [their] glances,1 with large, [beautiful] eyes,
كَأَنَّهُنَّ بَيۡضٞ مَّكۡنُونٞ ٤٩
As if they were [delicate] eggs, well-protected.
إِلَّا عِبادَ اللَّهِ ولكن عباد الله، على الاستثناء المنقطع. فسر الرزق المعلوم بالفواكه:
وهي كل ما يتلذذ به ولا يتقوّت لحفظ الصحة، يعنى أنّ رزقهم كله فواكه، لأنهم مستغنون عن حفظ الصحة بالأقوات، بأنهم أجسام محكمة مخلوقة للأبد، فكل ما يأكلونه يأكلونه على سبيل التلذذ. ويجوز أن يراد: رزق معلوم منعوت بخصائص خلق عليها: من طيب طعم، ورائحة، ولذة، وحسن منظر. وقيل: معلوم الوقت، كقوله وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا وعن قتادة: الرزق المعلوم الجنة. وقوله فِي جَنَّاتِ يأباه، وقوله وَهُمْ مُكْرَمُونَ هو الذي يقوله العلماء في حد الثواب على سبيل المدح والتعظيم، وهو من أعظم ما يجب أن تتوق إليه نفوس ذوى الهمم، كما أنّ من أعظم ما يجب أن تنفر عنه نفوسهم هو ان أهل النار وصغارهم.
التقابل: أتم للسرور وآنس. وقيل: لا ينظر بعضهم إلى قفا بعض.
يقال للزجاجة فيها الخمر: كأس، وتسمى الخمر نفسها كأسا، قال:
وكاس شربت على لذّة [[وكأس شربت على لذة ... وأخرى تداويت منها بها
لكي يعلم الناس أنى امرؤ ... أتيت المعيشة من بابها
للأعشى، والكأس تطلق على الزجاجة فيها الخمر، وعلى الخمر فيها: مجازا مشهورا، وهي مؤنثة بدليل تأنيث صفتها وضميرها. يقول: ورب كأس شربتها مع لذة، أو لأجل لذة فضرتنى، فشربت كأسا أخرى تداويت من الأولى بها، ليعلم الناس أنى مجرب للأمور، وكنى عن ذلك بقوله: أتيت المعيشة من بابها، وشبه المعيشة مع أسبابها المناسبة لها بدار لها باب على طريق المكنية وإثبات الباب تخييل، أى: كما داويت الداء من بابه أدرك المعيشة وأحصلها من الأسباب التي تناسبها. ويروى: بدل الشطر الثاني من البيت الأول
دهاق يرنح من ذاقها
ودهقه:
كسره وغمزه غمزا شديدا، وكأس داهق: ممتلئة، ودهاق: مملوءة. وترنح: تميل، لكن هذا من قافية أخرى.]]
وعن الأخفش: كل كأس في القرآن فهي الخمر، وكذا في تفسير ابن عباس مِنْ مَعِينٍ من شراب معين. أو من نهر معين، وهو الجاري على وجه الأرض، الظاهر للعيون: وصف بما يوصف به الماء، لأنه يجرى في الجنة في أنهار كما يجرى الماء، قال الله تعالى وَأَنْهارٌ مِنْ خَمْرٍ.
بَيْضاءَ صفة للكأس لَذَّةٍ إمّا أن توصف باللذة كأنها نفس اللذة وعينها: أو هي تأنيث اللذ، يقال: لذ الشيء فهو لذ ولذيذ. ووزنه: فعل، كقولك: رجل طب، قال:
ولذ كطعم الصّرخدى تركته ... بأرض العدا من خشية الحدثان [[اللذ: وصف، واللذة: مؤنثة، وهي اسم للكيفية القائمة بالنفس، واسم للشيء اللذيذ. والصرخد:
موضع من الشام ينسب إليه الشراب. والحدثان: مصدر كالحدث، إلا أنه يدل على التجدد والتكرر، يقول:
ورب شيء لذيذ يعنى النوم، طعمه كطعم الشراب الطيب، تركته بأرض الأعداء خوف نزول المكاره بى. ويروى بدل الشطر الثاني
عشية خمس القوم والعين عاشقة
وخمست القوم أخمسهم- بالضم-: أخذت خمس أموالهم.]] يريد النوم. الغول: لمن غاله يغوله غولا إذا أهلكه وأفسده. ومنه: الغول الذي في تكاذيب العرب. وفي أمثالهم: الغضب غول الحلم، ويُنْزَفُونَ على البناء للمفعول، من نزف الشارب [[قوله «من نزف الشارب في الصحاح: نزفت ماء البئر نزفا، إذا نزحته كله. ونزفت هي: يتعدى ولا يتعدى ... ونزفت أيضا على ما لم يسم فاعله. (ع)]] إذا ذهب عقله. ويقال للسكران: نزيف ومنزوف. ويقال للمطعون: نزف فمات إذا خرج دمه كله. ونزحت الركية حتى نزفتها: إذا لم تترك فيها ماء. وفي أمثالهم: أجبن من المنزوف ضرطا. وقرئ: ينزفون، من أنزف الشارب إذا ذهب عقله أو شرابه. قال:
لعمري لئن أنزفتمو أو صحوتمو ... لبئس النّدامى كنتمو آل أبجرا [[للأبيرد. ونزف دمه: خرج منه حتى ضعف وانقطعت حركته. ونزف الرجل في الخصومة: انقطعت حجته، وأنزف: صار ذا نزف، فنزف وأنزف لا زمان. وقوله: لئن أنزفتم، أى سكرتم وبطلت حركتكم، أو انقطع شرابكم، ولبئس الندامى: جواب القسم، وجواب الشرط مثله محذوف، وأنتم: هو المخصوص بالذم.
وآل أبجر: منادى، وفيه نوع من التهكم والاستخفاف بهم.]]
ومعناه: صار ذا ترف. ونظيره: أقشع السحاب، وقشعته الريح، وأكب الرجل وكبيته.
وحقيقتهما: دخلا في القشع والكب. وفي قراءة طلحة بن مصرف: وينزفون: بضم الزاى، من نزف ينزف كقرب يقرب، إذا سكر. والمعنى: لا فيها فساد قط من أنواع الفساد التي تكون في شرب الخمر من مغص أو صداع أو خمار [[قوله «في الصحاح: الخمار: بقية السكر. (ع)]] أو عربدة أو لغو أو تأثيم أو غير ذلك، ولا هم يسكرون [[قوله «ولا هم يسكرون» لعله: ولا هم عنها يسكرون. (ع)]] ، وهو أعظم مفاسدها فأفرزه وأفرده بالذكر قاصِراتُ الطَّرْفِ قصرن أبصارهنّ على أزواجهنّ، لا يمددن طرفا إلى غيرهم، كقوله تعالى عُرُباً [[قوله «كقوله تعالى: عربا» أى متحببات إلى أزواجهن كما يأتى. (ع)]] والعين:
النجل العيون [[قوله «النجل العيون» في الصحاح: النجل- بالتحريك: كشف العين. والرجل أنجل، والعين نجلاء، والجمع نجل. وفيه: مدحى النعامة: موضع بيضها. وأدحيها موضعها، وهو أفعول من دحوت، لأنها تدحوه برجلها ثم تبيض فيه اه والأداحى: جمعه. (ع)]] شبههنّ يبيض النعام المكنون في الأداحى، وبها تشبه العرب النساء وتسميهنّ بيضات الخدور.
37:50–57Page 447
فَأَقۡبَلَ بَعۡضُهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖ يَتَسَآءَلُونَ ٥٠
And they will approach one another, inquiring of each other.
قَالَ قَآئِلٞ مِّنۡهُمۡ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٞ ٥١
A speaker among them will say, "Indeed, I had a companion [on earth].
يَقُولُ أَءِنَّكَ لَمِنَ ٱلۡمُصَدِّقِينَ ٥٢
Who would say, 'Are you indeed of those who believe
أَءِذَا مِتۡنَا وَكُنَّا تُرَابٗا وَعِظَٰمًا أَءِنَّا لَمَدِينُونَ ٥٣
That when we have died and become dust and bones, we will indeed be recompensed?'"
قَالَ هَلۡ أَنتُم مُّطَّلِعُونَ ٥٤
He will say,1 "Would you [care to] look?"
فَٱطَّلَعَ فَرَءَاهُ فِي سَوَآءِ ٱلۡجَحِيمِ ٥٥
And he will look and see him1 in the midst of the Hellfire.
قَالَ تَٱللَّهِ إِن كِدتَّ لَتُرۡدِينِ ٥٦
He will say, "By Allāh, you almost ruined me.
وَلَوۡلَا نِعۡمَةُ رَبِّي لَكُنتُ مِنَ ٱلۡمُحۡضَرِينَ ٥٧
If not for the favor of my Lord, I would have been of those brought in [to Hell].
فإن قلت: علام عطف قوله فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ؟ قلت: على يطاف عليهم. والمعنى:
يشربون فيتحادثون على الشراب كعادة الشرب [[قوله «كعادة الشرب» جمع شارب، كالصحب جمع صاحب، كذا في الصحاح. (ع)]] ، قال:
وما بقيت من اللّذّات إلّا ... أحاديث الكرام على المدام [[الفرزدق، يقول: وما بقيت لذة من اللذات إلا لذة أحاديث الكرام، أو ما بقيت شهوة من الشهوات اللذيذة إلا أحاديث الكرام على الخمر، وأتى بحرف الاستعلاء لأن الشراب يكون بين أيديهم والحديث من أفواههم فوقه، وكان الظاهر: وما بقي من اللذات، لكن أنث الفعل لأنه مفرغ لما بعد إلا، أو للتأويل المتقدم.]]
فيقبل بعضهم على بعض يَتَساءَلُونَ عما جرى لهم وعليهم في الدنيا، إلا أنه جيء به ماضيا على عادة الله في أخباره. قرئ: من المصدّقين، من التصديق. ومن المصّدّقين مشدّد الصاد، من التصدّق، وقيل: نزلت في رجل تصدّق بماله لوجه الله، فاحتاج فاستجدى بعض إخوانه، فقال: وأين مالك؟ قال: تصدقت به ليعوضنى الله به في الآخرة خيرا منه، فقال:
أإنك لمن المصدّقين بيوم الدين. أو من المتصدّقين لطلب الثواب. والله لا أعطيك شيئا لَمَدِينُونَ لمجزيون، من الدين وهو الجزاء. أو لمسوسون مربوبون. يقال: دانه ساسة.
ومنه الحديث: «العاقل من دان نفسه، [[أخرجه الترمذي وابن ماجة، والحاكم وأحمد والبزار وأبو يعلى والحرث والطبراني كلهم من رواية أبى بكر ابن أبى مريم عن ضمرة بن حبيب عن شداد بن أوس.]] . قالَ يعنى ذلك القائل هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ إلى النار لأريكم ذلك القرين. قيل: إن في الجنة كوى ينظر أهلها منها إلى أهل النار. وقيل:
القائل هو الله عز وجل: وقيل بعض الملائكة يقول لأهل الجنة: هل تحبون أن تطلعوا فتعلموا أين منزلتكم من منزلة أهل النار. وقرئ. مطلعون، فاطلع. وفأطلع بالتشديد، على لفظ الماضي والمضارع المنصوب: ومطلعون فاطلع، وفأطلع بالتخفيف، على لفظ الماضي والمضارع المنصوب. يقال: طلع علينا فلان، واطلع، وأطلع بمعنى واحد، والمعنى: هل أنتم مطلعون إلى القرين فأطلع أنا أيضا. أو عرض عليهم الاطلاع فاعترضوه، فاطلع هو بعد ذلك.
وإن جعلت الإطلاع من أطلعه غيره، فالمعنى: أنه لما شرط في اطلاعه اطلاعهم، وهو من آداب المجالسة. أن لا يستبد بشيء دون جلسائه، فكأنهم مطلعوه. وقيل: الخطاب على هذا للملائكة. وقرئ: مطلعون بكسر النون، أراد: مطلعون إياى، فوضع المتصل موضع المنفصل، كقوله:
هم الفاعلون الخير والآمرونه [[هم الفاعلون الخير والآمرونه ... إذا ما خشوا من حادث الدهر معظما
الخير: نصب على المفعولية. ويقال: أمرتك الخير وأمرتك به، فالآمرونه: اسم فاعل متعد للمفعول الثاني بنفسه، وكان حقه الفصل فوصل، وربما كان في البيت أوقع منه في اسم الفاعل المجرد من اللام، وما زائدة: أى إذا خافوا من حادث الدهر أمرا معظما. ويروى: مفظعا، أى: مخيفا فحقه في حرف العين.]]
أو شبه اسم الفاعل في ذلك بالمضارع لتآخ بينهما، كأنه قال: تطلعون، وهو ضعيف لا يقع إلا في الشعر فِي سَواءِ الْجَحِيمِ في وسطها، يقال: تعبت حتى انقطع سوائى، وعن أبى عبيدة:
قال لي عيسى بن عمر: كنت أكتب يا أبا عبيدة حتى ينقطع سوائى إِنْ مخففة من الثقيلة، وهي تدخل على «كاد» كما تدخل على «كان» ونحوه إِنْ كادَ لَيُضِلُّنا واللام هي الفارقة بينها وبين النافية، والإرداء: الإهلاك. وفي قراءة عبد الله: لتغوينّ نِعْمَةُ رَبِّي هي العصمة والتوفيق في الاستمساك بعروة الإسلام، والبراءة من قرين السوء. أو إنعام الله بالثواب وكونه من أهل الجنة مِنَ الْمُحْضَرِينَ من الذين أحضروا العذاب كما أحضرته أنت وأمثالك.
37:58–59Page 448
أَفَمَا نَحۡنُ بِمَيِّتِينَ ٥٨
Then, are we not to die
إِلَّا مَوۡتَتَنَا ٱلۡأُولَىٰ وَمَا نَحۡنُ بِمُعَذَّبِينَ ٥٩
Except for our first death, and we will not be punished?"
الذي عطفت عليه الفاء محذوف، معناه: أنحن مخلدون منعمون، فما نحن بميتين ولا معذبين.
وقرئ بمائتين. والمعنى أنّ هذه حال المؤمنين وصفتهم وما قضى الله به لهم للعلم بأعمالهم أن لا يذوقوا إلا الموتة الأولى، بخلاف الكفار، فإنهم فيما يتمنون فيه الموت كل ساعة، وقيل لبعض الحكماء:
ما شر من الموت؟ قال: الذي يتمنى فيه الموت.
37:60–61Page 448
إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ ٦٠
Indeed, this is the great attainment.
لِمِثۡلِ هَٰذَا فَلۡيَعۡمَلِ ٱلۡعَٰمِلُونَ ٦١
For the like of this let the workers [on earth] work.
يقوله المؤمن تحدثا بنعمة الله واغتباطا بحاله وبمسمع من قرينه، ليكون توبيخا له يزيد به تعذبا، وليحكيه الله فيكون لنا لطفا وزاجرا. ويجوز أن يكون قولهم جميعا، وكذلك قوله إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ أى إن هذا الأمر الذي نحن فيه. وقيل: هو من قول الله عزّ وجلّ تقريرا لقولهم وتصديقا له. وقرئ: لهو الرزق العظيم، وهو ما رزقوه من السعادة.
37:62–70Page 448
أَذَٰلِكَ خَيۡرٞ نُّزُلًا أَمۡ شَجَرَةُ ٱلزَّقُّومِ ٦٢
Is that [i.e., Paradise] a better accommodation or the tree of zaqqūm?
إِنَّا جَعَلۡنَٰهَا فِتۡنَةٗ لِّلظَّٰلِمِينَ ٦٣
Indeed, We have made it a torment for the wrongdoers.
إِنَّهَا شَجَرَةٞ تَخۡرُجُ فِيٓ أَصۡلِ ٱلۡجَحِيمِ ٦٤
Indeed, it is a tree issuing from the bottom of the Hellfire,
طَلۡعُهَا كَأَنَّهُۥ رُءُوسُ ٱلشَّيَٰطِينِ ٦٥
Its emerging fruit as if it was heads of the devils.
فَإِنَّهُمۡ لَأٓكِلُونَ مِنۡهَا فَمَالِـُٔونَ مِنۡهَا ٱلۡبُطُونَ ٦٦
And indeed, they will eat from it and fill with it their bellies.
ثُمَّ إِنَّ لَهُمۡ عَلَيۡهَا لَشَوۡبٗا مِّنۡ حَمِيمٖ ٦٧
Then indeed, they will have after it a mixture of scalding water.
ثُمَّ إِنَّ مَرۡجِعَهُمۡ لَإِلَى ٱلۡجَحِيمِ ٦٨
Then indeed, their return will be to the Hellfire.
إِنَّهُمۡ أَلۡفَوۡاْ ءَابَآءَهُمۡ ضَآلِّينَ ٦٩
Indeed they found their fathers astray.
فَهُمۡ عَلَىٰٓ ءَاثَٰرِهِمۡ يُهۡرَعُونَ ٧٠
So they hastened [to follow] in their footsteps.
تمت قصة المؤمن وقرينه، ثم رجع إلى ذكر الرزق المعلوم فقال أَذلِكَ الرزق خَيْرٌ نُزُلًا أى خير حاصلا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ وأصل النزل: الفضل والربع في الطعام، يقال:
طعام كثير النزل، فاستعير للحاصل من الشيء، وحاصل الرزق المعلوم: اللذة والسرور، وحاصل شجرة الزقوم: الألم والغم، وانتصاب نزلا على التمييز، ولك أن تجعله حالا، كما تقول:
أثمر النخلة خير بلحا أم رطبا؟ يعنى أنّ الرزق المعلوم نزل أهل الجنة. وأهل النار نزلهم شجرة الزقوم، فأيهما خير في كونه نزلا. والنزل: ما يقال [[قوله «ما يقال للنازل بالمكان» لعله «ما يقام» كعبارة النسفي. (ع)]] للنازل بالمكان من الرزق. ومنه إنزال الجند لأرزاقهم، كما يقال لما يقام لساكن الدار: السكن [[قوله «لساكن الدار السكن» في الصحاح «السكن» : كل ما سكنت إليه. (ع)]] . ومعنى الأوّل: أنّ للرزق المعلوم نزلا، ولشجر الزقوم نزلا، فأيهما خير نزلا. ومعلوم أنه لا خير في شجرة الزقوم، ولكن المؤمنين لما اختاروا ما أدى إلى الرزق المعلوم، واختار الكافرون ما أدى إلى شجرة الزقوم، قيل لهم ذلك توبيخا على سوء اختيارهم فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ محنة وعذابا لهم في الآخرة. أو ابتلاء لهم في الدنيا، وذلك أنهم قالوا: كيف يكون في النار شجرة والنار تحرق الشجر، فكذبوا. وقرئ:
نابتة فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ قيل: منبتها في قعر جهنم، وأغصانها ترتفع إلى دركاتها: والطلع للنخلة، فاستعير لما طلع من شجرة الزقوم من حملها: إما استعارة لفظية، أو معنوية، وشبه برءوس الشياطين دلالة على تناهيه في الكراهة وقبح المنظر، لأنّ الشيطان مكروه مستقبح في طباع الناس، لاعتقادهم أنه شر محض لا يخلطه خير، فيقولون في القبيح الصورة: كأنه وجه شيطان، كأنه رأس شيطان. وإذا صوّره المصورون: جاءوا بصورته على أقبح ما يقدر وأهوله، كما أنهم اعتقدوا في الملك أنه خير محض لا شر فيه، فشبهوا به الصورة الحسنة. قال الله تعالى ما هذا بَشَراً إِنْ هذا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ وهذا تشبيه تخييلى. وقيل: الشيطان حية عرفاء لها صورة قبيحة المنظر هائلة جدا. وقيل: إنّ شجرا يقال له الأستن خشنا منتنا مرا منكر الصورة، يسمى ثمره: رؤوس الشياطين. وما سمت العرب هذا الثمر برءوس الشياطين إلا قصدا إلى أحد التشبيهين، ولكنه بعد التسمية بذلك رجع أصلا ثالثا يشبه به مِنْها من الشجرة، أى من ظلعها فَمالِؤُنَ بطونهم، لما يغلبهم من الجوع الشديد، أو يقسرون على أكلها وإن كرهوها، ليكون بابا من العذاب، فإذا شبعوا غلبهم العطش فيسقون شرابا من غساق أو صديد، شوبه: أى مزاجه مِنْ حَمِيمٍ يشوى وجوههم ويقطع أمعاءهم، كما قال في صفة شراب أهل الجنة وَمِزاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ وقرئ: لشوبا، بالضم، وهو اسم ما يشاب به، والأوّل تسمية بالمصدر. فإن قلت:
ما معنى حرف التراخي في قوله ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْها لَشَوْباً وفي قوله ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ؟ قلت:
في الأوّل وجهان، أحدهما: أنهم يملئون البطون من شجر الزقوم، وهو حارّ يحرق بطونهم ويعطشهم، فلا يسقون إلا بعد ملىّ تعذيبا بذلك العطش، ثم يسقون ما هو احرّ وهو الشراب المشوب بالحميم. والثاني: أنه ذكر الطعام بتلك الكراهة والبشاعة، ثم ذكر الشراب بما هو أكره وأبشع، فجاء بثم للدلالة على تراخى حال الشراب عن حال الطعام ومباينة صفته لصفته في الزيادة عليه. ومعنى الثاني: أنهم يذهب بهم عن مقارّهم ومنازلهم في الجحيم، وهي الدركات التي أسكنوها إلى شجرة الزقوم، فيأكلون إلى أن يتملئوا، ويسقون بعد ذلك، ثم يرجعون إلى دركاتهم، ومعنى التراخي في ذلك بين: وقرئ: ثم إن منقلبهم، ثم إن مصيرهم، ثم إن منفذهم إلى الجحيم: علل استحقاقهم للوقوع في تلك الشدائد كلها بتقليد الآباء في الدين، واتباعهم إياهم على الضلال، وترك اتباع الدليل. والإهراع: الإسراع الشديد، كأنهم يحثون حثا. وقيل:
إسراع فيه شبه بالرعدة.
37:71–74Page 448
وَلَقَدۡ ضَلَّ قَبۡلَهُمۡ أَكۡثَرُ ٱلۡأَوَّلِينَ ٧١
And there had already strayed before them most of the former peoples,
وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا فِيهِم مُّنذِرِينَ ٧٢
And We had already sent among them warners.
فَٱنظُرۡ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلۡمُنذَرِينَ ٧٣
Then look how was the end of those who were warned -
إِلَّا عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلۡمُخۡلَصِينَ ٧٤
But not the chosen servants of Allāh.
وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ قبل قومك قريش. مُنْذِرِينَ أنبياء حذروهم العواقب. الْمُنْذَرِينَ الذين أنذروا وحذروا، أى أهلكوا جميعا إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الذين آمنوا منهم وأخلصوا دينهم لله، أو أخلصهم الله لدينه على القراءتين.
37:75–82Page 448
وَلَقَدۡ نَادَىٰنَا نُوحٞ فَلَنِعۡمَ ٱلۡمُجِيبُونَ ٧٥
And Noah had certainly called Us, and [We are] the best of responders.
وَنَجَّيۡنَٰهُ وَأَهۡلَهُۥ مِنَ ٱلۡكَرۡبِ ٱلۡعَظِيمِ ٧٦
And We saved him and his family from the great affliction.
وَجَعَلۡنَا ذُرِّيَّتَهُۥ هُمُ ٱلۡبَاقِينَ ٧٧
And We made his descendants those remaining [on the earth]
وَتَرَكۡنَا عَلَيۡهِ فِي ٱلۡأٓخِرِينَ ٧٨
And left for him [favorable mention] among later generations:
سَلَٰمٌ عَلَىٰ نُوحٖ فِي ٱلۡعَٰلَمِينَ ٧٩
"Peace upon Noah among the worlds."
إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡمُحۡسِنِينَ ٨٠
Indeed, We thus reward the doers of good.
إِنَّهُۥ مِنۡ عِبَادِنَا ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٨١
Indeed, he was of Our believing servants.
ثُمَّ أَغۡرَقۡنَا ٱلۡأٓخَرِينَ ٨٢
Then We drowned the others [i.e., disbelievers].
لما ذكر إرسال المنذرين في الأمم الخالية وسوء عاقبة المنذرين، أتبع ذلك ذكر نوح ودعائه إياه حين أيس من قومه، واللام الداخلة على نعم جواب قسم محذوف، والمخصوص بالمدح محذوف تقديره: فو الله لنعم المجيبون نحن، والجمع دليل العظمة والكبرياء. والمعنى:
إنا أجبناه أحسن الإجابة، وأوصلها إلى مراده وبغيته من نصرته على أعدائه والانتقام منهم بأبلغ ما يكون هُمُ الْباقِينَ هم الذين بقوا وحدهم وقد فنى غيرهم، فقد روى أنه مات كل من كان معه في السفينة غير ولده. أو هم الذين بقوا متناسلين إلى يوم القيامة. قال قتادة: الناس كلهم من ذرية نوح. وكان لنوح عليه السلام ثلاثة أولاد: سام، وحام، ويافث. فسام أبو العرب، وفارس، والروم. وحام أبو السودان من المشرق إلى المغرب. ويافث أبو الترك ويأجوج ومأجوج وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ من الأمم هذه الكلمة، وهي: سَلامٌ عَلى نُوحٍ يعنى يسلمون عليه تسليما، ويدعون له، وهو من الكلام المحكي، كقولك: قرأت سورة أنزلناها. فإن قلت: فما معنى قوله فِي الْعالَمِينَ؟ قلت: معناه الدعاء بثبوت هذه التحية فيهم جميعا، وأن لا يخلو أخد منهم منها، كأنه قيل: ثبت الله التسليم على نوح وأدامه في الملائكة والثقلين يسلمون عليه عن آخرهم. علل مجازاة نوح عليه السلام بتلك التكرمة السنية من تبقية ذكره، وتسليم العالمين عليه إلى آخر الدهر بأنه كان محسنا، ثم علل كونه محسنا بأنه كان عبدا مؤمنا، ليريك جلالة محل الإيمان، وأنه القصارى من صفات المدح والتعظيم، ويرغبك في تحصيله والازدياد منه.
37:83–87Page 449
۞ وَإِنَّ مِن شِيعَتِهِۦ لَإِبۡرَٰهِيمَ ٨٣
And indeed, among his kind was Abraham,
إِذۡ جَآءَ رَبَّهُۥ بِقَلۡبٖ سَلِيمٍ ٨٤
When he came to his Lord with a sound heart
إِذۡ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوۡمِهِۦ مَاذَا تَعۡبُدُونَ ٨٥
[And] when he said to his father and his people, "What do you worship?
أَئِفۡكًا ءَالِهَةٗ دُونَ ٱللَّهِ تُرِيدُونَ ٨٦
Is it falsehood [as] gods other than Allāh you desire?
فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٨٧
Then what is your thought about the Lord of the worlds?"
مِنْ شِيعَتِهِ ممن شايعه على أصول الدين وإن اختلفت شرائعهما. أو شايعه على التصلب في دين الله ومصابرة المكذبين. ويجوز أن يكون بين شريعتيهما اتفاق في أكثر الأشياء. وعن ابن عباس رضى الله عنهما: من أهل دينه وعلى سنته، وما كان بين نوح وإبراهيم إلا نبيان:
هود، وصالح. وكان بين نوح وإبراهيم ألفان وستمائة وأربعون سنة. فإن قلت: بم تعلق الظرف؟
قلت: بما في الشيعة من معنى المشايعة، يعنى: وإن ممن شايعه على دينه وتقواه حين جاء ربه بقلب سليم لإبراهيم. أو بمحذوف وهو: اذكر بِقَلْبٍ سَلِيمٍ من جميع آفات القلوب. وقيل:
من الشرك، ولا معنى للتخصيص لأنه مطلق، فليس بعض الآفات أولى من بعض فيتناولها كلها.
فإن قلت: ما معنى المجيء بقلبه ربه؟ قلت: معناه أنه أخلص لله قلبه، وعرف ذلك منه فضرب المجيء مثلا لذلك أَإِفْكاً مفعول له، تقديره: أتريدون آلهة من دون الله إفكا، وإنما قدّم المفعول على الفعل للعناية، وقدّم المفعول له على المفعول به، لأنه كان الأهمّ عنده أن يكافحهم بأنهم على إفك وباطل في شركهم. ويجوز أن يكون إفكا مفعولا، يعنى: أتريدون به إفكا.
ثم فسر الإفك بقوله آلِهَةً دُونَ اللَّهِ على أنها إفك في أنفسها. ويجوز أن يكون حالا، بمعنى: أتريدون آلهة من دون الله آفكين فَما ظَنُّكُمْ بمن هو الحقيق بالعبادة، لأنّ من كان ربا للعالمين استحق عليهم أن يعبدوه، حتى تركتم عبادته إلى عبادة الأصنام: والمعنى: أنه لا يقدّر في وهم ولا ظنّ ما يصدّ عن عبادته. أو فما ظنكم به أى شيء هو من الأشياء، حتى جعلتم الأصنام له أندادا. أو فما ظنكم به ماذا يفعل بكم وكيف يعاقبكم وقد عبدتم غيره؟
37:88–90Page 449
فَنَظَرَ نَظۡرَةٗ فِي ٱلنُّجُومِ ٨٨
And he cast a look at the stars
فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٞ ٨٩
And said, "Indeed, I am [about to be] ill."
فَتَوَلَّوۡاْ عَنۡهُ مُدۡبِرِينَ ٩٠
So they turned away from him, departing.
فِي النُّجُومِ في علم النجوم أو في كتابها أو في أحكامها، وعن بعض الملوك أنه سئل عن مشتهاه فقال: حبيب أنظر إليه، ومحتاج أنظر له، وكتاب أنظر فيه. كان القوم نجامين، فأوهمهم أنه استدل بأمارة في علم النجوم على أنه يسقم فَقالَ إِنِّي سَقِيمٌ إنى مشارف للسقم وهو الطاعون، وكان أغلب الأسقام عليهم، وكانوا يخافون العدوى ليتفرقوا عنه، فهربوا منه إلى عيدهم وتركوه في بيت الأصنام ليس معه أحد، ففعل بالأصنام ما فعل. فإن قلت: كيف جاز له أن يكذب؟ قلت: قد جوّزه بعض الناس في المكيدة في الحرب والتقية، وإرضاء الزوج والصلح بين المتخاصمين والمتهاجرين. والصحيح: أن الكذب حرام إلا إذا عرّض وورّى، والذي قاله إبراهيم عليه السلام: معراض من الكلام، ولقد نوى به أن من في عنقه الموت سقيم.
ومنه المثل: كفى بالسلامة داء. وقول لبيد:
فدعوت ربى بالسّلامة جاهدا ... ليصحّنى فإذا السّلامة داء [[كانت قناتي لا تلين لغامز ... فألانها الإصباح والإمساء
فدعوت ربى بالسلامة جاهدا ... ليصحنى فإذا السلامة داء
للبيد بن ربيعة العامري، والقناة: الرمح، استعارها لاقامته أو قوته على طريق التصريح، والليونة والغمز:
ترشيح. والغمزى: الحبى باليد ويجوز أن الاستعارة تمثيلية في المركب، يصف قوته زمن الشباب، ثم ضعف حال المشيب بتتابع الأزمان عليه، وأنه تطلب فسحة الأجل، فكانت سبب اضمحلاله.]]
وقد مات رجل فجأة فالتف عليه الناس وقالوا: مات وهو صحيح، فقال أعرابى: أصحيح من الموت في عنقه. وقيل: أراد: إنى سقيم النفس لكفركم.
37:91–93Page 449
فَرَاغَ إِلَىٰٓ ءَالِهَتِهِمۡ فَقَالَ أَلَا تَأۡكُلُونَ ٩١
Then he turned to their gods and said, "Do you not eat?1
مَا لَكُمۡ لَا تَنطِقُونَ ٩٢
What is [wrong] with you that you do not speak?"
فَرَاغَ عَلَيۡهِمۡ ضَرۡبَۢا بِٱلۡيَمِينِ ٩٣
And he turned upon them a blow with [his] right hand.
فَراغَ إِلى آلِهَتِهِمْ فذهب إليها في خفية، من روغة الثعلب، إلى آلهتهم: إلى أصنامهم التي هي في زعمهم آلهة، كقوله تعالى: أين شركائى؟ أَلا تَأْكُلُونَ ما لَكُمْ لا تَنْطِقُونَ استهزاء بها وبانحطاطها عن حال عبدتها فَراغَ عَلَيْهِمْ فأقبل عليهم مستخفيا، كأنه قال: فضربهم ضَرْباً لأن راغ عليهم بمعنى ضربهم. أو فراغ عليهم يضربهم ضربا. أو فراغ عليهم ضربا بمعنى ضاربا. وقرئ: صفقا وسفقا، ومعناهما: الضرب. ومعنى ضربا بِالْيَمِينِ ضربا شديدا قويا، لأن اليمين أقوى الجارحتين وأشدّهما. وقيل: بالقوّة والمتانة: وقيل: بسبب الحلف، وهو قوله تَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ.
37:94Page 449
فَأَقۡبَلُوٓاْ إِلَيۡهِ يَزِفُّونَ ٩٤
Then they [i.e., the people] came toward him, hastening.
يَزِفُّونَ يسرعون، من زفيف النعام. ويزفون: من أزفّ، إذا دخل في الزفيف. أو من أزفه، إذا حمله على الزفيف، أى: يزفّ بعضهم بعضا. ويزفون، على البناء للمفعول، أى:
يحملون على الزفيف. ويزفون، من وزف يزف إذا أسرع. ويزفون: من زفاه إذا حداه [[قوله «إذا حداه» أى ساقه. أفاده الصحاح. (ع)]] ، كأن بعضهم يزفوا بعضا لتسارعهم إليه، فإن قلت: بين هذا وبين قوله تعالى قالُوا مَنْ فَعَلَ هذا بِآلِهَتِنا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ، قالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقالُ لَهُ إِبْراهِيمُ كالتناقض حيث ذكر هاهنا أنهم أدبروا عنه خيفة العدوى، فلما أبصروه يكسرهم أقبلوا إليه متبادرين ليكفوه ويوقعوا به، وذكر ثم أنهم سألوا عن الكاسر، حتى قيل لهم: سمعنا إبراهيم يذمهم، فلعله هو الكاسر، ففي أحدهما أنهم شاهدوه يكسرها، وفي الآخر: أنهم استدلوا بذمه على أنه الكاسر. قلت:
فيه وجهان، أحدهما: أن يكون الذين أبصروه وزفوا إليه نفرا منهم دون جمهورهم وكبرائهم، فلما رجع الجمهور والعلية [[قوله «والعلية» أى العظماء. (ع)]] من عيدهم إلى بيت الأصنام ليأكلوا الطعام الذي وضعوه عندها لتبرك عليه ورأوها مكسورة اشمأزوا من ذلك، وسألوا: من فعل هذا بها؟ ثم لم ينم عليه أولئك النفر نميمة صريحة، ولكن على سبيل التورية والتعريض بقولهم «سمعنا فتى يذكرهم» لبعض الصوارف. والثاني: أن يكسرها ويذهب ولا يشعر بذلك أحد، ويكون إقبالهم إليه يزفون بعد رجوعهم من عيدهم وسؤالهم عن الكاسر. وقولهم: قالوا فأتوا به على أعين الناس.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences