Az-Zamakhshari · Tafsir · in Arabic
فصلت
Fussilat
Explained in Detail · Meccan · 54 ayahs
41:1–4Page 477
حمٓ ١
Ḥā, Meem.1
تَنزِيلٞ مِّنَ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ ٢
[This is] a revelation from the Entirely Merciful, the Especially Merciful -
كِتَٰبٞ فُصِّلَتۡ ءَايَٰتُهُۥ قُرۡءَانًا عَرَبِيّٗا لِّقَوۡمٖ يَعۡلَمُونَ ٣
A Book whose verses have been detailed, an Arabic Qur’ān1 for a people who know,
بَشِيرٗا وَنَذِيرٗا فَأَعۡرَضَ أَكۡثَرُهُمۡ فَهُمۡ لَا يَسۡمَعُونَ ٤
As a giver of good tidings and a warner; but most of them turn away, so they do not hear.
مكية، وآياتها 54 وقيل 53 آية [نزلت بعد غافر] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
إن جعلت حم اسما للسورة كانت في موضع المبتدأ. وتَنْزِيلٌ خبره. وإن جعلتها تعديد للحروف كان تَنْزِيلٌ خبرا لمبتدأ محذوف وكِتابٌ بدل من تنزيل. أو خبر بعد خبر. أو خبر مبتدأ محذوف. وجوز الزجاج أن يكون تَنْزِيلٌ مبتدأ، وكِتابٌ خبره.
ووجهه أن تنزيلا تخصص بالصفة فساغ وقوعه مبتدأ فُصِّلَتْ آياتُهُ ميزت وجعلت تفاصيل في معان مختلفة: من أحكام وأمثال ومواعظ، ووعد ووعيد، وغير ذلك. وقرئ: فصلت، أى: فرقت بين الحق والباطل. أو فصل بعضها من بعض باختلاف معانيها، من قولك: فصل من البلد قُرْآناً عَرَبِيًّا نصب على الاختصاص والمدح، أى: أريد بهذا الكتاب المفصل قرآنا من صفته كيت وكيت. وقيل: هو نصب على الحال، أى: فصلت آياته في حال كونه قرآنا عربيا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ أى لقوم عرب يعلمون ما نزل عليهم من الآيات المفصلة المبينة بلسانهم العربي المبين، لا يلتبس عليهم شيء منه. فإن قلت: بم يتعلق قوله لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ؟
قلت: يجوز أن يتعلق بتنزيل أو بفصلت، أى: تنزيل من الله لأجلهم. أو فصلت آياته لهم.
والأجود أن يكون صفة مثل ما قبله وما بعده، أى قرآنا عربيا كائنا لقوم عرب، لئلا يفرق بين الصلات والصفات. وقرئ: بشير ونذير، صفة للكتاب. أو خبر مبتدأ محذوف فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ لا يقبلون ولا يطيعون، من قولك. تشفعت إلى فلان فلم يسمع قولي، ولقد سمعه ولكنه لما لم يقبله ولم يعمل بمقتضاه، فكأنه لم يسمعه.
41:5Page 477
وَقَالُواْ قُلُوبُنَا فِيٓ أَكِنَّةٖ مِّمَّا تَدۡعُونَآ إِلَيۡهِ وَفِيٓ ءَاذَانِنَا وَقۡرٞ وَمِنۢ بَيۡنِنَا وَبَيۡنِكَ حِجَابٞ فَٱعۡمَلۡ إِنَّنَا عَٰمِلُونَ ٥
And they say, "Our hearts are within coverings [i.e., screened] from that to which you invite us, and in our ears is deafness, and between us and you is a partition, so work;1 indeed, we are working."
والأكنة: جمع كنان، وهو الغطاء. والوقر- بالفتح- الثقل. وقرئ بالكسر. وهذه تمثيلات لنبوّ قلوبهم عن تقبل الحق واعتقاده، كأنها في غلف وأغطية تمنع من نفوذه فيها، كقوله تعالى وَقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ ومج أسماعهم له كأن بها صمما عنه، ولتباعد المذهبين والدينين كأن بينهم وما هم عليه، وبين رسول الله ﷺ وما هو عليه: حجابا ساترا وحاجزا منيعا من جبل أو نحوه، فلا تلاقى ولا ترائى فَاعْمَلْ على دينك إِنَّنا عامِلُونَ على ديننا. أو فاعمل في إبطال أمرنا، إننا عاملون في إبطال أمرك. وقرئ إنا عاملون. فإن قلت:
هل لزيادة مِنْ في قوله وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ فائدة؟ قلت: نعم، لأنه لو قيل: وبيننا وبينك حجاب: لكان المعنى: أن حجابا حاصل وسط الجهتين، وأما بزيادة مِنْ فالمعنى: أن حجابا ابتدأ منا وابتدأ منك، فالمسافة المتوسطة لجهتنا وجهتك مستوعبة بالحجاب لا فراغ [[قال محمود: «فان قلت: ما فائدة مِنْ في قوله وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ وأجاب بأن فائدتها الدلالة على أن من جهتهم ابتدأ الحجاب، ومن جهته أيضا ابتدأ حجاب، فيلزم أن المسافة المتوسطة بينهما مملوءة بالحجاب لا فراغ فيها، ولولا ذكر من فيها لكان المعنى: على أن في المسافة بينهما حجابا فقط» قال أحمد: ولا ينفك المعنى بدخول مِنْ عما كان عليه قبل، ولو كان لأمر كما ذكر لكانت من مقدرة مع بين الثانية، لأنه جعلها مفيدة للابتداء في الثانية كما هي مفيدة للابتداء في الأولى، فيكون التقدير إذا: ومن بيننا وبينك حجاب، وهذا يخل بمعنى «بين» إخلالا بينا، فإنها تأبى تكرار العامل معها، حتى لو قال القائل: جلست بين زيد، وجلست بين عمرو: لم يكن مستقيما، لأن تكرار العامل يصيرها داخلة على مفرد فقط، ويقطعه عن قرينه المتقدم. ومن شأنها الدخول على متعدد، لأن في ضمن معناها التوسط، وزاد الزمخشري على هذا فجعل «بين» الثانية غير الأولى لأنه جعل الأولى بجهتهم والثانية بجهته، وليس الأمر كما ظنه، بل «بين» الأولى هي الثانية بعينها، وهي عبارة عن الجهة المتوسطة بين المضافين، وتكرارها إنما كان لأن المعطوف مضمر محفوظ، فوجب تكرار حافظه وهو بين، والدليل على هذا: أنه لا تفاوت باتفاق بين أن تقول: جلست بين زيد وعمرو، وبين أن تقول: جلست بين زيد وبين عمرو. وإنما كان ذكرها مع الظاهر جوازا ومع المضمر وجوبا لما بيناه فإذا وضح ذلك فالظاهر- والله أعلم- أن موقع من هاهنا كموقعها في قوله تعالى وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا وذلك للاشعار بأن الجهة المتوسطة مثلا بينهم وبين النبي عليه الصلاة والسلام مبدأ الحجاب لا غير، ووجود من قريب من عدمها، ألا ترى إلى آخر هذه الآية كيف لم يستعمل فيها من، وهي قوله تعالى وَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجاباً مَسْتُوراً. وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً وكلام الزمخشري هذا إذا امتحنته بالتحقيق الذي ذكرناه: تبين ضعفه، والله الموفق. وفي هذه الآية وأختها من المبالغة والبلاغة ما لا يليق أن ينتظم إلا في درر الكتاب العزيز، فإنها اشتملت على ذكر حجب ثلاثة متوالية: كل واحد منها كاف في فنه، فأولها الحجاب الحائل الخارج، ويليه حجاب الصمم. وأقصاها الحجاب الذي أكن القلب والعياذ بالله، فلم تدع هذه الآية حجابا مرتخيا إلا أسبلته ولم تبق لهؤلاء الأشقياء مطمعا ولا صريخا الا استلبته، فنسأل الله كفايته.]] فيها. فإن قلت: هلا قيل: على قلوبنا أكنة، كما قيل: وفي آذاننا وقر، ليكون الكلام على نمط واحد؟ قلت: هو على نمط واحد، لأنه لا فرق في المعنى بين قولك: قلوبنا في أكنة. وعلى قلوبنا أكنة. والدليل عليه قوله تعالى إِنَّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً ولو قيل: إنا جعلنا قلوبهم في أكنة: لم يختلف المعنى، وترى المطابيع منهم لا يراعون الطباق والملاحظة [[قوله «والملاحظة» لعله: والملاحة. (ع)]] إلا في المعاني.
41:6–7Page 477
قُلۡ إِنَّمَآ أَنَا۠ بَشَرٞ مِّثۡلُكُمۡ يُوحَىٰٓ إِلَيَّ أَنَّمَآ إِلَٰهُكُمۡ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞ فَٱسۡتَقِيمُوٓاْ إِلَيۡهِ وَٱسۡتَغۡفِرُوهُۗ وَوَيۡلٞ لِّلۡمُشۡرِكِينَ ٦
Say, [O Muḥammad], "I am only a man like you to whom it has been revealed that your god is but one God; so take a straight course to Him and seek His forgiveness." And woe to those who associate others with Allāh –
ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَهُم بِٱلۡأٓخِرَةِ هُمۡ كَٰفِرُونَ ٧
Those who do not give zakāh, and in the Hereafter they are disbelievers.
فإن قلت: من أين كان قوله إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ جوابا لقولهم قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ [[قال محمود: «فان قلت: كيف كان هذا جوابا لما تقدمه» قال أحمد: وأجاب بما نلخصه فتقول: لما أبوا القبول منه عليه الصلاة والسلام كل الاباء، بدأهم باقامة الحجة على وجوب القبول منه، فانه بشر مثلهم لا قدرة له على إظهار المعجزات التي ظهرت. وإنما القادر على إظهارها هو الله تعالى تصديقا له عليه الصلاة والسلام، ثم بين لهم بعد قيام الحجة عليهم أهم ما بعث به وهو التوحيد، واندرج تحت الاستقامة جميع تفاصيل الشرع وتمم ذلك بإنذارهم على ترك القبول بالويل الطويل.]] ؟ قلت: من حيث أنه قال لهم: إنى لست بملك، وإنما أنا بشر مثلكم، وقد أوحى إلىّ دونكم فصحت- بالوحي إلىّ وأنا بشر- نبوّتى، وإذا صحت نبوّتى: وجب عليكم اتباعى، وفيما يوحى إلىّ: أن إلهكم إله واحد فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ فاستووا إليه بالتوحيد وإخلاص العبادة غير ذاهبين يمينا ولا شمالا، ولا ملتفتين إلى ما يسوّل لكم الشيطان من اتخاذ الأولياء والشفعاء، وتوبوا إليه مما سبق لكم من الشرك وَاسْتَغْفِرُوهُ. وقرئ: قال إنما أنا بشر.
فإن قلت: لم خص من بين أوصاف المشركين منع الزكاة مقرونا بالكفر بالآخرة؟ قلت:
لأن أحب شيء إلى الإنسان ما له وهو شقيق روحه، فإذا بذله في سبيل الله فذلك أقوى دليل على ثباته واستقامته وصدق نيته ونصوع طويته. ألا ترى إلى قوله عز وجل وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ أى: يثبتون أنفسهم ويدلون على ثباتها بإنفاق الأموال، وما خدع المؤلفة قلوبهم إلا بلمظة [[قوله «إلا بلمظة من الدنيا» في الصحاح «لمظ» إذا تتبع بلسانه بقية الطعام في فمه اه فلمظة: بمعنى ملموظ كمضغة بمعنى ممضوغ. (ع)]] من الدنيا فقرّت عصبيتهم ولانت شكيمتهم وأهل الردّة بعد رسول الله ﷺ ما تظاهروا إلا بمنع الزكاة، فنصبت لهم الحرب، وجوهدوا [[قال محمود: «فان قلت: لم خص الزكاة وأجاب بأن أحب الأشياء إلى الإنسان ماله وهو شقيق روحه، فبذله مصداق لاستقامته ونصوع طويته، وما خدع المؤلفة قلوبهم إلا بلمظة من الدنيا، وأهل الردة ما تظاهروا إلا بمنع الزكاة فنصبت لهم الحرب وجوهدوا» قال أحمد: كلام حسن بعد تبديل قوله: وما خدع المؤلفة، فان استعماله الخداع غير لائق، لأنهم إنما تألفهم عليه الصلاة والسلام على الايمان من قبيل الملاطفة ودفع السيئة بالحسنة ومانحا هذا النحو.]] . وفيه بعث للمؤمنين على أداء الزكاة، وتخويف شديد من منعها، حيث جعل المنع من أوصاف المشركين، وقرن بالكفر بالآخرة. وقيل: كانت قريش يطعمون الحاج، ويحرمون من آمن منهم برسول الله ﷺ. وقيل: لا يفعلون ما يكونون به أزكياء، وهو الإيمان.
41:8Page 477
إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَهُمۡ أَجۡرٌ غَيۡرُ مَمۡنُونٖ ٨
Indeed, those who believe and do righteous deeds - for them is a reward uninterrupted.
الممنون: المقطوع. وقيل: لا يمنّ عليهم لأنه إنما يمنّ التفضل. فأما الأجر فحق أداؤه.
وقيل: نزلت في المرضى والزمنى والهرمى: إذا عجزوا عن الطاعة كتب لهم الأجر، كأصح ما كانوا يعملون.
41:9–12Page 477
۞ قُلۡ أَئِنَّكُمۡ لَتَكۡفُرُونَ بِٱلَّذِي خَلَقَ ٱلۡأَرۡضَ فِي يَوۡمَيۡنِ وَتَجۡعَلُونَ لَهُۥٓ أَندَادٗاۚ ذَٰلِكَ رَبُّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٩
Say, "Do you indeed disbelieve in He who created the earth in two days and attribute to Him equals? That is the Lord of the worlds."
وَجَعَلَ فِيهَا رَوَٰسِيَ مِن فَوۡقِهَا وَبَٰرَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقۡوَٰتَهَا فِيٓ أَرۡبَعَةِ أَيَّامٖ سَوَآءٗ لِّلسَّآئِلِينَ ١٠
And He placed on it [i.e., the earth] firmly set mountains over its surface, and He blessed it and determined therein its [creatures'] sustenance in four days without distinction1 - for [the information of] those who ask.
ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰٓ إِلَى ٱلسَّمَآءِ وَهِيَ دُخَانٞ فَقَالَ لَهَا وَلِلۡأَرۡضِ ٱئۡتِيَا طَوۡعًا أَوۡ كَرۡهٗا قَالَتَآ أَتَيۡنَا طَآئِعِينَ ١١
Then He directed Himself1 to the heaven while it was smoke and said to it and to the earth, "Come [into being],2 willingly or by compulsion." They said, "We have come willingly."
فَقَضَىٰهُنَّ سَبۡعَ سَمَٰوَاتٖ فِي يَوۡمَيۡنِ وَأَوۡحَىٰ فِي كُلِّ سَمَآءٍ أَمۡرَهَاۚ وَزَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنۡيَا بِمَصَٰبِيحَ وَحِفۡظٗاۚ ذَٰلِكَ تَقۡدِيرُ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡعَلِيمِ ١٢
And He completed them as seven heavens within two days and inspired [i.e., made known] in each heaven its command. And We adorned the nearest heaven with lamps [i.e., stars, for beauty] and as protection.1 That is the determination of the Exalted in Might, the Knowing.
أَإِنَّكُمْ بهمزتين [[قوله «أإنكم بهمزتين» لعله: قرئ بهمزتين ... الخ. (ع)]] : الثانية بين بين. وءائنكم، بألف بين همزتين ذلِكَ الذي قدر على خلق الأرض في مدة يومين. هو رَبُّ الْعالَمِينَ...... رَواسِيَ جبالا ثوابت. فإن قلت: ما معنى قوله مِنْ فَوْقِها وهل اختصر على قوله وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ كقوله تعالى وَجَعَلْنا فِيها رَواسِيَ شامِخاتٍ، وَجَعَلْنا فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ، وَجَعَلَ لَها رَواسِيَ؟ قلت: لو كانت تحتها كالأساطين لها تستقر عليها، أو مر كوزة فيها كالمسامير: لمنعت من الميدان أيضا، وإنما اختار إرساءها فوق الأرض، لتكون المنافع في الجبال معرضة لطالبيها، حاضرة محصليها، وليبصر أن الأرض والجبال أثقال على أثقال، كلها مفتقرة إلى ممسك لا بد لها منه، وهو ممسكها عز وعلا بقدرته وَبارَكَ فِيها وأكثر خيرها وأنماه وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها أرزاق أهلها ومعايشهم وما يصلحهم. وفي قراءة ابن مسعود: وقسم فيها أقواتها فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَواءً فذلكة لمدة خلق الله الأرض وما فيها، كأنه قال: كل ذلك في أربعة أيام كاملة مستوية بلا زيادة ولا نقصان. قيل: خلق الله الأرض في يوم الأحد ويوم الاثنين، وما فيها يوم الثلاثاء ويوم الأربعاء. وقال الزجاج. في أربعة أيام في تتمة أربعة أيام، يريد بالتتمة اليومين. وقرئ: سواء، بالحركات الثلاث: الجر على الوصف والنصب على: استوت سواء، أى: استواء: والرفع على: هي سواء. فإن قلت: بم تعلق قوله لِلسَّائِلِينَ؟ قلت: بمحذوف، كأنه قيل: هذا الحصر لأجل من سأل: في كم خلقت الأرض وما فيها؟ أو يقدر: أى: قدر فيها الأقوات لأجل الطالبين لها المحتاجين إليها من المقتاتين.
وهذا الوجه الأخير لا يستقيم إلا على تفسير الزجاج [[قال محمود: «إن قوله فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ فذلكة بمدة خلق الله الأرض وما فيها، كأنه قال: وقدر فيها أقواتها في يومين آخرين، فذلك أربعة أيام سواء. وقال: ومعنى سواء: كاملة مستوية بلا زيادة ولا نقصان.
ونقل عن الزجاج أن معنى الآية في تتمة أربعة أيام، يريد بالتتمة: اليومين، ثم قال: فان قلت بم تعلق قوله لِلسَّائِلِينَ؟ وأجاب بأنه متعلق بمحذوف، كأنه قيل: هذا الحصر لأجل من سأل: في كم خلقت الأرض وما فيها؟ أو يقدر، أى: قدر فيها الأقوات لأجل السائلين المحتاجين إليها من المقتاتين، ثم قال: وهذا الوجه الأخير. لا يستقيم إلا على تفسير الزجاج» قال أحمد: لم يبين استناعه على التفسير الأول ونحن نبينه فنقول: مقتضى التفسير الأول أن قوله في أربعة أيام فذلكة، ومن شأنها الوقوع في طرف الكلام بعد تمامه، فلو جعل قوله لِلسَّائِلِينَ متعلقا بمقدر: لزم وقوع الفذلكة في حشو الكلام، ولا كذلك على تفسير الزجاج، فان الأربعة على قوله من تتمة الأول، وهي متعلقة بمقدر على تأويل حذف التتمة تعلق الظرف بالمظروف، ليلائم ذلك إتمام الكلام ببيان المقصود من خلق الأقوات بعد بيان من خلقها. وتفسير الزجاج- والله أعلم- أرجح، فإنه يشتمل على ذكر مدة خلق الأقوات بالتأويل القريب الذي قدره، ومتضمن لما يقوم مقام الفذلكة، إذ ذكر جملة العدد الذي هو ظرف لخلقها وخلق أقواتها، وعلى تفسير الزمخشري تكون الفذلكة مذكورة من غير تقدم تصريح بجملة تفاصيلها، فانه لم يذكر منها سوى يومين خاصة، ومن شأن الفذلكة أن يتقدم النص على جميع أعدادها مفصلة، ثم تأتى هي على الجملة كقوله فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ.]] . فإن قلت: هلا قيل في يومين؟ وأى فائدة في هذه الفذلكة؟ قلت: إذا قال في أربعة أيام وقد ذكر أن الأرض خلقت في يومين، علم أن ما فيها خلق في يومين، فبقيت المخايرة بين أن تقول في يومين وأن تقول في أربعة أيام سواء، فكانت في أربعة أيام سواء فائدة ليست في يومين، وهي الدلالة على أنها كانت أياما كاملة بغير زيادة ولا نقصان. ولو قال: في يومين- وقد يطلق اليومان على أكثرهما- لكان يجوز أن يريد باليومين الأولين والآخرين أكثرهما ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ من قولك: استوى إلى مكان كذا، إذا توجه إليه توجها لا يلوى على شيء، وهو من الاستواء الذي هو ضد الاعوجاج، ونحوه قولهم: استقام إليه وامتد إليه. ومنه قوله تعالى فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ والمعنى: ثم دعاه داعى الحكمة إلى خلق السماء بعد خلق الأرض وما فيها من غير صارف يصرفه عن ذلك. قيل: كان عرشه قبل خلق السماوات والأرض على الماء، فأخرج من الماء دخانا، فارتفع فوق الماء وعلا عليه، فأيبس الماء فجعله أرضا واحدة، ثم فتقها فجعلها أرضين، ثم خلق السماء من الدخان المرتفع. ومعنى أمر السماء والأرض بالإتيان وامتثالهما: أنه أراد تكوينهما فلم يمتنعا عليه، ووجدتا كما أرادهما، وكانتا في ذلك كالمأمور المطيع إذا ورد عليه فعل الآمر المطاع، [[قوله «فعل الآمر المطاع» لعله: أمر الآمر. (ع)]] وهو من المجاز الذي يسمى التمثيل. ويجوز أن يكون تخييلا ويبنى الأمر فيه على أن الله تعالى كلم السماء والأرض وقال لهما: ائتيا شئتما ذلك أو أبيتماه، فقالتا. أتينا على الطوع لا على الكره. والغرض تصوير [[قوله «تصوير أثر قدرته» لعله: تأثير. (ع)]] أثر قدرته في المقدورات لا غير، من غير أن يحقق شيء من الخطاب والجواب. ونحوه قول القائل: قال الجدار للوتد: لم تشقني؟ قال الوتد: اسأل من يدقني، فلم يتركني، ورائي الحجر الذي ورائي [[قال محمود: «إما أن يكون هذا من مجاز التمثيل كأن عدم امتناعهما على قدرته امتثال المأمور المطيع إذا ورد عليه الأمر المطاع، فهذا وجه. واما أن يكون تخييلا فيبنى الأمر فيه على أن الله تعالى كلم السماوات والأرض فأجابتاه، والغرض منه تصوير أثر القدرة في المقدور من غير أن يحقق شيئا من الخطاب والجواب، ومثله قول القائل: قال الحائط للوتد لم تشقني؟ فقال الوتد: اسأل من يدفنى لم يتركني ورائي الحجر الذي ورائي» قال أحمد:
قد تقدم إنكارى عليه إطلاق التخييل على كلام الله تعالى، فان معنى هذا الإطلاق لو كان صحيحا والمراد منه التصوير لوجب اجتناب التعبير عنه بهذه العبارة، لما فيها من إيهام وسوء أدب، والله أعلم.]] . فإن قلت، لم ذكر الأرض مع السماء وانتظمها في الأمر بالإتيان، والأرض مخلوقة قبل السماء بيومين؟ قلت: قد خلق جرم الأرض أولا غير مدحوّة، ثم دحاها بعد خلق السماء، كما قال تعالى وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها فالمعنى. ائتيا على ما ينبغي أن تأتيا عليه من الشكل والوصف: ائتى يا أرض مدحوّة قرارا ومهادا لأهلك، وائتي يا سماء مقببة سقفا لهم. ومعنى الإتيان: الحصول والوقوع، كما تقول:
أتى عمله مرضيا، وجاء مقبولا. ويجوز أن يكون المعنى: لتأت كل واحدة منكما صاحبتها الإتيان الذي أريده ونقتضيه الحكمة والتدبير: من كون الأرض قرارا للسماء، وكون السماء سقفا للأرض. وتنصره قراءة من قرأ: آتيا، وآتينا: من المؤاتاة وهي الموافقة: أى: لتوات كل واحدة أختها ولتوافقها. قالتا، وافقنا وساعدنا. ويحتمل وافقا أمرى ومشيئتى ولا تمتنعا.
فإن قلت: ما معنى طوعا أو كرها؟ قلت: هو مثل للزوم تأثير قدرته فيهما، وأن امتناعهما من تأثير قدرته محال، كما يقول الجبار لمن تحت يده: لتفعلن هذا شئت أو أبيت، ولتفعلنه طوعا أو كرها. وانتصابهما على الحال، بمعنى: طائعتين أو مكرهتين. فإن قلت: هلا قيل:
طائعتين على اللفظ؟ أو طائعات على المعنى؟ لأنها سماوات وأرضون. قلت: لما جعلن مخاطبات ومجيبات، ووصفن بالطوع والكره قيل: طائعين، في موضع: طائعات، نحو قوله السَّاجِدِينَ [[قال محمود: فان قلت لم ذكر الأرض مع السماء وانتظمها في الأمر بالإتيان معها والأرض مخلوقة قبل السماء بيومين؟ وأجاب بأنه قد خلق جرم الأرض أو لا غير مدحوة، ثم دحاها بعد خلق السماء كما قال وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها فالمعنى: ائتيا على ما ينبغي من الشكل: ائتي يا أرض مدحوة وفرارا ومهادا، واثنى يا سماء سقفا مقبية. ثم قال: فان قلت ما معنى طوعا أو كرها، وأجاب بأنه تمثيل للزوم تأثير القدرة فيهما، كما يقول الجبار لمن تحت يده: افعل هذا شئت أو أبيت. ثم قال: فان قلت: هلا قيل طائعتين، على اللفظ. وطائعات، على المعنى، لأنها سماوات وأرضون. وأجاب بأنه لما جعلن مخاطبات ومجيبات وموصوفات بالطوع والكره. قيل: طائعين في موضع طائعات، نحو قوله ساجدين» قال أحمد: لم يحقق الجواب عن السؤال الآخر، وذلك أن في ضمن الآية سؤالين: أحدهما لم ذكرها وهي مؤنثة، وهذا هو السؤال الذي أورده. الثاني أنى بها على جمع العقلاء وهي لا تعقل، وهذا لم يذكره، فالجواب الذي ذكره مختص بالسؤال الذي لم يذكره، ولهذا نظره بقوله السَّاجِدِينَ فان تلك الآية ليس فيها سوى السؤال عن كونها جمعت جمع العقلاء، فأما السؤال الآخر فلا، لأن الكلام راجع إلى الكواكب وهي مذكرة، والشمس وإن كانت مؤنثة إلا أنه غلب في الكلام المذكر على المؤنث على المنهاج المعروف، فأما هذه الآية فتزيد على تلك بهذا السؤال الآخر: وهو أن جميع ما تقدم ذكره من السماوات والأرض مؤنثة، فيقال أولا:
لم ذكرها، وثانيا: لم أتى جمعها المذكر على جمع نعت جمع العقلاء، ليتحقق نسبة السؤال والجواب، والطوع اللاتي تختص بالعقلاء لا بها، ولم يوجد في جمع المؤنث عدول إلى جمع المذكر لوجود الصيغة المرشدة إلى العقل فيه، فتمت الفائدة بذلك على تأويل السماوات والأرض بالأفلاك مثلا وما في معناه من المذكر، ثم يغلب المذكر على المؤنث ولا يعدم مثل هذا التأويل في الأرضين أيضا.]] .
فَقَضاهُنَّ يجوز أن يرجع الضمير فيه إلى السماء على المعنى كما قال طائِعِينَ ونحوه أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ ويجوز أن يكون ضميرا مبهما مفسرا بسبع سماوات، والفرق بين النصبين أن أحدهما على الحال، والثاني على التمييز، قيل خلق الله السماوات وما فيها في يومين: في يوم الخميس والجمعة، وفرغ في آخر ساعة من يوم الجمعة، فخلق فيها آدم وهي الساعة التي تقوم فيها القيامة. وفي هذا دليل على ما ذكرت، من أنه لو قيل: في يومين في موضع أربعة أيام سواء، لم يعلم أنهما يومان كاملان أو ناقصان [[قال محمود: «قيل: إن الله تعالى خلق السماوات وما فيها في يوم الخميس ويوم الجمعة، وفرغ آخر ساعة من يوم الجمعة، وخلق آدم في تتمة اليوم، وفيه تقوم القيامة ثم استدل بذلك على ما ذكره من أنه لو قال: في يومين، في موضع أربعة أيام سواء، لم يعلم أنهما يومان كاملان أو ناقصان» قال أحمد: كأنه يستدل بإهمال اليومين عن التأكيد، حيث لم يكن خلق السماوات بما فيها في جملة اليومين، على أنه إنما فذلك أيام خلق الأرض بما فيها:
لأنه لو فصلها لم يكن فيها دليل على استيعاب الخلق لكل يومين منها، بل كان يجوز أن يكون الخلق في أحد اليومين وبعض الآخر، كما كان في هذه الآية على النقل الذي ذكر، وهذا لا يتم له منه غرض، فان للقائل أن يقول: إنما كان خلق السماوات بما فيها في يومين كاملين، لأن آدم لم يكن في السماوات حينئذ ويخلقه كمل اليومان على مقتضى ما نقله، فتأمله.]] . فإن قلت: فلو قيل: خلق الأرض في يومين كاملين وقدر فيها أقواتها في يومين كاملين. أو قيل بعد ذكر اليومين: تلك أربعة سواء؟ قلت: الذي أورده سبحانه أخصر وأفصح وأحسن طباقا لما عليه التنزيل من مغاصاة القرائح ومصاك المركب، [[قوله «من مغاصاة القرائح ومصاك الركب» أى أمكنة الغوص على اللؤلؤ، وأمكنة اصطكاك الركب. (ع)]] ليتميز الفاضل من الناقص، والمتقدم من الناكص، وترتفع الدرجات، ويتضاعف الثواب أَمْرَها ما أمر به فيها ودبره من خلق الملائكة والنيرات وغير ذلك. أو شأنها وما يصلحها وَحِفْظاً وحفظناها حفظا، يعنى من المسترقة بالثواقب. ويجوز أن يكون مفعولا له على المعنى، كأنه قال: وخلقنا المصابيح زينة وحفظا.
41:13–14Page 478
فَإِنۡ أَعۡرَضُواْ فَقُلۡ أَنذَرۡتُكُمۡ صَٰعِقَةٗ مِّثۡلَ صَٰعِقَةِ عَادٖ وَثَمُودَ ١٣
But if they turn away, then say, "I have warned you of a thunderbolt like the thunderbolt [that struck] ʿAad and Thamūd.
إِذۡ جَآءَتۡهُمُ ٱلرُّسُلُ مِنۢ بَيۡنِ أَيۡدِيهِمۡ وَمِنۡ خَلۡفِهِمۡ أَلَّا تَعۡبُدُوٓاْ إِلَّا ٱللَّهَۖ قَالُواْ لَوۡ شَآءَ رَبُّنَا لَأَنزَلَ مَلَٰٓئِكَةٗ فَإِنَّا بِمَآ أُرۡسِلۡتُم بِهِۦ كَٰفِرُونَ ١٤
[That occurred] when the messengers had come to them before them and after them, [saying], "Worship not except Allāh." They said, "If our Lord had willed,1 He would have sent down the angels, so indeed we, in that with which you have been sent, are disbelievers."
فَإِنْ أَعْرَضُوا بعد ما تتلو عليهم من هذه الحجج على وحدانيته وقدرته، فحذرهم أن تصيبهم صاعقة: أى عذاب شديد الوقع كأنه صاعقة. وقرئ: صعقة مِثْلَ صعقة عاد وثمود:
وهي المرة من الصعق أو الصعق. يقال: صعقته الصاعقة صعقا فصعق صعقا، وهو من باب:
فعلته ففعل مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أى أتوهم من كل جانب، واجتهدوا بهم، وأعملوا فيهم كل حيلة، فلم يروا منهم إلا العتو والإعراض، كما حكى الله تعالى عن الشيطان لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ يعنى لآتينهم من كل جهة، ولأعملن فيهم كل حيلة، وتقول: استدرت بفلان من كل جانب، فلم يكن لي فيه حيلة. وعن الحسن أنذروهم من وقائع الله فيمن قبلهم من الأمم وعذاب الآخرة، لأنهم إذا حذروهم ذلك فقد جاءوهم بالوعظ من جهة الزمن الماضي وما حرى فيه على الكفار، ومن جهة المستقبل وما سيجرى عليهم. وقيل: معناه إذ جاءتهم الرسل من قبلهم ومن بعدهم. فإن قلت: الرسل الذين من قبلهم ومن بعدهم كيف يوصفون بأنهم جاءوهم، وكيف يخاطبونهم بقولهم فَإِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ؟ قلت: قد جاءهم هود وصالح داعيين إلى الإيمان بهما وبجميع الرسل ممن جاء من بين أيديهم، أى من قبلهم وممن يجيء من خلفهم، أى من بعدهم، فكان الرسل جميعا قد جاءوهم. وقولهم فَإِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ خطاب منهم لهود وصالح ولسائر الأنبياء الذين دعوا إلى الإيمان بهم. أن في أَلَّا تَعْبُدُوا بمعنى أى، أو مخففة من الثقيلة، أصله: بأنه لا تعبدوا، أى: بأنّ الشأن والحديث قولنا لكم لا تعبدوا، ومفعول شاء محذوف أى لَوْ شاءَ رَبُّنا إرسال الرسل لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً فَإِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ معناه: فإذ أنتم بشر ولستم بملائكة، فإنا لا نؤمن بكم وبما جئتم به، وقولهم أُرْسِلْتُمْ بِهِ ليس بإقرار بالإرسال، وإنما هو على كلام الرسل، وفيه تهكم، كما قال فرعون إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ. روى أنّ أبا جهل قال في ملأ من قريش: قد التبس علينا أمر محمد، فلو التمستم لنا رجلا عالما بالشعر والكهانة والسحر فكلمه ثم أتانا ببيان عن أمره [[أخرجه ابن إسحاق في السيرة: حدثني يزيد بن زياد عن محمد بن كعب بهذا نحوه مرسلا، ووصله ابن أبى شيبة. وعنه أبو يعلى وعبد بن حميد وأبو نعيم والبيهقي كلاهما في الدلائل، كلهم من رواية الأجلح الكندي عن الزبال ابن حرملة عن جابر مطولا.]] ، فقال عتبة بن ربيعة: والله لقد سمعت الشعر والكهانة والسحر وعلمت من ذلك علما، وما يخفى علىّ، فأتاه فقال: أنت يا محمد خير أم هاشم؟ أنت خير أم عبد المطلب؟ أنت خير أم عبد الله؟ فبم تشتم آلهتنا وتضللنا، فإن كنت تريد الرياسة عقدنا لك اللواء فكنت رئيسنا، وإن تك بك الباءة زوّجناك عشر نسوة تختار من أى بنات قريش شئت، وإن كان بك المال جمعنا لك من أموالنا ما تستغني به، ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ساكت، فلما فرغ قال: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ حم ... إلى قوله ...
صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ فأمسك عتبة على فيه وناشده بالرحم، ورجع إلى أهله ولم يخرج إلى قريش، فلما احتبس عنهم قالوا: ما نرى عتبة إلا قد صبأ، فانطلقوا إليه وقالوا: يا عتبة ما حبسك عنا إلا أنك قد صبأت، فغضب وأقسم لا يكلم محمدا أبدا، ثم قال: والله لقد كلمته فأجابنى بشيء والله ما هو بشعر ولا كهانة ولا سحر، ولما بلغ صاعقة عاد وثمود: أمسكت بفيه وناشدته بالرحم أن يكف، وقد علمتم أن محمدا إذا قال شيئا لم يكذب، فخفت أن ينزل بكم العذاب.
41:15–16Page 478
فَأَمَّا عَادٞ فَٱسۡتَكۡبَرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّ وَقَالُواْ مَنۡ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةًۖ أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِي خَلَقَهُمۡ هُوَ أَشَدُّ مِنۡهُمۡ قُوَّةٗۖ وَكَانُواْ بِـَٔايَٰتِنَا يَجۡحَدُونَ ١٥
As for ʿAad, they were arrogant upon the earth without right and said, "Who is greater than us in strength?" Did they not consider that Allāh who created them was greater than them in strength? But they were rejecting Our signs.
فَأَرۡسَلۡنَا عَلَيۡهِمۡ رِيحٗا صَرۡصَرٗا فِيٓ أَيَّامٖ نَّحِسَاتٖ لِّنُذِيقَهُمۡ عَذَابَ ٱلۡخِزۡيِ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ وَلَعَذَابُ ٱلۡأٓخِرَةِ أَخۡزَىٰۖ وَهُمۡ لَا يُنصَرُونَ ١٦
So We sent upon them a screaming wind during days of misfortune to make them taste the punishment of disgrace in the worldly life; but the punishment of the Hereafter is more disgracing, and they will not be helped.
فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ أى تعظموا فيها على أهلها بما لا يستحقون به التعظم وهو القوّة وعظم الأجرام. أو استعلوا في الأرض واستولوا على أهلها بغير استحقاق للولاية مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً كانوا ذوى أجسام طوال وخلق عظيم، وبلغ من قوّتهم أن الرجل كان ينزع الصخرة من الجبل فيقتلعها بيده. فإن قلت: القوّة هي الشدّة والصلابة في البنية، وهي نقيضة الضعف.
وأما القدرة فما لأجله يصح الفعل من الفاعل من تميز بذات أو بصحة بنية [[قوله «من تمييز بذات أو لصحة بنية» هذا كقوله الآتي: إنه يقدر لداته، تمحل لتطبيق الآية على مذهب المعتزلة على أنه تعالى قادر بذاته، لكن مذهب أهل السنة أنه تعالى قادر بقدرة قائمة بذاته، وكذا بقية الصفات كما في التوحيد. (ع)]] وهي نقيضة العجز والله سبحانه وتعالى لا يوصف بالقوّة إلا على معنى القدرة، فكيف صحّ قوله هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وإنما يصح إذا أريد بالقوّة في الموضعين شيء واحد؟ قلت: القدرة في الإنسان هي صحة البنية والاعتدال والقوّة والشدّة والصلابة في البنية، وحقيقتها: زيادة القدرة [[قال محمود: «القوة: الشدة في البنية ونقيضها الضعف، والقدرة ما لأجله يصح الفعل من الفاعل، وهي نقيضة العجز، فان وصف الله تعالى بالقوة فذاك بمعنى القدرة وليست القوة على حقيقتها، فكيف صح قوله هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً ولا بد أن يراد بالقوة في الموضعين شيء واحد، وأجاب عنه بأن القدرة في الإنسان صحة البنية والاعتدال والشدة، والقوة زيادة في القدرة، فكما صح أن يقال: أقدر منهم، صح أن يقال: أقوى منهم، على معنى أنه يقدر لذاته على ما لا يقدرون عليه بازدياد قدرتهم» قال أحمد، فسر القدرة على خلاف ما هي في اعتقاد المتكلمين، فان سلم له من حيث اللغة فقد نكص عنه إلى حمل القدرة في الآية على مقتضاها في فن الكلام، وجعل التفضيل من حيث أن الله تعالى قادر لذاته. أى: بلا قدرة، والمخلوق قادر بقدرة على القاعدة الفاسدة للقدرية، ونظير هذا التفسير في الفساد تفسير قول القائل: زيد أعلم من عمرو، بإثبات صفة العلم للمفضول، وسلبها بالكلية عن الأفضل، وهل هذا إلا عنه وعمى في اتباع الهوى وعمه؟ فالحق أن التفضيل إنما جاء من جهة أن القدرة الثابتة للعبد قدرة مقارنة لفعله، معلومة قبله وبعده، مفقودة غير مؤثرة في العقل الراجح في محلها» فضلا عن تجاوزها إلى غيره، وقدرة الله جلت قدرته مؤثرة في المقدورات، موجودة أزلا وأبدا، عامة التعلق بجميع الكائنات من الممكنات، فهذا هو النور الذي لا يلوح إلا من إثبات عقائد السنة لمن سبقت له من الله المنة.]] ، فكما صحّ أن يقال: الله أقدر منهم، جاز أن يقال: أقوى منهم، على معنى: أنه يقدر لذاته على ما لا يقدرون عليه بازدياد قدرهم يَجْحَدُونَ كانوا يعرفون أنها حق، ولكنهم جحدوها كما يجحد المودع الوديعة، وهو معطوف [[قوله «وهو معطوف على فاستكبروا» أى: قوله تعالى وَكانُوا ... الخ (ع)]] على فاستكبروا، أى كانوا كفرة فسقة. الصرصر: العاصفة التي تصرصر، أى: تصوّت في هبوبها. وقيل: الباردة التي تحرق بشدّة بردها، تكرير لبناء الصر وهو البرد الذي يصر أى يجمع ويقبض نَحِساتٍ قرئ بكسر الحاء وسكونها. ونحس نحسا:
نقيض سعد سعدا، وهو نحس. وأما نحس، فإمّا مخفف نحس، أو صفة على فعل، كالضخم وشبهه. أو وصف بمصدر. وقرئ: لنذيقهم، على أنّ الإذاقة للريح أو للأيام النحسات.
وأضاف العذاب إلى الخزي وهو الذل والاستكانة على أنه وصف للعذاب، كأنه قال: عذاب خزى، كما تقول: فعل السوء، تريد: الفعل السيئ، والدليل عليه قوله تعالى وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَخْزى وهو من الإسناد المجازى، ووصف العذاب بالخزي: أبلغ من وصفهم به.
ألا ترى إلى البون بين قوليك: هو شاعر، وله شعر شاعر.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences