Az-Zamakhshari · Tafsir · in Arabic
Adh-Dhariyat 51:47–60
51:47–48Page 522
وَٱلسَّمَآءَ بَنَيۡنَٰهَا بِأَيۡيْدٖ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ ٤٧
And the heaven We constructed with strength,1 and indeed, We are [its] expander.
وَٱلۡأَرۡضَ فَرَشۡنَٰهَا فَنِعۡمَ ٱلۡمَٰهِدُونَ ٤٨
And the earth We have spread out, and excellent is the preparer.
بِأَيْدٍ بقوّة. والأيد والآد: القوّة. وقد آد يئيد وهو أيد وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ لقادرون، من الوسع وهو الطاقة. والموسع: القوى على الإنفاق. وعن الحسن: لموسعون الرزق بالمطر.
وقيل: جعلنا بينها وبين الأرض سعة فَنِعْمَ الْماهِدُونَ فنعم الماهدون نحن.
51:49Page 522
وَمِن كُلِّ شَيۡءٍ خَلَقۡنَا زَوۡجَيۡنِ لَعَلَّكُمۡ تَذَكَّرُونَ ٤٩
And of all things We created two mates [i.e., counterparts]; perhaps you will remember.
وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ أى من كل شيء من الحيوان خَلَقْنا زَوْجَيْنِ ذكرا وأنثى. وعن الحسن: السماء والأرض، والليل والنهار، والشمس والقمر، والبر والبحر، والموت والحياة، فعدّد أشياء وقال: كل اثنين منها زوج، والله تعالى فرد لا مثل له لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ أى فعلنا ذلك كله من بناء السماء وفرش الأرض وخلق الأزواج إرادة أن تتذكروا فتعرفوا الخالق وتعبدوه.
51:50–51Page 522
فَفِرُّوٓاْ إِلَى ٱللَّهِۖ إِنِّي لَكُم مِّنۡهُ نَذِيرٞ مُّبِينٞ ٥٠
So flee to Allāh.1 Indeed, I am to you from Him a clear warner.
وَلَا تَجۡعَلُواْ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَۖ إِنِّي لَكُم مِّنۡهُ نَذِيرٞ مُّبِينٞ ٥١
And do not make [as equal] with Allāh another deity. Indeed, I am to you from Him a clear warner.
فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ أى إلى طاعته وثوابه [[قال محمود: «معنى ففروا إلى الله، أى: إلى طاعته من معصيته وإلى ثوابه ... الخ» قال أحمد:
حمل الآية ما لم تحمله، لأنه لا يكاد يخلى سورة حتى يدس في تفسيرها بيده إلى معتقده، فدس هاهنا القطع بوعيد الفساق وبخلودهم كالكفار، ولا تحتمل الآية لما ذكر، فان العناية في قوله فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ الفرار إلى عبادة الله فتوعد من لم يعبد الله، ثم نهي عابده أن يشرك بعبادة ربه غيره، وتوعده على ذلك. وفائدة تكرار النذارة الدلالة على أنه لا تنفع العبادة مع الاشراك، بل حكم المشرك حكم الجاحد المعطل، لا كما قال الزمخشري: المأمور به في الأول الطاعة الموظفة بعد الايمان، فتوعد تاركها بالوعيد المعروف له وهو الخلود. وعلى هذا لا يكون تكرارا على اختلاف الوعيدين، فهو أولى، فكيف يحمل الآية على خلاف ما هو أولى بها، ليتم الاستدلال بها على معتقده الفاسد، نعوذ بالله من ذلك.]] من معصيته وعقابه، ووحدوه ولا تشركوا به شيئا، وكرّر قوله إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ عند الأمر بالطاعة والنهى عن الشرك، ليعلم أن الإيمان لا ينفع إلا مع العمل، كما أنّ العمل لا ينفع إلا مع الإيمان، وأنه لا يفوز عند الله إلا الجامع بينهما. ألا ترى إلى قوله تعالى لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً والمعنى: قل يا محمد: ففرّوا إلى الله.
51:52–53Page 523
كَذَٰلِكَ مَآ أَتَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا قَالُواْ سَاحِرٌ أَوۡ مَجۡنُونٌ ٥٢
Similarly, there came not to those before them any messenger except that they said, "A magician or a madman."
أَتَوَاصَوۡاْ بِهِۦۚ بَلۡ هُمۡ قَوۡمٞ طَاغُونَ ٥٣
Did they suggest it to them?1 Rather, they [themselves] are a transgressing people.
كَذلِكَ الأمر، أى مثل ذلك، وذلك إشارة إلى تكذيبهم الرسول وتسميته ساحرا ومجنونا، ثم فسر ما أجمل بقوله ما أَتَى ولا يصح أن تكون الكاف منصوبة بأتى، لأنّ ما النافية لا يعمل ما بعدها فيما قبلها. ولو قيل: لم يأت، لكان صحيحا، على معنى: مثل ذلك الإتيان لم يأت من قبلهم رسول إلا قالوا أَتَواصَوْا بِهِ الضمير للقول، يعنى: أتواصى الأوّلون والآخرون بهذا القول حتى قالوه جميعا متفقين عليه بَلْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ أى لم يتواصوا به لأنهم لم يتلاقوا في زمان واحد، بل جمعتهم العلة الواحدة وهي الطغيان، والطغيان هو الحامل عليه.
51:54–55Page 523
فَتَوَلَّ عَنۡهُمۡ فَمَآ أَنتَ بِمَلُومٖ ٥٤
So leave them, [O Muḥammad], for you are not to be blamed.
وَذَكِّرۡ فَإِنَّ ٱلذِّكۡرَىٰ تَنفَعُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٥٥
And remind, for indeed, the reminder benefits the believers.
فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فأعرض عن الذين كرّرت عليهم الدعوة فلم يجيبوا، وعرفت عنهم العناد واللجاج، فلا لوم عليك في إعراضك بعد ما بلغت الرسالة وبذلت مجهودك في البلاغ والدعوة، ولا تدع التذكير والموعظة بأيام الله فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ أى تؤثر في الذين عرف الله منهم أنهم يدخلون في الإيمان. أو يزيد الداخلين فيه إيمانا. وروى أنه لما نزلت فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حزن رسول الله ﷺ واشتد ذلك على أصحابه، ورأوا أنّ الوحى قد انقطع وأنّ العذاب قد حضر، فأنزل الله. وذكر.
51:56Page 523
وَمَا خَلَقۡتُ ٱلۡجِنَّ وَٱلۡإِنسَ إِلَّا لِيَعۡبُدُونِ ٥٦
And I did not create the jinn and mankind except to worship Me.
أى: وما خلقت الجن والإنس إلا لأجل العبادة، ولم أرد من جميعهم إلا إياها [[قال محمود: «إلا لأجل العبادة، ولم أرد من جميعهم إلا إياها ... الخ» قال أحمد: من عاداته أنه إذا استشعر أن ظاهرا موافق لمعتقده نزله على مذهبه بصورة إيراد معتقد أهل السنة سؤالا، وإيراد معتقده جوابا، فكذلك صنع هاهنا، فنقول: السؤال الذي أورده مما لا يجاب عنه بما ذكره، فانه سؤال مقدماته قطعية عقلية، فيجب تنزيل الآية عليه، وهي أن ظاهر سياق الآية دليل لأهل السنة، فإنها إنما سيقت لبيان عظمته عز وجل، وأن شأنه مع عبيده لا يقاس به شأن عبيد الخلق معهم، فان عبيدهم مطلوبون بالخدمة والتكسب للسادة، وبواسطة مكاسب عبيدهم قدر أرزاقهم. والله تعالى لا يطلب من عباده رزقا ولا إطعاما، وإنما يطلب منهم عبادته لا غير، وزائد على كونه لا يطلب منهم رزقا أنه هو الذي يرزقهم، فهذا المعنى الشريف هو الذي تحلى تحت راية هذه الآية، وله سيقت، وبه نطقت، ولكن الهوى يعمى ويصم، فحاصله: وما خلقت الجن والانس إلا لأدعوهم إلى عبادتي، وهذا ما لا يعدل عنه أهل السنة، فانه وافق معتقدهم وبالله التوفيق.]] . فإن قلت: لو كان مريدا [[قوله «لو كان مريدا العبادة» قد يقال: لا يلزم من خلقهم العبادة أن يريدها من جميعهم. وقوله «مع كونه مريدا لها» هذا على مذهب المعتزلة من أن إرادة الله الفعل من العبد بمعنى الأمر. وأما مذهب أهل السنة فكل ما أراده الله كان، ولا يقع في ملكه إلا ما يريد، وتحقيقه في علم التوحيد. (ع)]] للعبادة منهم لكانوا كلهم عبادا؟ قلت: إنما أراد منهم أن يعبدوه مختارين للعبادة لا مضطرين إليها، لأنه خلقهم ممكنين، فاختار بعضهم ترك العبادة مع كونه مريدا لها، ولو أرادها على القسر والإلجاء لوجدت من جميعهم.
51:57–58Page 523
مَآ أُرِيدُ مِنۡهُم مِّن رِّزۡقٖ وَمَآ أُرِيدُ أَن يُطۡعِمُونِ ٥٧
I do not want from them any provision, nor do I want them to feed Me.
إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلرَّزَّاقُ ذُو ٱلۡقُوَّةِ ٱلۡمَتِينُ ٥٨
Indeed, it is Allāh who is the [continual] Provider,1 the firm possessor of strength.
يريد: أنّ شأنى مع عبادي ليس كشأن السادة مع عبيدهم، فإنّ ملاك العبيد إنما يملكونهم ليستعينوا بهم في تحصيل معايشهم وأرزاقهم، فإمّا مجهز في تجارة ليفي ربحا. أو مرتب في فلاحة ليعتلّ أرضا. أو مسلم في حرفة لينتفع بأجرته. أو محتطب. أو محتش. أو طابخ. أو خابز، وما أشبه ذلك من الأعمال والمهن التي هي تصرف في أسباب المعيشة وأبواب الرزق، فأمّا مالك ملك العبيد وقال لهم: اشتغلوا بما يسعدكم في أنفسكم، ولا أريد أن أصرفكم في تحصيل رزقي ولا رزقكم، وأنا غنىّ عنكم وعن مرافقكم، ومتفضل عليكم برزقكم وبما يصلحكم ويعيشكم من عندي، فما هو إلا أنا وحدي الْمَتِينُ الشديد القوة. قرئ بالرفع صفة لذو، وبالجر صفة للقوّة على تأويل الاقتدار، والمعنى في وصفه بالقوة والمتانة: أنه القادر البليغ الاقتدار على كل شيء. وقرئ:
الرازق. وفي قراءة النبي ﷺ: إنى أنا الرازق.
51:59–60Page 523
فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ ذَنُوبٗا مِّثۡلَ ذَنُوبِ أَصۡحَٰبِهِمۡ فَلَا يَسۡتَعۡجِلُونِ ٥٩
And indeed, for those who have wronged is a portion [of punishment] like the portion of their companions [i.e., predecessors], so let them not impatiently urge Me.
فَوَيۡلٞ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن يَوۡمِهِمُ ٱلَّذِي يُوعَدُونَ ٦٠
And woe to those who have disbelieved from their Day which they are promised.
الذنوب: الدلو العظيمة، وهذا تمثيل، أصله في السقاة يتقسمون الماء فيكون لهذا ذنوب ولهذا ذنوب. قال:
لنا ذنوب ولكم ذنوب ... فإن أبيتم فلنا القليب [[إنا إذا شاربنا شريب ... له ذنوب ولنا ذنوب
فان أبى كان له القليب
الشريب من يشرب معك. والذنوب: الدلو الممتلئة ماء، والنصيب من الماء. والذنابة: مسيل الماء. والقلب البئر لقلب ترابه. يقول: إنا كرام نشاطر شريبنا، فان لم يرض بالمناوبة أعطيناه الجميع. وروى بدل المصراعين
الأخيرين: لنا ذنوب ولكم ذنوب ... فان أبيتم فلنا القليب
ولعل الصواب: فان أبى أو فان أبيتم فلنا، لئلا ينكر البيت. والمعنى: نقول لمن يشرب معنا ذلك، ففيه دلالة على الشجاعة والغلبة. والشريب كالعشير: يطلق على الواحد والمتعدد.]]
ولما قال عمرو بن شاس:
وفي كل حى قد خبطت بنعمة ... فحقّ لشاس من نداك ذنوب [[وأفت الذي آثاره في عدوه ... من البؤس والنعمى لهن ندوب
وفي كل حى قد خبطت بنعمة ... فحق لشاس من نداك ذنوب
لشاس أخى علقمة بن عبيدة، يخاطب الحرث بن أبى شمر الغساني وكان أسيرا عنده. والندوب- في الأصل-:
آثار الجراح بعد برئها. ومن بيانية، أى: آثاره التي هي البؤس والنعمى. أو ابتدائية، أى: الناشئة منهما، لهن بقايا في عدوه. والبؤس: الشدة، والنعمى: الرخاء. والخابط: الذي يخبط مواضع الفقراء يتفقد أحوالهم من غير تخصيص، ثم قيل لكل طالب: خابط ومختبط. ويجوز أن يكون من قولهم: خبط الشجرة، ليسقط ورقها للإبل والغنم فاستعار في نفسه الورق للأموال، والخبط تخييل والمعنى أنه شجاع كريم، بأسه أوهن الأعداء ونعمته ظهرت عليهم بل على جميع الناس وشاس من وضع الظاهر موضع المضمر لإظهار المسكنة والاستعطاف:
قيل: إن القائل عمرو بن شاس، فوضع الظاهر في موضعه. ولما سمع الحرث ذلك قال: نعم وأذنبته، وكسا شاسا ومن معه، وأركبهم وأطلقهم، ولما استعار الندى للعطاء رشح ذلك بالذنوب: وهو الدلو الممتلئة.]]
قال الملك: نعم وأذنبه. والمعنى: فإنّ الذين ظلموا رسول الله ﷺ بالتكذيب من أهل مكة لهم نصيب من عذاب الله مثل نصيب أصحابهم ونظرائهم من القرون. وعن قتادة:
سجلا من عذاب الله مثل سجل أصحابهم مِنْ يَوْمِهِمُ من يوم القيامة. وقيل: من يوم بدر.
عن رسول الله ﷺ: من قرأ سورة والذاريات أعطاه الله عشر حسنات بعدد كل ريح هبت وجرت في الدنيا [[أخرجه الثعلبي وابن مردويه والواحدي من حديث أبى بن كعب رضى الله عنه.]] .
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences