Az-Zamakhshari · Tafsir · in Arabic
الحديد
Al-Hadid
The Iron · Medinan · 29 ayahs
57:1–6Page 537
سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ١
Whatever is in the heavens and earth exalts Allāh,1 and He is the Exalted in Might, the Wise.
لَهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ يُحۡيِۦ وَيُمِيتُۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ ٢
His is the dominion of the heavens and earth. He gives life and causes death, and He is over all things competent.
هُوَ ٱلۡأَوَّلُ وَٱلۡأٓخِرُ وَٱلظَّٰهِرُ وَٱلۡبَاطِنُۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٌ ٣
He is the First1 and the Last,2 the Ascendant3 and the Intimate,4 and He is, of all things, Knowing.
هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٖ ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰ عَلَى ٱلۡعَرۡشِۖ يَعۡلَمُ مَا يَلِجُ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَمَا يَخۡرُجُ مِنۡهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ وَمَا يَعۡرُجُ فِيهَاۖ وَهُوَ مَعَكُمۡ أَيۡنَ مَا كُنتُمۡۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ ٤
It is He who created the heavens and earth in six days and then established Himself above the Throne.1 He knows what penetrates into the earth and what emerges from it and what descends from the heaven and what ascends therein; and He is with you2 wherever you are. And Allāh, of what you do, is Seeing.
لَّهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرۡجَعُ ٱلۡأُمُورُ ٥
His is the dominion of the heavens and earth. And to Allāh are returned [all] matters.
يُولِجُ ٱلَّيۡلَ فِي ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلَّيۡلِۚ وَهُوَ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ٦
He causes the night to enter the day and causes the day to enter the night, and He is Knowing of that within the breasts.
مدنية، وهي تسع وعشرون آية [نزلت بعد الزلزلة] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
جاء في بعض الفواتح سَبَّحَ على لفظ الماضي، وفي بعضها على لفظ المضارع، وكل واحد منهما معناه: أنّ من شأن من أسند إليه التسبيح أن يسبحه، وذلك هجيراه وديدنه، وقد عدى هذا الفعل باللام تارة وبنفسه أخرى في قوله تعالى وَتُسَبِّحُوهُ وأصله: التعدي بنفسه، لأنّ معنى سبحته: بعدته عن السوء، منقول من سبح إذا ذهب وبعد، فاللام لا تخلو إما أن تكون مثل اللام في: نصحته، ونصحت له. وإما أن يراد بسبح لله: أحدث التسبيح لأجل الله ولوجهه خالصا، ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ما يتأتى منه التسبيح ويصح. فإن قلت: ما محل يُحْيِي؟
قلت: يجوز أن لا يكون له محل، ويكون جملة برأسها، كقوله لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وأن يكون مرفوعا على: هو يحيى ويميت، ومنصوبا حالا من المجرور في لَهُ والجار عاملا فيها. ومعناه:
يحيى النطف والبيض والموتى يوم القيامة ويميت الأحياء هُوَ الْأَوَّلُ هو القديم الذي كان قبل كل شيء وَالْآخِرُ الذي يبقى بعد هلاك كل شيء وَالظَّاهِرُ بالأدلة الدالة عليه وَالْباطِنُ لكونه غير مدرك بالحواس. فإن قلت: فما معنى الواو؟ [[قال محمود: «إن قلت: ما معنى الواو وأجاب بأن المتوسطة بين الأول والآخر للجمع بين معنى الأولية والبقاء الخ. قال: ومعنى الطاهر أى بالأدلة والباطن أى عن الحواس. وقيل: وفيه دليل الرد على من زعم أنه تعالى يرى في الآخرة بالحاسة» قال أحمد: «لا دليل فيه على ذلك، فان لنا أن نقول: إن المراد عدم الإدراك بالحاسة في الدنيا لا في الآخرة. ونحن نقول به، أو في الآخرة. والمراد: الكفار والجاحدون للرؤية كالقدرية ألا ترى إلى قوله كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ فانه قيل: تقييد وتخصيص على خلاف الظاهر. قلنا والمسألة قطعية، فيكفى الاحتمال. وأيضا فقسيمه لا بد فيه من تخصيص، فانه تعالى لم يظهر جميع خلقه على الأدلة الموصلة إلى معرفته، بل أخفاها عن كثير منهم وحرمهم الفوز بالايمان به عز وجل، فالظاهر إذا معناها في التخصيص كالثاني طبقا بينه وبين الأول.]] قلت الواو الأولى معناها الدلالة [[قوله «قلت الواو الأولى معناها الدلالة» الأولى إنما دلت على اجتماع الصفتين الأوليين، والثالثة على اجتماع الأقربين. والثانية على اجتماع المجموعين. (ع)]] على أنه الجامع بين الصفتين الأولية والآخرية، والثالثة على أنه الجامع بين الظهور والخفاء. وأما الوسطى، فعلى أنه الجامع بين مجموع الصفتين الأوليين ومجموع الصفتين الأخريين، فهو المستمر الوجود في جميع الأوقات الماضية والآتية، وهو في جميعها ظاهر وباطن: جامع للظهور بالأدلة والخفاء، فلا يدرك بالحواس. وفي هذا حجة على من جوّز إدراكه [[قوله «حجة على من جوز إدراكه» يريد أهل السنة، وهم قد جوزوا رؤيته مطلقا، وقالوا: لا تدركه الأبصار، أى لا تحيط به، والمعتزلة أحالوا رؤيته تعالى، وتفصيله في التوحيد. (ع)]] في الآخرة بالحاسة. وقيل: الظاهر العالي على كل شيء الغالب له، من ظهر عليه إذا علاه وغلبه. والباطن الذي بطن كل شيء، أى علم باطنه، وليس بذاك مع العدول عن الظاهر المفهوم.
57:7–8Page 538
ءَامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَأَنفِقُواْ مِمَّا جَعَلَكُم مُّسۡتَخۡلَفِينَ فِيهِۖ فَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمۡ وَأَنفَقُواْ لَهُمۡ أَجۡرٞ كَبِيرٞ ٧
Believe in Allāh and His Messenger and spend out of that in which He has made you successive inheritors. For those who have believed among you and spent,1 there will be a great reward.
وَمَا لَكُمۡ لَا تُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلرَّسُولُ يَدۡعُوكُمۡ لِتُؤۡمِنُواْ بِرَبِّكُمۡ وَقَدۡ أَخَذَ مِيثَٰقَكُمۡ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ٨
And why do you not believe in Allāh while the Messenger invites you to believe in your Lord and He has taken your covenant, if you should [truly] be believers?
مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ يعنى أن الأموال التي في أيديكم إنما هي أموال الله بخلقه وإنشائه لها، وإنما موّلكم إياها، وخوّلكم الاستمتاع بها، وجعلكم خلفاء في التصرف فيها، فليست هي بأموالكم في الحقيقة. وما أنتم فيها إلا بمنزلة الوكلاء والنوّاب، فأنفقوا منها في حقوق الله، وليهن عليكم الإنفاق منها كما يهون على الرجل النفقة من مال غيره إذا أذن له فيه. أو جعلكم مستخلفين ممن كان قبلكم فيما في أيديكم: بتوريثه إياكم، فاعتبروا بحالهم حيث انتقل منهم إليكم، وسينقل منكم إلى من بعدكم، فلا تبخلوا به، وانفعوا بالإنفاق منها أنفسكم لا تُؤْمِنُونَ حال من معنى الفعل في مالكم، كما تقول: مالك قائما، بمعنى: ما تصنع قائما، أى: وما لكم كافرين بالله. والواو في وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ واو الحال، فهما حالان متداخلتان. وقرئ:
وَما لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ والمعنى: وأى عذر لكم في ترك الإيمان والرسول يدعوكم إليه وينبهكم عليه ويتلو عليكم الكتاب الناطق بالبراهين والحجج، وقبل ذلك قد أخذ الله ميثاقكم بالإيمان: حيث ركب فيكم العقول، [[قال محمود: «أخذ الميثاق عبارة عن تركيب العقول فيهم ... الخ» قال أحمد: وما عليه أن يحمل أخذ الميثاق على ما بينه الله في آية غير هذه، إذ يقول تعالى وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى ولقد يريبني منه إنكاره لكثير من مثل هذه الظواهر والعدول بها عن حقائقها مع إمكانها عقلا ووقوعها بالسمع قطعا إلى ما يتوهمه من تمثيل يسميه تخييلا، فالقاعدة التي تعتمد عليها كى لا يضرك ما يومئ إليه أن ما كل ما جوزه العقل وورد بوقوعه السمع وجب حمله على ظاهره والله الموفق.]] ونصب لكم الأدلة، ومكنكم من النظر، وأزاح عللكم، فإذ لم تبق لكم علة بعد أدلة العقول وتنبيه الرسول، فما لكم لا تؤمنون إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ لموجب ما، فإن هذا الموجب لا مزيد عليه. وقرئ: أخذ ميثاقكم، [[قوله «وقرئ: أخذ ميثاقكم» يفيد أن القراءة على البناء للمفعول أشهر. (ع)]] على البناء للفاعل، وهو الله عز وجل.
57:9Page 538
هُوَ ٱلَّذِي يُنَزِّلُ عَلَىٰ عَبۡدِهِۦٓ ءَايَٰتِۭ بَيِّنَٰتٖ لِّيُخۡرِجَكُم مِّنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ بِكُمۡ لَرَءُوفٞ رَّحِيمٞ ٩
It is He who sends down upon His Servant [Muḥammad (ﷺ)] verses of clear evidence that He may bring you out from darknesses into the light. And indeed, Allāh is to you Kind and Merciful.
لِيُخْرِجَكُمْ الله بآياته من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان. أو ليخرجكم الرسول بدعوته لَرَؤُفٌ وقرئ لرؤوف [[قوله وقرئ «لرؤوف» يفيد أن القراءة بالقصر أشهر، وفيه نظر فلينظر. وفي الصحاح: رؤف به- بالضم، ورأف به- بالفتح، ورئف به- بالكسر، فهو رؤف على فعول. قال كعب بن مالك الأنصارى:
نطيع نبينا ونطيع ربا ... هو الرحمن كان بنا رءوفا
ورؤف أيضا على فعل. قال جرير:
يرى للمسلمين عليه حقا ... كفعل الوالد الرؤوف الرحيم
والظاهر أن رسمه بواو واحدة حال المد والقصر، فيكون الأشهر قراءة المد، كما هو الأشهر في الاستعمال اللغوي. (ع)]] .
57:10–11Page 538
وَمَا لَكُمۡ أَلَّا تُنفِقُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَٰثُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ لَا يَسۡتَوِي مِنكُم مَّنۡ أَنفَقَ مِن قَبۡلِ ٱلۡفَتۡحِ وَقَٰتَلَۚ أُوْلَٰٓئِكَ أَعۡظَمُ دَرَجَةٗ مِّنَ ٱلَّذِينَ أَنفَقُواْ مِنۢ بَعۡدُ وَقَٰتَلُواْۚ وَكُلّٗا وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلۡحُسۡنَىٰۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٞ ١٠
And why do you not spend in the cause of Allāh while to Allāh belongs the heritage of the heavens and the earth? Not equal among you are those who spent before the conquest [of Makkah] and fought [and those who did so after it]. Those are greater in degree than they who spent afterwards and fought. But to all Allāh has promised the best [reward]. And Allāh, of what you do, is Aware.
مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقۡرِضُ ٱللَّهَ قَرۡضًا حَسَنٗا فَيُضَٰعِفَهُۥ لَهُۥ وَلَهُۥٓ أَجۡرٞ كَرِيمٞ ١١
Who is it that would loan Allāh a goodly loan so He will multiply it for him and he will have a noble reward?
وَما لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا في أن لا تنفقوا وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يرث كل شيء فيهما لا يبقى منه باق لأحد من مال وغيره، يعنى: وأى غرض لكم في ترك الإنفاق في سبيل الله والجهاد مع رسوله والله مهلككم فوارث أموالكم، وهو من أبلغ البعث على الإنفاق في سبيل الله. ثم بين التفاوت بين المنفقين منهم فقال لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ قبل فتح مكة قبل عز الإسلام وقوّة أهله ودخول الناس في دين الله أفواجا وقلة الحاجة إلى القتال والنفقة فيه، ومن أنفق من بعد الفتح فحذف لوضوح الدلالة أُولئِكَ الذين أنفقوا قبل الفتح وهم السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار الذين قال فيهم النبي ﷺ:
«لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مدّ أحدهم ولا نصيفه» [[متفق عليه من حديث أبى سعيد الخدرى رضى الله عنه.]] أَعْظَمُ دَرَجَةً. وقرئ:
قبل الفتح وَكُلًّا وكل واحد من الفريقين وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى أى المثوبة الحسنى وهي الجنة مع تفاوت الدرجات. وقرئ بالرفع على: وكل وعده الله. وقيل: نزلت في أبى بكر رضى الله عنه، لأنه أول من أسلم وأول من أنفق في سبيل الله. القرض الحسن: الإنفاق في سبيله. شبه ذلك بالقرض على سبيل المجاز، لأنه إذا أعطى ماله لوجهه فكأنه أقرضه إياه فَيُضاعِفَهُ لَهُ أى يعطيه أجره على إنفاقه مضاعفا «أضعافا» من فضله وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ يعنى: وذلك الأجر المضموم إليه الأضعاف كريم في نفسه. وقرئ: فيضعفه. وقرئا منصوبين على جواب [[قوله «وقرئا منصوبين على جواب» أى قوله: فيضاعفه، وقوله فيضعفه. (ع)]] الاستفهام «والرفع عطف على يُقْرِضُ، أو على فَيُضاعِفَهُ.
57:12Page 539
يَوۡمَ تَرَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ يَسۡعَىٰ نُورُهُم بَيۡنَ أَيۡدِيهِمۡ وَبِأَيۡمَٰنِهِمۖ بُشۡرَىٰكُمُ ٱلۡيَوۡمَ جَنَّٰتٞ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ ١٢
On the Day you see the believing men and believing women, their light proceeding before them and on their right, [it will be said], "Your good tidings today are [of] gardens beneath which rivers flow, wherein you will abide eternally." That is what is the great attainment.
يَوْمَ تَرَى ظرف لقوله: وله أجر كريم. أو منصوب بإضمار «اذكر» تعظيما لذلك اليوم. وإنما قال بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ لأنّ السعداء يؤتون صحائف أعمالهم من هاتين الجهتين، كما أن الأشقياء يؤتونها من شمائلهم ومن وراء ظهورهم، فجعل النور في الجهتين شعارا لهم وآية، لأنهم هم الذين بحسناتهم سعدوا وبصحائفهم البيض أفلحوا، فإذا ذهب بهم إلى الجنة ومروا على الصراط يسعون: سعى بسعيهم ذلك النور جنيبا لهم ومتقدما. ويقول لهم الذين يتلقونهم من الملائكة. بُشْراكُمُ الْيَوْمَ. وقرئ: ذلك الفوز.
57:13–15Page 539
يَوۡمَ يَقُولُ ٱلۡمُنَٰفِقُونَ وَٱلۡمُنَٰفِقَٰتُ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱنظُرُونَا نَقۡتَبِسۡ مِن نُّورِكُمۡ قِيلَ ٱرۡجِعُواْ وَرَآءَكُمۡ فَٱلۡتَمِسُواْ نُورٗاۖ فَضُرِبَ بَيۡنَهُم بِسُورٖ لَّهُۥ بَابُۢ بَاطِنُهُۥ فِيهِ ٱلرَّحۡمَةُ وَظَٰهِرُهُۥ مِن قِبَلِهِ ٱلۡعَذَابُ ١٣
On the [same] Day the hypocrite men and hypocrite women will say to those who believed, "Wait for us that we may acquire some of your light." It will be said, "Go back behind you1 and seek light." And a wall will be placed between them with a door, its interior containing mercy, but on the outside of it is torment.
يُنَادُونَهُمۡ أَلَمۡ نَكُن مَّعَكُمۡۖ قَالُواْ بَلَىٰ وَلَٰكِنَّكُمۡ فَتَنتُمۡ أَنفُسَكُمۡ وَتَرَبَّصۡتُمۡ وَٱرۡتَبۡتُمۡ وَغَرَّتۡكُمُ ٱلۡأَمَانِيُّ حَتَّىٰ جَآءَ أَمۡرُ ٱللَّهِ وَغَرَّكُم بِٱللَّهِ ٱلۡغَرُورُ ١٤
They [i.e., the hypocrites] will call to them [i.e., the believers], "Were we not with you?" They will say, "Yes, but you afflicted yourselves1 and awaited [misfortune for us] and doubted, and wishful thinking deluded you until there came the command of Allāh. And the Deceiver [i.e., Satan] deceived you concerning Allāh.
فَٱلۡيَوۡمَ لَا يُؤۡخَذُ مِنكُمۡ فِدۡيَةٞ وَلَا مِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْۚ مَأۡوَىٰكُمُ ٱلنَّارُۖ هِيَ مَوۡلَىٰكُمۡۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ ١٥
So today no ransom will be taken from you or from those who disbelieved. Your refuge is the Fire. It is most worthy of you, and wretched is the destination."
يَوْمَ يَقُولُ بدل من يوم ترى انْظُرُونا انتظرونا، لأنهم يسرع بهم إلى الجنة كالبروق الخاطفة على ركاب تزف [[قوله «تزف بهم» أى: تسرع. أفاده الصحاح. (ع)]] بهم. وهؤلاء مشاة. وانظروا إلينا، لأنهم إذا نظروا اليهم استقبلوهم بوجوههم والنور بين أيديهم فيستضيئون به. وقرئ: أنظرونا من النظرة وهي الإمهال: جعل اتئادهم في المضي إلى أن يلحقوا بهم إنظارا لهم نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ نصب منه، وذلك أن يلحقوا بهم فيستنيروا به قِيلَ ارْجِعُوا وَراءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً طرد لهم وتهكم بهم، أى: ارجعوا إلى الموقف إلى حيث أعطينا هذا النور فالتمسوه هنالك، فمن ثم يقتبس. أو ارجعوا إلى الدنيا، فالتمسوا نورا بتحصيل سببه وهو الإيمان. أو ارجعوا خائبين وتنحوا عنا، فالتمسوا نورا آخر، فلا سبيل لكم إلى هذا النور، وقد علموا أن لا نور وراءهم، وإنما هو تخييب وإقناط لهم فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ بين المؤمنين والمنافقين بحائط حائل بين شق الجنة وشق النار. وقيل: هو الأعراف لذلك السور بابٌ لأهل الجنة يدخلون منه باطِنُهُ باطن السور أو الباب، وهو الشق الذي بلى الجنة وَظاهِرُهُ ما ظهر لأهل النار مِنْ قِبَلِهِ من عنده ومن جهته الْعَذابُ وهو الظلمة والنار. وقرأ زيد بن على رضى الله عنهما: فضرب بينهم على البناء للفاعل أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ يريدون موافقتهم في الظاهر فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ محنتموها بالنفاق وأهلكتموها وَتَرَبَّصْتُمْ بالمؤمنين الدوائر وَغَرَّتْكُمُ الْأَمانِيُّ طول الآمال والطمع في امتداد الأعمار حَتَّى جاءَ أَمْرُ اللَّهِ وهو الموت وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ وغرّكم الشيطان بأنّ الله عفوّ كريم لا يعذبكم. وقرئ: الغرور، بالضم فِدْيَةٌ ما يفتدى به هِيَ مَوْلاكُمْ قيل: هي أولى بكم، وأنشد قول لبيد:
فندت كلا الفرجين تحسب أنّه ... مولى المخافة خلفها وأمامها [[وتوجست رز الأنيس فراعها ... عن ظهر غيب والأنيس سقامها
فغدت كلا الفرجين تحسب أنه ... مولى المخافة خلفها وأمامها
البيد من معلقته. يصف بقرة وحشية، توجست: أى تسمعت البقرة. والتوجس: التسمع. ويقال: رزت السماء رزا، بتقديم الراء إذا صوتت عند المطر فالرز بالفتح: التصويت الخفي، وبالكسر: اسم للصوت الخفي.
ورز: أى صوت الأنيس، وهم الصياد، فأفزعها بظهر الغيب. وإقحام الظهر في مثل هذا التركيب: مبالغة في الخفاء، لأن ما وراء الظهر لا يعلم ولا يدرى ما هو. وسمى الصياد أنيسا بالنسبة إلينا لا إليها، لأنه عناؤها وسبب خوفها، فجعله نفس السقام مبالغة. وكلا الفرحين: مبتدأ. وتحسب أنه مولى المخافة: خبر، أى أنه الأولى بالخوف من جهته. وخلفها وأمامها: خبر لمبتدإ محذوف، أو بدل من كلا الفرجين للتوضيح والتبيين، أى: لهما ما بين رجليها وما بين يديها، وبعضهم فسرهما بنقرنين في الجبل، وعليه فلا معنى للام العهد فيهما.]]
وحقيقة مولاكم: محراكم ومقمنكم [[قوله «محراكم ومقمنكم» يقال: هو حرى أن يفعل كذا، وهو قمن أن يفعله، أى: جدير بذلك وحقيق به. أفاده الصحاح. (ع)]] . أى: مكانكم الذي يقال فيه هو أولى بكم، كما قيل: هو مئنة للكرم، أى مكان، لقول القائل: إنه لكريم. ويجوز أن يراد: هي ناصركم، أى لا ناصر لكم غيرها. والمراد: نفى الناصر على البتات. ونحوه قولهم: أصيب فلان بكذا فاستنصر الجزع [[قوله «فاستنصر الجزع» لعله: الجزع، أى: نقيض الصبر. (ع)]] . ومنه قوله تعالى يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ وقيل: تتولاكم كما توليتم في الدنيا أعمال أهل النار.
57:16Page 539
۞ أَلَمۡ يَأۡنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَن تَخۡشَعَ قُلُوبُهُمۡ لِذِكۡرِ ٱللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ ٱلۡحَقِّ وَلَا يَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلُ فَطَالَ عَلَيۡهِمُ ٱلۡأَمَدُ فَقَسَتۡ قُلُوبُهُمۡۖ وَكَثِيرٞ مِّنۡهُمۡ فَٰسِقُونَ ١٦
Has the time not come for those who have believed that their hearts should become humbly submissive at the remembrance of Allāh and what has come down of the truth? And let them not be like those who were given the Scripture before, and a long period passed over them, so their hearts hardened; and many of them are defiantly disobedient.
أَلَمْ يَأْنِ من أنى الأمر يأنى، إذا جاء إناه، أى. وقته. وقرئ: ألم يئن، من آن يئين بمعنى: أنى يأنى، وألما يأن، قيل: كانوا مجدبين بمكة، فلما هاجروا أصابوا الرزق والنعمة ففتروا عما كانوا عليه، فنزلت. وعن ابن مسعود: ما كان بين إسلامنا وبين أن عوتبنا بهذه الآية إلا أربع سنين [[أخرجه مسلم بلفظ «وبين أن عاتبنا الله» ووهم الحاكم فاستدركه.]] . وعن ابن عباس رضى الله عنهما: أنّ الله استبطأ قلوب المؤمنين فعاتبهم على رأس ثلاث عشرة من نزول القرآن. وعن الحسن رضى الله عنه: أما والله لقد استبطأهم وهم يقرؤن من القرآن أقل مما تقرءون. فانظروا في طول ما قرأتم منه وما ظهر فيكم من الفسق.
وعن أبى بكر رضى الله عنه أنّ هذه الآية قرئت بين يديه وعنده قوم من أهل اليمامة، فبكوا بكاء شديدا، فنظر إليهم فقال: هكذا كنا حتى قست القلوب. وقرئ: نزّل ونزل. وأنزل وَلا يَكُونُوا عطف على تخشع، وقرئ بالتاء على الالتفات. ويجوز أن يكون نهيا لهم عن مماثلة أهل الكتاب في قسوة القلوب بعد أن وبخوا، وذلك أنّ بنى إسرائيل كان الحق يحول بينهم وبين شهواتهم، وإذا سمعوا التوراة والإنجيل خشعوا لله ورقت قلوبهم، فلما طال عليهم الزمان غلبهم الجفاء والقسوة واختلفوا وأحدثوا ما أحدثوا من التحريف وغيره. فإن قلت:
ما معنى لِذِكْرِ اللَّهِ وَما نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ؟ قلت: يجوز أن يراد بالذكر وبما نزل من الحق: القرآن، لأنه جامع للأمرين: للذكر والموعظة، وأنه حق نازل من السماء، وأن يراد خشوعها إذا ذكر الله وإذا تلى القرآن كقوله تعالى إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً أراد بالأمد: الأجل، كقوله:
...... إذا انتهى أمده [[قوله «كقوله إذا انتهي أمده» البيت من أوله:
كل حى مستكمل مدة العمر ... ومود إذا انتهى أمده.... اه عليان
قلت: قد تقدم شرح هذا الشاهد بالجزء الأول صفحة 277 فراجعه إن شئت. اه مصححه.]]
وقرئ: الأمدّ، أى: الوقت الأطول وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ خارجون عن دينهم رافضون لما في الكتابين.
57:17Page 539
ٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ يُحۡيِ ٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ مَوۡتِهَاۚ قَدۡ بَيَّنَّا لَكُمُ ٱلۡأٓيَٰتِ لَعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُونَ ١٧
Know that Allāh gives life to the earth after its lifelessness. We have made clear to you the signs; perhaps you will understand.1
اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها قيل: هذا تمثيل لأثر الذكر في القلوب، وأنه يحييها كما يحيى الغيث الأرض.
57:18Page 539
إِنَّ ٱلۡمُصَّدِّقِينَ وَٱلۡمُصَّدِّقَٰتِ وَأَقۡرَضُواْ ٱللَّهَ قَرۡضًا حَسَنٗا يُضَٰعَفُ لَهُمۡ وَلَهُمۡ أَجۡرٞ كَرِيمٞ ١٨
Indeed, the men who practice charity and the women who practice charity and [they who] have loaned Allāh a goodly loan - it will be multiplied for them, and they will have a noble reward.
الْمُصَّدِّقِينَ المتصدّقين. وقرئ على الأصل. والمصدّقين من صدق، وهم الذين صدقوا الله ورسوله يعنى المؤمنين. فإن قلت: علام عطف قوله وَأَقْرَضُوا؟ قلت: على معنى الفعل في المصدّقين، لأنّ اللام بمعنى الذين، واسم الفاعل بمعنى اصدقوا، كأنه قيل: إنّ الذين اصدقوا وأقرضوا. والقرض الحسن: أنّ يتصدق من الطيب عن طيبة النفس وصحة النية على المستحق للصدقة. وقرئ: يضعف، ويضاعف، بكسر العين، أى: يضاعف الله.
57:19Page 540
وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦٓ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلصِّدِّيقُونَۖ وَٱلشُّهَدَآءُ عِندَ رَبِّهِمۡ لَهُمۡ أَجۡرُهُمۡ وَنُورُهُمۡۖ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَآ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَحِيمِ ١٩
And those who have believed in Allāh and His messengers - those are [in the ranks of] the supporters of truth and the martyrs, with their Lord. For them is their reward and their light.1 But those who have disbelieved and denied Our verses - those are the companions of Hellfire.
يريد أنّ المؤمنين بالله ورسله هم عند الله بمنزلة الصديقين والشهداء: وهم الذين سبقوا إلى التصديق واستشهدوا في سبيل الله لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ أى: مثل أجر الصديقين والشهداء ومثل نورهم. فإن قلت: كيف يسوّى بينهم في الأجر ولا بدّ من التفاوت؟ قلت: المعنى أنّ الله يعطى المؤمنين أجرهم ويضاعفه لهم بفضله، حتى يساوى أجرهم مع أضعافه أجر أولئك.
ويجوز أن يكون وَالشُّهَداءُ مبتدأ، ولَهُمْ أَجْرُهُمْ خيره.
57:20Page 540
ٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّمَا ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَا لَعِبٞ وَلَهۡوٞ وَزِينَةٞ وَتَفَاخُرُۢ بَيۡنَكُمۡ وَتَكَاثُرٞ فِي ٱلۡأَمۡوَٰلِ وَٱلۡأَوۡلَٰدِۖ كَمَثَلِ غَيۡثٍ أَعۡجَبَ ٱلۡكُفَّارَ نَبَاتُهُۥ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَىٰهُ مُصۡفَرّٗا ثُمَّ يَكُونُ حُطَٰمٗاۖ وَفِي ٱلۡأٓخِرَةِ عَذَابٞ شَدِيدٞ وَمَغۡفِرَةٞ مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضۡوَٰنٞۚ وَمَا ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَآ إِلَّا مَتَٰعُ ٱلۡغُرُورِ ٢٠
Know that the life of this world is but amusement and diversion and adornment and boasting to one another and competition in increase of wealth and children - like the example of a rain whose [resulting] plant growth pleases the tillers; then it dries and you see it turned yellow; then it becomes [scattered] debris. And in the Hereafter is severe punishment and forgiveness from Allāh and approval. And what is the worldly life except the enjoyment of delusion.
أراد أنّ الدنيا ليست إلا محقرات من الأمور وهي اللعب واللهو والزينة والتفاخر والتكاثر.
وأما الآخرة فما هي إلا أمور عظام، وهي: العذاب الشديد والمغفرة ورضوان الله. وشبه حال الدنيا وسرعة تقضيها مع قلة جدواها بنبات أنبته الغيث فاستوى واكتهل [[قوله «فاستوى واكتهل» في الصحاح: اكتهل النيات، أى: تم طوله وظهر نوره. (ع)]]
وأعجب به الكفار الجاحدون لنعمة الله فيما رزقهم من الغيث والنبات، فبعث عليه العاهة فهاج واصفرّ وصار حطاما عقوبة لهم على جحودهم، كما فعل بأصحاب الجنة وصاحب الجنتين. وقيل الْكُفَّارَ:
الزراع. وقرئ: مصفارا
57:21Page 540
سَابِقُوٓاْ إِلَىٰ مَغۡفِرَةٖ مِّن رَّبِّكُمۡ وَجَنَّةٍ عَرۡضُهَا كَعَرۡضِ ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِ أُعِدَّتۡ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦۚ ذَٰلِكَ فَضۡلُ ٱللَّهِ يُؤۡتِيهِ مَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ ذُو ٱلۡفَضۡلِ ٱلۡعَظِيمِ ٢١
Race [i.e., compete] toward forgiveness from your Lord and a Garden whose width is like the width of the heavens and earth, prepared for those who believed in Allāh and His messengers. That is the bounty of Allāh which He gives to whom He wills, and Allāh is the possessor of great bounty.
سابِقُوا سارعوا مسارعة المسابقين لأقرانهم في المضمار، إلى جنة عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ وَالْأَرْضِ قال السدى: كعرض سبع السماوات وسبع الأرضين، وذكر العرض دون الطول، لأنّ كل ماله عرض وطول فإنّ عرضه أقل من طوله، فإذا وصف عرضه بالبسطة:
عرف أنّ طوله أبسط وأمدّ. ويجوز أن يراد بالعرض: البسطة، كقوله تعالى فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ لما حقر الدنيا وصغر أمرها وعظم أمر الآخرة: بعث عباده على المسارعة إلى نيل ما وعد من ذلك: وهي المغفرة المنجية من العذاب الشديد والفوز بدخول الجنة ذلِكَ الموعود من المغفرة والجنة فَضْلُ اللَّهِ عطاؤه يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وهم المؤمنون.
57:22–24Page 540
مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا فِيٓ أَنفُسِكُمۡ إِلَّا فِي كِتَٰبٖ مِّن قَبۡلِ أَن نَّبۡرَأَهَآۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٞ ٢٢
No disaster strikes upon the earth or among yourselves except that it is in a register1 before We bring it into being - indeed that, for Allāh, is easy -
لِّكَيۡلَا تَأۡسَوۡاْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمۡ وَلَا تَفۡرَحُواْ بِمَآ ءَاتَىٰكُمۡۗ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخۡتَالٖ فَخُورٍ ٢٣
In order that you not despair over what has eluded you and not exult [in pride] over what He has given you. And Allāh does not like everyone self-deluded and boastful -
ٱلَّذِينَ يَبۡخَلُونَ وَيَأۡمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلۡبُخۡلِۗ وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡغَنِيُّ ٱلۡحَمِيدُ ٢٤
[Those] who are stingy and enjoin upon people stinginess. And whoever turns away1 - then indeed, Allāh is the Free of need, the Praiseworthy.
المصيبة في الأرض: نحو الجدب وآفات الزروع والثمار. وفي الأنفس: نحو الأدواء والموت فِي كِتابٍ في اللوح مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها يعنى الأنفس أو المصائب إِنَّ ذلِكَ إنّ تقدير ذلك وإثباته في كتاب عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ وإن كان عسيرا على العباد، ثم علل ذلك وبين الحكمة فيه فقال لِكَيْلا تَأْسَوْا ... وَلا تَفْرَحُوا يعنى أنكم إذا علمتم أنّ كل شيء مقدر مكتوب عند الله قلّ أساكم على الفائت وفرحكم على الآتي، لأنّ من علم أن ما عنده معقود لا محالة: لم يتفاقم جزعه عند فقده، لأنه وطن نفسه على ذلك، وكذلك من علم أنّ بعض الخير واصل إليه، وأن وصوله لا يفوته بحال: لم يعظم فرحه عند نيله وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ
لأنّ من فرح بحظ من الدنيا وعظم في نفسه: اختال وافتخر به وتكبر على الناس.
قرئ: بما آتاكم. وأتاكم، من الإيتاء والإتيان. وفي قراءة ابن مسعود: بما أوتيتم. فإن قلت: فلا أحد يملك نفسه- عند مضرة تنزل به، ولا عند منفعة ينالها- أن لا يحزن ولا يفرح.
قلت: المراد: الحزن المخرج إلى ما يذهل صاحبه عن الصبر والتسليم لأمر الله ورجاء ثواب الصابرين، والفرح المطغى الملهى عن الشكر، فأما الحزن الذي لا يكاد الإنسان يخلو منه مع الاستسلام، والسرور بنعمة الله والاعتداد بها مع الشكر: فلا بأس بهما الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بدل من قوله كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ كأنه قال: لا يحب الذين يبخلون، يريد: الذين يفرحون الفرح المطغى إذا رزقوا مالا وحظا من الدنيا فلحبهم له وعزته عندهم وعظمه في عيونهم: يزوونه عن حقوق الله ويبخلون به، ولا يكفيهم أنهم بخلوا حتى يحملوا الناس على البخل ويرغبوهم في الإمساك ويزينوه لهم، وذلك كله نتيجة فرحهم به وبطرهم عند إصابته وَمَنْ يَتَوَلَّ عن أوامر الله ونواهيه ولم ينته عما نهى عنه من الأسى على الفائت والفرح بالآتى: فإنّ الله غنى عنه. وقرئ: بالبخل. وقرأ نافع: فإنّ الله الغنى، وهو في مصاحف أهل المدينة والشام كذلك.
57:25Page 541
لَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا رُسُلَنَا بِٱلۡبَيِّنَٰتِ وَأَنزَلۡنَا مَعَهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡمِيزَانَ لِيَقُومَ ٱلنَّاسُ بِٱلۡقِسۡطِۖ وَأَنزَلۡنَا ٱلۡحَدِيدَ فِيهِ بَأۡسٞ شَدِيدٞ وَمَنَٰفِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعۡلَمَ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُۥ وَرُسُلَهُۥ بِٱلۡغَيۡبِۚ إِنَّ ٱللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٞ ٢٥
We have already sent Our messengers with clear evidences and sent down with them the Scripture and the balance that the people may maintain [their affairs] in justice. And We sent down iron, wherein is great military might and benefits for the people, and so that Allāh may make evident those who support Him and His messengers unseen. Indeed, Allāh is Powerful and Exalted in Might.
لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا يعنى الملائكة إلى الأنبياء بِالْبَيِّناتِ بالحجج والمعجزات وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ أى الوحى وَالْمِيزانَ روى أنّ جبريل عليه السلام نزل بالميزان فدفعه إلى نوح وقال: مر قومك يزنوا به وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ قيل: نزل آدم من الجنة ومعه خمسة أشياء من حديد: السندان، والكلبتان، والميقعة، والمطرقة [[قوله «والميقعة والمطرقة ... الخ» في الصحاح «الميقعة» : المطرقة. والميقعة- أيضا-: المسن الطويل.
والمر: الحبل، والمسحاة كالمجرفة، إلا أنها من حديد. (ع)]]
، والإبرة. وروى: ومعه المر والمسحاة. وعن النبي ﷺ: أنّ الله تعالى أنزل أربع بركات من السماء إلى الأرض:
أنزل الحديد، والنار، والماء، والملح [[أخرجه الثعلبي من حديث ابن عمر، وفي إسناده من لا أعرفه.]]
. وعن الحسن وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ: خلقناه، كقوله تعالى وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعامِ وذلك أن أوامره تنزل من السماء وقضاياه وأحكامه فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وهو القتال به وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ في مصالحهم ومعايشهم وصنائعهم، فما من صناعة إلا والحديد آلة فيها، أو ما يعمل بالحديد وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ باستعمال السيوف والرماح وسائر السلاح في مجاهدة أعداء الدين بِالْغَيْبِ غائبا عنهم، قال ابن عباس رضى الله عنهما: ينصرونه ولا يبصرونه إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ غنى بقدرته وعزته في إهلاك من يريد هلاكه عنهم، وإنما كلفهم الجهاد لينتفعوا به ويصلوا بامتثال الأمر فيه إلى الثواب.
57:26Page 541
وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا نُوحٗا وَإِبۡرَٰهِيمَ وَجَعَلۡنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا ٱلنُّبُوَّةَ وَٱلۡكِتَٰبَۖ فَمِنۡهُم مُّهۡتَدٖۖ وَكَثِيرٞ مِّنۡهُمۡ فَٰسِقُونَ ٢٦
And We have already sent Noah and Abraham and placed in their descendants prophethood and scripture; and among them is he who is guided, but many of them are defiantly disobedient.
وَالْكِتابَ والوحى. وعن ابن عباس: الخط بالقلم، يقال: كتب كتابا وكتابة مِنْهُمْ فمن الذرية أو من المرسل إليهم، وقد دل عليهم ذكر الإرسال والمرسلين. وهذا تفصيل لحالهم، أى: فمنهم مهتد ومنهم فاسق، والغلبة للفساق.
57:27Page 541
ثُمَّ قَفَّيۡنَا عَلَىٰٓ ءَاثَٰرِهِم بِرُسُلِنَا وَقَفَّيۡنَا بِعِيسَى ٱبۡنِ مَرۡيَمَ وَءَاتَيۡنَٰهُ ٱلۡإِنجِيلَۖ وَجَعَلۡنَا فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ رَأۡفَةٗ وَرَحۡمَةٗۚ وَرَهۡبَانِيَّةً ٱبۡتَدَعُوهَا مَا كَتَبۡنَٰهَا عَلَيۡهِمۡ إِلَّا ٱبۡتِغَآءَ رِضۡوَٰنِ ٱللَّهِ فَمَا رَعَوۡهَا حَقَّ رِعَايَتِهَاۖ فَـَٔاتَيۡنَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنۡهُمۡ أَجۡرَهُمۡۖ وَكَثِيرٞ مِّنۡهُمۡ فَٰسِقُونَ ٢٧
Then We sent following their footsteps [i.e., traditions] Our messengers and followed [them] with Jesus, the son of Mary, and gave him the Gospel. And We placed in the hearts of those who followed him compassion and mercy and monasticism, which they innovated; We did not prescribe it for them except [that they did so] seeking the approval of Allāh. But they did not observe it with due observance. So We gave the ones who believed among them their reward, but many of them are defiantly disobedient.
قرأ الحسن: الإنجيل، بفتح الهمزة، وأمره أهون من أمر البرطيل والسكينة فيمن رواهما بفتح الفاء، لأنّ الكلمة أعجمية لا يلزم فيها حفظ أبنية العرب. وقرئ: رآفة، على: فعالة، أى: وفقناهم للتراحم والتعاطف بينهم. ونحوه في صفة أصحاب رسول الله ﷺ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ. والرهبانية: ترهبهم في الجبال فارّين من الفتنة في الدين، مخلصين أنفسهم للعبادة، وذلك أنّ الجبابرة ظهروا على المؤمنين بعد موت عيسى، فقاتلوهم ثلاث مرات، فقتلوا حتى لم يبق منهم إلا القليل، فخافوا أن يفتنوا في دينهم، فاختاروا الرهبانية: ومعناها الفعلة المنسوبة إلى الرهبان، [[قال محمود: «الرهبانية: الفعلة المنسوبة للرهبان ... الخ» قال أحمد: وفيه إشكال، فان النسب إلى الجمع على صيغته غير مقبول عندهم حتى يرد إلى مفرده، إلا أن يقال: إنه لما صار الرهبان طائفة مخصوصة صار هذا الاسم- وإن كان جمعا- كالعلم لهم، فلحق بأنصارى ومدائنى وأعرابى.]]
وهو الخائف: فعلان من رهب، كخشيان من خشي. وقرئ: ورهبانية بالضم، كأنها نسبة إلى الرهبان: وهو جمع راهب كراكب وركبان، وانتصابها بفعل مضمر [[قال محمود: «وهي منصوبة بفعل مضمر ... الخ» قال أحمد: في إعراب هذه الآية تورط أبو على الفارسي وتحيز إلى فئة الفتنة وطائفة البدعة، فأعرب رهبانية على أنها منصوبة بفعل مضمر يفسره الظاهر، وعلل امتناع العطف فقال: ألا ترى أن الرهبانية لا يستقيم حملها على جَعَلْنا مع وصفها بقوله ابْتَدَعُوها لأن ما يجعله هو تعالى لا يبتدعونه هم، والزمخشري ورد أيضا مورده الذميم، وأسلمه شيطانه الرجيم، فلما أجاز ما منعه أبو على من جعلها معطوفة: أعذر لذلك بتحريف الجعل إلى التوفيق، فرارا مما فر منه أبو على: من اعتقاد أن ذلك مخلوق لله تعالى، وجنوحا إلى الاشراك واعتقاد أن ما يفعلونه هم لا يفعله الله تعالى ولا يخلقه، وكفى بما في هذه الآية دليلا بعد الأدلة القطعية والبراهين العقلية على بطلان ما اعتقداه، فانه ذكر محل الرحمة والرأفة مع العلم بأن محلها القلب، فجعل قوله فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ تأكيدا لخلقه هذه المعاني وتصويرا لمعنى الخلق بذكر محله، ولو كان المراد أمرا غير مخلوق في قلوبهم لله تعالى كما زعما: لم يبق لقوله في قلوب الذين اتبعوه موقع، ويأبى الله أن يشتمل كتابه الكريم على مالا موقع له، ألهمنا الله الحجة وتهج بنا واضح المحجة، إنه ولى التوفيق وواهب التحقيق.]]
يفسره الظاهر: تقديره. وابتدعوا رهبانية ابْتَدَعُوها يعنى: وأحدثوها من عند أنفسهم ونذروها ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ لم نفرضها نحن عليهم إِلَّا ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ استثناء منقطع، أى:
ولكنهم ابتدعوها ابتغاء رضوان الله فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها كما يجب على الناذر رعاية نذره، لأنه عهد مع الله لا يحل نكثه فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا يريد: أهل الرحمة والرأفة الذين اتبعوا عيسى وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ الذين لم يحافظوا على نذرهم. ويجوز أن تكون الرهبانية معطوفة على ما قبلها، وابتدعوها: صفة لها في محل النصب، أى: وجعلنا في قلوبهم رأفة ورحمة ورهبانية مبتدعة من عندهم، بمعنى: وقفناهم للتراحم بينهم ولابتداع الرهبانية واستحداثها، ما كتبناها عليهم إلا ليبتغوا بها رضوان الله ويستحقوا بها الثواب، على أنه كتبها عليهم وألزمها إياهم ليتخلصوا من الفتن ويبتغوا بذلك رضا الله وثوابه، فما رعوها جميعا حق رعايتها، ولكن بعضهم، فآتينا المؤمنين المراعين منهم للرهبانية أجرهم، وكثير منهم فاسقون. وهم الذين لم يرعوها.
57:28Page 541
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَءَامِنُواْ بِرَسُولِهِۦ يُؤۡتِكُمۡ كِفۡلَيۡنِ مِن رَّحۡمَتِهِۦ وَيَجۡعَل لَّكُمۡ نُورٗا تَمۡشُونَ بِهِۦ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٢٨
O you who have believed, fear Allāh and believe in His Messenger; He will [then] give you a double portion of His mercy and make for you a light by which you will walk and forgive you; and Allāh is Forgiving and Merciful.
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا يجوز أن يكون خطابا للذين آمنوا من أهل الكتاب والذين آمنوا [[قوله «والذين آمنوا» لعله والذين آمنوا. (ع)]]
من غيرهم، فإن كان خطابا لمؤمنى أهل الكتاب. فالمعنى: يا أيها الذين آمنوا بموسى وعيسى آمنوا بمحمد يُؤْتِكُمْ الله كِفْلَيْنِ أى نصيبين مِنْ رَحْمَتِهِ لإيمانكم بمحمد وإيمانكم بمن قبله وَيَجْعَلْ لَكُمْ يوم القيامة نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وهو النور المذكور في قوله يَسْعى نُورُهُمْ. وَيَغْفِرْ لَكُمْ ما أسلفتم من الكفر والمعاصي.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences