Az-Zamakhshari · Tafsir · in Arabic
التحريم
At-Tahrim
The Prohibition · Medinan · 12 ayahs
66:1–2Page 560
يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَۖ تَبۡتَغِي مَرۡضَاتَ أَزۡوَٰجِكَۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ١
O Prophet, why do you prohibit [yourself from] what Allāh has made lawful for you, seeking the approval of your wives? And Allāh is Forgiving and Merciful.
قَدۡ فَرَضَ ٱللَّهُ لَكُمۡ تَحِلَّةَ أَيۡمَٰنِكُمۡۚ وَٱللَّهُ مَوۡلَىٰكُمۡۖ وَهُوَ ٱلۡعَلِيمُ ٱلۡحَكِيمُ ٢
Allāh has already ordained for you [Muslims] the dissolution of your oaths.1 And Allāh is your protector, and He is the Knowing, the Wise.
مدنية، وتسمى سورة النبي ﷺ وهي ثنتا عشرة آية [نزلت بعد الحجرات] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
روى أن رسول الله ﷺ خلا بمارية في يوم عائشة، وعلمت بذلك حفصة، فقال لها: اكتمي علىّ، وقد حرمت مارية على نفسي [[«نقل الزمخشري في سبب نزولها أنه عليه السلام خلا بمارية في يوم عائشة وعلمت بذلك حفصة، فقال لها: اكتمي علىّ وقد حرمت مارية على نفسي ... الخ» قال أحمد: ما أطلقه الزمخشري في حق النبي ﷺ تقول وافتراء، والنبي ﷺ منه براء، وذلك أن تحريم ما أحله الله على وجهين: اعتقاد ثبوت حكم التحريم فيه، فهذا بمثابة اعتقاد حكم التحليل فيما حرمه الله عز وجل، وكلاهما محظور لا يصدر من المتسمين بسمة الايمان، وإن صدر سلب المؤمن حكم الايمان واسمه. الثاني: الامتناع مما أحله عز وجل، وحمل التحريم بمجرده صحيح، لقوله وَحَرَّمْنا عَلَيْهِ الْمَراضِعَ مِنْ قَبْلُ
أى منعنا لا غير، وقد يكون مؤكدا باليمين مع اعتقاد حله، وهذا مباح صرف وحلال محض، ولو كان على المنع ترك المباح والامتناع منه غير مباح استحالت حقيقة الحال بلا إشكال، فإذا علمت بون ما بين القسمين، فعلى القسم الثاني تحمل الآية، والتفسير الصحيح يعضده، فان النبي ﷺ حلف بالله لا أقرب مارية، ولما نزلت الآية كفر عن يمينه، ويدل عليه: قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمانِكُمْ وقال مالك في المدونة: عن زيد بن أسلم إنما كفر النبي ﷺ في تحريمه أم ولده، لأنه حلف أن لا يقربها. ومثله عن الشعبي، وهذا المقدار مباح ليس في ارتكابه جناح، وإنما قيل له: لم تحرم ما أحل الله لك، رفقا به وشفقة عليه، وتنويها لقدره ولمنصبه ﷺ: أن يراعى مرضات أزواجه بما يشق عليه، جريا على ما ألف من لطف الله تعالى بنبيه ورفعه عن أن يحرج بسبب أحد من البشر الذين هم أتباعه ومن أجله خلقوا، ليظهر الله كمال نبوته بظهور نقصانهم عنه، والزمخشري قطعا لم يحمل التحريم على هذا الوجه، لأنه جعله زلة، فيلزمه أن يحمله على المحمل الأول، ومعاذ الله وحاش لله وإن آحاد المؤمنين يحاشى عن أن يعتقد تحريم ما أحل الله له، فكيف لا يربأ بمنصب النبي عليه السلام عما يرتفع عنه منصب عامة الأمة، وما هذه من الزمخشري إلا جراءة على الله ورسوله، وإطلاق القول من غير تحرير، وإبراز الرأى الفاسد بلا تخمير، نعوذ بالله من ذلك، وهو المسئول أن يجعل وسيلتنا إليه تعظيما لنبينا صلوات الله عليه، وأن يجنبنا خطوات للشيطان، ويقبلنا من عثرات اللسان، آمين.]] ، وأبشرك أن أبا بكر وعمر يملكان بعدي أمر أمتى، فأخبرت به عائشة وكانتا متصادقتين [[لم أقف في شيء من الطرق على أن ذلك كان في بيت عائشة رضى الله عنها، إلا فيما رواه ابن سعد عن الواقدي عن عمر بن عقبة عن شعبة هو مولى ابن عباس سمعت ابن عباس يقول «خرجت حفصة من بيتها. وكان يوم عائشة فدخل رسول الله ﷺ بمارية القبطية بيت حفصة، فجاءت حفصة والباب بحاف فدفعته حتى خرجت الجارية. فقالت حفصة: أما إنى قد رأيت ما صنعت. فقال لها: اكتمي على وهي على حرام، فانطلقت حفصة إلى عائشة فأخبرتها فأنزل الله تعالى يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ فأمر فكفر عن يمينه وحبس نساءه» وروى الطبراني في عشرة النساء وابن مردويه في التفسير عنه من طريق موسى بن جعفر بن أبى كثير بن عبد الرحمن عن عمر عن أبى بكر بن عبد الرحمن عن أبى سلمة عن أبى هريرة قال: دخل رسول الله ﷺ بمارية القبطية بيت حفصة بنت عمر فوجدتها معه. فقالت: يا رسول الله في بيتي وتفعل هذا بى من دون نسائك قال: فإنها على حرام أن أمسها يا حفصة، ألا أبشرك؟ فقالت: بلى. قال: يلي هذا الأمر من بعدي أبو بكر ويليه من بعده أبوك واكتمي هذا على، فخرجت حتى أتت عائشة فذكرت ذلك كله. وفيه قوله: وكان أدى السرور أن حرمها على نفسه، فأنزل الله تعالى يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ وروى الطبراني من طريق الضحاك عن ابن عباس قال «دخلت حفصة على النبي ﷺ في بيتها وهو يطأ مارية، فقال لها لا تخبري عائشة حتى أبشرك ببشارة، فان أباك يلي من بعد أبى بكر إذا أنا مت، فذهبت حفصة فأخبرت عائشة. فقالت عائشة رضى الله عنها: لا أنظر إليك حتى تحرم مارية فحرمها. فأنزل الله الآية» .]] . وقيل: خلا بها في يوم حفصة، فأرضاها بذلك واستكتمها فلم تكتم [[أخرجه ابن إسحاق ومن طريقه ابن أبى خيثمة قال: أخبرنى بعض آل عمر قال «أصاب النبي ﷺ جاريته القبطية أم ابراهيم في بيت حفصة وفي يومها. فعثرت حفصة على ذلك. فقالت: يا رسول الله، لقد جئت أمرا ما جئته إلى أحد من نسائك في بيتي وعلى فراشي، وفي دولتى؟ قال: أيرضيك أن أحرمها فلا أمسها أبدا؟ قالت: نعم. فحرمها على نفسه. وقال لا تذكريه لأحد من الناس، وكانت حفصة لا تكتم عائشة شيئا، فلما خرجت ذهبت إلى عائشة فأخبرتها. فأنزل الله تعالى «يا أيها النبي لم تحرم، فكفر عن يمينه، وقرب جاريته» وقوله «وطلقها واعتزل نساءه ومكث تسعة وعشرين ليلة في بيت مارية» : لم أر هذا.]] ، فطلقها واعتزل نساءه ومكث تسعا وعشرين ليلة في بيت مارية. وروى أن عمر قال لها: لو كان في آل الخطاب خير لما طلقك، فنزل جبريل عليه السلام وقال: راجعها فإنها صوّامة قوّامة، وإنها لمن نسائك في الجنة [[لم أره هكذا، وهو عند الحاكم وغيره بغير ذكر سببه، وقال ابن سعد: أخبرنا زيد» وقال الحرث أخبرنا عفان قال: عن حماد عن أبى عمران الجونى عن قيس بن زيد أن رسول الله ﷺ طلق حفصة، فقال:
إن جبريل أتانى فقال لي: راجع حفصة فإنها صوامة قوامة، وهي زوجتك في الجنة» وروى الحاكم من طريق الحسن بن أبى جعفر عن ثابت عن أنس نحوه وزاد تطليقة، والحسن ضعيف. واختلف عليه فيه، ورواه الطبراني والبزار من رواية الحسن المذكور عن عاصم عن عمار رضى الله عنه.]] . وروى أنه شرب عسلا في بيت زينب بنت جحش، فتواطأت عائشة وحفصة فقالتا له: إنا نشم منك ريح المغافير، وكان رسول الله ﷺ يكره التفل، فحرّم العسل [[متفق عليه من حديث عمر بدون قوله «يكره التفل» فعندهما «وكان يشتد عليه أن يوجد منه الريح» .]] ، فمعناه لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ من ملك اليمين أو العسل. وتَبْتَغِي إما تفسير لتحرم. أو حال: أو استئناف، وكان هذا زلة منه لأنه ليس لأحد أن يحرّم ما أحلّ الله لأن الله عزّ وجل إنما أحلّ ما أحل لحكمة ومصلحة عرفها في إحلاله، فإذا حرّم كان ذلك قلب المصلحة مفسدة وَاللَّهُ غَفُورٌ قد غفر لك ما زللت فيه رَحِيمٌ قد رحمك فلم يؤاخذك به قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمانِكُمْ فيه معنيان، أحدهما: قد شرع الله لكم الاستثناء في أيمانكم، من قولك: حلل فلان في يمينه، إذا استثنى فيها. ومنه: حلا أبيت اللعن [[قوله «ومنه: حلا أبيت اللعن» في الصحاح: يقال حلا، أى استثنى. ويا حالف اذكر حلا، وهو بالكسر أفاده الصحاح أيضا. (ع)]] ، بمعنى: استثن في يمينك إذا أطلقها، وذلك أن يقول «إن شاء الله» عقيبها، حتى لا يحنث. والثاني: قد شرع الله لكم تحلتها بالكفارة. ومنه قوله عليه السلام: «لا يموت لرجل ثلاثة أولاد فتمسه النار إلا تحلة القسم» [[أخرجه مسلم من حديث سعيد بن المسيب عن أبى هريرة رضى الله عنه.]] وقول ذى الرمّة:
قليلا كتحليل الألىّ [[قوله «كتحليل الألى» في الصحاح «الالية» : اليمين على فعلية، وكذلك الألوة والألوة، فأما الألوة بالتشديد:
فهو العود الذي يتبخر به اه، فالألى في كلام ذى الرمة جمع الألوة بالتخفيف «كالمدية والمدى، والخطوة والخطى. (ع)]]
فإن قلت: ما حكم تحريم الحلال؟ قلت: قد اختلف فيه، فأبو حنيفة براه يمينا في كل شيء، ويعتبر الانتفاع المقصود فيما يحرّمه، فإذا حرّم طعاما فقد حلف على أكله، أو أمة فعلى وطئها، أو زوجة فعلى الإيلاء منها إذا لم يكن له نية، وإن نوى الظهار فظهار، وإن نوى الطلاق فطلاق بائن «وكذلك إن نوى ثنتين وإن نوى ثلاثا فكما نوى، وإن قال: نويت الكذب ديّن فيما بينه وبين الله تعالى، ولا يدين في القضاء بإبطال الإيلاء. وإن قال: كل حلال علىّ حرام فعلى الطعام والشراب إذا لم ينو، وإلا فعلى ما نوى، ولا يراه الشافعي يمينا. ولكن سببا في الكفارة في النساء وحدهنّ، وإن نوى الطلاق فهو رجعي عنده. وعن أبى بكر وعمر وابن عباس وابن مسعود وزيد رضى الله عنهم: أنّ الحرام يمين [[حديث أبى بكر رضى الله عنه أخرجه ابن أبى شيبة من رواية جويبر عن الضحاك: أن أبا بكر وعمر وابن مسعود قالوا: من قال لامرأته: هي على حرام، فليست بحرام وعليه كفارة يمين. وإسناده ضعيف ومنقطع. وحديث عمر رضى الله عنه مثله، وله طريق أخرى أخرجها ابن أبى شيبة أيضا من رواية خالد الحذاء عن عكرمة عنه قال «الحرام يمين» وهذا منقطع وحديث ابن عباس رضى الله عنهما مثله متفق عليه من رواية ابن جبير عنه قال: الحرام يمين يكفرها.
وفي رواية لمسلم «إذا حرم الرجل امرأته فهي يمين يكفرها» . وحديث ابن مسعود مثله، وله طريق أخرى أخرجها عبد الرزاق من طريق الطبراني عن ابن عقبة عن ابن أبى نجيح عن مجاهد عنه، قال: في الحرام يمين يكفرها. ورجاله ثقات مع انقطاعه. وحديث زيد بن ثابت رضى الله عنه مثله.]] وعن عمر: إذا نوى الطلاق فرجعى. وعن على رضى الله عنه: ثلاث [[أخرجه ابن أبى شيبة وعبد الرزاق من رواية جعفر بن محمد عن أبيه عن على في قول الرجل لامرأته:
أنت على حرام، هي ثلاث. وهذا منقطع أيضا.]] . وعن زيد: واحدة بائنة. وعن عثمان: ظهار.
وكان مسروق لا يراه شيئا ويقول: ما أبالى أحرمتها أم قصعة من ثريد، وكذلك عن الشعبي قال: ليس بشيء، محتجا بقوله تعالى وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هذا حَلالٌ وَهذا حَرامٌ وقوله تعالى لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وما لم يحرّمه الله تعالى فليس لأحد أن يحرّمه ولا أن يصير بتحريمه حراما، ولم يثبت عن رسول الله ﷺ أنه قال لما أحله الله: هو حرام علىّ، وإنما امتنع من مارية ليمين تقدّمت منه، وهو قوله عليه السلام:
والله لا أقربها بعد اليوم، فقيل له: لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ أى لم تمتنع منه بسبب اليمين، يعنى: أقدم على ما حلفت عليه، وكفر عن يمينك. ونحوه قوله تعالى وَحَرَّمْنا عَلَيْهِ الْمَراضِعَ أى، منعناه منها. وظاهر قوله تعالى قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمانِكُمْ أنه كانت منه يمين.
فإن قلت: هل كفر رسول الله ﷺ لذلك؟ قلت: عن الحسن: أنه لم يكفر، لأنه كان مغفورا له ما تقدّم من ذنبه وما تأخر [[لم أجده. وفي المراسيل لأبى داود عنه خلاف ذلك، أخرجه من طريق قتادة عنه في تحريم أم إبراهيم.
قال: فأمر أن يكفر عن يمينه، وكذا ذكره ابن اسحق كما تقدم أنه كفر عن يمينه.]] ، وإنما هو تعليم للمؤمنين. وعن مقاتل: أنّ رسول الله ﷺ أعتق رقبة في تحريم مارية وَاللَّهُ مَوْلاكُمْ سيدكم ومتولى أموركم وَهُوَ الْعَلِيمُ بما يصلحكم فيشرعه لكم الْحَكِيمُ فلا يأمركم ولا ينهاكم إلا بما توجبه الحكمة. وقيل: مولاكم أولى بكم من أنفسكم، فكانت نصيحته أنفع لكم من نصائحكم لأنفسكم.
66:3Page 560
وَإِذۡ أَسَرَّ ٱلنَّبِيُّ إِلَىٰ بَعۡضِ أَزۡوَٰجِهِۦ حَدِيثٗا فَلَمَّا نَبَّأَتۡ بِهِۦ وَأَظۡهَرَهُ ٱللَّهُ عَلَيۡهِ عَرَّفَ بَعۡضَهُۥ وَأَعۡرَضَ عَنۢ بَعۡضٖۖ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِۦ قَالَتۡ مَنۡ أَنۢبَأَكَ هَٰذَاۖ قَالَ نَبَّأَنِيَ ٱلۡعَلِيمُ ٱلۡخَبِيرُ ٣
And [remember] when the Prophet confided to one of his wives a statement; and when she informed [another] of it and Allāh showed it to him, he made known part of it and ignored a part. And when he informed her about it, she said, "Who told you this?" He said, "I was informed by the Knowing, the Aware."
بَعْضِ أَزْواجِهِ حفصة. والحديث الذي أسر إليها: حديث مارية وإمامة الشيخين نبأت به أفشته إلى عائشة. وقرئ: أنبأت به وَأَظْهَرَهُ وأطلع النبي عليه السلام عَلَيْهِ على الحديث، أى: على إفشائه على لسان جبريل. وقيل: أظهر الله الحديث على النبي ﷺ من الظهور عَرَّفَ بَعْضَهُ أعلم ببعض الحديث تكرما. قال سفيان: ما زال التغافل من فعل الكرام. وقرئ: عرف بعضه، أى: جاز عليه، من قولك للمسىء: لأعرفن لك ذلك، وقد عرفت ما صنعت. ومنه: أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم، وهو كثير في القرآن، وكان جزاؤه تطليقه إياها. وقيل: المعرف: حديث الإمامة، والمعرض عنه: حديث مارية: وروى أنه ﷺ قال لها: ألم أقل لك اكتمي علىّ، قالت: والذي بعثك بالحق ما ملكت نفسي فرحا بالكرامة التي خص الله بها أباها. فإن قلت: هلا قيل: فلما نبأت به بعضهن وعرفها بعضه؟ قلت: ليس الغرض بيان من المذاع إليه ومن المعرف، وإنما هو ذكر جناية حفصة في وجود الإنباء به وإفشائه من قبلها، وأن رسول الله ﷺ بكرمه وحلمه، لم يوجد منه إلا الإعلام ببعضه، وهو حديث الإمامة. ألا ترى أنه لما كان المقصود في قوله فَلَمَّا نَبَّأَها بِهِ قالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هذا ذكر المنبأ، كيف أتى بضميره.
66:4Page 560
إِن تَتُوبَآ إِلَى ٱللَّهِ فَقَدۡ صَغَتۡ قُلُوبُكُمَاۖ وَإِن تَظَٰهَرَا عَلَيۡهِ فَإِنَّ ٱللَّهَ هُوَ مَوۡلَىٰهُ وَجِبۡرِيلُ وَصَٰلِحُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَۖ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ بَعۡدَ ذَٰلِكَ ظَهِيرٌ ٤
If you two [wives] repent to Allāh, [it is best], for your hearts have deviated. But if you cooperate against him - then indeed Allāh is his protector, and Gabriel and the righteous of the believers and the angels, moreover, are [his] assistants.
إِنْ تَتُوبا خطاب لحفصة وعائشة على طريقة الالتفات، ليكون أبلغ في معاتبتهما.
وعن ابن عباس: لم أزل حريصا على أن أسأل عمر عنهما حتى حج وحججت معه، فلما كان ببعض الطريق عدل وعدلت معه بالإداوة، فسكبت الماء على يده فتوضأ، فقلت: من هما؟ فقال:
عجبا يا ابن عباس- كأنه كره ما سألته عنه- ثم قال: هما حفصة وعائشة [[متفق عليه.]] فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما فقد وجد منكما ما يوجب التوبة، وهو ميل قلوبكما عن الواجب في مخالصة رسول الله ﷺ من حب ما يحبه وكراهة ما يكرهه. وقرأ ابن مسعود: فقد زاغت وَإِنْ تَظاهَرا وإن تعاونا عَلَيْهِ بما يسوءه من الإفراط في الغيرة وإفشاء سره، فلن يعدم هو من يظاهره، وكيف يعلم المظاهر من الله مولاه أى وليه وناصره، وزيادة هُوَ إيذان بأن نصرته عزيمة من عزائمه، وأنه يتولى ذلك بذاته وَجِبْرِيلُ رأس الكروبيين، وقرن ذكره بذكره مفردا له من بين الملائكة تعظيما له وإظهارا لمكانته عنده وَصالِحُ الْمُؤْمِنِينَ ومن صلح من المؤمنين، يعنى: كل من آمن وعمل صالحا. وعن سعيد بن جبير: من بريء منهم من النفاق. وقيل: الأنبياء وقيل: الصحابة. وقيل: الخلفاء منهم. فإن قلت: صالح المؤمنين واحد أم جمع؟ قلت: هو واحد أريد به الجمع، كقولك: لا يفعل هذا الصالح من الناس، تريد الجنس، كقولك: لا يفعله من صلح منهم. ومثله قولك: كنت في السامر والحاضر. ويجوز أن يكون أصله: صالحوا المؤمنين بالواو، فكتب بغير واو على اللفظ، لأنّ لفظ الواحد والجمع واحد فيه، كما جاءت أشياء في المصحف متبوع فيها حكم اللفظ دون وضع الخط وَالْمَلائِكَةُ على تكاثر عددهم، وامتلاء السماوات من جموعهم بَعْدَ ذلِكَ بعد نصرة الله وناموسه وصالحي المؤمنين ظَهِيرٌ فوج مظاهر له، كأنهم يد واحدة على من يعاديه، فما يبلغ تظاهر امرأتين على من هؤلاء ظهراؤه؟ فإن قلت: قوله بَعْدَ ذلِكَ تعظيم للملائكة ومظاهرتهم. وقد تقدّمت نصرة الله وجبريل وصالح المؤمنين، ونصرة الله تعالى أعظم وأعظم. قلت: مظاهرة الملائكة من جملة نصرة الله، فكأنه فضل نصرته تعالى بهم وبمظاهرتهم على غيرها من وجوه نصرته تعالى، لفضلهم على جميع خلقه [[قوله «لفضلهم على جميع خلقه» مذهب المعتزلة تفضيل الملك على البشر، وأهل السنة على تفضيل بعض البشر على الملائكة. (ع)]] . وقرئ: تظاهرا. وتتظاهرا. وتظهرا.
66:5Page 560
عَسَىٰ رَبُّهُۥٓ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبۡدِلَهُۥٓ أَزۡوَٰجًا خَيۡرٗا مِّنكُنَّ مُسۡلِمَٰتٖ مُّؤۡمِنَٰتٖ قَٰنِتَٰتٖ تَٰٓئِبَٰتٍ عَٰبِدَٰتٖ سَٰٓئِحَٰتٖ ثَيِّبَٰتٖ وَأَبۡكَارٗا ٥
Perhaps his Lord, if he divorced you [all], would substitute for him wives better than you - submitting [to Allāh], believing, devoutly obedient, repentant, worshipping, and traveling1 - [ones] previously married and virgins.
قرئ: يبدله، بالتخفيف والتشديد للكثرة مُسْلِماتٍ مُؤْمِناتٍ مقرّات مخلصات سائِحاتٍ صائمات. وقرئ: سيحات، وهي أبلغ. وقيل للصائم: سائح، لأنّ السائح لا زاد معه، فلا يزال ممسكا إلى أن يجد ما يطعمه، فشبه به الصائم في إمساكه إلى أن يجيء وقت إفطاره. وقيل:
سائحات مهاجرات، وعن زيد بن أسلم: لم تكن في هذه الأمّة سياحة إلا الهجرة. فإن قلت:
كيف تكون المبدلات خيرا منهن، ولم تكن على وجه الأرض نساء خير من أمّهات المؤمنين؟ [[قوله «نساء خير من أمهات المؤمنين» لعله خيرا. (ع)]] قلت: إذا طلقهن رسول الله لعصيانهن له وإيذائهن إياه، لم يبقين على تلك الصفة، وكان غيرهن من الموصوفات بهذه الأوصاف مع الطاعة لرسول الله ﷺ والنزول على هواه ورضاه خيرا منهن، وقد عرض بذلك في قوله قانِتاتٍ لأنّ القنوت هو القيام بطاعة الله، وطاعة الله في طاعة رسوله. فإن قلت: لم أخليت الصفات كلها عن العاطف [[قال محمود: «إن قلت لم أخليت هذه الصفات من العاطف ... الخ» قال أحمد: وقد ذكر لي الشيخ أبو عمرو بن الحاجب رحمه الله: أن القاضي الفاضل عبد الرحيم البيساني الكاتب رحمه الله كان يعتقد أن الواو في الآية هي الواو التي سماها بعض ضعفة النحاة واو الثمانية، لأنها ذكرت مع الصفة الثامنة، فكان الفاضل يتبجج باستخراجها زائدة على المواضع الثلاثة المشهورة صلة، أحدها التي في الصفة الثامنة من قوله التَّائِبُونَ الْعابِدُونَ عند قوله وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ والثانية في قوله وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ والثالثة في قوله وَفُتِحَتْ أَبْوابُها قال الشيخ أبو عمرو بن الحاجب: ولم يزل الفاضل يستحسن ذلك من نفسه إلى أن ذكره يوما بحضرة أبى الجود النحوي المقري فبين له أنه واهم في عدها من ذلك القبيل، وأحال البيان على المعنى الذي ذكره الزمخشري من دعاء الضرورة إلى الإتيان بها هاهنا، لامتناع اجتماع الصفتين في موصوف واحد، وواو الثمانية إن ثبتت فإنما ترد بحيث لا حاجة إليها إلا للاشعار بتمام نهاية العدد الذي هو السبعة، فأنصفه الفاضل رحمه الله، واستحسن ذلك منه وقال: أرشدنا يا أبا الجود.]] ووسط بين الثيبات والأبكار؟ قلت: لأنهما صفتان متنافيتان لا يجتمعن فيهما اجتماعهن [[قوله «لا يجتمعن فيهما اجتماعهن» لعل فيه قلبا، والأصل: لا يجتمعان فيهن اجتماع سائر الصفات فيهن. (ع)]] في سائر الصفات، فلم يكن بد من الواو.
66:6–7Page 560
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ قُوٓاْ أَنفُسَكُمۡ وَأَهۡلِيكُمۡ نَارٗا وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلۡحِجَارَةُ عَلَيۡهَا مَلَٰٓئِكَةٌ غِلَاظٞ شِدَادٞ لَّا يَعۡصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمۡ وَيَفۡعَلُونَ مَا يُؤۡمَرُونَ ٦
O you who have believed, protect yourselves and your families from a Fire whose fuel is people and stones, over which are [appointed] angels, harsh and severe; they do not disobey Allāh in what He commands them but do what they are commanded.
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَا تَعۡتَذِرُواْ ٱلۡيَوۡمَۖ إِنَّمَا تُجۡزَوۡنَ مَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ٧
O you who have disbelieved, make no excuses that Day. You will only be recompensed for what you used to do.
قُوا أَنْفُسَكُمْ بترك المعاصي وفعل الطاعات وَأَهْلِيكُمْ بأن تأخذوهم بما تأخذون به أنفسكم. وفي الحديث «رحم الله رجلا قال يا أهلاه صلاتكم صيامكم زكاتكم مسكينكم يتيمكم جيرانكم لعلّ الله يجمعهم معه في الجنة» [[لم أجده.]] وقيل: إنّ أشد الناس عذابا يوم القيامة من جهل أهله. وقرئ: وأهلوكم [[قال محمود في قوله تعالى قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً: قرئ وأهلوكم. قال أحمد: ولكن المعطوف مقارن في التقدير للواو، وأنفسكم واقع بعده، كأنه قال: قوا أنتم وأهلوكم أنفسكم، ولكن لما اجتمع ضمير المخاطب والغائبين: غلب ضمير الخطاب على ضمير الغيبة. ثم قال: فان قلت قوله لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ أليس الجملتان في معنى واحد؟ وأجاب بأن معنى الأولى أنهم يلتزمون الأوامر ولا يأتونها ... الخ» قال أحمد:
جوابه الأول مفرع على قاعدته الفاسدة في اعتقاد خلود الفساق في جهنم، ولعله إنما أورد السؤال ليتكلف عنه بجواب ينفس عما في نفسه مما لا يطيق كتمانه من هذا الباطل نعوذ بالله منه، وإلا فالسؤال غير وارد، فانه لا يمتنع أن المؤمن يحذر من عذاب الكافر أن يناله على الإيمان، كقوله في آل عمران خطابا للمؤمنين وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ، وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ.]] ، عطفا على واو قُوا وحسن العطف للفاصل. فإن قلت: أليس التقدير: قوا أنفسكم، وليق أهلوكم أنفسهم؟ قلت: لا، ولكن المعطوف مقارن في التقدير للواو، وأنفسكم واقع بعده، فكأنه قيل: قوا أنتم وأهلوكم أنفسكم لما جمعت مع المخاطب الغائب غلبته عليه، فجعلت ضميرهما معا على لفظ المخاطب ناراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ نوعا من النار لا يتقد إلا بالناس والحجارة، كما يتقد غيرها من النيران بالحطب. وعن ابن عباس رضى الله عنهما: هي حجارة الكبريت، وهي أشدّ الأشياء حرا إذا أو قد عليها. وقرئ: وقودها بالضم، أى ذو وقودها عَلَيْها يلي أمرها وتعذيب أهلها مَلائِكَةٌ يعنى الزبانية التسعة عشر وأعوانهم غِلاظٌ شِدادٌ في أجرامهم غلظة وشدّة، أى: جفاء وقوّة. أو في أفعالهم جفاء وخشونة، لا تأخذهم رأفة في تنفيذ أوامر الله والغضب له والانتقام من أعدائه ما أَمَرَهُمْ في محل النصب على البدل، أى: لا يعصون ما أمر الله. أى: أمره، كقوله تعالى أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي أو لا يعصونه فيما أمرهم. فإن قلت: أليست الجملتان في معنى واحد؟ قلت: لا، فإنّ معنى الأولى أنهم يتقبلون أوامره ويلتزمونها ولا يأبونها ولا ينكرونها. ومعنى الثانية: أنهم يؤدون ما يؤمرون به لا يتثاقلون عنه ولا يتوانون فيه. فإن قلت: قد خاطب الله المشركين المكذبين بالوحي بهذا بعينه في قوله تعالى فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ وقال أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ فجعلها معدّة للكافرين، فما معنى مخاطبته به المؤمنين؟ قلت: الفساق وإن كانت دركاتهم فوق دركات الكفار، فإنهم مساكنون الكفار في دار واحدة فقيل للذين آمنوا:
قوا أنفسكم باجتناب الفسوق مساكنة الكفار الذين أعدت لهم هذه النار الموصوفة. ويجوز أن يأمرهم بالتوقي من الارتداد، والندم على الدخول في الإسلام، وأن يكون خطابا للذين آمنوا بألسنتهم وهم المنافقون، ويعضد ذلك قوله تعالى على أثره يا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ أى: يقال لهم ذلك عند دخولهم النار لا تعتذروا، لأنه لا عذر لكم. أو لأنه لا ينفعكم الاعتذار.
66:8Page 561
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ تُوبُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ تَوۡبَةٗ نَّصُوحًا عَسَىٰ رَبُّكُمۡ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمۡ سَيِّـَٔاتِكُمۡ وَيُدۡخِلَكُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ يَوۡمَ لَا يُخۡزِي ٱللَّهُ ٱلنَّبِيَّ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُۥۖ نُورُهُمۡ يَسۡعَىٰ بَيۡنَ أَيۡدِيهِمۡ وَبِأَيۡمَٰنِهِمۡ يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَتۡمِمۡ لَنَا نُورَنَا وَٱغۡفِرۡ لَنَآۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ٨
O you who have believed, repent to Allāh with sincere repentance. Perhaps1 your Lord will remove from you your misdeeds and admit you into gardens beneath which rivers flow [on] the Day when Allāh will not disgrace the Prophet and those who believed with him. Their light will proceed before them and on their right; they will say, "Our Lord, perfect for us our light and forgive us. Indeed, You are over all things competent."
تَوْبَةً نَصُوحاً وصفت التوبة بالنصح على الإسناد المجازى، والنصح: صفة التائبين، وهو أن ينصحوا بالتوبة أنفسهم، فيأتوا بها على طريقها متداركة للفرطات ماحية للسيئات، وذلك: أن يتوبوا عن القبائح لقبحها، نادمين عليها، مغتمين أشدّ الاغتمام لارتكابها، عازمين على أنهم لا يعودون في قبيح من القبائح إلى أن يعود اللبن في الضرع، موطنين أنفسهم على ذلك.
وعن على رضى الله تعالى عنه: أنه سمع أعرابيا يقول: اللهم إنى أستغفرك وأتوب إليك، فقال: يا هذا، إنّ سرعة اللسان بالتوبة توبة الكذابين. قال: وما التوبة؟ قال: يجمعها ستة أشياء: على الماضي من الذنوب: الندامة، وللفرائض: الإعادة، ورد المظالم، واستحلال الخصوم، وأن تعزم على أن لا تعود، وأن تذيب نفسك في طاعة الله، كما ربيتها في المعصية، وأن تذيقها مرارة الطاعات كما أذقتها حلاوة المعاصي. وعن حذيفة: بحسب الرجل من الشر أن يتوب عن الذنب ثم يعود فيه. وعن شهر بن حوشب: أن لا يعود ولو حز بالسيف وأحرق بالنار. وعن ابن السماك: أن تنصب الذنب الذي أقللت فيه الحياء من الله أمام عينك وتستعد لمنتظرك. وقيل: توبة لا يتاب منها. وعن السدى: لا تصح التوبة إلا بنصيحة النفس والمؤمنين، لأن من صحت توبته أحب أن يكون الناس مثله. وقيل: نصوحا من نصاحة الثوب، أى: توبة ترفو خروقك في دينك، وترم خلك [[قوله «وترم خلك» في الصحاح «الخل» الثوب البالي. وعبارة النسفي: خالك. وفي الصحاح «الخلل» بالتحريك: الفرجة بين الشيئين، وفساد في الأمر. (ع)]] . وقيل: خالصة، من قولهم: عسل ناصح إذا خلص من الشمع. ويجوز أن يراد: توبة تنصح الناس، أى: تدعوهم إلى مثلها لظهور أثرها في صاحبها، واستعماله الجد والعزيمة في العمل على مقتضياتها. وقرأ زيد بن على: توبا نصوحا. وقرئ:
نصوحا بالضم، وهو مصدر نصح. والنصح والنصوح، كالشكر والشكور، والكفر والكفور أى: ذات نصوح. أو تنصح نصوحا. أو توبوا لنصح أنفسكم على أنه مفعول له عَسى رَبُّكُمْ
إطماع من الله لعباده، وفيه وجهان، أحدهما: أن يكون على ما جرت به عادة الجبابرة من الإجابة بعسى ولعل. ووقوع ذلك منهم موقع القطع والبت. والثاني: أن يجيء به تعليما العباد وجوب الترجح بين الخوف والرجاء، والذي يدل على المعنى الأول وأنه في معنى البت:
قراءة ابن أبى عبلة: ويدخلكم بالجزم، عطفا على محل عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ كأنه قيل: توبوا يوجب لكم تكفير سيئاتكم ويدخلكم يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ نصب بيدخلكم، ولا يخزى:
تعريض بمن أخزاهم الله من أهل الكفر والفسوق، واستحماد إلى المؤمنين على أنه عصمهم من مثل حالهم يَسْعى نُورُهُمْ على الصراط أَتْمِمْ لَنا نُورَنا قال ابن عباس: يقولون ذلك إذا طفئ نور المنافقين إشفاقا. وعن الحسن: الله متممه لهم ولكنهم يدعون تقربا إلى الله، كقوله تعالى وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وهو مغفور له. وقيل: يقوله أدناهم منزلة، لأنهم يعطون من النور قدر ما يبصرون به مواطئ أقدامهم، لأنّ النور على قدر الأعمال فيسألون إتمامه تفضلا.
وقيل: السابقون إلى الجنة يمرون مثل البرق على الصراط، وبعضهم كالريح، وبعضهم حبوا وزحفا، فأولئك الذين يقولون رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا فإن قلت: كيف يشفقون والمؤمنون آمنون، أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِناً يَوْمَ الْقِيامَةِ. فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ، لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ أو كيف [[قوله «أو كيف» لعله: وكيف. (ع)]] يتقربون وليست الدار دار تقرّب؟ قلت: أما الإشفاق فيجوز أن يكون على عادة البشرية وإن كانوا معتقدين الأمن. وأما التقرّب فلما كانت حالهم كحال المتقربين حيث يطلبون ما هو حاصل لهم من الرحمة: سماه تقرّبا.
66:9Page 561
يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ جَٰهِدِ ٱلۡكُفَّارَ وَٱلۡمُنَٰفِقِينَ وَٱغۡلُظۡ عَلَيۡهِمۡۚ وَمَأۡوَىٰهُمۡ جَهَنَّمُۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ ٩
O Prophet, strive against the disbelievers and the hypocrites and be harsh upon them. And their refuge is Hell, and wretched is the destination.
جاهِدِ الْكُفَّارَ بالسيف وَالْمُنافِقِينَ بالاحتجاج، واستعمل الغلظة والخشونة على الفريقين فيما تجاهدهما به من القتال والمحاجة. وعن قتادة: مجاهدة المنافقين لإقامة الحدود عليهم. وعن مجاهد: بالوعيد. وقيل: بإفشاء أسرارهم.
66:10Page 561
ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلٗا لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱمۡرَأَتَ نُوحٖ وَٱمۡرَأَتَ لُوطٖۖ كَانَتَا تَحۡتَ عَبۡدَيۡنِ مِنۡ عِبَادِنَا صَٰلِحَيۡنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمۡ يُغۡنِيَا عَنۡهُمَا مِنَ ٱللَّهِ شَيۡـٔٗا وَقِيلَ ٱدۡخُلَا ٱلنَّارَ مَعَ ٱلدَّٰخِلِينَ ١٠
Allāh presents an example of those who disbelieved: the wife of Noah and the wife of Lot. They were under two of Our righteous servants but betrayed them,1 so they [i.e., those prophets] did not avail them from Allāh at all, and it was said, "Enter the Fire with those who enter."
مثل الله عز وجل حال الكفار- في أنهم يعاقبون على كفرهم وعداوتهم للمؤمنين معاقبة مثلهم [[قوله «حال الكفار في أنهم يعاقبون على كفرهم» أى الذين بينهم وبين المؤمنين علاقة. وقوله «مثلهم» أى ممن لا علاقة بينهم وبين المؤمنين. (ع)]] من غير إبقاء ولا محاباة، ولا ينفعهم مع عداوتهم لهم ما كان بينهم وبينهم من لحمة نسب أو وصلة صهر، لأن عداوتهم لهم وكفرهم بالله ورسوله قطع العلائق وبت الوصل، وجعلهم أبعد من الأجانب وأبعد، وإن كان المؤمن الذي يتصل به الكافر نبيا من أنبياء الله- بحال امرأة نوح وامرأة لوط: لما نافقتا وخانتا الرسولين لم يغن الرسولان عنهما بحق ما بينهما وبينهما من وصلة الزواج إغناء مّا من عذاب الله وَقِيلَ لهما عند موتهما أو يوم القيامة:
ادْخُلَا النَّارَ مَعَ سائر الدَّاخِلِينَ الذين لا وصلة بينهم وبين الأنبياء. أو مع داخليها من إخوانكما من قوم نوح وقوم لوط. ومثل حال المؤمنين- في أنّ وصلة الكافرين لا تضرهم ولا تنقص شيئا من ثوابهم وزلفاهم عند الله- بحال امرأة فرعون ومنزلتها عند الله تعالى، مع كونها زوجة أعدى أعداء الله الناطق بالكلمة العظمى، ومريم ابنة عمران وما أوتيت من كرامة الدنيا والآخرة والاصطفاء على نساء العالمين، مع أنّ قومها كانوا كفارا. وفي طىّ هذين التمثيلين تعريض بأمّى المؤمنين المذكورتين في أوّل السورة وما فرط منهما من التظاهر على رسول الله ﷺ [[قوله «على التظاهر على رسول الله ﷺ» لعله من التظاهر، كعبارة النسفي. (ع)]] بما كرهه وتحذير لهما على أغلظ وجه وأشده، لما في التمثيل من ذكر الكفر. ونحوه في التغليظ قوله تعالى وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ وإشارة إلى أن من حقهما أن تكونا في الإخلاص والكمال فيه كمثل هاتين المؤمنتين، وأن لا تتكلا على أنهما زوجا رسول الله، فإنّ ذلك الفضل لا ينفعهما إلا مع كونهما مخلصتين، والتعريض بحفصة أرجح، لأن امرأة لوط أفشت عليه كما أفشت حفصة على رسول الله، وأسرار التنزيل ورموزه في كل باب بالغة من اللطف والخفاء حدا يدق عن تفطن العالم ويزل عن نبصره.
فإن قلت، ما فائدة قوله مِنْ عِبادِنا؟ قلت: لما كان مبنى التمثيل على وجود الصلاح في الإنسان كائنا من كان، وأنه وحده هو الذي يبلغ به الفوز وينال ما عند الله: قال عبدين من عبادنا صالحين، فذكر النبيين المشهورين العلمين بأنهما عبدان لم يكونا إلا كسائر عبادنا، من غير تفاوت بينهما وبينهم إلا بالصلاح وحده إظهارا وإبانة، لأن عبدا من العباد لا يرجح عنده إلا بالصلاح لا غير، وأن ما سواه مما يرجح به الناس عند الناس ليس بسبب للرجحان عنده. فإن قلت: ما كانت خيانتهما؟ قلت: نفاقهما وإبطانهما الكفر، وتظاهرهما على الرسولين، فامرأة نوح قالت لقومه: إنه مجنون، وامرأة لوط دلت على ضيفانه. ولا يجوز أن يراد بالخيانة الفجور لأنه سمج في الطباع نقيصة عند كل أحد، بخلاف الكفر فإن الكفار لا يستسمجونه بل يستحسنونه ويسمونه حقا، وعن ابن عباس رضى الله عنهما «ما بغت امرأة نبى قط» [[أخرجه عبد الرزاق والطبري وابن مردويه من طريق عنه في تفسير هود وهنا.]] .
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences