Az-Zamakhshari · Tafsir · in Arabic
Al-Qalam 68:42–52
68:42–43Page 565
يَوۡمَ يُكۡشَفُ عَن سَاقٖ وَيُدۡعَوۡنَ إِلَى ٱلسُّجُودِ فَلَا يَسۡتَطِيعُونَ ٤٢
The Day the shin will be uncovered1 and they are invited to prostration but they [i.e., the disbelievers] will not be able,
خَٰشِعَةً أَبۡصَٰرُهُمۡ تَرۡهَقُهُمۡ ذِلَّةٞۖ وَقَدۡ كَانُواْ يُدۡعَوۡنَ إِلَى ٱلسُّجُودِ وَهُمۡ سَٰلِمُونَ ٤٣
Their eyes humbled, humiliation will cover them. And they used to be invited to prostration while they were sound.1
الكشف عن الساق والإبداء عن الخدام [[قوله «والإبداء عن الخدام» جمع خدمة، وهي الخلخال. أفاده الصحاح، وذلك كرقاب جمع رقبة. (ع)]] : مثل في شدة الأمر وصعوبة الخطب، وأصله في الروع والهزيمة وتشمير المخدرات عن سوقهنّ في الهرب، وإبداء خدامهن عند ذلك.
قال حاتم:
أخو الحرب إن عضّت به الحرب عضّها ... وإن شمّرت عن ساقها الحرب شمّرا [[لجرير. ويروى بدل الشطر الأول:
ألا رب ساهى الطرف من آل مازن ... إذا شمرت.........
الخ وساهي الطرف: فاتر العين. وأخو الحرب: بمعنى أنه يألفها ويلازمها كالأخ. وشبه الحرب بفرس عضوه على طريق الكناية، فأثبت لها العضد. وعضها: أى بلغ منها مراده. أو غلب أهلها، فالعض استعارة لذلك على طريق التصريح. ويجوز أنه ترشيح للأولى. وقوله «به» يدل على أن العض وقع بجزئه. وقوله «عضها» يفيد أنه وقع بها كلها، يعنى: أنه يكافئ أعداء، وزيادة. والتشمير عن الساق: كناية عن اشتداد الأمر وصعوبته.
وأصله: أن يسند للإنسان، لأن تشمير الثوب عن الساق لخوض لجة أو جرى أو نحوه، فأسند للحرب لتشبيهها بالإنسان على طريق الكناية. وقوله «شمر» أى عن ساعده لا عن ساقه، لأن تشمير الساعد كناية عن ملاقاة الأمر ومباشرته بنشاط وقوة، وهو المراد. أو شمر عن ساقه وساعده دليل الإطلاق، فيكون أبلغ من تشميرها. فان قلت: كان ينبغي ذكر التشمير قبل العض لأنه من باب الاستعداد، قلت: نعم لو بقي على معناه، ولكن المراد به هنا شدة الأمر، وصعوبة الحرب: زيادة على أصلها.]] وقال ابن الرقيات:
تذهل الشّيخ عن بنيه وتبدى ... عن خدام العقيلة العذراء [[كيف نومى على الفراش ولما ... تشمل الشام غارة شعواء
تذهل الشيخ عن بنيه وتبدى ... عن خدام العقيلة العذراء
لعبيد بن قيس الرقيات. وكيف استفهام إنكارى، بمعنى نفى النوم. ولما بمعنى لم، إلا أن فيها استمرار النفي إلى زمن التكلم وتوقيع الوقوع بعده. وشبه الغارة وهي الحرب بماله إحاطة وشمول على طريق المكنية، والشمول تخييل، والشعواء الغاشية المنتشرة، وإذهالها للشيخ عن بنيه: كناية عن اشتدادها، وكذلك كشفها عن خدام العقيلة، والخدام: الخلخال. وعقيلة كل شيء: أكرمه. ومن النساء المخدرة التي عقلت في خدرها. والعذراء:
التي يتعذر نوالها ويشق وصالها. وفيه الاقواء، وهي اختلاف الروى بالضم والكسر. ويروى برفع العقيلة العذراء على أنه فاعل تبدى، وجعله ابن جرير شاهدا على جواز حذف التنوين إذا تلاه ساكن، وإن كان الكثير تحريكه حينئذ، وعلى هذا فتحتاج هذه الجملة إلى رابط يعود على المنعوت وهو غارة، والتقدير: وتبدى فيها العقيلة عن خلخال.]]
فمعنى يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ في معنى: يوم يشتدّ الأمر ويتفاقم، ولا كشف ثم ولا ساق، كما تقول للأقطع الشحيح: يده مغلولة، ولا يد ثم ولا غل، وإنما هو مثل في البخل.
وأما من شبه فلضيق عطنه [[«قوله وأما من شبه فلضيق عطنه» أى من قال بمذهب المشبهة على ما هو مقرر في علم الكلام، كما سيشير إليه بعد. (ع)]] وقلة نظره في علم البيان، والذي غرّه منه حديث ابن مسعود رضى الله عنه: «يكشف الرحمن عن ساقه، فأمّا المؤمنون فيخرّون سجدا [[أخرجه الحاكم من طريق سلمة بن كهيل عن أبى الزعراء عن ابن مسعود في أثناء حديث طويل ليس فيه تصريح برفعه. ورواه للطبري مختصرا.]] ، وأما المنافقون فتكون ظهورهم طبقا طبقا كأنّ فيها سفافيد» [[قوله «كأن فيها السفافيد» واحدها سفود بالتشديد، وهي حديدة يشوى بها اللحم. أفاده الصحاح. (ع)]] ومعناه: يشتد أمر الرحمن ويتفاقم هوله، وهو الفزع الأكبر يوم القيامة، ثم كان من حق الساق أن تعرف على ما ذهب إليه المشبه، لأنها ساق مخصوصة معهودة عنده وهي ساق الرحمن. فإن قلت: فلم جاءت منكرة في التمثيل؟ قلت:
للدلالة على أنه أمر مبهم في الشدة منكر خارج عن المألوف، كقوله يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلى شَيْءٍ نُكُرٍ كأنه قيل: يوم يقع أمر فظيع هائل، ويحكى هذا التشبيه عن مقاتل: وعن أبى عبيدة: خرج من خراسان رجلان، أحدهما: شبه حتى مثل، وهو مقاتل بن سليمان، والآخر نفى حتى عطل وهو جهم بن صفوان، ومن أحس بعظم مضارّ ففد هذا العلم علم مقدار عظم منافعه. وقرئ: يوم نكشف بالنون. وتكشف بالتاء على البناء للفاعل والمفعول جميعا، والفعل للساعة أو للحال، أى: يوم تشتدّ الحال أو الساعة، كما تقول: كشفت الحرب عن ساقها على المجاز. وقرئ:
تكشف بالتاء المضمومة وكسر الشين، من أكشف: إذا دخل في الكشف. ومنه. أكشف الرجل فهو مكشف، إذا انقلبت شفته العليا. وناصب الظرف: فليأتوا. أو إضمار «اذكر» أو يوم يكشف عن ساق كان كيت وكيت، فحذف للتهويل البليغ، وإن ثم من الكوائن ما لا يوصف لعظمه. عن ابن مسعود رضى الله عنه: تعقم أصلابهم، أى ترد عظاما بلا مفاصل لا تنثني عند الرفع والخفض. وفي الحديث: وتبقى أصلابهم طبقا واحدا، أى. فقارة واحدة. فإن قلت: لم يدعون إلى السجود ولا تكليف؟ قلت: لا يدعون إليه تعبدا وتكليفا، ولكن توبيخا وتعنيفا على تركهم السجود في الدنيا، مع إعقام أصلابهم والحيلولة بينهم وبين الاستطاعة تحسيرا لهم وتنديما على ما فرّطوا فيه حين دعوا إلى السجود، وهم سالمون الأصلاب [[قوله «وهم سالمون الأصلاب» لعله سالمو الأصلاب بالاضافة. (ع)]] والمفاصل ممكنون مزاحو العلل فيما تعبدوا به.
68:44–45Page 566
فَذَرۡنِي وَمَن يُكَذِّبُ بِهَٰذَا ٱلۡحَدِيثِۖ سَنَسۡتَدۡرِجُهُم مِّنۡ حَيۡثُ لَا يَعۡلَمُونَ ٤٤
So leave Me, [O Muḥammad], with [the matter of] whoever denies this statement [i.e., the Qur’ān]. We will progressively lead them [to punishment] from where they do not know.1
وَأُمۡلِي لَهُمۡۚ إِنَّ كَيۡدِي مَتِينٌ ٤٥
And I will give them time. Indeed, My plan is firm.
يقال: ذرني وإياه، يريدون كله إلىّ، فإنى أكفيكه، كأنه يقول: حسبك إيقاعا به أن تكل أمره إلىّ وتخلى بيني وبينه، فإنى عامل بما يجب أن يفعل به مطيق له، والمراد: حسبي مجازيا [[قوله «والمراد حسبي مجازيا» الاستعمال المعروف: حسبك بى مجازيا. أو حسبك الله مجازيا. (ع)]] لمن يكذب بالقرآن، فلا تشغل قلبك بشأنه وتوكل علىّ في الانتقام منه تسلية لرسول الله ﷺ، وتهديدا للمكذبين. استدرجه إلى كذا: إذا استنزله إليه درجة فدرجة، حتى يورطه فيه. واستدراج الله العصاة أن يرزقهم الصحة والنعمة، فيجعلوا رزق الله ذريعة ومتسلقا إلى ازدياد الكفر والمعاصي مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ أى: من الجهة التي لا يشعرون أنه استدراج وهو الإنعام عليهم، لأنهم يحسبونه إيثارا لهم وتفضيلا على المؤمنين، وهو سبب لهلاكهم وَأُمْلِي لَهُمْ وأمهلهم، كقوله تعالى إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً والصحة والرزق والمدّ في العمر: إحسان من الله وإفضال يوجب عليهم الشكر والطاعة، ولكنهم يجعلونه سببا في الكفر باختيارهم، فلما تدرجوا به إلى الهلاك وصف المنعم بالاستدراج. وقيل: كم من مستدرج بالإحسان إليه، وكم من مفتون بالثناء عليه، وكم من مغرور بالستر عليه. وسمى إحسانه وتمكينه كيدا كما سماه استدراجا، لكونه في صورة الكيد حيث كان سببا للتورّط في الهلكة، ووصفه بالمتانة لقوّة أثر إحسانه في التسبب للهلاك.
68:46–47Page 566
أَمۡ تَسۡـَٔلُهُمۡ أَجۡرٗا فَهُم مِّن مَّغۡرَمٖ مُّثۡقَلُونَ ٤٦
Or do you ask of them a payment, so they are by debt burdened down?
أَمۡ عِندَهُمُ ٱلۡغَيۡبُ فَهُمۡ يَكۡتُبُونَ ٤٧
Or have they [knowledge of] the unseen, so they write [it] down?
المغرم: الغرامة، أى لم تطلب منهم على الهداية والتعليم أجرا، فيثقل عليهم حمل الغرامات في أموالهم، فيثبطهم ذلك عن الإيمان أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ أى اللوح فَهُمْ يَكْتُبُونَ منه ما يحكمون به.
68:48–50Page 566
فَٱصۡبِرۡ لِحُكۡمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُن كَصَاحِبِ ٱلۡحُوتِ إِذۡ نَادَىٰ وَهُوَ مَكۡظُومٞ ٤٨
Then be patient for the decision of your Lord, [O Muḥammad], and be not like the companion of the fish [i.e., Jonah] when he called out while he was distressed.
لَّوۡلَآ أَن تَدَٰرَكَهُۥ نِعۡمَةٞ مِّن رَّبِّهِۦ لَنُبِذَ بِٱلۡعَرَآءِ وَهُوَ مَذۡمُومٞ ٤٩
If not that a favor [i.e., mercy] from his Lord overtook him, he would have been thrown onto the naked shore while he was censured.1
فَٱجۡتَبَٰهُ رَبُّهُۥ فَجَعَلَهُۥ مِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ٥٠
And his Lord chose him and made him of the righteous.
لِحُكْمِ رَبِّكَ وهو إمهالهم وتأخير نصرتك عليهم وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ يعنى: يونس عليه السلام إِذْ نادى في بطن الحوت وَهُوَ مَكْظُومٌ مملوء غيظا، من كظم السقاء إذا ملأه، والمعنى: لا يوجد منك ما وجد منه من الضجر والمغاضبة، فتبتلى ببلائه.
حسن تذكير الفعل لفصل الضمير في تداركه. وقرأ ابن عباس وابن مسعود: تداركته. وقرأ الحسن: تداركه، أى تتداركه على حكاية الحال الماضية، بمعنى: لولا أن كان يقال فيه تتداركه، كما يقال: كان زيد سيقوم فمنعه فلان، أى كان يقال فيه سيقوم. والمعنى: كان متوقعا منه القيام.
ونعمة ربه: أن أنعم عليه بالتوفيق للتوبة وتاب عليه. وقد اعتمد في جواب «لولا» على الحال، أعنى قوله وَهُوَ مَذْمُومٌ يعنى أنّ حاله كانت على خلاف الذمّ حين نبذ بالعراء، ولولا توبته لكانت حاله على الذمّ. روى أنها نزلت بأحد حين حل برسول الله ﷺ ما حل به، فأراد أن يدعو على الذين انهزموا. وقيل: حين أراد أن يدعو على ثقيف. وقرئ: رحمة من ربه فَاجْتَباهُ رَبُّهُ فجمعه إليه، وقربه بالتوبة عليه، كما قال: ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وَهَدى فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ أى من الأنبياء. وعن ابن عباس: ردّ الله إليه الوحى وشفعه في نفسه وقومه.
68:51–52Page 566
وَإِن يَكَادُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَيُزۡلِقُونَكَ بِأَبۡصَٰرِهِمۡ لَمَّا سَمِعُواْ ٱلذِّكۡرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُۥ لَمَجۡنُونٞ ٥١
And indeed, those who disbelieve would almost make you slip with their eyes [i.e., looks] when they hear the message, and they say, "Indeed, he is mad."
وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكۡرٞ لِّلۡعَٰلَمِينَ ٥٢
But it is not except a reminder to the worlds.
إن مخففة من الثقيلة واللام علمها. وقرئ، ليزلقونك بضم الياء وفتحها. وزلقه وأزلقه بمعنى: ويقال: زلق الرأس وأزلقه: حلقه: وقرئ: ليزهقونك، من زهقت نفسه وأزهقها، يعنى:
أنهم من شدّة تحديقهم ونظرهم إليك شزرا بعيون العداوة والبغضاء، يكادون يزلون قدمك أو يهلكونك، من قولهم: نظر إلىّ نظرا يكاد يصرعني، ويكاد يأكلنى، أى: لو أمكنه بنظره الصرع أو الأكل لفعله. قال:
يتقارضون إذا التقوا في موطن ... نظرا يزلّ مواطئ الأقدام [[يقول: إذا للتقوا في مجلس- وروى موطن-: يتقارضون، أى: يقرض بعضهم بعضا بنظره إليه، كأن أحدهم يعطى خصمه النظر، والثاني يكافئه بنظره إليه حسدا وغيظا، وإزلال مواطئ الأقدام: كناية عن الإهلاك، لأن من زلت قدمه سقط على الأرض وربما هلك. أى: ينظر بعضهم بعضا نظر الحسود المغتاظ، فتسبب عن ذلك زلل الأقدام عن مواطئها، وإيقاع الازلال على مواضع الأقدام: مجاز عقلى، لأنه محله، وفيه مبالغة في زلل القدم.]]
وقيل: كانت العين في بنى أسد، فكان الرجل منهم يتجوع ثلاثة أيام فلا يمر به شيء، فيقول فيه: لم أر كاليوم مثله إلا عانه، فأريد بعض العيانين على أن يقول في رسول الله ﷺ مثل ذلك، فقال: لم أر كاليوم رجلا فعصمه الله. وعن الحسن: دواء الإصابة بالعين أن تقرأ هذه الآية لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ أى القرآن لم يملكوا أنفسهم حسدا على ما أوتيت من النبوة وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ حيرة في أمره وتنفيرا عنه، وإلا فقد علموا أنه أعقلهم. والمعنى:
أنهم جننوه لأجل القرآن وَما هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وموعظة لِلْعالَمِينَ فكيف يجنن من جاء بمثله.
عن رسول الله ﷺ: «من قرأ سورة القلم أعطاه الله ثواب الذين حسن الله أخلاقهم» [[أخرجه الثعلبي والواحدي وابن مردويه عن أبى بن كعب.]] .
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences