Az-Zamakhshari · Tafsir · in Arabic
المطففين
Al-Mutaffifin
The Defrauding · Meccan · 36 ayahs
83:1–6Page 587
وَيۡلٞ لِّلۡمُطَفِّفِينَ ١
Woe to those who give less [than due],1
ٱلَّذِينَ إِذَا ٱكۡتَالُواْ عَلَى ٱلنَّاسِ يَسۡتَوۡفُونَ ٢
Who, when they take a measure from people, take in full.
وَإِذَا كَالُوهُمۡ أَو وَّزَنُوهُمۡ يُخۡسِرُونَ ٣
But if they give by measure or by weight to them, they cause loss.
أَلَا يَظُنُّ أُوْلَٰٓئِكَ أَنَّهُم مَّبۡعُوثُونَ ٤
Do they not think that they will be resurrected
لِيَوۡمٍ عَظِيمٖ ٥
For a tremendous Day -
يَوۡمَ يَقُومُ ٱلنَّاسُ لِرَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٦
The Day when mankind will stand before the Lord of the worlds?
مكية، وآياتها 36 [نزلت بعد العنكبوت، وهي آخر سورة نزلت بمكة] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
التطفيف: البخس في الكيل والوزن، لأنّ ما يبخس شيء طفيف حقير. وروى أن رسول الله ﷺ قدم المدينة وكانوا من أخبث الناس كيلا، فنزلت، فأحسنوا الكيل [[أخرجه النسائي وابن حبان والحاكم من رواية يزيد النحوي عن عكرمة عن ابن عباس رضى الله عنهما.]] وقيل: قدمها وبها رجل يعرف بأبى جهينة ومعه صاعان: يكيل بأحدهما ويكتال بالآخر [[نقله الثعلبي عن السدى.]] .
وقيل: كان أهل المدينة تجارا يطففون، وكانت بياعاتهم المنابذة والملامسة والمخاطرة، فنزلت فخرج رسول الله ﷺ فقرأها [[لم أجده.]] عليهم. وقال: «خمس بخمس» : قيل: يا رسول الله، وما خمس بخمس؟ قال «ما نقض قوم العهد إلا سلط الله عليهم عدوّهم، وما حكموا بغير ما أنزل الله إلا فشا فيهم الفقر، وما ظهرت فيهم الفاحشة إلا فشا فيهم الموت، ولا طففوا الكيل إلا منعوا النبات وأخذوا بالسنين، ولا منعوا الزكاة إلا حبس عنهم القطر [[أخرجه الحاكم من رواية عبد الله بن بريدة عن أبيه رفعه «ما نقض قوم العهد ... الحديث» وفيه بشر ابن المهاجر. وفيه مقال، ومن طريق عطاء بن أبى رباح عن عبد الله بن عمرو مرفوعا نحوه.]] » وعن على رضى الله عنه: أنه مر برجل يزن الزعفران وقد أرجح فقال له: أقم الوزن بالقسط، ثم أرجح بعد ذلك ما شئت. كأنه أمره بالتسوية أولا ليعتادها ويفصل الواجب من النفل. وعن ابن عباس: إنكم معشر الأعاجم وليتم أمرين: بهما هلك من كان قبلكم: المكيال والميزان، وخص الأعاجم لأنهم يجمعون الكيل والوزن جميعا وكانا مفرّقين في الحرمين: كان أهل مكة يزنون وأهل المدينة يكيلون. وعن ابن عمر أنه كان يمر بالبائع فيقول له: اتق الله وأوف الكيل، فإنّ المطففين يوقفون يوم القيامة لعظمة الرحمن حتى إن العرق ليلجمهم. وعن عكرمة: أشهد أنّ كل كيال ووزان في النار، فقيل له: انّ ابنك كيال أو وزان، فقال: أشهد أنه في النار.
وعن أبىّ رضى الله عنه: لا تلتمس الحوائج ممن رزقه في رؤس المكاييل وألسن الموازين. لما كان اكتيالهم من الناس اكتيالا يضرهم [[قال محمود: «لما كان اكتيالهم على الناس اكتيالا يضرهم ... الخ» قال أحمد: لا منافرة فيه، ولا يجعل هذا القائل الضمير دالا على مباشرة ولا إشعار أيضا فيه بذلك، إنما يكون نظم الكلام على هذا الوجه: إذا كان الكيل من جهة غيرهم استوفوه، وإذا كان الكيل من جهتهم خاصة أخسروه، سواء باشروه أولا، وهذا أنظم كلام وأحسنه والله أعلم، والذي يدلك على أن الضمير لا يعطى مباشرة الفعل أن لك أن تقول: الأمراء هم الذين يقيمون الحدود لا السوقة، ولست تعنى أنهم يباشرون ذلك بأنفسهم، وإنما معناه أن فعل ذلك من جهتهم خاصة.]] ويتحامل فيه عليهم: أبدل «على» مكان «من» للدلالة على ذلك. ويجوز أن يتعلق «على» بيستوفون، ويقدم المفعول على الفعل لإفادة الخصوصية، أى:
يستوفون على الناس خاصة، فأما أنفسهم فيستوفون لها: وقال الفراء «من» و «على» يعتقبان في هذا الموضع، لأنه حق عليه، فإذا قال: اكتلت عليك، فكأنه قال: أخذت ما عليك، وإذا قال: اكتلت منك، فكقوله: استوفيت منك. والضمير في كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ ضمير منصوب راجع إلى الناس. وفيه وجهان: أن يراد: كالوا لهم أو وزنوا لهم، فحذف الجار وأوصل الفعل، كما قال،
ولقد جنيتك أكمؤا وعساقلا ... ولقد نهيتك عن نبات الأوبر [[«جنى لا يتعدى إلا لواحد والثاني باللام، فالأصل: جنيت لك، فحذف الجار وأوصل الضمير.
أو ضمنه معنى: أبحتك، فعداه لهما. والأكمؤ: جمع كمأ، كأفلس وفلس، وهو واحد الكمأة، وهي لنوع كبير من نبات يسمى شحمة الأرض، سمى كمأة لاشتهاره بها. والعساقل: جمع عسقول كعصفور، وكان حقه: عساقيل، فحذفت الياء الوزن. وقيل: إنه جمع عسقل، وهو نوع صغير منها جيد أبيض، ونبات أوبر: نوع ردىء منها أسود مزغب، كأن عليه وبر. وقيل: هو جنس آخر يشبه القلقاس أو اللفت. ونبات أوبر: جمع ابن أوبر، لأنه علم لما لا يعقل. وأل فيه زائدة. وقال المبرد: هو اسم جنس، قال فيه معرفة، والبيت من باب التمثيل مثال؟؟؟ من أغرى على الطيب، فعدل إلى الخبيث، ثم يرجع يتندم على عاتبته.]]
والحريص يصيدك لا الجواد، بمعنى: جنيت لك، ويصيد لك. وأن يكون على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، والمضاف هو المكيل أو الموزون، ولا يصح أن يكون ضميرا مرفوعا للمطففين، لأنّ الكلام يخرج به إلى نظم فاسد، وذلك أنّ المعنى: إذا أخذوا من الناس استوفوا، وإذا أعطوهم أخسروا، وإن جعلت الضمير للمطففين انقلب إلى قولك: إذا أخذوا من الناس استوفوا، وإذا تولوا الكيل أو الوزن هم على الخصوص أخسروا، وهو كلام متنافر لأنّ الحديث واقع في الفعل لا في المباشر، والتعلق في إيطاله بخط المصحف، وأنّ الألف التي تكتب بعد واو الجمع غير ثابتة فيه: ركيك، لأنّ خط المصحف لم يراع في كثير منه حدّ المصطلح عليه في علم الخط، على أنى رأيت في الكتب المخطوطة بأيدى الأئمة المتقنين هذه الألف مرفوضة لكونها غير ثابتة في اللفظ والمعنى جميعا، لأن الواو وحدها معطية معنى الجمع، وإنما كتبت هذه الألف تفرقة بين واو الجمع وغيرها في نحو قولك: هم لم يدعوا، وهو يدعو، فمن لم يثبتها قال: المعنى كاف في التفرقة بينهما. وعن عيسى بن عمر وحمزة: أنهما كانا يرتكبان ذلك، أى يجعلان الضميرين للمطففين، ويقفان عند الواوين وقيفة يبينان بها ما أرادا. فإن قلت:
هلا قيل: أو اتزنوا، كما قيل أَوْ وَزَنُوهُمْ؟ قلت: كأن المطففين كانوا لا يأخذون ما يكال ويوزن إلا بالمكاييل دون الموازين لتمكنهم بالاكتيال من الاستيفاء والسرقة، لأنهم يدعدعون [[قوله «يدعدعون ويحتالون» في الصحاح الدعدعة تحريك المكيال ونحوه ليسعه الشيء. ودعدعت الشيء:
ملأته. (ع)]] ويحتالون في الملء، وإذا أعطوا كالوا أو وزنوا لتمكنهم من البخس في النوعين جميعا يُخْسِرُونَ ينقصون. يقال: خسر الميزان [[قوله «يقال خسر الميزان» عبارة الصحاح: خسرت الشيء وأخسرته: نقصته. (ع)]] وأخسره أَلا يَظُنُّ إنكار وتعجيب عظيم من حالهم في الاجتراء على التطفيف، كأنهم لا يخطرون ببالهم ولا يخمنون تخمينا أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ ومحاسبون على مقدار الذرّة والخردلة. وعن قتادة: أوف يا ابن آدم كما تحب أن يوفى لك، واعدل كما تحب أن يعدل لك. وعن الفضيل: بخس الميزان سواد الوجه يوم القيامة.
وعن عبد الملك بن مروان: أن أعرابيا قال له: قد سمعت ما قال الله في المطففين: أراد بذلك أن المطفف قد توجه عليه الوعيد العظيم الذي سمعت به، فما ظنك بنفسك وأنت تأخذ أموال المسلمين بلا كيل ولا وزن. وفي هذا الإنكار والتعجيب وكلمة الظن، ووصف اليوم بالعظم، وقيام الناس فيه لله خاضعين، ووصفه ذاته برب العالمين: بيان بليغ لعظم الذنب وتفاقم الإثم في التطفيف وفيما كان في مثل حاله من الحيف وترك القيام بالقسط، والعمل على السوية والعدل في كل أخذ وإعطاء، بل في كل قول وعمل. وقيل: الظنّ بمعنى اليقين، والوجه ما ذكر، ونصب يَوْمَ يَقُومُ بمبعوثون. وقرئ بالجر بدلا من لِيَوْمٍ عَظِيمٍ وعن ابن عمر أنه قرأ هذه السورة فلما بلغ قوله يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ بكى نحيبا وامتنع من قراءة ما بعده.
83:7–9Page 588
كـَلَّآ إِنَّ كِتَٰبَ ٱلۡفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٖ ٧
No! Indeed, the record of the wicked is in sijjeen.
وَمَآ أَدۡرَىٰكَ مَا سِجِّينٞ ٨
And what can make you know what is sijjeen?
كِتَٰبٞ مَّرۡقُومٞ ٩
It is [their destination1 recorded in] a register inscribed.
كَلَّا ردعهم عما كانوا عليه من التطفيف والغفلة عن ذكر البعث والحساب، ونبههم على أنه مما يجب أن يتاب عنه ويندم عليه، ثم أتبعه وعيد الفجار على العموم. وكتاب الفجار: ما يكتب من أعمالهم. فإن قلت: قد أخبر الله عن كتاب الفجار بأنه في سجين، وفسر سجينا بكتاب مرقوم، فكأنه قيل: إن كتابهم في كتاب مرقوم، فما معناه: قلت: سِجِّينٍ كتاب جامع هو ديوان الشر: دوّن الله فيه أعمال الشياطين وأعمال الكفرة والفسقة من الجن والانس، وهو كتاب مرقوم مسطور بين الكتابة. أو معلم يعلم من رآه أنه لا خير فيه، فالمعنى أن ما كتب من أعمال الفجار مثبت في ذلك الديوان، وسمى سجينا: فعيلا من السجن، وهو الحبس والتضييق، لأنه سبب الحبس والتضييق في جهنم، أو لأنه مطروح- كما روى تحت الأرض السابعة في مكان وحش مظلم، وهو مسكن إبليس وذرّيته استهانة به وإذالة [[قوله «استهانة به وإذالة» أى: إهانة. كما في الصحاح. (ع)]] ، وليشهده الشياطين المدحورون، كما يشهد ديوان الخير الملائكة المقرّبون. فإن قلت: فما سجين، أصفة هو أم اسم؟ قلت: بل هو اسم علم منقول من وصف كحاتم، وهو منصرف لأنه ليس فيه إلا سبب واحد وهو التعريف
83:10–17Page 588
وَيۡلٞ يَوۡمَئِذٖ لِّلۡمُكَذِّبِينَ ١٠
Woe, that Day, to the deniers,
ٱلَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوۡمِ ٱلدِّينِ ١١
Who deny the Day of Recompense.
وَمَا يُكَذِّبُ بِهِۦٓ إِلَّا كُلُّ مُعۡتَدٍ أَثِيمٍ ١٢
And none deny it except every sinful transgressor.
إِذَا تُتۡلَىٰ عَلَيۡهِ ءَايَٰتُنَا قَالَ أَسَٰطِيرُ ٱلۡأَوَّلِينَ ١٣
When Our verses are recited to him, he says, "Legends of the former peoples."
كـَلَّاۖ بَلۡۜ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم مَّا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ ١٤
No! Rather, the stain has covered their hearts of that which they were earning.1
كـَلَّآ إِنَّهُمۡ عَن رَّبِّهِمۡ يَوۡمَئِذٖ لَّمَحۡجُوبُونَ ١٥
No! Indeed, from their Lord, that Day, they will be partitioned.1
ثُمَّ إِنَّهُمۡ لَصَالُواْ ٱلۡجَحِيمِ ١٦
Then indeed, they will [enter and] burn in Hellfire.
ثُمَّ يُقَالُ هَٰذَا ٱلَّذِي كُنتُم بِهِۦ تُكَذِّبُونَ ١٧
Then it will be said [to them], "This is what you used to deny."
الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ مما وصف به للذم لا للبيان، كقولك فعل ذلك فلان الفاسق الخبيث كَلَّا ردع للمعتدى الأثيم عن قوله رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ركبها كما يركب الصدأ وغلب عليها:
وهو أن يصر على الكبائر ويسوّف التوبة حتى يطبع على قلبه، فلا يقبل الخير ولا يميل إليه.
وعن الحسن: الذنب بعد الذنب حتى يسودّ القلب. يقال: ران عليه الذنب وغان عليه، رينا وغينا، والغين: الغيم، ويقال: ران فيه النوم رسخ فيه، ورانت به الخمر: ذهبت به. وقرئ بإدغام اللام في الراء وبالإظهار، والإدغام أجود، وأميلت الألف وفخمت كَلَّا ردع عن الكسب الرائن على قلوبهم. وكونهم محجوبين عنه: تمثيل [[قال محمود: «كونهم محجوبين عنه تمثيل ... الخ» قال أحمد: هذا عند أهل السنة على ظاهره من أدلة الرؤية، فان الله تعالى لما خص الفجار بالحجاب دل على أن المؤمنين الأبرار مرفوع عنهم الحجاب، ولا معنى لرفع الحجاب إلا الإدراك بالعين، وإلا فالحجاب على الله تعالى بغير هذا التفسير محال، هذا هو الحق وما بعد الحق إلا الضلال، وما أرى من جحد الرؤية المدلول عليها بقواطع الكتاب والسنة يحظي بها. والله المسئول في العصمة.]] للاستخفاف بهم [[قوله «تمثيل للاستخفاف بهم» مبنى على مذهب المعتزلة: وهو عدم جواز الرؤية عليه تعالى. وذهب أهل السنة إلى جوازها. وفي النسفي: قال الزجاج: في الآية دليل على أن المؤمنين يرون ربهم، وإلا لا يكون التخصيص مفيدا، وقال الحسن بن الفصل: كما حجبهم في الدنيا عن توحيده، حجبهم في العقبى عن رؤيته. وقال مالك بن أنس: لما حجب أعداءه فلم يروه، تجلى لأوليائه حتى رأوه. وكذا في الخازن. وفيه أيضا: قال الشافعي: في الآية دلالة على أن أولياء الله يرون الله جل جلاله.]] وإهانتهم، لأنه لا يؤذن على الملوك إلا للوجهاء المكرمين لديهم، ولا يحجب عنهم إلا الأدنياء المهانون عندهم. قال:
إذا اعتروا باب ذى عبية رجبوا ... والنّاس من بين مرجوب ومحجوب [[غزوا: قصدوا. وروى: اعتروا، أى: نزلوا به وأصابوه. والعبية: الكبر والفخر. قال ﷺ «إن الله تعالى قد أذهب عنكم عبية الجاهلية بالآباء» الناس رجلان: مؤمن تقى وكافر شقى» . ورجبة الرجل: عظمته. يقول إنهم يلجون أبواب العظماء لا تمنعهم الحجاب، بخلاف غيرهم فإنهم تارة وتارة.]]
عن ابن عباس وقتادة وابن أبى مليكة: محجوبين عن رحمته. وعن ابن كيسان:
عن كرامته:
83:18–21Page 588
كـَلَّآ إِنَّ كِتَٰبَ ٱلۡأَبۡرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ ١٨
No! Indeed, the record of the righteous is in ʿilliyyūn.
وَمَآ أَدۡرَىٰكَ مَا عِلِّيُّونَ ١٩
And what can make you know what is ʿilliyyūn?
كِتَٰبٞ مَّرۡقُومٞ ٢٠
It is [their destination1 recorded in] a register inscribed
يَشۡهَدُهُ ٱلۡمُقَرَّبُونَ ٢١
Which is witnessed by those brought near [to Allāh].
كَلَّا ردع عن التكذيب. وكتاب الأبرار: ما كتب من أعمالهم. وعليون: علم لديوان الخير الذي دوّن فيه كل ما عملته الملائكة وصلحاء الثقلين، منقول من جمع «علىّ» فعيل من العلو كسجين من السجن، سمى بذلك إمّا لأنه سبب الارتفاع إلى أعالى الدرجات في الجنة، وإمّا لأنه مرفوع في السماء السابعة حيث يسكن الكروبيون، تكريما له وتعظيما. روى «إن الملائكة لتصعد بعمل العبد فيستقلونه، فإذا انتهوا به إلى ما شاء الله من سلطانه أوحى إليهم إنكم الحفظة على عبدى وأنا الرقيب على ما في قلبه، وأنه أخلص عمله فاجعلوه في عليين، فقد غفرت له، وإنها لتصعد بعمل العبد فيزكونه، فإذا انتهوا به إلى ما شاء الله أوحى إليهم: أنتم الحفظة على عبدى وأنا الرقيب على ما في قلبه. وإنه لم يخلص لي عمله فاجعلوه في سجين [[أخرجه ابن المبارك في الزهد: أخبرنا أبو بكر ابن أبى مريم عن حمزة بن حبيب قال: قال رسول الله ﷺ ... فذكره.]] »
83:22–28Page 588
إِنَّ ٱلۡأَبۡرَارَ لَفِي نَعِيمٍ ٢٢
Indeed, the righteous will be in pleasure
عَلَى ٱلۡأَرَآئِكِ يَنظُرُونَ ٢٣
On adorned couches, observing.
تَعۡرِفُ فِي وُجُوهِهِمۡ نَضۡرَةَ ٱلنَّعِيمِ ٢٤
You will recognize in their faces the radiance of pleasure.
يُسۡقَوۡنَ مِن رَّحِيقٖ مَّخۡتُومٍ ٢٥
They will be given to drink [pure] wine1 [which was] sealed.
خِتَٰمُهُۥ مِسۡكٞۚ وَفِي ذَٰلِكَ فَلۡيَتَنَافَسِ ٱلۡمُتَنَٰفِسُونَ ٢٦
The last of it1 is musk. So for this let the competitors compete.
وَمِزَاجُهُۥ مِن تَسۡنِيمٍ ٢٧
And its mixture is of Tasneem,1
عَيۡنٗا يَشۡرَبُ بِهَا ٱلۡمُقَرَّبُونَ ٢٨
A spring from which those near [to Allāh] drink.
الْأَرائِكِ الأسرة في الحجال [[قوله «الأسرة في الحجال» في الصحاح: الحجلة- بالتحريك-: واحدة حجال العروس: وهي بيت يزين بالثياب والأسرة والستور. (ع)]] يَنْظُرُونَ إلى ما شاءوا مدّ أعينهم إليه من مناظر الجنة، وإلى ما أولاهم الله من النعمة والكرامة، وإلى أعدائهم يعذبون في النار، وما تحجب الحجال أبصارهم عن الإدراك نَضْرَةَ النَّعِيمِ بهجة التنعم وماءه ورونقه، كما ترى في وجوه الأغنياء وأهل الترفه. وقرئ: تعرف، على البناء للمفعول. ونضرة النعيم- بالرفع. الرحيق الشراب الخالص الذي لا غش فيه مَخْتُومٍ تختم أوانيه من الأكواب والأباريق بمسك مكان الطينة. وقيل خِتامُهُ مِسْكٌ مقطعه رائحة مسك إذا شرب. وقيل: يمزج بالكافور، ويختم مزاجه بالمسك. وقرئ: خاتمه، بفتح التاء وكسرها، أى: ما يختم به ويقطع فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ فليرتغب المرتغبون تَسْنِيمٍ علم لعين بعينها: سميت بالتسنيم الذي هو مصدر سنمه إذا رفعه:
إمّا لأنها أرفع شراب في الجنة وإمّا لأنها تأتيهم من فوق، على ما روى أنها تجرى في الهواء متسنمة فتنصب في أوانيهم. وعَيْناً نصب على المدح. وقال الزجاج: نصب على الحال.
وقيل: هي للمقربين، يشربونها صرفا. وتمزج لسائر أهل الجنة.
83:29–33Page 588
إِنَّ ٱلَّذِينَ أَجۡرَمُواْ كَانُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ يَضۡحَكُونَ ٢٩
Indeed, those who committed crimes used to laugh at those who believed.
وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمۡ يَتَغَامَزُونَ ٣٠
And when they passed by them, they would exchange derisive glances.
وَإِذَا ٱنقَلَبُوٓاْ إِلَىٰٓ أَهۡلِهِمُ ٱنقَلَبُواْ فَكِهِينَ ٣١
And when they returned to their people, they would return jesting.
وَإِذَا رَأَوۡهُمۡ قَالُوٓاْ إِنَّ هَٰٓؤُلَآءِ لَضَآلُّونَ ٣٢
And when they saw them, they would say, "Indeed, those are truly lost."
وَمَآ أُرۡسِلُواْ عَلَيۡهِمۡ حَٰفِظِينَ ٣٣
But they had not been sent as guardians over them.
هم مشركو مكة: أبو جهل والوليد بن المغيرة والعاص بن وائل وأشياعهم: كانوا يضحكون من عمار وصهيب وخباب وبلال وغيرهم من فقراء المؤمنين ويستهزؤن بهم. وقيل: جاء على ابن أبى طالب رضى الله عنه في نفر من المسلمين فسخر منهم المنافقون وضحكوا وتغامزوا، ثم رجعوا إلى أصحابهم فقالوا: رأينا اليوم الأصلع فضحكوا منه، فنزلت قبل أن يصل علىّ إلى رسول الله ﷺ يَتَغامَزُونَ
يغمز بعضهم بعضا، ويشيرون بأعينهم فَكِهِينَ ملتذين بذكرهم والسخرية منهم، أى: ينسبون المسلمين إلى الضلال وَما أُرْسِلُوا على المسلمين حافِظِينَ موكلين بهم يحفظون عليهم أحوالهم، ويهيمنون على أعمالهم، ويشهدون برشدهم وضلالهم، وهداتهكم بهم. أو هو من جملة قول الكفار، وإنهم إذا رأوا المسلمين قالوا: إنّ هؤلاء لضالون، وإنهم لم يرسلوا عليهم حافظين إنكارا لصدّهم إياهم عن الشرك، ودعائهم إلى الإسلام، وجدّهم في ذلك.
83:34–36Page 588
فَٱلۡيَوۡمَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنَ ٱلۡكُفَّارِ يَضۡحَكُونَ ٣٤
So Today1 those who believed are laughing at the disbelievers,
عَلَى ٱلۡأَرَآئِكِ يَنظُرُونَ ٣٥
On adorned couches, observing.
هَلۡ ثُوِّبَ ٱلۡكُفَّارُ مَا كَانُواْ يَفۡعَلُونَ ٣٦
Have the disbelievers [not] been rewarded [this Day] for what they used to do?
عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ حال من يَضْحَكُونَ أى: يضحكون منهم ناظرين إليهم وإلى ما هم فيه من الهوان والصغار بعد العزة والكبر. ومن ألوان العذاب بعد النعيم والترفه: وهم على الأرائك آمنون. وقيل: يفتح للكفار باب إلى الجنة فيقال لهم: اخرجوا إليها، فإذا وصلوا إليها أغلق دونهم، يفعل ذلك بهم مرارا، فيضحك المؤمنون منهم. ثوّبه وأثابه: بمعنى، إذا جازاه. قال أوس:
سأجزيك أو يجزيك عنّى مثوّب ... وحسبك أن يثنى عليك وتحمدي [[لأوس بن حجر. ويقال: ثوبه وأثابه: إذا جازاه. فالمثوب المجازى أى: سأجزيك يا فرسي بنفسي، أو يجزيك بدلا عنى مجاز غيرى. أو مجازاة ناشئة عنى، وكافيك من الناس أن يثنوا عليك ويحمدوك، فعليك:
نائب الفاعل. ويجوز أن يكون المثوب المنادى للحرب مشيرا بطرف ثوبه، ليرى من بعيد فيغاث.]]
وقرئ بإدغام اللام في التاء.
عن رسول الله ﷺ: «من قرأ سورة المطففين سقاه الله من الرحيق المختوم يوم القيامة [[أخرجه ابن مردويه والثعلبي والواحدي سندهم إلى أبى بن كعب.]] » .
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences