An-Nahl 16:79
The Bee · Juz 14 · Page 275
أَلَمۡ يَرَوۡاْ إِلَى ٱلطَّيۡرِ مُسَخَّرَٰتٖ فِي جَوِّ ٱلسَّمَآءِ مَا يُمۡسِكُهُنَّ إِلَّا ٱللَّهُۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ ٧٩
Do they not see the birds controlled in the atmosphere of the sky? None holds them up except Allāh. Indeed in that are signs for a people who believe.
Tafsir · in Arabic
Ibn 'Ashur
Detailed
Change
Commentary on 16:79
صفحة ٢٣٤
﴿ألَمْ يَرَوْا إلى الطَّيْرِ مُسَخَّراتٍ في جَوِّ السَّماءِ ما يُمْسِكُهُنَّ إلّا اللَّهُ إنَّ في ذَلِكَ لِآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ مَوْقِعُ هَذِهِ الجُمْلَةِ مَوْقِعُ التَّعْلِيلِ والتَّدْلِيلِ عَلى عَظِيمِ قُدْرَةِ اللَّهِ وبَدِيعِ صُنْعِهِ، وعَلى لُطْفِهِ بِالمَخْلُوقاتِ، فَإنَّهُ لَمّا ذَكَرَ مَوْهِبَةَ العَقْلِ والحَواسِّ الَّتِي بِها تَحْصِيلُ المَنافِعِ، ودَفْعُ الأضْرارِ نَبَّهَ النّاسَ إلى لُطْفٍ يُشاهِدُونَهُ أجْلى مُشاهَدَةً لِأضْعَفِ الحَيَوانِ، بِأنَّ تَسْخِيرَ الجَوِّ لِلطَّيْرِ وخَلْقِها صالِحَةً لِأنْ تُرَفْرِفَ فِيهِ بِدُونِ تَعْلِيمٍ هو لُطْفٌ بِها اقْتَضاهُ ضَعْفُ بِنْياتِها؛ إذْ كانَتْ عادِمَةً وسائِلَ الدِّفاعِ عَنْ حَياتِها، فَجَعَلَ اللَّهُ لَها سُرْعَةَ الِانْتِقالِ مَعَ الِابْتِعادِ عَنْ تَناوُلِ ما يَعْدُو عَلَيْها مِنَ البَشَرِ والدَّوابِّ.
فَلِأجْلِ هَذا المَوْقِعِ لَمْ تُعْطَفِ الجُمْلَةُ عَلى الَّتِي قَبْلَها؛ لِأنَّها لَيْسَ في مَضْمُونِها نِعْمَةٌ عَلى البَشَرِ، ولَكِنَّها آيَةٌ عَلى قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وعِلْمِهِ، بِخِلافِ نَظِيرَتِها في سُورَةِ المُلْكِ ﴿أوَلَمْ يَرَوْا إلى الطَّيْرِ فَوْقَهم صافّاتٍ﴾ [الملك: ١٩] فَإنَّها عُطِفَتْ عَلى آياتٍ دالَّةٍ عَلى قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى مِن قَوْلِهِ ﴿ولَقَدْ زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ﴾ [الملك: ٥] ثُمَّ قالَ ﴿ولِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ [الملك: ٦] ثُمَّ قالَ ﴿أأمِنتُمْ مَن في السَّماءِ أنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأرْضَ﴾ [الملك: ١٦] ثُمَّ قالَ ﴿أوَلَمْ يَرَوْا إلى الطَّيْرِ﴾ [الملك: ١٩] الآيَةَ، ولِذَلِكَ المَعْنى عُقِّبَتْ هَذِهِ وحْدَها بِجُمْلَةِ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ .
والتَّسْخِيرُ: التَّذْلِيلُ لِلْعَمَلِ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿والشَّمْسَ والقَمَرَ والنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأمْرِهِ﴾ [الأعراف: ٥٤] في سُورَةِ الأعْرافِ.
والجَوُّ: الفَضاءُ الَّذِي بَيْنَ الأرْضِ والسَّماءِ، وإضافَتُهُ إلى السَّماءِ؛ لِأنَّهُ يَبْدُو مُتَّصِلًا بِالقُبَّةِ الزَّرْقاءِ في ما يَخالُ النّاظِرُ.
والإمْساكُ: الشَّدُّ عَنِ التَّفَلُّتِ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَإمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
صفحة ٢٣٥
والمُرادُ هُنا: ما يُمْسِكُهُنَّ عَنِ السُّقُوطِ إلى الأرْضِ مِن دُونِ إرادَتِها، وإمْساكُ اللَّهِ إيّاها خَلْقُهُ الأجْنِحَةَ لَها والأذْنابَ، وجَعْلُهُ الأجْنِحَةَ والأذْنابَ قابِلَةً لِلْبَسْطِ، وخَلْقُ عِظامِها أخَفَّ مِن عِظامِ الدَّوابِّ بِحَيْثُ إذا بَسَطَتْ أجْنِحَتَها وأذْنابَها ونَهَضَتْ بِأعْصابِها خَفَّتْ خِفَّةً شَدِيدَةً؛ فَسَبَحَتْ في الهَواءِ فَلا يَصْلُحُ ثِقَلُها لِأنْ يَخْرِقَ ما تَحْتَها مِنَ الهَواءِ، إلّا إذا قَبَضَتْ مِن أجْنِحَتِها وأذْنابِها وقَوَّسَتْ أعْصابَ أصْلابِها عِنْدَ إرادَتِها النُّزُولَ إلى الأرْضِ أوِ الِانْخِفاضَ في الهَواءِ، فَهي تَحُومُ في الهَواءِ كَيْفَ شاءَتْ ثُمَّ تَقَعُ مَتى شاءَتْ أوْ عَيِيَتْ، فَلَوْلا أنَّ اللَّهَ خَلَقَها عَلى تِلْكَ الحالَةِ لَما اسْتَمْسَكَتْ، فَسُمِّيَ ذَلِكَ إمْساكًا عَلى وجْهِ الِاسْتِعارَةِ، وهو لُطْفٌ بِها.
والرُّؤْيَةُ: بَصَرِيَّةٌ، وفِعْلُها يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ، فَتَعْدِيَتُهُ بِحَرْفِ (إلى) لِتَضْمِينِ الفِعْلِ مَعْنى (يَنْظُرُوا) .
و(مُسَخَّراتٍ) حالٌ، وجُمْلَةُ ﴿ما يُمْسِكُهُنَّ إلّا اللَّهُ﴾ حالٌ ثانِيَةٌ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿ألَمْ يَرَوْا﴾ بِياءِ الغائِبِ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ عَنْ خِطابِ المُشْرِكِينَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿واللَّهُ أخْرَجَكم مِن بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ﴾ [النحل: ٧٨] .
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ ويَعْقُوبُ وخَلَفٌ (ألَمْ تَرَوْا) بِتاءِ الخِطابِ تَبَعًا لِلْخِطابِ المَذْكُورِ.
والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ، مَعْناهُ: إنْكارُ انْتِفاءِ رُؤْيَتِهِمُ الطَّيْرَ مُسَخَّراتٍ في الجَوِّ بِتَنْزِيلِ رُؤْيَتِهِمْ إيّاها مَنزِلَةَ عَدَمِ الرُّؤْيَةِ؛ لِانْعِدامِ فائِدَةِ الرُّؤْيَةِ مِن إدْراكِ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ المَرْئِيُّ مِنِ انْفِرادِ اللَّهِ تَعالى بِالإلَهِيَّةِ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا؛ لِأنَّ الإنْكارَ عَلى المُشْرِكِينَ عَدَمَ الِانْتِفاعِ بِما يَرَوْنَهُ مِنَ الدَّلائِلِ يُثِيرُ سُؤالًا في نَفْسِ السّامِعِ: أكانَ عَدَمُ الِانْتِفاعِ بِدَلالَةِ رُؤْيَةِ الطَّيْرِ عامًّا في البَشَرِ، فَيُجابُ بِأنَّ المُؤْمِنِينَ يَسْتَدِلُّونَ مِن ذَلِكَ بِدَلالاتٍ كَثِيرَةٍ.
صفحة ٢٣٦
والتَّأْكِيدُ بِـ (إنَّ) مُناسِبٌ لِاسْتِفْهامِ الإنْكارِ عَلى الَّذِينَ لَمْ يَرَوْا تِلْكَ الآياتِ، فَأكَّدَتِ الجُمْلَةُ الدّالَّةُ عَلى انْتِفاعِ المُؤْمِنِينَ بِتِلْكَ الدَّلالَةِ؛ لِأنَّ الكَلامَ مُوَجَّهٌ لِلَّذِينِ لَمْ يَهْتَدُوا بِتِلْكَ الدَّلالَةِ، فَهم بِمَنزِلَةِ مَن يُنْكِرُ أنَّ في ذَلِكَ دَلالَةً لِلْمُؤْمِنِينَ؛ لِأنَّ المُشْرِكِينَ يَنْظُرُونَ بِمِرْآةِ أنْفُسِهِمْ.
وبَيْنَ الإنْكارِ عَلَيْهِمْ عَدَمَ رُؤْيَتِهِمْ تَسْخِيرَ الطَّيْرِ، وبَيْنَ إثْباتِ رُؤْيَةِ المُؤْمِنِينَ مُحَسِّنُ الطِّباقِ. وبَيْنَ نَفْيِ عَدَمِ رُؤْيَةِ المُشْرِكِينَ، وتَأْكِيدِ إثْباتِ رُؤْيَةِ المُؤْمِنِينَ لِذَلِكَ مُحَسِّنُ الطِّباقِ أيْضًا، وبَيْنَ ضَمِيرِ يَرَوْا وقَوْلِهِ قَوْمٍ يُؤْمِنُونَ التَّضادُّ أيْضًا، فَحَصَلَ الطِّباقُ ثَلاثَ مَرّاتٍ، وهَذا أبْلَغُ طِباقٍ جاءَ مَحْوِيًّا لِلْبَيانِ.
وجَمْعُ الآياتِ؛ لِأنَّ في الطَّيْرِ دَلائِلَ مُخْتَلِفَةً: مِن خِلْقَةِ الهَواءِ، وخِلْقَةِ أجْسادِ الطَّيْرِ مُناسِبَةً لِلطَّيَرانِ في الهَواءِ. وخَلْقِ الإلْهامَ لِلطَّيْرِ بِأنْ يَسْبَحَ في الجَوِّ، وبِأنْ لا يَسْقُطَ إلى الأرْضِ إلّا بِإرادَتِهِ، وخُصَّتِ الآياتُ بِالمُؤْمِنِينَ؛ لِأنَّهم بِخُلُقِ الإيمانِ قَدْ ألِفُوا إعْمالَ تَفْكِيرِهِمْ في الِاسْتِدْلالِ عَلى حَقائِقِ الأشْياءِ، بِخِلافِ أهْلِ الكُفْرِ فَإنَّ خُلُقَ الكُفْرِ مَطْبُوعٌ عَلى النُّفْرَةِ مِنَ الِاقْتِداءِ بِالنّاصِحِينَ وعَلى مُكابَرَةِ الحَقِّ.
Page 275
16:73
وَيَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَمۡلِكُ لَهُمۡ رِزۡقٗا مِّنَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ شَيۡـٔٗا وَلَا يَسۡتَطِيعُونَ ٧٣
And they worship besides Allāh that which does not possess for them [the power of] provision from the heavens and the earth at all, and [in fact], they are unable.
16:74
فَلَا تَضۡرِبُواْ لِلَّهِ ٱلۡأَمۡثَالَۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ وَأَنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ ٧٤
So do not assert similarities to Allāh.1 Indeed, Allāh knows and you do not know.
1 translator’s note
- As there is nothing comparable to Him. ↩
16:75
۞ ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلًا عَبۡدٗا مَّمۡلُوكٗا لَّا يَقۡدِرُ عَلَىٰ شَيۡءٖ وَمَن رَّزَقۡنَٰهُ مِنَّا رِزۡقًا حَسَنٗا فَهُوَ يُنفِقُ مِنۡهُ سِرّٗا وَجَهۡرًاۖ هَلۡ يَسۡتَوُۥنَۚ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِۚ بَلۡ أَكۡثَرُهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ ٧٥
Allāh presents an example: a slave [who is] owned and unable to do a thing and he to whom We have provided from Us good provision, so he spends from it secretly and publicly. Can they be equal? Praise to Allāh! But most of them do not know.
16:76
وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلٗا رَّجُلَيۡنِ أَحَدُهُمَآ أَبۡكَمُ لَا يَقۡدِرُ عَلَىٰ شَيۡءٖ وَهُوَ كَلٌّ عَلَىٰ مَوۡلَىٰهُ أَيۡنَمَا يُوَجِّههُّ لَا يَأۡتِ بِخَيۡرٍ هَلۡ يَسۡتَوِي هُوَ وَمَن يَأۡمُرُ بِٱلۡعَدۡلِ وَهُوَ عَلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ ٧٦
And Allāh presents an example of two men, one of them dumb and unable to do a thing, while he is a burden to his guardian. Wherever he directs him, he brings no good. Is he equal to one who commands justice, while he is on a straight path?
16:77
وَلِلَّهِ غَيۡبُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ وَمَآ أَمۡرُ ٱلسَّاعَةِ إِلَّا كَلَمۡحِ ٱلۡبَصَرِ أَوۡ هُوَ أَقۡرَبُۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ٧٧
And to Allāh belongs the unseen [aspects] of the heavens and the earth. And the command for the Hour is not but as a glance of the eye or even nearer. Indeed, Allāh is over all things competent.
16:78
وَٱللَّهُ أَخۡرَجَكُم مِّنۢ بُطُونِ أُمَّهَٰتِكُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ شَيۡـٔٗا وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلسَّمۡعَ وَٱلۡأَبۡصَٰرَ وَٱلۡأَفۡـِٔدَةَ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ ٧٨
And Allāh has extracted you from the wombs of your mothers not knowing a thing, and He made for you hearing and vision and hearts [i.e., intellect] that perhaps you would be grateful.
16:79
أَلَمۡ يَرَوۡاْ إِلَى ٱلطَّيۡرِ مُسَخَّرَٰتٖ فِي جَوِّ ٱلسَّمَآءِ مَا يُمۡسِكُهُنَّ إِلَّا ٱللَّهُۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ ٧٩
Do they not see the birds controlled in the atmosphere of the sky? None holds them up except Allāh. Indeed in that are signs for a people who believe.