Ibn 'AshurAn‑Nahl · 16:75–79

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

An-Nahl 16:75–79

16:75Page 275

۞ ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلًا عَبۡدٗا مَّمۡلُوكٗا لَّا يَقۡدِرُ عَلَىٰ شَيۡءٖ وَمَن رَّزَقۡنَٰهُ مِنَّا رِزۡقًا حَسَنٗا فَهُوَ يُنفِقُ مِنۡهُ سِرّٗا وَجَهۡرًاۖ هَلۡ يَسۡتَوُۥنَۚ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِۚ بَلۡ أَكۡثَرُهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ ٧٥

Allāh presents an example: a slave [who is] owned and unable to do a thing and he to whom We have provided from Us good provision, so he spends from it secretly and publicly. Can they be equal? Praise to Allāh! But most of them do not know.

﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ ومَن رَزَقْناهُ مِنّا رِزْقًا حَسَنًا فَهْوَ يُنْفِقُ مِنهُ سِرًّا وجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾

أعْقَبَ زَجْرَهم عَنْ أنْ يُشَبِّهُوا اللَّهَ بِخَلْقِهِ، أوْ أنْ يُشَبِّهُوا الخَلْقَ بِرَبِّهِمْ بِتَمْثِيلِ حالِهِمْ في ذَلِكَ بِحالِ مَن مَثَّلَ عَبْدًا بِسَيِّدِهِ في الإنْفاقِ، فَجُمْلَةُ ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا﴾ إلَخْ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا ناشِئًا عَنْ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ويَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَهم رِزْقًا مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ شَيْئًا ولا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [النحل: ٧٣] .

فَشَبَّهَ حالَ أصْنامِهِمْ في العَجْزِ عَنْ رِزْقِهِمْ بِحالِ مَمْلُوكٍ لا يَقْدِرُ عَلى تَصَرُّفِ في نَفْسِهِ، ولا يَمْلِكُ مالًا، وشَبَّهَ شَأْنَ اللَّهِ تَعالى في رِزْقِهِ إيّاهم بِحالِ الغَنِيِّ المالِكِ أمْرَ نَفْسِهِ بِما شاءَ مِن إنْفاقٍ وغَيْرِهِ، ومَعْرِفَةُ الحالَيْنِ المُشَبَّهَتَيْنِ يَدُلُّ عَلَيْها المَقامُ، والمَقْصُودُ نَفْيُ المُماثَلَةِ بَيْنَ الحالَتَيْنِ، فَكَيْفَ يَزْعُمُونَ مُماثَلَةَ أصْنامِهِمْ لِلَّهِ تَعالى في الإلَهِيَّةِ، ولِذَلِكَ أُعْقِبَ بِجُمْلَةِ ﴿هَلْ يَسْتَوُونَ﴾ .

صفحة ٢٢٤

وذَيَّلَ هَذا التَّمْثِيلَ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ كَما في سُورَةِ إبْراهِيمَ ﴿ألَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً﴾ [إبراهيم: ٢٤] إلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿ومَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ﴾ [إبراهيم: ٢٦] الآيَةَ، فَإنَّ المَقْصُودَ في المَقامَيْنِ مُتَّحِدٌ، والِاخْتِلافُ في الأُسْلُوبِ إنَّما يُومِئُ إلى الفَرْقِ بَيْنَ المَقْصُودِ أوَّلًا والمَقْصُودِ ثانِيًا كَما أشَرْنا إلَيْهِ هُنالِكَ.

والعَبْدُ: الإنْسانُ الَّذِي يَمْلِكُهُ إنْسانٌ آخَرُ بِالأسْرِ أوْ بِالشِّراءِ أوْ بِالإرْثِ.

وقَدْ وُصِفَ (عَبْدًا) هُنا بِقَوْلِهِ (مَمْلُوكًا) تَأْكِيدًا لِلْمَعْنى المَقْصُودِ، وإشْعارًا لِما في لَفْظِ (عَبْدٍ) مِن مَعْنى المَمْلُوكِيَّةِ المُقْتَضِيَةِ أنَّهُ لا يَتَصَرَّفُ في عَمَلِهِ تَصَرُّفَ الحُرِّيَّةِ.

وانْتَصَبَ (عَبْدًا) عَلى البَدَلِيَّةِ مِن قَوْلِهِ تَعالى (مَثَلًا) وهو عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ، أيْ حالُ عَبْدٍ؛ لِأنَّ المَثَلَ هو لِلْهَيْئَةِ المُنْتَزَعَةِ مِن مَجْمُوعِ هَذِهِ الصِّفاتِ، وجُمْلَةُ ﴿لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ﴾ صِفَةُ عَبْدًا، أيْ عاجِزًا عَنْ كُلِّ ما يَقْدِرُ عَلَيْهِ النّاسُ، كَأنْ يَكُونُ أعْمى، وزَمِنًا، وأصَمَّ، بِحَيْثُ يَكُونُ أقَلَّ العَبِيدِ فائِدَةً.

فَهَذا مَثَلٌ لِأصْنامِهِمْ، كَما قالَ تَعالى ﴿والَّذِينَ تَدْعُون مِن دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ﴾ [النحل: ٢٠] ﴿أمْواتٌ غَيْرُ أحْياءٍ﴾ [النحل: ٢١]، وقَوْلُهُ تَعالى ﴿إنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكم رِزْقًا﴾ [العنكبوت: ١٧] .

و(مِن) مَوْصُولَةُ ماصَدَقُها حُرٌّ بِقَرِينَةِ أنَّهُ وقَعَ في مُقابَلَةِ عَبْدٍ مَمْلُوكٍ، وأنَّهُ وُصِفَ بِالرِّزْقِ الحَسَنِ، فَهو يُنْفِقُ مِنهُ سِرًّا وجَهْرًا، أيْ كَيْفَ شاءَ، وهَذا مِن تَصَرُّفاتِ الأحْرارِ؛ لِأنَّ العَبِيدَ لا يَمْلِكُونَ رِزْقًا في عُرْفِ العَرَبِ، وأمّا حُكْمُ تَمَلُّكِ العَبْدِ مالًا في الإسْلامِ فَذَلِكَ يَرْجِعُ إلى أدِلَّةٍ أُخْرى مِن أُصُولِ الشَّرِيعَةِ الإسْلامِيَّةِ ولا عَلاقَةَ لِهَذِهِ الآيَةِ بِهِ.

والرِّزْقُ: هُنا اسْمٌ لِلشَّيْءِ المَرْزُوقِ بِهِ.

والحَسَنُ: الَّذِي لا يَشُوبُهُ قُبْحٌ في نَوْعِهِ مِثْلُ قِلَّةِ وِجْدانِ وقْتِ الحاجَةِ، أوْ إسْراعِ فَسادٍ إلَيْهِ كَسُوسِ البُرِّ، أوْ رَداءَةٍ كالحَشَفِ، ووَجْهُ الشَّبَهِ هو المَعْنى

صفحة ٢٢٥

الحاصِلُ في حالِ المُشَبَّهِ بِهِ مِنَ الحَقارَةِ، وعَدَمِ أهْلِيَّةِ التَّصَرُّفِ والعَجْزِ عَنْ كُلِّ عَمَلٍ، ومِن حالِ الحُرِّيَّةِ والغِنى والتَّصَرُّفِ كَيْفَ يَشاءُ.

وجُعِلَتْ جُمْلَةُ ﴿فَهُوَ يُنْفِقُ مِنهُ﴾ مُفَرَّعَةً عَلى الَّتِي قَبْلَها دُونَ أنْ تُجْعَلَ صِفَةً لِلرِّزْقِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ مَضْمُونَ كِلْتا الجُمْلَتَيْنِ مَقْصُودٌ لِذاتِهِ كَمالٌ في مَوْصُوفِهِ، فَكَوْنُهُ صاحِبَ رِزْقٍ حَسَنٍ كَمالٌ، وكَوْنُهُ يَتَصَرَّفُ في رِزْقِهِ بِالإعْطاءِ كَمالٌ آخَرُ، وكِلاهُما بِضِدِّ نَقائِصِ المَمْلُوكِ الَّذِي لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ مِنَ الإنْفاقِ، ولا ما يُنْفِقُ مِنهُ.

وجَعَلَ المُسْنَدَ فِعْلًا لِلدَّلالَةِ عَلى التَّقَوِّي، أيْ يُنْفَقُ إنْفاقًا ثابِتًا، وجَعَلَ الفِعْلَ مُضارِعًا لِلدَّلالَةِ عَلى التَّجَدُّدِ والتَّكَرُّرِ، أيْ يُنْفِقُ ويَزِيدُ.

وسِرًّا وجَهْرًا حالانِ مِن ضَمِيرِ يُنْفِقُ، وهُما مَصْدَرانِ مُؤَوَّلانِ بِالصِّفَةِ، أيْ مُسِرًّا وجاهِرًا بِإنْفاقِهِ، والمَقْصُودُ مِن ذِكْرِهِما تَعْمِيمُ الإنْفاقِ، كِنايَةً عَنِ اسْتِقْلالِ التَّصَرُّفِ، وعَدَمِ الوِقايَةِ مِن مانِعِ إيّاهُ عَنِ الإنْفاقِ.

وهَذا مَثَلٌ لِغِنى اللَّهِ تَعالى وجُودِهِ عَلى النّاسِ.

وجُمْلَةُ ﴿هَلْ يَسْتَوُونَ﴾ بَيانٌ لِجُمْلَةِ ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا﴾ فَبَيَّنَ غَرَضَ التَّشْبِيهِ بِأنَّ المَثَلَ مُرادٌ مِنهُ عَدَمُ تَساوِي الحالَتَيْنِ لِيُسْتَدَلَّ بِهِ عَلى عَدَمِ مُساواةِ أصْحابِ الحالَةِ الأُولى لِصاحِبِ الصِّفَةِ المُشَبَّهَةِ بِالحالَةِ الثّانِيَةِ، والِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلٌ في الإنْكارِ.

وأمّا جُمْلَةُ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ فَمُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ الِاسْتِفْهامِ المُفِيدِ لِلنَّفْيِ وبَيْنَ الإضْرابِ بِـ (بَلْ) الِانْتِقالِيَّةِ. والمَقْصُودُ مِن هَذِهِ الجُمْلَةِ أنَّهُ تَبَيَّنَ مِنَ المَثَلِ اخْتِصاصُ اللَّهِ بِالإنْعامِ فَوَجَبَ أنْ يُخْتَصَّ بِالشُّكْرِ، وأنَّ أصْنامَهم لا تَسْتَحِقُّ أنْ تُشْكَرَ.

ولَمّا كانَ الحَمْدُ مَظْهَرًا مِن مَظاهِرِ الشُّكْرِ في مَظْهَرِ النُّطْقِ جُعِلَ كِنايَةً عَنِ الشُّكْرِ هُنا؛ إذْ كانَ الكَلامُ عَلى إخْلالِ المُشْرِكِينَ بِواجِبِ الشُّكْرِ إذْ

صفحة ٢٢٦

أثْنَوْا عَلى الأصْنامِ وتَرَكُوا الثَّناءَ عَلى اللَّهِ وفي الحَدِيثِ «الحَمْدُ رَأسُ الشُّكْرِ» .

جِيءَ بِهَذِهِ الجُمْلَةِ البَلِيغَةِ الدَّلالَةِ المُفِيدَةِ انْحِصارَ الحَمْدِ في مُلْكِ اللَّهِ تَعالى، وهو إمّا حَصْرٌ ادِّعائِيٌّ؛ لِأنَّ الحَمْدَ إنَّما يَكُونُ عَلى نِعْمَةٍ، وغَيْرُ اللَّهِ إذا أنْعَمَ فَإنَّما إنْعامُهُ مَظْهَرٌ لِنِعْمَةِ اللَّهِ تَعالى الَّتِي جَرَتْ عَلى يَدَيْهِ، كَما تَقَدَّمَ في صَدْرِ سُورَةِ الفاتِحَةِ، وإمّا قَصْرٌ إضافِيٌّ قَصْرُ إفْرادٍ لِلرَّدِّ عَلى المُشْرِكِينَ؛ إذْ قَسَّمُوا حَمْدَهم بَيْنَ اللَّهِ وبَيْنَ آلِهَتِهِمْ.

ومُناسَبَةُ هَذا الِاعْتِراضِ هُنا تَقَدُّمُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وبِنِعْمَةِ اللَّهِ هم يَكْفُرُونَ﴾ [النحل: ٧٢] ﴿ويَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَهم رِزْقًا﴾ [النحل: ٧٣] . فَلَمّا ضَرَبَ لَهُمُ المَثَلَ المُبَيِّنَ لِخَطَئِهِمْ، وأعْقَبَ بِجُمْلَةِ ﴿لا يَسْتَوُونَ﴾ [التوبة: ١٩] ثُنِيَ عِنانُ الكَلامِ إلى الحَمْدِ لِلَّهِ، لا لِلْأصْنامِ.

وجُمْلَةُ ﴿بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ إضْرابٌ لِلِانْتِقالِ مِنَ الِاسْتِدْلالِ عَلَيْهِمْ إلى تَجْهِيلِهِمْ في عَقِيدَتِهِمْ.

وأسْنَدَ نَفْيَ العِلْمِ إلى أكْثَرِهِمْ؛ لِأنَّ مِنهم مَن يَعْلَمُ الحَقَّ ويُكابِرُ؛ اسْتِبْقاءً لِلسِّيادَةِ، واسْتِجْلابًا لِطاعَةِ دَهْمائِهِمْ؛ فَهَذا ذَمٌّ لِأكْثَرِهِمْ بِالصَّراحَةِ، وهو ذَمٌّ لِأقَلِّهِمْ بِوَصْمَةِ المُكابَرَةِ والعِنادِ بِطَرِيقِ التَّعْرِيضِ.

وهَذا نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ الزُّمَرِ ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ ورَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا الحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٢٩] .

وإنَّما جاءَتْ صِيغَةُ الجَمْعِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿هَلْ يَسْتَوُونَ﴾ لِمُراعاةِ أصْحابِ الهَيْئَةِ المُشَبَّهَةِ؛ لِأنَّها أصْنامٌ كَثِيرَةٌ، كُلُّ واحِدٍ مِنها مُشَبَّهٌ بِعَبْدٍ مَمْلُوكٍ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ، فَصِيغَةُ الجَمْعِ هُنا تَجْرِيدٌ لِلتَّمْثِيلِيَّةِ، أيْ هَلْ يَسْتَوِي

صفحة ٢٢٧

أُولَئِكَ مَعَ الإلَهِ الحَقِّ القادِرِ المُتَصَرِّفِ، وإنَّما أُجْرِيَ ضَمِيرُ جَمْعِهِمْ عَلى صِيغَةِ جَمْعِ العالَمِ؛ تَغْلِيبًا لِجانِبِ أحَدِ التَّمْثِيلَيْنِ، وهو جانِبُ الإلَهِ القادِرِ.

16:76Page 275

وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلٗا رَّجُلَيۡنِ أَحَدُهُمَآ أَبۡكَمُ لَا يَقۡدِرُ عَلَىٰ شَيۡءٖ وَهُوَ كَلٌّ عَلَىٰ مَوۡلَىٰهُ أَيۡنَمَا يُوَجِّههُّ لَا يَأۡتِ بِخَيۡرٍ هَلۡ يَسۡتَوِي هُوَ وَمَن يَأۡمُرُ بِٱلۡعَدۡلِ وَهُوَ عَلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ ٧٦

And Allāh presents an example of two men, one of them dumb and unable to do a thing, while he is a burden to his guardian. Wherever he directs him, he brings no good. Is he equal to one who commands justice, while he is on a straight path?

﴿وضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أحَدُهُما أبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ وهْوَ كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ أيْنَما يُوَجِّهْهُ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هو ومَن يَأْمُرُ بِالعَدْلِ وهْوَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾

هَذا تَمْثِيلٌ ثانٍ لِلْحالَتَيْنِ بِحالَتَيْنِ بِاخْتِلافِ وجْهِ الشَّبَهِ، فاعْتُبِرَ هُنا المَعْنى الحاصِلُ مِن حالِ الأبْكَمِ، وهو العَجْزُ عَنِ الإدْراكِ، وعَنِ العَمَلِ، وتَعَذُّرُ الفائِدَةِ مِنهُ في سائِرِ أحْوالِهِ. والمَعْنى الحاصِلُ مِن حالِ الرَّجُلِ الكامِلِ العَقْلِ والنُّطْقِ في إدْراكِهِ الخَيْرَ وهَدْيِهِ إلَيْهِ وإتْقانِ عَمَلِهِ وعَمَلِ مَن يَهْدِيهِ ضَرَبَهُ اللَّهُ مَثَلًا لِكَمالِهِ وإرْشادِهِ النّاسَ إلى الحَقِّ، ومَثَلًا لِلْأصْنامِ الجامِدَةَ الَّتِي لا تَنْفَعُ ولا تَضُرُّ.

وقَدْ قَرَنَ في التَّمْثِيلِ هُنا حالَ الرَّجُلَيْنِ ابْتِداءً، ثُمَّ فَصَّلَ في آخِرِ الكَلامِ مَعَ ذِكْرِ عَدَمِ التَّسْوِيَةِ بَيْنَهُما بِأُسْلُوبٍ مِن نَظْمِ الكَلامِ بَدِيعِ الإيجازِ، إذْ حَذَفَ مَن صَدْرِ التَّمْثِيلِ ذِكْرَ الرَّجُلِ الثّانِي لِلِاقْتِصارِ عَلى ذِكْرِهِ في اسْتِنْتاجِ عَدَمِ التَّسْوِيَةِ تَفَنُّنًا في المُخالَفَةِ بَيْنَ أُسْلُوبِ هَذا التَّمْثِيلِ، وأُسْلُوبِ سابِقِهِ الَّذِي في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا﴾ [النحل: ٧٥]، ومِثْلُ هَذا التَّفَنُّنِ مِن مَقاصِدِ البُلَغاءِ كَراهِيَةً لِلتَّكْرِيرِ؛ لِأنَّ تَكْرِيرَ الأُسْلُوبِ بِمَنزِلَةِ تَكْرِيرِ الألْفاظِ.

والأبْكَمُ: المَوْصُوفُ بِالبَكَمِ بِفَتْحِ الباءِ والكافِ، وهو الخَرَسُ في أصْلِ الخِلْقَةِ مِن وقْتِ الوِلادَةِ، بِحَيْثُ لا يَفْهَمُ، ولا يُفْهِمُ. وزِيدَ في وصْفِهِ أنَّهُ زَمِنٌ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ [البقرة: ١٨] في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ.

صفحة ٢٢٨

والكَلُّ: بِفَتْحِ الكافِ العالَةُ عَلى النّاسِ، وفي الحَدِيثِ «مَن تَرَكَ كَلًّا فَعَلَيْنا» . أيْ مَن تَرَكَ عِيالًا فَنَحْنُ نَكْفُلُهم، وأصْلُ الكَلِّ: الثِّقَلُ، ونَشَأتْ عَنْهُ مَعانٍ مَجازِيَّةٌ اشْتُهِرَتْ فَساوَتِ الحَقِيقَةَ.

والمَوْلى: الَّذِي يَلِي أمْرَ غَيْرِهِ، والمَعْنى: هو عالَةٌ عَلى كافِلِهِ لا يُدَبِّرُ أمْرَ نَفْسِهِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٠] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ، وقَوْلِهِ تَعالى ﴿ورُدُّوا إلى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الحَقِّ﴾ [يونس: ٣٠] في سُورَةِ يُونُسَ.

ثُمَّ زادَ وصْفُهُ بِقِلَّةِ الجَدْوى بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿أيْنَما يُوَجِّهْهُ﴾ . أيْ مَوْلاهُ في عَمَلٍ لِيَعْمَلَهُ أوْ يَأْتِيَ بِهِ ﴿لا يَأْتِ بِخَيْرٍ﴾، أيْ لا يَهْتَدِي إلى ما وُجِّهَ إلَيْهِ؛ لِأنَّ الخَيْرَ هو ما فِيهِ تَحْصِيلُ الغَرَضِ مِنَ الفِعْلِ ونَفْعِهِ.

ودَلَّتْ صِلَةُ ﴿يَأْمُرُ بِالعَدْلِ﴾ عَلى أنَّهُ حَكِيمٌ عالِمٌ بِالحَقائِقِ ناصِحٌ لِلنّاسِ يَأْمُرُهم بِالعَدْلِ؛ لِأنَّهُ لا يَأْمُرُ بِذَلِكَ إلّا وقَدْ عَلِمَهُ وتَبَصَّرَ فِيهِ.

والعَدْلُ: الحَقُّ والصَّوابُ المُوافِقُ لِلْواقِعِ.

والصِّراطُ المُسْتَقِيمُ: المَحَجَّةُ الَّتِي لا التِواءَ فِيها، وأُطْلِقَ هُنا عَلى العَمَلِ الصّالِحِ؛ لِأنَّ العَمَلَ يُشَبَّهُ بِالسِّيرَةِ والسُّلُوكِ، فَإذا كانَ صالِحًا كانَ كالسُّلُوكِ في طَرِيقٍ مُوصِلَةٍ لِلْمَقْصُودِ واضِحَةٍ فَهو لا يَسْتَوِي مَعَ مَن لا يَعْرِفُ هُدًى، ولا يَسْتَطِيعُ إرْشادًا، بَلْ هو مُحْتاجٌ إلى مَن يَكْفُلُهُ.

فالأوَّلُ مِثْلُ الأصْنامِ الجامِدَةِ الَّتِي لا تَفْقَهُ، وهي مُحْتاجَةٌ إلى مَن يَحْرُسُها ويَنْفُضُ عَنْها الغُبارَ والوَسَخَ، والثّانِي مَثَلٌ لِكَمالِهِ تَعالى في ذاتِهِ وإفاضَتِهِ الخَيْرَ عَلى عِبادِهِ.

16:77Page 275

وَلِلَّهِ غَيۡبُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ وَمَآ أَمۡرُ ٱلسَّاعَةِ إِلَّا كَلَمۡحِ ٱلۡبَصَرِ أَوۡ هُوَ أَقۡرَبُۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ٧٧

And to Allāh belongs the unseen [aspects] of the heavens and the earth. And the command for the Hour is not but as a glance of the eye or even nearer. Indeed, Allāh is over all things competent.

صفحة ٢٢٩

﴿ولِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ والأرْضِ وما أمْرُ السّاعَةِ إلّا كَلَمْحِ البَصَرِ أوْ هو أقْرَبُ إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ كانَ مِمّا حُكِيَ مِن مَقالاتِ كُفْرِهِمْ أنَّهم أقْسَمُوا بِاللَّهِ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ؛ لِأنَّهم تَوَهَّمُوا أنَّ إفْناءَ هَذا العالَمِ العَظِيمِ، وإحْياءَ العِظامِ وهي رَمِيمٌ أمْرٌ مُسْتَحِيلٌ، وأبْطَلَ اللَّهُ ذَلِكَ عَلى الفَوْرِ بِأنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى كُلِّ ما يُرِيدُهُ.

ثُمَّ انْتَقَلَ الكَلامُ عَقِبَ ذَلِكَ إلى بَسْطِ الدَّلائِلِ عَلى الوَحْدانِيَّةِ والقُدْرَةِ، وتَسَلْسَلَ البَيانُ، وتَفَنَّنَتِ الأغْراضُ بِالمُناسَباتِ، فَكانَ مِن ذَلِكَ تَهْدِيدُهم بِأنَّ اللَّهَ لَوْ يُؤاخِذُ النّاسَ بِظُلْمِهِمْ ما تَرَكَ عَلى الأرْضِ مِن دابَّةٍ، ولَكِنَّهُ يُمْهِلُهم ويُؤَخِّرُهم إلى أجَلٍ عَيَّنَهُ في عِلْمِهِ لِحِكْمَتِهِ وحَذَّرَهم مِن مُفاجَأتِهِ، فَثَنى عِنانَ الكَلامِ إلى الِاعْتِراضِ بِالتَّذْكِيرِ بِأنَّ اللَّهَ لا يُخْرِجُ مِن قُدْرَتِهِ أعْظَمَ فِعْلٍ مِمّا غابَ عَنْ إدْراكِهِمْ، وأنَّ أمْرَ السّاعَةِ الَّتِي أنْكَرُوا إمْكانَها، وغَرَّهم تَأْخِيرُ حُلُولِها هي مِمّا لا يَخْرُجُ عَنْ تَصَرُّفِ اللَّهِ ومَشِيئَتِهِ مَتى شاءَهُ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ بِحَيْثُ لَمْ يُغادِرْ شَيْئًا مِمّا حُكِيَ عَنْهم مِن كُفْرِهِمْ وجِدالِهِمْ إلّا وقَدْ بَيَّنَهُ لَهُمُ اسْتِقْصاءً لِلْأعْذارِ لَهم.

ومِن مُقْتَضَياتِ تَأْخِيرِ هَذا أنَّهُ يَشْتَمِلُ بِصَرِيحِهِ عَلى تَعْلِيمٍ، وبِإيمائِهِ إلى تَهْدِيدٍ وتَحْذِيرٍ.

فاللّامُ في قَوْلِهِ ﴿ولِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ لامُ المِلْكِ. والغَيْبُ: مَصْدَرٌ بِمَعْنى اسْمِ الفاعِلِ، أيِ الأشْياءُ الغائِبَةُ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ﴾ [البقرة: ٣]، وهو الغائِبُ عَنْ أعْيُنِ النّاسِ مِنَ الأشْياءِ الخَفِيَّةِ والعَوالِمِ الَّتِي لا تَصِلُ إلى مُشاهَدَتِها حَواسُّ المَخْلُوقاتِ الأرْضِيَّةِ.

والإخْبارُ بِأنَّها مِلْكٌ لِلَّهِ يَقْتَضِي بِطَرِيقِ الكِنايَةِ أيْضًا أنَّهُ عالِمٌ بِها.

صفحة ٢٣٠

وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ أفادَ الحَصْرَ، أيْ لَهُ لا لِغَيْرِهِ، ولامُ المِلْكِ أفادَتِ الحَصْرَ، فَيَكُونُ التَّقْدِيمُ مُفِيدًا تَأْكِيدَ الحَصْرِ أوْ هو لِلِاهْتِمامِ.

وأمْرُ السّاعَةِ: شَأْنُها العَظِيمُ، فالأمْرُ: الشَّأْنُ المُهِمُّ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿أتى أمْرُ اللَّهِ﴾ [النحل: ١]، وقَوْلُ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ما جاءَ بِهِ في هَذِهِ السّاعَةِ إلّا أمْرٌ، أيْ شَأْنٌ وخَطْبٌ.

والسّاعَةُ: عِلْمٌ بِالغَلَبَةِ عَلى وقْتِ فَناءِ العالَمِ، وهي مِن جُمْلَةِ غَيْبِ الأرْضِ.

ولَمْحُ البَصَرِ: تَوَجُّهُهُ إلى المَرْئِيِّ؛ لِأنَّ اللَّمْحَ هو النَّظَرُ، ووَجْهُ الشَّبَهِ هو كَوْنُهُ مَقْدُورًا بِدُونِ كُلْفَةٍ؛ لِأنَّ لَمْحَ البَصَرِ هو أمْكَنُ وأسْرَعُ حَرَكاتِ الجَوارِحِ، فَهو أيْسَرُ وأسْرَعُ مِن نَقْلِ الأرْجُلِ في المَشْيِ، ومِنَ الإشارَةِ بِاليَدِ.

وهَذا التَّشْبِيهُ أفْصَحُ مِنَ الَّذِي في قَوْلِ زُهَيْرٍ

فَهُنَّ ووادِيِ الرَّسِّ كاليَدِ لِلْفَمِ

ووَجْهُ الشَّبَهِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَحَقُّقُ الوُقُوعِ بِدُونِ مَشَقَّةٍ، ولا إنْظارٍ عِنْدَ إرادَةِ اللَّهِ تَعالى ووُقُوعِهِ، وبِذَلِكَ يَكُونُ الكَلامُ إثْباتًا لِإمْكانِ الوُقُوعِ وتَحْذِيرًا مِنَ الِاغْتِرارِ بِتَأْخِيرِهِ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ وجْهُ الشَّبَهِ السُّرْعَةَ، أيْ سُرْعَةُ الحُصُولِ عِنْدَ إرادَةِ اللَّهِ أيْ يَحْصُلُ فَجْأةً بِدُونِ أماراتٍ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿لا تَأْتِيكم إلّا بَغْتَةً﴾ [الأعراف: ١٨٧] .

والمَقْصُودُ: إنْذارُهم وتَحْذِيرُهم مِن أنْ تَبْغَتَهُمُ السّاعَةُ؛ لِيُقْلِعُوا عَمّا هم فِيهِ مِن وقْتِ الإنْذارِ، ولا يُتَوَهَّمُ أنْ يَكُونَ البَصَرُ تَشْبِيهًا في سُرْعَةِ الحُصُولِ؛ إذِ احْتِمالٌ مُعَطَّلٌ؛ لِأنَّ الواقِعَ حارِسٌ مِنهُ.

و(أوْ) في ﴿أوْ هو أقْرَبُ﴾ لِلْإضْرابِ الِانْتِقالِيِّ، إضْرابًا عَنِ التَّشْبِيهِ الأوَّلِ بِأنَّ المُشَبَّهَ أقْوى في وجْهِ الشَّبَهِ مِنَ المُشَبَّهِ بِهِ، فالمُتَكَلِّمُ يُخَيِّلُ لِلسّامِعِ أنَّهُ يُرِيدُ تَقْرِيبَ المَعْنى إلَيْهِ بِطَرِيقِ التَّشْبِيهِ ثُمَّ يُعْرِضُ عَنِ التَّشْبِيهِ

صفحة ٢٣١

بِأنَّ المُشَبَّهَ أقْوى في وجْهِ الشَّبَهِ وأنَّهُ لا يَجِدُ لَهُ شَبِيهًا فَيُصَرِّحُ بِذَلِكَ فَيَحْصُلُ التَّقْرِيبُ ابْتِداءً، ثُمَّ الإعْرابُ عَنِ الحَقِيقَةِ ثانِيًا.

ثُمَّ المُرادُ بِالقُرْبِ في قَوْلِهِ تَعالى أقْرَبُ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ في تَفْسِيرِ لَمْحِ البَصَرِ هو القُرْبُ المَكانِيُّ كِنايَةً عَنْ كَوْنِهِ في المَقْدُورِيَّةِ بِمَنزِلَةِ الشَّيْءِ القَرِيبِ التَّناوُلِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ونَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ الوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦] .

وعَلى الوَجْهِ الثّانِي في تَفْسِيرِهِ يَكُونُ القُرْبُ قُرْبَ الزَّمانِ، أيْ أقْرَبِ مِن لَمْحِ البَصَرِ حِصَّةً، أيْ أسْرَعِ حُصُولًا.

والتَّذْيِيلُ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ صالِحٌ لِكِلا التَّفْسِيرَيْنِ.

16:78Page 275

وَٱللَّهُ أَخۡرَجَكُم مِّنۢ بُطُونِ أُمَّهَٰتِكُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ شَيۡـٔٗا وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلسَّمۡعَ وَٱلۡأَبۡصَٰرَ وَٱلۡأَفۡـِٔدَةَ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ ٧٨

And Allāh has extracted you from the wombs of your mothers not knowing a thing, and He made for you hearing and vision and hearts [i.e., intellect] that perhaps you would be grateful.

﴿واللَّهُ أخْرَجَكم مِن بُطُونِ أُمَّهاتِكم لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ عَوْدٌ إلى إكْثارِ الدَّلائِلِ عَلى انْفِرادِ اللَّهِ بِالتَّصَرُّفِ، وإلى تَعْدادِ النِّعَمِ عَلى البَشَرِ عَطْفًا عَلى جُمْلَةِ ﴿واللَّهُ جَعَلَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا﴾ [النحل: ٧٢] بَعْدَما فَصَلَ بَيْنَ تَعْدادِ النِّعَمِ بِما اقْتَضاهُ الحالُ مِنَ التَّذْكِيرِ والإنْذارِ.

وقَدِ اعْتَبَرَ في هَذِهِ النِّعَمِ ما فِيها مِن لُطْفِ اللَّهِ تَعالى بِالنّاسِ؛ لِيَكُونَ مِن ذَلِكَ التَّخَلُّصُ إلى الدَّعْوَةِ إلى الإسْلامِ وبَيانُ أُصُولِ دَعْوَةِ الإسْلامِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكم لَعَلَّكم تُسْلِمُونَ﴾ [النحل: ٨١] إلى آخِرِهِ.

والمَعْنى: أنَّهُ كَما أخْرَجَكم مِن عَدَمٍ، وجَعَلَ فِيكُمُ الإدْراكَ وما يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الإدْراكُ مِنَ الحَياةِ، فَكَذَلِكَ يُنْشِئُكم يَوْمَ البَعْثِ بَعْدَ العَدَمِ.

وإذْ كانَ هَذا الصُّنْعُ دَلِيلًا عَلى إمْكانِ البَعْثِ، فَهو أيْضًا باعِثٌ عَلى شُكْرِ اللَّهِ بِتَوْحِيدِهِ، ونَبْذِ الإشْراكِ، فَإنَّ الإنْعامَ يَبْعَثُ العاقِلَ عَلى الشُّكْرِ.

صفحة ٢٣٢

وافْتِتاحُ الكَلامِ بِاسْمِ الجَلالَةِ، وجَعْلُ الخَبَرِ عَنْهُ فِعْلًا تَقَدَّمَ بَيانُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿واللَّهُ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ [النحل: ٦٥] والآياتِ بَعْدَهُ.

والإخْراجُ: الإبْرازُ مِن مَكانٍ إلى آخَرَ.

والأُمَّهاتُ: جَمْعُ أُمٍّ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكم أُمَّهاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] في سُورَةِ النِّساءِ.

والبَطْنُ: ما بَيْنَ ضُلُوعِ الصَّدْرِ إلى العانَةِ، وفِيهِ الأمْعاءُ والمَعِدَةُ والكَبِدُ والرَّحِمُ.

وجُمْلَةُ ﴿لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في أخْرَجَكم، وذَلِكَ أنَّ الطِّفْلَ حِينَ يُولَدُ لَمْ يَكُنْ لَهُ عِلْمٌ بِشَيْءٍ ثُمَّ تَأْخُذُ حَواسُّهُ تَنْقُلُ الأشْياءَ تَدْرِيجًا، فَجَعَلَ اللَّهُ في الطِّفْلِ آلاتِ الإدْراكِ وأُصُولَ التَّفَكُّرِ.

فَقَوْلُهُ تَعالى ﴿وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ﴾ تَفْسِيرُهُ أنَّهُ أوْجَدَ فِيكم إدْراكَ السَّمْعِ والبَصَرِ والعَقْلِ، أيْ كَوْنُها في النّاسِ حَتّى بَلَغَتْ مَبْلَغَ كَمالِها الَّذِي يَنْتَهِي بِها إلى عِلْمِ أشْياءَ كَثِيرَةٍ، كَما دَلَّتْ عَلَيْهِ مُقابَلَتُهُ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾، أيْ فَعَلِمْتُمْ أشْياءَ.

ووَجْهُ إفْرادِ السَّمْعِ وجَمْعِ الأبْصارِ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿أمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ والأبْصارَ﴾ [يونس: ٣١] في سُورَةِ يُونُسَ. وقَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ أخَذَ اللَّهُ سَمْعَكم وأبْصارَكُمْ﴾ [الأنعام: ٤٦] في سُورَةِ الأنْعامِ.

والأفْئِدَةُ: جَمَعَ الفُؤادِ، وأصْلُهُ القَلْبُ، ويُطْلَقُ كَثِيرًا عَلى العَقْلِ وهو المُرادُ هُنا، فالسَّمْعُ والبَصَرُ أعْظَمُ آلاتِ الإدْراكِ إذْ بِهِما إدْراكُ أهَمِّ الجُزْئِيّاتِ، وهُما أقْوى الوَسائِلِ لِإدْراكِ العُلُومِ الضَّرُورِيَّةِ.

فالمُرادُ بِالسَّمْعِ: الإحْساسُ الَّذِي بِهِ إدْراكُ الأصْواتِ الَّذِي آلَتُهُ الصِّماخُ، وبِالإبْصارِ: الإحْساسُ المُدْرِكُ لِلذَّواتِ الَّذِي آلَتُهُ الحَدَقَةُ، واقْتَصَرَ عَلَيْهِما مِن بَيْنِ الحَواسِّ؛ لِأنَّهُما أهَمُّ؛ ولِأنَّ بِهِما إدْراكَ دَلائِلِ الِاعْتِقادِ الحَقِّ.

صفحة ٢٣٣

ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَهُما الأفْئِدَةَ، أيِ العَقْلَ مَقَرَّ الإدْراكِ كُلِّهِ، فَهو الَّذِي تَنْقُلُ إلَيْهِ الحَواسُّ مُدْرَكاتِها، وهي العِلْمُ بِالتَّصَوُّراتِ المُفْرَدَةِ.

ولِلْعَقْلِ إدْراكٌ آخَرُ، وهو إدْراكُ اقْتِرانِ أحَدِ المَعْلُومَيْنِ بِالآخَرِ، وهو التَّصْدِيقاتُ المُنْقَسِمَةُ إلى البَدِيهِيّاتِ: كَكَوْنِ نَفْيِ الشَّيْءِ وإثْباتِهِ مِن سائِرِ الوُجُوهِ لا يَجْتَمِعانِ، وكَكَوْنِ الكُلِّ أعْظَمَ مِنَ الجُزْءِ.

وإلى النَّظَرِيّاتِ، وتُسَمّى الكَسْبِيّاتُ، وهي العِلْمُ بِانْتِسابِ أحَدِ المَعْلُومَيْنِ إلى الآخَرِ بَعْدَ حَرَكَةِ العَقْلِ في الجَمْعِ بَيْنَهُما أوِ التَّفْرِيقِ، مِثْلُ أنْ يَحْضُرَ في العَقْلِ: أنَّ الجِسْمَ ما هو، وأنَّ المُحْدَثَ بِفَتْحِ الدّالِّ ما هو، فَإنَّ مُجَرَّدَ هَذَيْنِ التَّصَوُّرَيْنِ في الذِّهْنِ لا يَكْفِي في جَزْمِ العَقْلِ بِأنَّ الجِسْمَ مُحْدَثٌ، بَلْ لا بُدَّ فِيهِ مِن عُلُومٍ أُخْرى سابِقَةٍ، وهي ما يَدُلُّ عَلى المُقارَنَةِ بَيْنَ ماهِيَّةِ الجِسْمِيَّةِ وصِفَةِ الحُدُوثِ.

فالعُلُومُ الكَسْبِيَّةُ لا يُمْكِنُ اكْتِسابُها إلّا بِواسِطَةِ العُلُومِ البَدِيهِيَّةِ، وحُصُولُ هَذِهِ العُلُومِ البَدِيهِيَّةِ إنَّما يَحْصُلُ عِنْدَ حُدُوثِ تَصَوُّرِ مَوْضُوعاتِها، وتَصَوُّرِ مَحْمُولاتِها، وحُدُوثُ هَذِهِ التَّصَوُّراتِ إنَّما هو بِسَبَبِ إعانَةِ الحَواسِّ عَلى جُزْئِيّاتِها، فَكانَتِ الحَواسُّ الخَمْسُ هي السَّبَبَ الأصْلِيَّ لِحُدُوثِ هَذِهِ العُلُومِ، وكانَ السَّمْعُ والبَصَرُ أوَّلَ الحَواسِّ تَحْصِيلًا لِلتَّصَوُّراتِ وأهَمَّها.

وهَذِهِ العُلُومُ نِعْمَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى ولُطْفٌ؛ لِأنَّ بِها إدْراكَ الإنْسانِ لِما يَنْفَعُهُ، وعَمَلَ عَقْلِهِ فِيما يَدُلُّهُ عَلى الحَقائِقِ؛ لِيَسْلَمَ مِنَ الخَطَأِ المُفْضِي إلى الهَلاكِ والأرْزاءِ العَظِيمَةِ، فَهي نِعْمَةٌ كُبْرى، ولِذَلِكَ قالَ تَعالى عَقِبَ ذِكْرِها ﴿لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾، أيْ هي سَبَبٌ لِرَجاءِ شُكْرِهِمْ واهِبَها سُبْحانَهُ.

والكَلامُ عَلى مَعْنى ﴿لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ مَضى غَيْرَ مَرَّةٍ في نَظِيرِهِ ومُماثِلِهِ.

16:79Page 275

أَلَمۡ يَرَوۡاْ إِلَى ٱلطَّيۡرِ مُسَخَّرَٰتٖ فِي جَوِّ ٱلسَّمَآءِ مَا يُمۡسِكُهُنَّ إِلَّا ٱللَّهُۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ ٧٩

Do they not see the birds controlled in the atmosphere of the sky? None holds them up except Allāh. Indeed in that are signs for a people who believe.

صفحة ٢٣٤

﴿ألَمْ يَرَوْا إلى الطَّيْرِ مُسَخَّراتٍ في جَوِّ السَّماءِ ما يُمْسِكُهُنَّ إلّا اللَّهُ إنَّ في ذَلِكَ لِآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ مَوْقِعُ هَذِهِ الجُمْلَةِ مَوْقِعُ التَّعْلِيلِ والتَّدْلِيلِ عَلى عَظِيمِ قُدْرَةِ اللَّهِ وبَدِيعِ صُنْعِهِ، وعَلى لُطْفِهِ بِالمَخْلُوقاتِ، فَإنَّهُ لَمّا ذَكَرَ مَوْهِبَةَ العَقْلِ والحَواسِّ الَّتِي بِها تَحْصِيلُ المَنافِعِ، ودَفْعُ الأضْرارِ نَبَّهَ النّاسَ إلى لُطْفٍ يُشاهِدُونَهُ أجْلى مُشاهَدَةً لِأضْعَفِ الحَيَوانِ، بِأنَّ تَسْخِيرَ الجَوِّ لِلطَّيْرِ وخَلْقِها صالِحَةً لِأنْ تُرَفْرِفَ فِيهِ بِدُونِ تَعْلِيمٍ هو لُطْفٌ بِها اقْتَضاهُ ضَعْفُ بِنْياتِها؛ إذْ كانَتْ عادِمَةً وسائِلَ الدِّفاعِ عَنْ حَياتِها، فَجَعَلَ اللَّهُ لَها سُرْعَةَ الِانْتِقالِ مَعَ الِابْتِعادِ عَنْ تَناوُلِ ما يَعْدُو عَلَيْها مِنَ البَشَرِ والدَّوابِّ.

فَلِأجْلِ هَذا المَوْقِعِ لَمْ تُعْطَفِ الجُمْلَةُ عَلى الَّتِي قَبْلَها؛ لِأنَّها لَيْسَ في مَضْمُونِها نِعْمَةٌ عَلى البَشَرِ، ولَكِنَّها آيَةٌ عَلى قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وعِلْمِهِ، بِخِلافِ نَظِيرَتِها في سُورَةِ المُلْكِ ﴿أوَلَمْ يَرَوْا إلى الطَّيْرِ فَوْقَهم صافّاتٍ﴾ [الملك: ١٩] فَإنَّها عُطِفَتْ عَلى آياتٍ دالَّةٍ عَلى قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى مِن قَوْلِهِ ﴿ولَقَدْ زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ﴾ [الملك: ٥] ثُمَّ قالَ ﴿ولِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ [الملك: ٦] ثُمَّ قالَ ﴿أأمِنتُمْ مَن في السَّماءِ أنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأرْضَ﴾ [الملك: ١٦] ثُمَّ قالَ ﴿أوَلَمْ يَرَوْا إلى الطَّيْرِ﴾ [الملك: ١٩] الآيَةَ، ولِذَلِكَ المَعْنى عُقِّبَتْ هَذِهِ وحْدَها بِجُمْلَةِ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ .

والتَّسْخِيرُ: التَّذْلِيلُ لِلْعَمَلِ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿والشَّمْسَ والقَمَرَ والنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأمْرِهِ﴾ [الأعراف: ٥٤] في سُورَةِ الأعْرافِ.

والجَوُّ: الفَضاءُ الَّذِي بَيْنَ الأرْضِ والسَّماءِ، وإضافَتُهُ إلى السَّماءِ؛ لِأنَّهُ يَبْدُو مُتَّصِلًا بِالقُبَّةِ الزَّرْقاءِ في ما يَخالُ النّاظِرُ.

والإمْساكُ: الشَّدُّ عَنِ التَّفَلُّتِ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَإمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

صفحة ٢٣٥

والمُرادُ هُنا: ما يُمْسِكُهُنَّ عَنِ السُّقُوطِ إلى الأرْضِ مِن دُونِ إرادَتِها، وإمْساكُ اللَّهِ إيّاها خَلْقُهُ الأجْنِحَةَ لَها والأذْنابَ، وجَعْلُهُ الأجْنِحَةَ والأذْنابَ قابِلَةً لِلْبَسْطِ، وخَلْقُ عِظامِها أخَفَّ مِن عِظامِ الدَّوابِّ بِحَيْثُ إذا بَسَطَتْ أجْنِحَتَها وأذْنابَها ونَهَضَتْ بِأعْصابِها خَفَّتْ خِفَّةً شَدِيدَةً؛ فَسَبَحَتْ في الهَواءِ فَلا يَصْلُحُ ثِقَلُها لِأنْ يَخْرِقَ ما تَحْتَها مِنَ الهَواءِ، إلّا إذا قَبَضَتْ مِن أجْنِحَتِها وأذْنابِها وقَوَّسَتْ أعْصابَ أصْلابِها عِنْدَ إرادَتِها النُّزُولَ إلى الأرْضِ أوِ الِانْخِفاضَ في الهَواءِ، فَهي تَحُومُ في الهَواءِ كَيْفَ شاءَتْ ثُمَّ تَقَعُ مَتى شاءَتْ أوْ عَيِيَتْ، فَلَوْلا أنَّ اللَّهَ خَلَقَها عَلى تِلْكَ الحالَةِ لَما اسْتَمْسَكَتْ، فَسُمِّيَ ذَلِكَ إمْساكًا عَلى وجْهِ الِاسْتِعارَةِ، وهو لُطْفٌ بِها.

والرُّؤْيَةُ: بَصَرِيَّةٌ، وفِعْلُها يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ، فَتَعْدِيَتُهُ بِحَرْفِ (إلى) لِتَضْمِينِ الفِعْلِ مَعْنى (يَنْظُرُوا) .

و(مُسَخَّراتٍ) حالٌ، وجُمْلَةُ ﴿ما يُمْسِكُهُنَّ إلّا اللَّهُ﴾ حالٌ ثانِيَةٌ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿ألَمْ يَرَوْا﴾ بِياءِ الغائِبِ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ عَنْ خِطابِ المُشْرِكِينَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿واللَّهُ أخْرَجَكم مِن بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ﴾ [النحل: ٧٨] .

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ ويَعْقُوبُ وخَلَفٌ (ألَمْ تَرَوْا) بِتاءِ الخِطابِ تَبَعًا لِلْخِطابِ المَذْكُورِ.

والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ، مَعْناهُ: إنْكارُ انْتِفاءِ رُؤْيَتِهِمُ الطَّيْرَ مُسَخَّراتٍ في الجَوِّ بِتَنْزِيلِ رُؤْيَتِهِمْ إيّاها مَنزِلَةَ عَدَمِ الرُّؤْيَةِ؛ لِانْعِدامِ فائِدَةِ الرُّؤْيَةِ مِن إدْراكِ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ المَرْئِيُّ مِنِ انْفِرادِ اللَّهِ تَعالى بِالإلَهِيَّةِ.

وجُمْلَةُ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا؛ لِأنَّ الإنْكارَ عَلى المُشْرِكِينَ عَدَمَ الِانْتِفاعِ بِما يَرَوْنَهُ مِنَ الدَّلائِلِ يُثِيرُ سُؤالًا في نَفْسِ السّامِعِ: أكانَ عَدَمُ الِانْتِفاعِ بِدَلالَةِ رُؤْيَةِ الطَّيْرِ عامًّا في البَشَرِ، فَيُجابُ بِأنَّ المُؤْمِنِينَ يَسْتَدِلُّونَ مِن ذَلِكَ بِدَلالاتٍ كَثِيرَةٍ.

صفحة ٢٣٦

والتَّأْكِيدُ بِـ (إنَّ) مُناسِبٌ لِاسْتِفْهامِ الإنْكارِ عَلى الَّذِينَ لَمْ يَرَوْا تِلْكَ الآياتِ، فَأكَّدَتِ الجُمْلَةُ الدّالَّةُ عَلى انْتِفاعِ المُؤْمِنِينَ بِتِلْكَ الدَّلالَةِ؛ لِأنَّ الكَلامَ مُوَجَّهٌ لِلَّذِينِ لَمْ يَهْتَدُوا بِتِلْكَ الدَّلالَةِ، فَهم بِمَنزِلَةِ مَن يُنْكِرُ أنَّ في ذَلِكَ دَلالَةً لِلْمُؤْمِنِينَ؛ لِأنَّ المُشْرِكِينَ يَنْظُرُونَ بِمِرْآةِ أنْفُسِهِمْ.

وبَيْنَ الإنْكارِ عَلَيْهِمْ عَدَمَ رُؤْيَتِهِمْ تَسْخِيرَ الطَّيْرِ، وبَيْنَ إثْباتِ رُؤْيَةِ المُؤْمِنِينَ مُحَسِّنُ الطِّباقِ. وبَيْنَ نَفْيِ عَدَمِ رُؤْيَةِ المُشْرِكِينَ، وتَأْكِيدِ إثْباتِ رُؤْيَةِ المُؤْمِنِينَ لِذَلِكَ مُحَسِّنُ الطِّباقِ أيْضًا، وبَيْنَ ضَمِيرِ يَرَوْا وقَوْلِهِ قَوْمٍ يُؤْمِنُونَ التَّضادُّ أيْضًا، فَحَصَلَ الطِّباقُ ثَلاثَ مَرّاتٍ، وهَذا أبْلَغُ طِباقٍ جاءَ مَحْوِيًّا لِلْبَيانِ.

وجَمْعُ الآياتِ؛ لِأنَّ في الطَّيْرِ دَلائِلَ مُخْتَلِفَةً: مِن خِلْقَةِ الهَواءِ، وخِلْقَةِ أجْسادِ الطَّيْرِ مُناسِبَةً لِلطَّيَرانِ في الهَواءِ. وخَلْقِ الإلْهامَ لِلطَّيْرِ بِأنْ يَسْبَحَ في الجَوِّ، وبِأنْ لا يَسْقُطَ إلى الأرْضِ إلّا بِإرادَتِهِ، وخُصَّتِ الآياتُ بِالمُؤْمِنِينَ؛ لِأنَّهم بِخُلُقِ الإيمانِ قَدْ ألِفُوا إعْمالَ تَفْكِيرِهِمْ في الِاسْتِدْلالِ عَلى حَقائِقِ الأشْياءِ، بِخِلافِ أهْلِ الكُفْرِ فَإنَّ خُلُقَ الكُفْرِ مَطْبُوعٌ عَلى النُّفْرَةِ مِنَ الِاقْتِداءِ بِالنّاصِحِينَ وعَلى مُكابَرَةِ الحَقِّ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском