Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
An-Nahl 16:70–74
16:70Page 274
وَٱللَّهُ خَلَقَكُمۡ ثُمَّ يَتَوَفَّىٰكُمۡۚ وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰٓ أَرۡذَلِ ٱلۡعُمُرِ لِكَيۡ لَا يَعۡلَمَ بَعۡدَ عِلۡمٖ شَيۡـًٔاۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٞ قَدِيرٞ ٧٠
And Allāh created you; then He will take you in death. And among you is he who is reversed to the most decrepit [old] age so that he will not know, after [having had] knowledge, a thing. Indeed, Allāh is Knowing and Competent.
صفحة ٢١١
﴿واللَّهُ خَلَقَكم ثُمَّ يَتَوَفّاكم ومِنكم مَن يُرَدُّ إلى أرْذَلِ العُمُرِ لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ انْتِقالٌ مِن الِاسْتِدْلالِ بِدَقائِقِ صُنْعِ اللَّهِ عَلى وحْدانِيَّتِهِ إلى الِاسْتِدْلالِ بِتَصَرُّفِهِ في الخَلْقِ التَّصَرُّفَ الغالِبَ لَهُمُ الَّذِي لا يَسْتَطِيعُونَ دَفْعَهُ، عَلى انْفِرادِهِ بِرُبُوبِيَّتِهِمْ، وعَلى عَظِيمِ قُدْرَتِهِ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ تَذْيِيلُها بِجُمْلَةِ (إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ) فَهو خَلَقَهم بِدُونِ اخْتِيارٍ مِنهم ثُمَّ يَتَوَفّاهم كَرْهًا عَلَيْهِمْ، أوْ يَرُدُّهم إلى حالَةٍ يَكْرَهُونَها، فَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدًّا لِذَلِكَ، ولا خَلاصًا مِنهُ، وبِذَلِكَ يَتَحَقَّقُ مَعْنى العُبُودِيَّةِ بِأوْضَحِ مَظْهَرٍ.
وابْتُدِئَتِ الجُمْلَةُ بِاسْمِ الجَلالَةِ لِلْغَرَضِ الَّذِي شَرَحْناهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿واللَّهُ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ [النحل: ٦٥]، وأمّا إعادَةُ اسْمِ الجَلالَةِ هُنا دُونَ الإضْمارِ؛ فَلِأنَّ مَقامَ الِاسْتِدْلالِ يَقْتَضِي تَكْرِيرَ اسْمِ المُسْتَدَلِّ بِفَتْحِ الدّالِ عَلى إثْباتِ صِفاتِهِ تَصْرِيحًا واضِحًا.
وجِيءَ بِالمُسْنَدِ فِعْلِيًّا لِإفادَةِ تَخْصِيصِ المُسْنَدِ إلَيْهِ بِالمُسْنَدِ الفِعْلِيِّ في الإثْباتِ، نَحْوَ: أنا سَعَيْتُ في حاجَتِكَ، وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿واللَّهُ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ [النحل: ٦٥]، فَهَذِهِ عِبْرَةٌ، وهي أيْضًا مِنَّةٌ؛ لِأنَّ الخَلْقَ وهو الإيجادُ نِعْمَةٌ لِشَرَفِ الوُجُودِ والإنْسانِيَّةِ، وفي التَّوَفِّي أيْضًا نِعَمٌ عَلى المُتَوَفِّي؛ لِأنَّ بِهِ تَنْدَفِعُ آلامُ الهَرَمِ، ونِعَمٌ عَلى نَوْعِهِ إذْ بِهِ يَنْتَظِمُ حالُ أفْرادِ النَّوْعِ الباقِينَ بَعْدَ ذَهابِ مَن قَبْلَهم، وهَذا كُلُّهُ بِحَسَبِ الغالِبِ فَرْدًا ونَوْعًا، واللَّهُ يَخُصُّ بِنِعْمَتِهِ وبِمِقْدارِها مَن يَشاءُ.
ولَمّا قُوبِلَ (ثُمَّ يَتَوَفّاكم) بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ومِنكم مَن يُرَدُّ إلى أرْذَلِ العُمُرِ﴾ عُلِمَ أنَّ المَعْنى (ثُمَّ يَتَوَفّاكم) في إبّانِ الوَفاةِ، وهو السِّنُّ المُعْتادَةُ الغالِبَةُ؛ لِأنَّ الوُصُولَ إلى أرْذَلِ العُمُرِ نادِرٌ.
والأرْذَلُ: تَفْضِيلٌ في الرَّذالَةِ، وهي الرَّداءَةُ في صِفاتِ الِاسْتِياءِ.
صفحة ٢١٢
والعُمُرُ: مُدَّةُ البَقاءِ في الحَياةِ؛ لِأنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ العُمُرِ، وهو شَغْلُ المَكانِ، أيْ عُمُرَ الأرْضِ، قالَ تَعالى ﴿وأثارُوا الأرْضَ وعَمَرُوها﴾ [الروم: ٩]، فَإضافَةُ (أرْذَلِ) إلى العُمُرِ الَّتِي هي مِن إضافَةِ الصِّفَةِ إلى المَوْصُوفِ عَلى طَرِيقَةِ المَجازِ العَقْلِيِّ؛ لِأنَّ المَوْصُوفَ بِالأرْذَلِ حَقِيقَةً هو حالُ الإنْسانِ في عُمُرِهِ لا نَفْسَ العُمُرِ، فَأرْذَلُ العُمُرِ هو حالُ هَرَمِ البَدَنِ، وضَعْفِ العَقْلِ، وهو حالٌ في مُدَّةِ العُمُرِ، وأمّا نَفْسُ مُدَّةِ العُمُرِ فَهي هي، لا تُوصَفُ بِرَذالَةٍ ولا شَرَفٍ.
والهَرَمُ لا يَنْضَبِطُ حُصُولُهُ بِعَدَدٍ مِنَ السِّنِينَ؛ لِأنَّهُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ الأبْدانِ والبُلْدانِ والصِّحَّةِ والِاعْتِلالِ عَلى تَفاوُتِ الأمْزِجَةِ المُعْتَدِلَةِ، وهَذِهِ الرَّذالَةُ رَذالَةٌ في الصِّحَّةِ لا تَعَلُّقَ لَها بِحالَةِ النَّفْسِ، فَهي مِمّا يَعْرِضُ لِلْمُسْلِمِ والكافِرِ فَتُسَمّى أرْذَلَ العُمُرِ فِيهِما، وقَدِ «اسْتَعاذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِن أنْ يُرَدَّ إلى أرْذَلِ العُمُرِ» .
ولامُ التَّعْلِيلِ الدّاخِلَةُ عَلى (كَيْ) المَصْدَرِيَّةِ مُسْتَعْمَلَةٌ في مَعْنى الصَّيْرُورَةِ والعاقِبَةِ؛ تَشْبِيهًا لِلصَّيْرُورَةِ بِالعِلَّةِ اسْتِعارَةً تُشِيرُ إلى أنَّهُ لا غايَةَ لِلْمَرْءِ في ذَلِكَ التَّعْمِيرِ تَعْرِيضًا بِالنّاسِ، إذْ يَرْغَبُونَ في طُولِ الحَياةِ، وتَنْبِيهًا عَلى وُجُوبِ الإقْصارِ مِن تِلْكَ الرَّغْبَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: مِنكم مَن يُرَدُّ إلى أرْذَلِ العُمُرِ؛ لِيَصِيرَ غَيْرَ قابِلٍ لِعِلْمِ ما لَمْ يَعْلَمْهُ؛ لِأنَّهُ يُبْطِئُ قَبُولَهُ لِلْعِلْمِ، ورُبَّما لَمْ يَتَصَوَّرْ ما يَتَلَقّاهُ ثُمَّ يُسْرِعُ إلَيْهِ النِّسْيانُ، والإنْسانُ يَكْرَهُ حالَةَ انْحِطاطِ عِلْمِهِ؛ لِأنَّهُ يَصِيرُ شَبِيهًا بِالعَجْماواتِ.
واسْتِعارَةُ حَرْفِ العِلَّةِ إلى مَعْنى العاقِبَةِ مُسْتَعْمَلَةٌ في الكَلامِ البَلِيغِ في مَقامِ التَّوْبِيخِ أوِ التَّخْطِئَةِ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّما نُمْلِي لَهم لِيَزْدادُوا إثْمًا﴾ [آل عمران: ١٧٨] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ قَرِيبًا في ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إذا فَرِيقٌ مِنكم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ﴾ [النحل: ٥٤] في هَذِهِ السُّورَةِ.
وتَنْكِيرُ (عِلْمٍ) تَنْكِيرُ الجِنْسِ، والمَعْنى: لِكَيْلا يَعْلَمَ شَيْئًا بَعْدَ أنْ كانَ لَهُ عِلْمٌ، أيْ لِيَزُولَ مِنهُ قَبُولُ العِلْمِ.
صفحة ٢١٣
وجُمْلَةُ (إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ) تَذْيِيلٌ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ المَقْصُودَ مِنَ الجُمْلَةِ الدَّلالَةُ عَلى عِظَمِ قُدْرَةِ اللَّهِ وعِظَمِ عِلْمِهِ، وقُدِّمَ وصْفُ العَلِيمِ؛ لِأنَّ القُدْرَةَ تَتَعَلَّقُ عَلى وفْقِ العِلْمِ، وبِمِقْدارِ سِعَةِ العِلْمِ يَكُونُ عِظَمُ القُدْرَةِ، فَضَعِيفُ القُدْرَةِ يَنالُهُ تَعَبٌ مِن قُوَّةِ عِلْمِهِ؛ لِأنَّ هِمَّتَهُ تَدْعُوهُ إلى ما لَيْسَ بِالنّائِلِ، كَما قالَ أبُو الطَّيِّبِ:
وإذا كانَتِ النُّفُوسُ كِبَـارًا تَعِبَتْ في مُرادِها الأجْسامُ
16:71Page 274
وَٱللَّهُ فَضَّلَ بَعۡضَكُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖ فِي ٱلرِّزۡقِۚ فَمَا ٱلَّذِينَ فُضِّلُواْ بِرَآدِّي رِزۡقِهِمۡ عَلَىٰ مَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُهُمۡ فَهُمۡ فِيهِ سَوَآءٌۚ أَفَبِنِعۡمَةِ ٱللَّهِ يَجۡحَدُونَ ٧١
And Allāh has favored some of you over others in provision. But those who were favored [i.e., given more] would not hand over their provision to those whom their right hands possess [i.e., slaves] so they would be equal to them therein.1 Then is it the favor of Allāh they reject?
﴿واللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكم عَلى بَعْضٍ في الرِّزْقِ فَما الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرادِّي رِزْقِهِمْ عَلى ما مَلَكَتْ أيْمانُهم فَهم فِيهِ سَواءٌ أفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾
هَذا مِن الِاسْتِدْلالِ عَلى أنَّ التَّصَرُّفَ القاهِرَ لِلَّهِ تَعالى، وذَلِكَ أنَّهُ أعْقَبَ الِاسْتِدْلالَ بِالإحْياءِ والإماتَةِ، وما بَيْنَهُما مِن هَرَمٍ بِالِاسْتِدْلالِ بِالرِّزْقِ.
ولَمّا كانَ الرِّزْقُ حاصِلًا لِكُلِّ مَوْجُودٍ بُنِيَ الِاسْتِدْلالُ عَلى التَّفاوُتِ فِيهِ بِخِلافِ الِاسْتِدْلالِ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿واللَّهُ خَلَقَكم ثُمَّ يَتَوَفّاكُمْ﴾ [النحل: ٧٠] .
ووَجْهُ الِاسْتِدْلالِ بِهِ عَلى التَّصَرُّفِ القاهِرِ أنَّ الرِّزْقَ حاصِلٌ لِجَمِيعِ الخَلْقِ، وأنَّ تَفاضُلَ النّاسِ فِيهِ غَيْرُ جارٍ عَلى رَغَباتِهِمْ، ولا عَلى اسْتِحْقاقِهِمْ، فَقَدْ تَجِدُ أكْيَسَ النّاسِ وأجْوَدَهم عَقْلًا وفَهْمًا مُقَتَّرًا عَلَيْهِ في الرِّزْقِ، وبِضِدِّهِ تَرى أجْهَلَ النّاسِ وأقَلَّهم تَدْبِيرًا مُوَسَّعًا عَلَيْهِ في الرِّزْقِ، وكِلا الرَّجُلَيْنِ قَدْ حَصَلَ بِهِ ما حَصَلَ قَهْرًا عَلَيْهِ، فالمُقَتَّرُ عَلَيْهِ لا يَدْرِي أسْبابَ التَّقْتِيرِ، والمُوَسَّعُ عَلَيْهِ لا يَدْرِي أسْبابَ تَيْسِيرِ رِزْقِهِ، وذَلِكَ لِأنَّ الأسْبابَ كَثِيرَةٌ مُتَوالِدَةٌ ومُتَسَلْسِلَةٌ ومُتَوَغِّلَةٌ في الخَفاءِ حَتّى يَظُنَّ أنَّ أسْبابَ الأمْرَيْنِ مَفْقُودَةٌ، وما هي بِمَفْقُودَةٍ، ولَكِنَّها غَيْرُ مُحاطٍ بِها، ومِمّا يُنْسَبُ إلى الشّافِعِيِّ:
ومِنَ الدَّلِيلِ عَلى القَضاءِ وكَوْنِـهِ بُؤْسُ اللَّبِيبِ وطِيبُ عَيْشِ الأحْمَقِ
صفحة ٢١٤
ولِذَلِكَ أُسْنِدَ التَّفْضِيلُ في الرِّزْقِ إلى اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّ أسْبابَهُ خارِجَةٌ عَنْ إحاطَةِ عُقُولِ البَشَرِ، والحَكِيمُ لا يَسْتَفِزُّهُ ذَلِكَ بِعَكْسِ قَوْلِ ابْنِ الرّاوِنْدِيِّ:
كَمْ عاقِلٍ عاقِلٍ أعْيَتْ مَذاهِبُهُ ∗∗∗ وجاهِلٍ جاهِلٍ تَلْقاهُ مَرْزُوقا
هَذا الَّذِي تَرَكَ الأوْهامَ حائِرَةً ∗∗∗ وصَيَّرَ العالِمَ النِّحْرِيرَ زِنْدِيقا
وهَذا الحُكْمُ دَلَّ عَلى ضَعْفِ قائِلِهِ في حَقِيقَةِ العِلْمِ، فَكَيْفَ بِالنِّحْرِيرِيَّةِ، وتُفِيدُ وراءَ الِاسْتِدْلالِ مَعْنى الِامْتِنانِ لِاقْتِضائِها حُصُولَ الرِّزْقِ لِلْجَمِيعِ.
فَجُمْلَةُ ﴿واللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكم عَلى بَعْضٍ في الرِّزْقِ﴾ مُقَدَّمَةٌ لِلدَّلِيلِ، ومِنَّةٌ مِنَ المِنَنِ؛ لِأنَّ التَّفْضِيلَ في الرِّزْقِ يَقْتَضِي الإنْعامَ بِأصْلِ الرِّزْقِ.
ولَيْسَتِ الجُمْلَةُ مَناطَ الِاسْتِدْلالِ، إنَّما الِاسْتِدْلالُ في التَّمْثِيلِ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَما الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرادِّي رِزْقِهِمْ﴾ الآيَةَ.
والقَوْلُ في جَعْلِ المُسْنَدِ إلَيْهِ اسْمَ الجَلالَةِ وبِناءَ المُسْنَدِ الفِعْلِيِّ عَلَيْهِ كالقَوْلِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿واللَّهُ خَلَقَكم ثُمَّ يَتَوَفّاكُمْ﴾ [النحل: ٧٠]، والمَعْنى: اللَّهُ - لا غَيْرُهُ - رَزَقَكم جَمِيعًا، وفَضَّلَ بَعْضَكم عَلى بَعْضٍ في الرِّزْقِ، ولا يَسَعُكم إلّا الإقْرارُ بِذَلِكَ لَهُ.
وقَدْ تَمَّ الِاسْتِدْلالُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿واللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكم عَلى بَعْضٍ في الرِّزْقِ﴾ بِطَرِيقَةِ الإيجازِ، كَما قِيلَ: لَمْحَةٌ دالَّةٌ.
وفُرِّعَ عَلى هَذِهِ الجُمْلَةِ تَفْرِيعٌ بِالفاءِ عَلى وجْهِ الإدْماجِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿فَما الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرادِّي رِزْقِهِمْ عَلى ما مَلَكَتْ أيْمانُهم فَهم فِيهِ سَواءٌ﴾، وهو إدْماجٌ جاءَ عَلى وجْهِ التَّمْثِيلِ لِتِبْيانِ ضَلالِ أهْلِ الشِّرْكِ حِينَ سَوَّوْا بَعْضَ المَخْلُوقاتِ بِالخالِقِ فَأشْرَكُوها في الإلَهِيَّةِ؛ فَسادًا في تَفْكِيرِهِمْ، وذَلِكَ مِثْلُ ما كانُوا يَقُولُونَ في تَلْبِيَةِ الحَجِّ (لَبَّيْكَ لا شَرِيكَ لَكَ إلّا شَرِيكًا هو لَكَ تَمْلِكُهُ وما مَلَكَ)، فَمَثَّلَ بُطْلانَ عَقِيدَةِ الإشْراكِ بِاللَّهِ بَعْضَ مَخْلُوقاتِهِ بِحالَةِ أهْلِ النِّعْمَةِ المَرْزُوقِينَ؛ لِأنَّهم لا يَرْضَوْنَ أنْ يُشْرِكُوا عَبِيدَهم مَعَهم في فَضْلِ رِزْقِهِمْ فَكَيْفَ يُسَوُّونَ بِاللَّهِ عَبِيدَهُ في صِفَتِهِ العُظْمى وهي الإلَهِيَّةُ ؟
صفحة ٢١٥
ورَشاقَةُ هَذا الِاسْتِدْلالِ أنَّ الحالَتَيْنِ المُشَبَّهَتَيْنِ والمُشَبَّهَ بِهِما حالَتا مَوْلًى وعَبْدٍ، كَما قالَ تَعالى ﴿ضَرَبَ لَكم مَثَلًا مِن أنْفُسِكم هَلْ لَكم مِن ما مَلَكَتْ أيْمانُكم مِن شُرَكاءَ في ما رَزَقْناكم فَأنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ تَخافُونَهم كَخِيفَتِكم أنْفُسَكُمْ﴾ [الروم: ٢٨] .
والغَرَضُ مِنَ التَّمْثِيلِ تَشْنِيعُ مَقالَتِهِمْ، واسْتِحالَةُ صِدْقِها بِحَسَبِ العُرْفِ، ثُمَّ زِيادَةُ التَّشْنِيعِ بِأنَّهم رَضُوا لِلَّهِ ما يَرْضَوْنَهُ لِأنْفُسِهِمْ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ويَجْعَلُونَ لِلَّهِ البَناتِ سُبْحانَهُ ولَهم ما يَشْتَهُونَ﴾ [النحل: ٥٧] إلى قَوْلِهِ ﴿ولِلَّهِ المَثَلُ الأعْلى﴾ [النحل: ٦٠] .
وقَرِينَةُ التَّمْثِيلِ والمَقْصِدُ مِنهُ دَلالَةُ المَقامِ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿فَما الَّذِينَ فُضِّلُوا﴾ نَفْيٌ، و(ما) نافِيَةٌ، والباءُ في (بِرادِّي رِزْقِهِمْ) الباءُ الَّتِي تُزادُ في خَبَرِ النَّفْيِ بِـ (ما) و(لَيْسَ) .
والرّادُّ: المُعْطِي، كَما في قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ «والخُمْسُ مَرْدُودٌ عَلَيْكم» أيْ فَما هم بِمُعْطِينَ رِزْقَهم لِعَبِيدِهِمْ إعْطاءَ مُشاطَرَةٍ بِحَيْثُ يُسَوُّونَهم بِهِمْ، أيْ فَما ذَلِكَ بِواقِعٍ.
وإسْنادُ المِلْكِ إلى اليَمِينِ مَجازٌ عَقْلِيٌّ؛ لِأنَّ اليَمِينَ سَبَبٌ وهْمِيٌّ لِلْمِلْكِ؛ لِأنَّ سَبَبَ المِلْكِ إمّا أسْرٌ، وهو أثَرٌ لِلْقِتالِ بِالسَّيْفِ الَّذِي تُمْسِكُهُ اليَدُ اليُمْنى، وإمّا شِراءٌ ودَفْعُ الثَّمَنِ يَكُونُ بِاليَدِ اليُمْنى عُرْفًا، فَهي سَبَبٌ وهْمِيٌّ ناشِئٌ عَنِ العادَةِ.
وفُرِّعَتْ جُمْلَةُ ﴿فَهم فِيهِ سَواءٌ﴾ عَلى جُمْلَةِ ﴿فَما الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرادِّي رِزْقِهِمْ﴾، أيْ لا يُشاطِرُونَ عَبِيدَهم رِزْقَهم فَيَسْتَوُوا فِيهِ، أيْ لا يَقَعُ ذَلِكَ فَيَقَعُ هَذا، فَمَوْقِعُ هَذِهِ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ شَبِيهٌ بِمَوْقِعِ الفِعْلِ بَعْدَ فاءِ السَّبَبِيَّةِ في جَوابِ النَّفْيِ.
وأمّا جُمْلَةُ ﴿أفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ فَصالِحَةٌ لِأنْ تَكُونَ مُفَرَّعَةً عَلى جُمْلَةِ ﴿واللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكم عَلى بَعْضٍ في الرِّزْقِ﴾ بِاعْتِبارِ ما تَضَمَّنَتْهُ مِن الِامْتِنانِ، أيْ تَفَضَّلَ اللَّهُ عَلَيْكم جَمِيعًا بِالرِّزْقِ أفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ تَجْحَدُونَ ؟، اسْتِفْهامًا مُسْتَعْمَلًا في التَّوْبِيخِ، بِحَيْثُ أشْرَكُوا مَعَ الَّذِي أنْعَمَ عَلَيْهِمْ آلِهَةً لا حَظَّ لَها في الإنْعامِ
صفحة ٢١٦
عَلَيْهِمْ، وذَلِكَ جُحُودُ النِّعْمَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكم رِزْقًا فابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ واعْبُدُوهُ واشْكُرُوا لَهُ﴾ [العنكبوت: ١٧]، وتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿فَما الَّذِينَ فُضِّلُوا﴾ إلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَهم فِيهِ سَواءٌ﴾ مُعْتَرِضَةً بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ.
وعَلى هَذا الوَجْهِ يَكُونُ في (يَجْحَدُونَ) عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ بِالتَّحْتِيَّةِ التِفاتٌ مِنَ الخِطابِ إلى الغَيْبَةِ، ونُكْتَتُهُ أنَّهم لَمّا كانَ المَقْصُودُ مِن الِاسْتِدْلالِ المُشْرِكِينَ فَكانُوا مَوْضِعَ التَّوْبِيخِ ناسَبَ أنْ يُعَرِّضَ عَنْ خِطابِهِمْ، ويَنالَهُمُ المَقْصُودُ مِنَ التَّوْبِيخِ بِالتَّعْرِيضِ كَقَوْلِ:
أبى لَكَ كَسْبَ الحَمْدِ رَأْيٌ مُقَصِّرٌ ∗∗∗ ونَفْسٌ أضاقَ اللَّهُ بِالخَيْرِ باعَهَـا
إذا هي حَثَّتْهُ عَلى الخَيْرِ مَرَّةً ∗∗∗ عَصاها وإنْ هَمَّتْ بِشَرٍّ أطاعَها
ثُمَّ صَرَّحَ بِما وقَعَ التَّعْرِيضُ بِهِ بِقَوْلِهِ ﴿أفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ .
وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ ورُوَيْسٍ عَنْ يَعْقُوبَ يَجْحَدُونَ بِالمُثَنّاةِ الفَوْقِيَّةِ عَلى مُقْتَضى الظّاهِرِ، ويَكُونُ الِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلًا في التَّحْذِيرِ.
وتَصْلُحُ جُمْلَةُ ﴿أفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ أنْ تَكُونَ مُفَرَّعَةً عَلى جُمْلَةِ (فَما الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرادِّي رِزْقِهِمْ)، فَيَكُونُ التَّوْبِيخُ مُتَوَجِّهًا إلى فَرِيقٍ مِنَ المُشْرِكِينَ وهُمُ الَّذِينَ فُضِّلُوا بِالرِّزْقِ وهم أُولُو السِّعَةِ مِنهم وسادَتُهم، وقَدْ كانُوا أشَدَّ كُفْرًا بِالدِّينِ، وتَألُّبًا عَلى المُسْلِمِينَ، أيْ أيَجْحَدُ الَّذِينَ فُضِّلُوا بِنِعْمَةِ اللَّهِ إذْ أفاضَ عَلَيْهِمُ النِّعْمَةَ فَيَكُونُوا أشَدَّ إشْراكًا بِهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وذَرْنِي والمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ ومَهِّلْهم قَلِيلًا﴾ [المزمل: ١١] .
وعَلى هَذا الوَجْهِ يَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى (يَجْحَدُونَ) في قِراءَةِ الجُمْهُورِ بِالتَّحْتِيَّةِ جارِيًا عَلى مُقْتَضى الظّاهِرِ، وفي قِراءَةِ أبِي بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِالمُثَنّاةِ الفَوْقِيَّةِ التِفاتًا مِنَ الغَيْبَةِ إلى خِطابِهِمْ إقْبالًا عَلَيْهِمْ بِالخِطابِ؛ لِإدْخالِ الرَّوْعِ في نُفُوسِهِمْ.
صفحة ٢١٧
وقَدْ عُدِّيَ فِعْلُ (يَجْحَدُونَ) بِالباءِ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى يَكْفُرُونَ، وتَكُونُ الباءُ لِتَوْكِيدِ تَعَلُّقِ الفِعْلِ بِالمَفْعُولِ مِثْلُ (وامْسَحُوا بِرُءُوسِكم)، وتَقْدِيمُ (بِنِعْمَةِ اللَّهِ) عَلى مُتَعَلِّقِهِ وهو (يَجْحَدُونَ) لِلرِّعايَةِ عَلى الفاصِلَةِ.
16:72Page 274
وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنۡ أَنفُسِكُمۡ أَزۡوَٰجٗا وَجَعَلَ لَكُم مِّنۡ أَزۡوَٰجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةٗ وَرَزَقَكُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَٰتِۚ أَفَبِٱلۡبَٰطِلِ يُؤۡمِنُونَ وَبِنِعۡمَتِ ٱللَّهِ هُمۡ يَكۡفُرُونَ ٧٢
And Allāh has made for you from yourselves mates and has made for you from your mates sons and grandchildren and has provided for you from the good things. Then in falsehood do they believe and in the favor of Allāh they disbelieve?
﴿واللَّهُ جَعَلَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا وجَعَلَ لَكم مِن أزْواجِكم بَنِينَ وحَفَدَةً ورَزَقَكم مِنَ الطَّيِّباتِ أفَبِالباطِلِ يُؤْمِنُونَ وبِنِعْمَةِ اللَّهِ هم يَكْفُرُونَ﴾
عَطْفٌ عَلى الَّتِي قَبْلَها، وهو اسْتِدْلالٌ بِبَدِيعِ الصُّنْعِ في خَلْقِ النَّسْلِ إذْ جُعِلَ مُقارَنًا لِلتَّأنُّسِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ، إذْ جَعَلَ النَّسْلَ مِنهُما، ولَمْ يَجْعَلْهُ مُفارِقًا لِأحَدِ الأبَوَيْنِ أوْ كِلَيْهِما.
وجَعَلَ النَّسْلَ مَعْرُوفًا مُتَّصِلًا بِأُصُولِهِ بِما أُلْهِمَهُ الإنْسانُ مِن داعِيَةِ حِفْظِ النَّسَبِ، فَهي مِنَ الآياتِ عَلى انْفِرادِهِ تَعالى بِالوَحْدانِيَّةِ، كَما قالَ تَعالى في سُورَةِ الرُّومِ ﴿ومِن آياتِهِ أنْ خَلَقَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا لِتَسْكُنُوا إلَيْها وجَعَلَ بَيْنَكم مَوَدَّةً ورَحْمَةً إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الروم: ٢١]، فَجَعَلَها آيَةً تَنْطَوِي عَلى آياتٍ، ويَتَضَمَّنُ ذَلِكَ الصُّنْعُ نِعَمًا كَثِيرَةً، كَما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وبِنِعْمَةِ اللَّهِ هم يَكْفُرُونَ﴾ .
والقَوْلُ في جُمْلَةِ ﴿واللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ﴾ كالقَوْلِ في نَظِيرَتَيْها المُتَقَدِّمَتَيْنِ، واللّامُ في ﴿جَعَلَ لَكُمْ﴾ لِتَعْدِيَةِ فِعْلِ (جَعَلَ) إلى ثانٍ.
ومَعْنى ﴿مِن أنْفُسِكُمْ﴾ مِن نَوْعِكم، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَإذا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلى أنْفُسِكُمْ﴾ [النور: ٦١] أيْ عَلى النّاسِ الَّذِينَ بِالبُيُوتِ، وقَوْلِهِ ﴿رَسُولًا مِن أنْفُسِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٤]، وقَوْلِهِ ﴿ثُمَّ أنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٨٥] .
صفحة ٢١٨
والخِطابُ بِضَمِيرِ الجَماعَةِ المُخاطَبِينَ مُوَجَّهٌ إلى النّاسِ كُلِّهِمْ، وغَلَبَ ضَمِيرُ التَّذْكِيرِ.
وهَذِهِ نِعْمَةٌ إذْ جَعَلَ قَرِينَ الإنْسانِ مُتَكَوِّنًا مِن نَوْعِهِ، ولَوْ لَمْ يَجْعَلْ لَهُ ذَلِكَ لاضْطُرَّ الإنْسانُ إلى طَلَبِ التَّأنُّسِ بِنَوْعٍ آخَرَ فَلَمْ يَحْصُلِ التَّأنُّسُ بِذَلِكَ لِلزَّوْجَيْنِ، وهَذِهِ الحالَةُ - وإنْ كانَتْ مَوْجُودَةً في أغْلَبِ أنْواعِ الحَيَوانِ - فَهي نِعْمَةٌ يُدْرِكُها الإنْسانُ، ولا يُدْرِكُها غَيْرُهُ مِنَ الأنْواعِ، ولَيْسَ مِن قِوامِ ماهِيَّةِ النِّعْمَةِ أنْ يَنْفَرِدَ بِها المُنْعَمُ عَلَيْهِ.
والأزْواجُ: جَمْعُ زَوْجٍ، وهو الشَّيْءُ الَّذِي يَصِيرُ مَعَ شَيْءٍ آخَرَ اثْنَيْنِ، فَلِذا وُصِفَ بِزَوْجٍ المُرادِفُ لِثانٍ، وقَدْ مَضى الكَلامُ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿اسْكُنْ أنْتَ وزَوْجُكَ الجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٣٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
والوَصْفُ بِالزَّوْجِ يُؤْذِنُ بِمُلازَمَتِهِ لِآخَرَ، فَلِذا سُمِّيَ بِالزَّوْجِ قَرِينُ المَرْأةِ وقَرِينَةُ الرَّجُلِ، وهَذِهِ نِعْمَةٌ اخْتُصَّ بِها الإنْسانُ إذْ ألْهَمَهُ اللَّهُ جَعْلَ قَرِينٍ لَهُ، وجَبَلَهُ عَلى نِظامِ مَحَبَّةٍ وغَيْرِهِ، لا يَسْمَحانِ لَهُ بِإهْمالِ زَوْجِهِ كَما تُهْمِلُ العَجْماواتُ إناثَها، وتَنْصَرِفُ إناثُها عَنْ ذُكُورِها.
و(مِن) الدّاخِلَةُ عَلى (أنْفُسِكم) لِلتَّبْعِيضِ.
وجَعَلَ البَنِينَ لِلْإنْسانِ نِعْمَةً، وجَعَلَ كَوْنَهم مِن زَوْجَةٍ نِعْمَةً أُخْرى؛ لِأنَّ بِها تَحَقُّقَ كَوْنِهِمْ أبْناءَهُ بِالنِّسْبَةِ لِلذَّكَرِ، ودَوامَ اتِّصالِهِمْ بِهِ بِالنِّسْبَةِ، ووُجُودَ المُشارِكِ لَهُ في القِيامِ بِتَدْبِيرِ أمْرِهِمْ في حالَةِ ضَعْفِهِمْ.
و(مِن) الدّاخِلَةُ عَلى (أزْواجِكم) لِلِابْتِداءِ، أيْ جَعَلَ لَكم بَنِينَ مُنْحَدِرِينَ مِن أزْواجِكم.
والحَفَدَةُ: جَمْعُ حافِدٍ، مِثْلُ كَمَلَةٍ جَمْعُ كامِلٍ، والحافِدُ أصْلُهُ المُسْرِعُ في الخِدْمَةِ، وأُطْلِقَ عَلى ابْنِ الِابْنِ؛ لِأنَّهُ يَكْثُرُ أنْ يَخْدِمَ جَدَّهُ لِضَعْفِ الجَدِّ بِسَبَبِ الكِبَرِ، فَأنْعَمَ اللَّهُ عَلى الإنْسانِ بِحِفْظِ سِلْسِلَةِ نَسَبِهِ بِسَبَبِ ضَبْطِ الحَلْقَةِ الأُولى مِنها،
صفحة ٢١٩
وهِيَ كَوْنُ أبْنائِهِ مِن زَوْجِهِ ثُمَّ كَوْنُ أبْناءِ أبْنائِهِ مِن أزْواجِهِمْ، فانْضَبَطَتْ سِلْسِلَةُ الأنْسابِ بِهَذا النِّظامِ المُحْكَمِ البَدِيعِ، وغَيْرُ الإنْسانِ مِنَ الحَيَوانِ لا يَشْعُرُ بِحَفَدَتِهِ أصْلًا، ولا يَشْعُرُ بِالبُنُوَّةِ إلّا أُنْثى الحَيَوانِ مُدَّةً قَلِيلَةً قَرِيبَةً مِنَ الإرْضاعِ، والحَفَدَةُ لِلْإنْسانِ زِيادَةٌ في مَسَرَّةِ العائِلَةِ، قالَ تَعالى ﴿فَبَشَّرْناها بِإسْحاقَ ومِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود: ٧١]، وقَدْ عَمِلَتْ (مِن) الِابْتِدائِيَّةُ في (حَفَدَةً) بِواسِطَةِ حَرْفِ العَطْفِ؛ لِأنَّ الِابْتِداءَ يَكُونُ مُباشَرَةً وبِواسِطَةٍ.
وجُمْلَةُ ﴿ورَزَقَكم مِنَ الطَّيِّباتِ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ (﴿جَعَلَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا﴾) وما بَعْدَها، لِمُناسَبَةِ ما في الجُمَلِ المَعْطُوفِ عَلَيْها مِن تَضَمُّنِ المِنَّةِ بِنِعْمَةِ أفْرادِ العائِلَةِ، فَإنَّ مُكَمِّلاتِها واسِعَةُ الرِّزْقِ، كَما قالَ تَعالى في آلِ عِمْرانَ ﴿زُيِّنَ لِلنّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ والبَنِينَ والقَناطِيرِ المُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ﴾ [آل عمران: ١٤] الآيَةَ.
وقالَ طَرَفَةُ:
فَأصْبَحْتُ ذا مالٍ كَثِيرٍ وطافَ بِي بَنُونَ كِرامٌ سَـادَةٌ لِـمَـسُـودِ
فالمالُ والعائِلَةُ لا يَرُوقُ أحَدُهُما بِدُونِ الآخَرِ.
ثُمَّ الرِّزْقُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُرادًا مِنهُ المالُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى في قِصَّةِ قارُونَ ﴿وأصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكانَهُ بِالأمْسِ يَقُولُونَ ويْكَأنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ ويَقْدِرُ﴾ [القصص: ٨٢]، وهَذا هو الظّاهِرُ وهو المُوافِقُ لِما في الآيَةِ المَذْكُورَةِ آنِفًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ إعْطاءَ المَأْكُولاتِ الطَّيِّبَةِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وجَدَ عِنْدَها رِزْقًا﴾ [آل عمران: ٣٧] .
و(مِن) تَبْعِيضِيَّةٌ.
والطَّيِّباتُ: صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ فِعْلُ (رَزَقَكم)، أيِ الأرْزاقَ الطَّيِّباتِ، والتَّأْنِيثُ لِأجْلِ الجَمْعِ، والطَّيِّبُ: فَيْعِلُ صِفَةُ مُبالَغَةٍ في الوَصْفِ بِالطَّيِّبِ، والطَّيِّبُ: أصْلُهُ النَّزاهَةُ وحُسْنُ الرّائِحَةِ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في المُلائِمِ الخالِصِ مِنَ النَّكَدِ، قالَ تَعالى ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً﴾ [النحل: ٩٧]، واسْتُعْمِلَ في الصّالِحِ مِن نَوْعِهِ
صفحة ٢٢٠
كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿والبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإذْنِ رَبِّهِ﴾ [الأعراف: ٥٨]، في سُورَةِ الأعْرافِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ طَيِّبِينَ﴾ [النحل: ٣٢] وقَدْ تَقَدَّمَ آنِفًا.
فالطَّيِّباتُ هُنا الأرْزاقُ الواسِعَةُ المَحْبُوبَةُ كَما ذُكِرَ في الآيَةِ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ، أوِ المَطْعُوماتُ والمَشْرُوباتُ اللَّذِيذَةُ الصّالِحَةُ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الطَّيِّباتِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿اليَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ﴾ [المائدة: ٥] في سُورَةِ العُقُودِ، وذُكِرَ الطَّيِّبُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿كُلُوا مِمّا في الأرْضِ حَلالًا طَيِّبًا﴾ [البقرة: ١٦٨] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وفُرِّعَ عَلى هَذِهِ الحُجَّةِ والمِنَّةِ اسْتِفْهامُ تَوْبِيخٍ عَلى إيمانِهِمْ بِالباطِلِ البَيِّنِ، فَتَفْرِيعُ التَّوْبِيخِ عَلَيْهِ واضِحُ الِاتِّجاهِ.
والباطِلُ: ضِدُّ الحَقِّ؛ لِأنَّ ما لا يَخْلُقُ لا يُعْبَدُ بِحَقٍّ، وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ في قَوْلِهِ تَعالى (بِالباطِلِ) عَلى مُتَعَلِّقِهِ لِلِاهْتِمامِ بِالتَّعْرِيفِ بِباطِلِهِمْ.
والِالتِفاتُ عَنِ الخِطابِ السّابِقِ إلى الغَيْبِيَّةِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿أفَبِالباطِلِ يُؤْمِنُونَ﴾ يَجْرِي الكَلامُ فِيهِ عَلى نَحْوِ ما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿أفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [النحل: ٧١] .
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وبِنِعْمَةِ اللَّهِ هم يَكْفُرُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ التَّوْبِيخِ، وهو تَوْبِيخٌ مُتَوَجِّهٌ عَلى ما تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿واللَّهُ جَعَلَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا﴾ إلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿ورَزَقَكم مِنَ الطَّيِّباتِ﴾ مِن الِامْتِنانِ بِذَلِكَ الخَلْقِ والرِّزْقِ بَعْدَ كَوْنِهِما دَلِيلًا عَلى انْفِرادِ اللَّهِ بِالإلَهِيَّةِ.
وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وبِنِعْمَةِ اللَّهِ هم يَكْفُرُونَ﴾ عَلى عامِلِهِ لِلِاهْتِمامِ.
وضَمِيرُ الغَيْبَةِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿هم يَكْفُرُونَ﴾ ضَمِيرُ فَصْلٍ؛ لِتَأْكِيدِ الحُكْمِ بِكُفْرانِهِمُ النِّعْمَةَ؛ لِأنَّ كُفْرانَ النِّعْمَةِ أخْفى مِنَ الإيمانِ بِالباطِلِ؛ لِأنَّ الكُفْرانَ يَتَعَلَّقُ بِحالاتِ القَلْبِ، فاجْتَمَعَ في الجُمْلَةِ تَأْكِيدانِ: التَّأْكِيدُ الَّذِي أفادَهُ التَّقْدِيمُ، والتَّأْكِيدُ الَّذِي أفادَهُ ضَمِيرُ الفَصْلِ.
صفحة ٢٢١
والإتْيانُ بِالمُضارِعِ في (يُؤْمِنُونَ) و(يَكْفُرُونَ) لِلدَّلالَةِ عَلى التَّجَدُّدِ والتَّكْرِيرِ.
وفِي الجَمْعِ بَيْنَ يُؤْمِنُونَ و(يَكْفُرُونَ) مُحَسِّنٌ بَدِيعٌ الطِّباقُ.
16:73Page 275
وَيَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَمۡلِكُ لَهُمۡ رِزۡقٗا مِّنَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ شَيۡـٔٗا وَلَا يَسۡتَطِيعُونَ ٧٣
And they worship besides Allāh that which does not possess for them [the power of] provision from the heavens and the earth at all, and [in fact], they are unable.
﴿ويَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَهم رِزْقًا مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ شَيْئًا ولا يَسْتَطِيعُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَتَيِ التَّوْبِيخِ، وهو مَزِيدٌ مِنَ التَّوْبِيخِ، فَإنَّ الجُمْلَتَيْنِ المَعْطُوفِ عَلَيْها أفادَتْها تَوْبِيخًا عَلى إيمانِهِمْ بِالآلِهَةِ الباطِلِ، وكُفْرانِهِمْ بِنِعْمَةِ المَعْبُودِ الحَقِّ.
وهَذِهِ الجُمْلَةُ المَعْطُوفَةُ أفادَتْ التَّوْبِيخَ عَلى شُكْرِ ما لا يَسْتَحِقُّ الشُّكْرَ، فَإنَّ العِبادَةَ شُكْرٌ، فَهم عَبَدُوا ما لا يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ، ولا بِيَدِهِ نِعْمَةٌ، وهو الأصْنامُ؛ لِأنَّها لا تَمْلِكُ ما يَأْتِيهِمْ مِنَ الرِّزْقِ لِاحْتِياجِها، ولا تَسْتَطِيعُ رِزْقَهم لِعَجْزِها، فَمُفادُ هَذِهِ الجُمْلَةِ مُؤَكِّدٌ لِمُفادِ ما قَبْلَها مَعَ اخْتِلافِ الِاعْتِبارِ بِمُوجِبِ التَّوْبِيخِ في كِلْتَيْهِما.
ومِلْكُ الرِّزْقِ القُدْرَةُ عَلى إعْطائِهِ. والمِلْكُ يُطْلَقُ عَلى القُدْرَةِ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إنْ أرادَ أنْ يُهْلِكَ المَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ١٧] في سُورَةِ العُقُودِ، والرِّزْقُ هُنا مَصْدَرٌ مَنصُوبٌ عَلى المَفْعُولِيَّةِ، أيْ لا يَمْلِكُ أنْ يَرْزُقَ.
و(مِن) في ﴿مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ ابْتِدائِيَّةٌ، أيْ رِزْقًا مَوْصُوفًا بِوُرُودِهِ مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ.
و(شَيْئًا) مُبالَغَةٌ في المَنفِيِّ، أيْ ولا يَمْلِكُونَ جَزاءً قَلِيلًا مِنَ الرِّزْقِ، وهو مَنصُوبٌ عَلى البَدَلِيَّةِ مِن (رِزْقًا)، فَهو في مَعْنى المَفْعُولُ بِهِ كَأنَّهُ قِيلَ: لا يَمْلِكُ لَهم شَيْئًا مِنَ الرِّزْقِ.
صفحة ٢٢٢
﴿ولا يَسْتَطِيعُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى يَمْلِكُ، فَهو مِن جُمْلَةِ صِلَةِ (ما)، فَضَمِيرُ الجَمْعِ عائِدٌ إلى (ما) المَوْصُولَةِ بِاعْتِبارِ دَلالَتِها عَلى جَماعَةِ الأصْنامِ المَعْبُودَةِ لَهم، وأُجْرِيَتْ عَلَيْها صِيغَةُ جَمْعِ العُقَلاءِ؛ مُجاراةً لِاعْتِقادِهِمْ أنَّها تَعْقِلُ وتَشْفَعُ وتَسْتَجِيبُ.
وحَذْفُ مَفْعُولِ يَسْتَطِيعُونَ لِقَصْدِ التَّعْمِيمِ، أيْ لا يَسْتَطِيعُونَ شَيْئًا؛ لِأنَّ تِلْكَ الأصْنامَ حِجارَةٌ لا تَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ، والِاسْتِطاعَةُ: القُدْرَةُ.
16:74Page 275
فَلَا تَضۡرِبُواْ لِلَّهِ ٱلۡأَمۡثَالَۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ وَأَنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ ٧٤
So do not assert similarities to Allāh.1 Indeed, Allāh knows and you do not know.
﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأمْثالَ إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ تَفْرِيعٌ عَلى جَمِيعِ ما سَبَقَ مِنَ الآياتِ والعِبَرِ والمِنَنِ؛ إذْ قَدِ اسْتَقامَ مِن جَمِيعِها انْفِرادُ اللَّهِ تَعالى بِالإلَهِيَّةِ، ونَفْيُ الشَّرِيكِ فِيما خَلَقَ وأنْعَمَ، وبِالأوْلى نَفْيُ أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ، وأنْ يُشَبَّهَ بِالحَوادِثِ، فَلا جَرَمَ اسْتَتَبَّ لِلْمَقامِ أنْ يُفَرَّعُ عَلى ذَلِكَ زَجْرُ المُشْرِكِينَ عَنْ تَمْثِيلِهِمْ غَيْرَ اللَّهِ بِاللَّهِ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ، وأنْ يُمَثِّلُوهُ بِالمَوْجُوداتِ.
وهَذا جاءَ عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿يا أيُّها النّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١] إلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أنْدادًا وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢]، وقَوْلُهُ ﴿وضَرَبَ لَنا مَثَلًا ونَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَن يُحْيِي العِظامَ وهي رَمِيمٌ﴾ [يس: ٧٨] .
والأمْثالُ هُنا جَمْعُ مَثَلٍ بِفَتْحَتَيْنِ بِمَعْنى المُماثِلِ، كَقَوْلِهِمْ: شَبَهٌ بِمَعْنى مُشابِهٍ، وضَرْبُ الأمْثالِ شاعَ اسْتِعْمالُهُ في تَشْبِيهِ حالَةٍ بِحالَةٍ، وهَيْئَةٍ بِهَيْئَةٍ، وهو هُنا اسْتِعْمالٌ آخَرُ.
ومَعْنى الضَّرْبِ في قَوْلِهِمْ: ضَرَبَ كَذا مَثَلًا، بَيَّنّاهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما﴾ [البقرة: ٢٦] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
واللّامُ في اللَّهِ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ (الأمْثالِ) لا بِـ (تَضْرِبُوا)، إذْ لَيْسَ المُرادُ أنَّهم يَضْرِبُونَ مَثَلَ الأصْنامِ بِاللَّهِ ضَرْبًا لِلنّاسِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ضَرَبَ لَكم مَثَلًا مِن أنْفُسِكُمْ﴾ [الروم: ٢٨] .
صفحة ٢٢٣
ووَجْهُ كَوْنِ الإشْراكِ ضَرْبَ مَثَلٍ لِلَّهِ أنَّهم أثْبَتُوا لِلْأصْنامِ صِفاتَ الإلَهِيَّةِ وشَبَّهُوها بِالخالِقِ، فَإطْلاقُ ضَرْبِ المَثَلِ عَلَيْهِ مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وقالُوا أآلِهَتُنا خَيْرٌ أمْ هو ما ضَرَبُوهُ لَكَ إلّا جَدَلًا﴾ [الزخرف: ٥٨]، وقَدْ كانُوا يَقُولُونَ عَنِ الأصْنامِ هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ، والمَلائِكَةُ هُنَّ بَناتُ اللَّهِ مِن سَرَواتِ الجِنِّ، فَذَلِكَ ضَرْبُ مَثَلٍ وتَشْبِيهٌ لِلَّهِ بِالحَوادِثِ في التَّأثُّرِ بِشَفاعَةِ الأكْفاءِ والأعْيانِ والِازْدِهاءِ بِالبَنِينَ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ عَنْ تَشْبِيهِ اللَّهِ تَعالى بِالحَوادِثِ، وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّ جَهْلَهم هو الَّذِي أوْقَعَهم في تِلْكَ السَّخافاتِ مِنَ العَقائِدِ، وأنَّ اللَّهَ إذْ نَهاهم وزَجَرَهم عَنْ أنْ يُشَبِّهُوهُ بِما شَبَّهُوهُ إنَّما نَهاهم لِعِلْمِهِ بِبُطْلانِ اعْتِقادِهِمْ.
وفِي قَوْلِهِ تَعالى ﴿وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ اسْتِدْعاءٌ لِإعْمالِ النَّظَرِ الصَّحِيحِ؛ لِيَصِلُوا إلى العِلْمِ البَرِيءِ مِنَ الأوْهامِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences