Al-Baqarah 2:88
The Cow · Juz 1 · Page 13
وَقَالُواْ قُلُوبُنَا غُلۡفُۢۚ بَل لَّعَنَهُمُ ٱللَّهُ بِكُفۡرِهِمۡ فَقَلِيلٗا مَّا يُؤۡمِنُونَ ٨٨
And they said, "Our hearts are wrapped."1 But, [in fact], Allāh has cursed them for their disbelief, so little is it that they believe.
1 translator’s note
- Covered or sealed against reception of Allāh's word. ↩
Tafsir · in Arabic
Ibn 'Ashur
Detailed
Change
Commentary on 2:88
صفحة ٥٩٩
﴿وقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا ما يُؤْمِنُونَ﴾
إمّا عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ (اسْتَكْبَرْتُمْ) أوْ عَلى (كَذَّبْتُمْ) فَيَكُونُ عَلى الوَجْهِ الثّانِي تَفْسِيرًا لِلِاسْتِكْبارِ أيْ يَكُونُ عَلى تَقْدِيرِ عَطْفِهِ عَلى كَذَّبْتُمْ مِن جُمْلَةِ تَفْصِيلِ الِاسْتِكْبارِ بِأنْ أُشِيرَ إلى أنَّ اسْتِكْبارَهم أنْواعٌ: تَكْذِيبٌ وتَقْتِيلٌ وإعْراضٌ.
وعَلى الوَجْهَيْنِ فَفِيهِ التِفاتٌ مِنَ الخِطابِ إلى الغَيْبَةِ وإبْعادٌ لَهم عَنْ مَقامِ الحُضُورِ فَهو مِنَ الِالتِفاتِ الَّذِي نُكْتَتُهُ أنَّ ما أُجْرِيَ عَلى المُخاطَبِ مِن صِفاتِ النَّقْصِ والفَظاعَةِ قَدْ أوْجَبَ إبْعادَهُ عَنِ البالِ وإعْراضَ البالِ عَنْهُ فَيُشارُ إلى هَذا الإبْعادِ بِخِطابِهِ بِخِطابِ البُعْدِ فَهو كِنايَةٌ.
وقَدْ حَسَّنَ الِالتِفاتَ أنَّهُ مُؤْذِنٌ بِانْتِقالِ الكَلامِ إلى سُوءِ مُقابَلَتِهِمْ لِلدَّعْوَةِ المُحَمَّدِيَّةِ وهو غَرَضٌ جَدِيدٌ فَإنَّهم لَمّا تَحَدَّثَ عَنْهم بِما هو مِن شُئُونِهِمْ مَعَ أنْبِيائِهِمْ وجَّهَ الخِطابَ إلَيْهِمْ. ولَمّا أُرِيدَ الحَدِيثُ عَنْهم في إعْراضِهِمْ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ صارَ الخِطابُ جارِيًا مَعَ المُؤْمِنِينَ وأجْرى عَلى اليَهُودِ ضَمِيرَ الغَيْبَةِ.
عَلى أنَّهُ يُحْتَمَلُ أنَّ قَوْلَهم قُلُوبُنا غُلْفٌ لَمْ يُصَرِّحُوا بِهِ عَلَنًا ويَدُلُّ لِذَلِكَ أنَّ أُسْلُوبَ الخِطابِ جَرى عَلى الغَيْبَةِ مِن مَبْدَأِ هَذِهِ الآيَةِ إلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَقَدْ جاءَكم مُوسى بِالبَيِّناتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ العِجْلَ﴾ [البقرة: ٩٢] . والقُلُوبُ مُسْتَعْمَلَةٌ في مَعْنى الأذْهانِ عَلى طَرِيقَةِ كَلامِ العَرَبِ في إطْلاقِ القَلْبِ عَلى العَقْلِ.
والغُلْفُ بِضَمٍّ فَسُكُونٍ جَمْعُ أغْلَفٍ وهو الشَّدِيدُ، الغِلافُ مُشْتَقٌّ مِن غَلَّفَهُ إذا جَعَلَ لَهُ غِلافًا وهو الوِعاءُ الحافِظُ لِلشَّيْءِ والسّاتِرُ لَهُ مِن وُصُولِ ما يُكْرَهُ لَهُ. وهَذا كَلامٌ كانُوا يَقُولُونَهُ لِلنَّبِيِّ ﷺ حِينَ يَدْعُوهم لِلْإسْلامِ قَصَدُوا بِهِ التَّهَكُّمَ وقَطْعَ طَمَعِهِ في إسْلامِهِمْ وهو كَقَوْلِ المُشْرِكِينَ ﴿قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ وفي آذانِنا وقْرٌ ومِن بَيْنِنا وبَيْنِكَ حِجابٌ﴾ [فصلت: ٥] وفي الكَلامِ تَوْجِيهٌ لِأنَّ أصْلَ الأغْلَفِ أنْ يَكُونَ مَحْجُوبًا عَمّا لا يُلائِمُهُ فَإنَّ ذَلِكَ مَعْنى الغِلافِ فَهم يُخَيِّلُونَ أنَّ قُلُوبَهم مَسْتُورَةٌ عَنِ الفَهْمِ ويُرِيدُونَ أنَّها مَحْفُوظَةٌ مِن فَهْمِ الضَّلالاتِ؛ ولِذَلِكَ قالَ المُفَسِّرُونَ إنَّهُ مُؤْذِنٌ بِمَعْنى أنَّها
صفحة ٦٠٠
لا تَعِي ما تَقُولُ ولَوْ كانَ لَوَعَتْهُ وهَذانِ المَعْنَيانِ اللَّذانِ تَضَمَّنَهُما لِتَوْجِيهٍ يُلاقِيهِما الرَّدُّ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ﴾ أيْ لَيْسَ عَدَمُ إيمانِهِمْ لِقُصُورٍ في أفْهامِهِمْ ولا لِرَبْوِها عَنْ قَبُولِ مِثْلِ ما دُعُوا إلَيْهِ ولَكِنْ لِأنَّهم كَفَرُوا فَلَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكَفْرِهِمْ وأبْعَدَهم عَنِ الخَيْرِ وأسْبابِهِ.
وبِهَذا حَصَلَ المَعْنَيانِ المُرادانِ لَهم مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى فَرْضِ احْتِمالِ أنْ يَكُونَ غُلْفٌ جَمْعَ غِلافٍ لِما فِيهِ مِنَ التَّكَلُّفِ في حَذْفِ المُضافِ إلَيْهِ حَتّى يُقَدِّرَ أنَّها أوْعِيَةٌ لِلْعِلْمِ والحَقِّ فَلا يَتَسَرَّبُ إلَيْها الباطِلُ. وقَوْلُهُ ﴿بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ﴾ تَسْجِيلٌ عَلَيْهِمْ وفَضْحٌ لَهم بِأنَّهم صَمَّمُوا عَلى الكُفْرِ والتَّمَسُّكِ بِدِينِهِمْ مِن غَيْرِ التِفاتٍ لِحُجَّةِ النَّبِيءِ ﷺ فَلَمّا صَمَّمُوا عَلى ذَلِكَ عاقَبَهُمُ اللَّهُ بِاللَّعْنِ والإبْعادِ عَنِ الرَّحْمَةِ والخَيْرِ فَحَرَمَهُمُ التَّوْفِيقَ والتَّبَصُّرَ في دَلائِلِ صِدْقِ الرَّسُولِ، فاللَّعْنَةُ حَصَلَتْ لَهم عِقابًا عَلى التَّصْمِيمِ عَلى الكُفْرِ وعَلى الإعْراضِ عَنِ الحَقِّ وفي ذَلِكَ رَدٌّ لِما أُوهِمُوهُ مِن أنَّ قُلُوبَهم خُلِقَتْ بَعِيدَةً عَنِ الفَهْمِ لِأنَّ اللَّهَ خَلَقَهم كَسائِرِ العُقَلاءِ مُسْتَطِيعِينَ لِإدْراكِ الحَقِّ لَوْ تَوَجَّهُوا إلَيْهِ بِالنَّظَرِ وتَرْكِ المُكابَرَةِ وهَذا مُعْتَقَدُ أهْلِ الحَقِّ مِنَ المُؤْمِنِينَ عَدا الجَبْرِيَّةِ.
وقَوْلُهُ ﴿فَقَلِيلًا ما يُؤْمِنُونَ﴾ تَفْرِيعٌ عَلى (لَعَنَهم) و(قَلِيلًا) صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ الفِعْلُ والتَّقْدِيرُ فَإيمانًا قَلِيلًا وما زائِدَةٌ لِلْمُبالَغَةِ في التَّقْلِيلِ والضَّمِيرُ لِمَجْمُوعِ بَنِي إسْرائِيلَ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (قَلِيلًا) صِفَةً لِلزَّمانِ الَّذِي يَسْتَلْزِمُهُ الفِعْلُ أيْ فَحِينًا قَلِيلًا يُؤْمِنُونَ.
وقَلِيلٌ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ باقِيًا عَلى حَقِيقَتِهِ مُشارًا بِهِ إلى إيمانِهِمْ بِبَعْضِ الكِتابِ أوْ إلى إيمانِهِمْ بِبَعْضِ ما يَدْعُو لَهُ النَّبِيءُ ﷺ مِمّا يُوافِقُ دِينَهُمُ القَدِيمَ كالتَّوْحِيدِ ونُبُوَّةِ مُوسى أوْ إلى إيمانِ أفْرادٍ مِنهم في بَعْضِ الأيّامِ فَإنَّ إيمانَ أفْرادٍ قَلِيلَةٍ مِنهم يَسْتَلْزِمُ صُدُورَ إيمانٍ مِن مَجْمُوعِ بَنِي إسْرائِيلَ في أزْمِنَةٍ قَلِيلَةٍ أوْ حُصُولَ إيماناتٍ قَلِيلَةٍ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (قَلِيلًا) هُنا مُسْتَعْمَلًا في مَعْنى العَدَمِ فَإنَّ القِلَّةَ تُسْتَعْمَلُ في العَدَمِ في كَلامِ العَرَبِ قالَ أبُو كَبِيرٍ الهُذَلِيُّ:
قَلِيلُ التَّشَكِّي لِلْمُهِمِّ يُصِيبُهُ كَثِيرُ الهَوى شَتّى النَّوى والمَسالِكِ
أرادَ أنَّهُ لا يَتَشَكّى، وقالَ عَوْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ في أرْضِ نَصِيبِينَ كَثِيرَةُ العَقارِبِ قَلِيلَةُ الأقارِبِ؛ أرادَ عَدِيمَةَ الأقارِبِ ويَقُولُونَ فُلانٌ قَلِيلُ الحَياءِ وذَلِكَ كُلُّهُ إمّا مَجازٌ لِأنَّ القَلِيلَ شُبِّهَ بِالعَدَمِ وإمّا كِنايَةٌ وهو أظْهَرُ لِأنَّ الشَّيْءَ إذا قَلَّ آلَ إلى الِاضْمِحْلالِ
صفحة ٦٠١
فَكانَ الِانْعِدامُ لازِمًا عُرْفِيًّا لِلْقِلَّةِ ادِّعائِيًّا فَتَكُونُ ما مَصْدَرِيَّةً والوَجْهانِ أشارَ إلَيْهِما في الكَشّافِ بِاخْتِصارٍ واقْتَصَرَ عَلى الوَجْهِ الثّانِي مِنهُما في تَفْسِيرِهِ قَوْلَهُ تَعالى ﴿أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ﴾ [النمل: ٦٢] في سُورَةِ النَّمْلِ فَقالَ: والمَعْنى نَفْيُ التَّذْكِيرِ. والقِلَّةُ تُسْتَعْمَلُ في مَعْنى النَّفْيِ وكَأنَّ وجْهَ ذَلِكَ أنَّ التَّذَكُّرَ مِن شَأْنِهِ تَحْصِيلُ العِلْمِ فَلَوْ تَذَكَّرَ المُشْرِكُونَ المُخاطَبُونَ بِالآيَةِ لَحَصَلَ لَهُمُ العِلْمُ بِأنَّ اللَّهَ واحِدٌ لا شَرِيكَ لَهُ كَيْفَ وخِطابُهم بِقَوْلِهِ ﴿أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ [النمل: ٦٠] المَقْصُودُ مِنهُ الإنْكارُ بِناءً عَلى أنَّهم غَيْرُ مُعْتَقِدِينَ ذَلِكَ.
Page 13
2:84
وَإِذۡ أَخَذۡنَا مِيثَٰقَكُمۡ لَا تَسۡفِكُونَ دِمَآءَكُمۡ وَلَا تُخۡرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَٰرِكُمۡ ثُمَّ أَقۡرَرۡتُمۡ وَأَنتُمۡ تَشۡهَدُونَ ٨٤
And [recall] when We took your covenant, [saying], "Do not shed your [i.e., each other's] blood or evict one another from your homes." Then you acknowledged [this] while you were witnessing.
2:85
ثُمَّ أَنتُمۡ هَٰٓؤُلَآءِ تَقۡتُلُونَ أَنفُسَكُمۡ وَتُخۡرِجُونَ فَرِيقٗا مِّنكُم مِّن دِيَٰرِهِمۡ تَظَٰهَرُونَ عَلَيۡهِم بِٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡعُدۡوَٰنِ وَإِن يَأۡتُوكُمۡ أُسَٰرَىٰ تُفَٰدُوهُمۡ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيۡكُمۡ إِخۡرَاجُهُمۡۚ أَفَتُؤۡمِنُونَ بِبَعۡضِ ٱلۡكِتَٰبِ وَتَكۡفُرُونَ بِبَعۡضٖۚ فَمَا جَزَآءُ مَن يَفۡعَلُ ذَٰلِكَ مِنكُمۡ إِلَّا خِزۡيٞ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ وَيَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰٓ أَشَدِّ ٱلۡعَذَابِۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعۡمَلُونَ ٨٥
Then, you are those [same ones who are] killing one another and evicting a party of your people from their homes, cooperating against them in sin and aggression. And if they come to you as captives, you ransom them, although their eviction was forbidden to you. So do you believe in part of the Scripture and disbelieve in part? Then what is the recompense for those who do that among you except disgrace in worldly life; and on the Day of Resurrection they will be sent back to the severest of punishment. And Allāh is not unaware of what you do.
2:86
أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشۡتَرَوُاْ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا بِٱلۡأٓخِرَةِۖ فَلَا يُخَفَّفُ عَنۡهُمُ ٱلۡعَذَابُ وَلَا هُمۡ يُنصَرُونَ ٨٦
Those are the ones who have bought the life of this world [in exchange] for the Hereafter, so the punishment will not be lightened for them, nor will they be aided.
2:87
وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ وَقَفَّيۡنَا مِنۢ بَعۡدِهِۦ بِٱلرُّسُلِۖ وَءَاتَيۡنَا عِيسَى ٱبۡنَ مَرۡيَمَ ٱلۡبَيِّنَٰتِ وَأَيَّدۡنَٰهُ بِرُوحِ ٱلۡقُدُسِۗ أَفَكُلَّمَا جَآءَكُمۡ رَسُولُۢ بِمَا لَا تَهۡوَىٰٓ أَنفُسُكُمُ ٱسۡتَكۡبَرۡتُمۡ فَفَرِيقٗا كَذَّبۡتُمۡ وَفَرِيقٗا تَقۡتُلُونَ ٨٧
And We did certainly give Moses the Scripture [i.e., the Torah] and followed up after him with messengers. And We gave Jesus, the son of Mary, clear proofs and supported him with the Pure Spirit [i.e., the angel Gabriel]. But is it [not] that every time a messenger came to you, [O Children of Israel], with what your souls did not desire, you were arrogant? And a party [of messengers] you denied and another party you killed.
2:88
وَقَالُواْ قُلُوبُنَا غُلۡفُۢۚ بَل لَّعَنَهُمُ ٱللَّهُ بِكُفۡرِهِمۡ فَقَلِيلٗا مَّا يُؤۡمِنُونَ ٨٨
And they said, "Our hearts are wrapped."1 But, [in fact], Allāh has cursed them for their disbelief, so little is it that they believe.
1 translator’s note
- Covered or sealed against reception of Allāh's word. ↩