Al-Anbya 21:1
The Prophets · Juz 17 · Page 322
ٱقۡتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمۡ وَهُمۡ فِي غَفۡلَةٖ مُّعۡرِضُونَ ١
[The time of] their account has approached for the people, while they are in heedlessness turning away.
Tafsir · in Arabic
Ibn 'Ashur
Detailed
Change
Commentary on 21:1
﴿اقْتَرَبَ لِلنّاسِ حِسابُهم وهم في غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾
افْتِتاحُ الكَلامِ بِهَذِهِ الجُمْلَةِ أُسْلُوبٌ بَدِيعٌ في الِافْتِتاحِ لِما فِيهِ مِن غَرابَةِ الأُسْلُوبِ وإدْخالِ الرَّوْعِ عَلى المُنْذَرِينَ، فَإنَّ المُرادَ بِالنّاسِ مُشْرِكُو مَكَّةَ، والِاقْتِرابُ مُبالَغَةٌ في القُرْبِ، فَصِيغَةُ الِافْتِعالِ المَوْضُوعَةِ لِلْمُطاوَعَةِ مُسْتَعْمَلَةٌ في تَحْقِيقِ الفِعْلِ أيِ اشْتَدَّ قُرْبُ وُقُوعِهِ بِهِمْ. وفي إسْنادِ الِاقْتِرابِ إلى الحِسابِ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ، شَبَّهَ حالَ إظْلالِ الحِسابِ لَهم بِحالَةِ شَخْصٍ يَسْعى لِيَقْرُبَ مِن دِيارِ ناسٍ، فَفِيهِ تَشْبِيهُ هَيْئَةِ الحِسابِ المَعْقُولَةِ بِهَيْئَةٍ مَحْسُوسَةٍ، وهي هَيْئَةُ المُغِيرِ والمُعَجِّلِ في الإغارَةِ عَلى القَوْمِ، فَهو يُلِحُّ في السَّيْرِ تَكَلُّفًا لِلْقُرْبِ مِن دِيارِهِمْ وهم
صفحة ٩
غافِلُونَ عَنْ تَطَلُّبِ الحِسابِ إيّاهم، كَما يَكُونُ قَوْمٌ غارِّينَ مُعْرِضِينَ عَنِ اقْتِرابِ العَدُوِّ مِنهم، فالكَلامُ تَمْثِيلٌ.
والمُرادُ مِنَ الحِسابِ إمّا يَوْمُ الحِسابِ، ومَعْنى اقْتِرابِهِ أنَّهُ قَرِيبٌ عِنْدَ اللَّهِ؛ لِأنَّهُ مُحَقَّقُ الوُقُوعِ. أوْ قَرِيبٌ بِالنِّسْبَةِ إلى ما مَضى مِن مُدَّةِ بَقاءِ الدُّنْيا كَقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ: «بُعِثْتُ أنا والسّاعَةَ كَهاتَيْنِ»، أوِ اقْتَرَبَ الحِسابُ كِنايَةً عَنِ اقْتِرابِ مَوْتِهِمْ؛ لِأنَّهم إذا ماتُوا رَأوْا جَزاءَ أعْمالِهِمْ، وذَلِكَ مِنَ الحِسابِ. وفي هَذا تَعْرِيضٌ بِالتَّهْدِيدِ لِقُرْبِ هَلاكِهِمْ وذَلِكَ بِفَنائِهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ.
أوِ المُرادُ بِالحِسابِ المُؤاخَذَةُ بِالذَّنْبِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ حِسابُهم إلّا عَلى رَبِّي﴾ [الشعراء: ١١٣] وعَلَيْهِ فالِاقْتِرابُ مُسْتَعْمَلٌ في حَقِيقَتِهِ أيْضًا فَهو مِنِ اسْتِعْمالِ اللَّفْظِ في حَقِيقَتِهِ ومَجازِهِ.
واللّامُ في قَوْلِهِ: ”لِلنّاسِ“ إنْ أُبْقِيَتْ عَلى مَعْناها الأصْلِيِّ مِنَ الِاخْتِصاصِ فَذِكْرُها تَأْكِيدٌ لِمَعْنى اللّامِ المُقَدَّرَةِ في الإضافَةِ في قَوْلِهِ: ”حِسابُهم“؛ لِأنَّ تَقْدِيرَهُ: حِسابٌ لَهم، والضَّمِيرُ عائِدٌ إلى ”النّاسِ“، فَصارَ قَوْلُهُ: ”لِلنّاسِ“ مُساوِيًا لِلضَّمِيرِ الَّذِي أُضِيفَ إلَيْهِ ”حِسابُ“، فَكَأنَّهُ قِيلَ: اقْتَرَبَ حِسابٌ لِلنّاسِ لَهم، فَكانَ تَأْكِيدًا لَفْظِيًّا. وكَما تَقُولُ: أزِفَ لِلْحَيِّ رَحِيلُهم، أصْلُهُ: أزِفَ الرَّحِيلُ لِلْحَيِّ، ثُمَّ صارَ أزِفَ لِلْحَيِّ رَحِيلُهم، ومِنهُ قَوْلُ العَرَبِ: لا أبا لَكَ، أصْلُهُ لا أباكَ، فَكانَتْ لامُ ”لَكَ“ مُؤَكِّدَةً لِمَعْنى الإضافَةِ؛ لِإمْكانِ إغْناءِ الإضافَةِ عَنْ ذِكْرِ اللّامِ. قالَ الشّاعِرُ:
أبِالمَوْتِ الَّذِي لا بُدَّ أنِّي مُلاقٍ لا أباكِ تُخَوِّفِينِي
وأصْلُ النَّظْمِ: اقْتَرَبَ لِلنّاسِ الحِسابُ. وإنَّما نُظِمَ التَّرْكِيبُ عَلى هَذا النَّظْمِ بِأنْ قُدِّمَ ما يَدُلُّ عَلى المُضافِ إلَيْهِ وعُرِّفَ ”النّاسُ“ تَعْرِيفَ الجِنْسِ؛ لِيَحْصُلَ ضَرْبٌ مِنَ الإبْهامِ ثُمَّ يَقَعُ بَعْدَهُ التَّبْيِينُ؛ ولِما في تَقْدِيمِ الجارِ
صفحة ١٠
والمَجْرُورِ مِنَ الِاهْتِمامِ بِأنَّ الِاقْتِرابَ لِلنّاسِ لِيَعْلَمَ السّامِعُ أنَّ المُرادَ تَهْدِيدُ المُشْرِكِينَ؛ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ يُكَنّى عَنْهم بِالنّاسِ كَثِيرًا في القُرْآنِ، وعِنْدَ التَّقْدِيمِ احْتِيجَ إلى تَقْدِيرِ مُضافٍ فَصارَ مِثْلَ: اقْتَرَبَ حِسابٌ لِلنّاسِ الحِسابِ، وحُذِفَ المُضافُ لِدَلالَةِ مُفَسِّرِهِ عَلَيْهِ. ولَمّا كانَ الحِسابُ حِسابَ النّاسِ المَذْكُورِينَ جِيءَ بِضَمِيرِ النّاسِ لِيَعُودَ إلى لَفْظِ النّاسِ فَيَحْصُلَ تَأْكِيدٌ آخَرُ، وهَذا نَمَطٌ بَدِيعٌ مِن نَسْجِ الكَلامِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ اللّامُ بِمَعْنى ”مِن“ أوْ بِمَعْنى ”إلى“ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ ”اقْتَرَبَ“ فَيَكُونُ المَجْرُورُ ظَرْفًا لَغْوًا، وعَنِ ابْنِ مالِكٍ أنَّهُ مَثَّلَ لِانْتِهاءِ الغايَةِ بِقَوْلِهِمْ: تَقَرَّبْتُ مِنكَ. وجُمْلَةُ ﴿وهم في غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ حالٌ مِنَ ”النّاسِ“، أيِ اقْتَرَبَ مِنهُمُ الحِسابُ في حالِ غَفْلَتِهِمْ وإعْراضِهِمْ. والمُرادُ بِالنّاسِ المُشْرِكُونَ؛ لِأنَّهُمُ المَقْصُودُ بِهَذا الكَلامِ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ ما بَعْدَهُ.
والغَفْلَةُ: الذُّهُولُ عَنِ الشَّيْءِ وعَنْ طُرُقِ عِلْمِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَتْ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ كُنّا عَنْ دِراسَتِهِمْ لَغافِلِينَ﴾ [الأنعام: ١٥٦] في سُورَةِ الأنْعامِ، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم كَذَّبُوا بِآياتِنا وكانُوا عَنْها غافِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٦] في سُورَةِ الأعْرافِ.
والإعْراضُ: صَرْفُ العَقْلِ عَنِ الِاشْتِغالِ بِالشَّيْءِ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿فَأعْرِضْ عَنْهم وعِظْهُمْ﴾ [النساء: ٦٣] في سُورَةِ النِّساءِ، وقَوْلِهِ: ﴿فَأعْرِضْ عَنْهم حَتّى يَخُوضُوا في حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ [الأنعام: ٦٨] في سُورَةِ الأنْعامِ. ودَلَّتْ ”في“ عَلى الظَّرْفِيَّةِ المَجازِيَّةِ الَّتِي هي شِدَّةُ تَمَكُّنِ الوَصْفِ مِنهم، أيْ وهم غافِلُونَ أشَدَّ الغَفْلَةِ حَتّى كَأنَّهم مُنْغَمِسُونَ فِيها أوْ مَظْرُوفُونَ في مُحِيطِها، ذَلِكَ أنَّ غَفْلَتَهم عَنْ يَوْمِ الحِسابِ مُتَأصِّلَةٌ فِيهِمْ بِسَبَبِ سابِقِ كُفْرِهِمْ. والمَعْنى: أنَّهم غافِلُونَ عَنِ الحِسابِ وعَنِ اقْتِرابِهِ. وإعْراضُهم هو إبايَتُهُمُ التَّأمُّلَ في آياتِ القُرْآنِ الَّتِي تُذَكِّرُهم بِالبَعْثِ وتَسْتَدِلُّ لَهم عَلَيْهِ، فَمُتَعَلِّقُ الإعْراضِ غَيْرُ مُتَعَلِّقِ الغَفْلَةِ؛ لِأنَّ المُعْرِضَ عَنِ الشَّيْءِ
صفحة ١١
لا يُعَدُّ غافِلًا عَنْهُ، أيْ أنَّهم لَمّا جاءَتْهم دَعْوَةُ الرَّسُولِ ﷺ إلى الإيمانِ وإنْذارِهِمْ بِيَوْمِ القِيامَةِ اسْتَمَرُّوا عَلى غَفْلَتِهِمْ عَنِ الحِسابِ بِسَبَبِ إعْراضِهِمْ عَنْ دَلائِلِ التَّذْكِيرِ بِهِ. فَكانَتِ الغَفْلَةُ عَنِ الحِسابِ مِنهم غَيْرَ مَقْلُوعَةٍ مِن نُفُوسِهِمْ؛ بِسَبَبِ تَعْطِيلِهِمْ ما شَأْنُهُ أنْ يَقْلَعَ الغَفْلَةَ عَنْهم بِإعْراضِهِمْ عَنِ الدَّلائِلِ المُثْبِتَةِ لِلْبَعْثِ.
Page 322
سورة الأنبياء
Al-Anbya
The Prophets · Meccan · 112 ayahs
بِسۡمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ
21:1
ٱقۡتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمۡ وَهُمۡ فِي غَفۡلَةٖ مُّعۡرِضُونَ ١
[The time of] their account has approached for the people, while they are in heedlessness turning away.
21:2
مَا يَأۡتِيهِم مِّن ذِكۡرٖ مِّن رَّبِّهِم مُّحۡدَثٍ إِلَّا ٱسۡتَمَعُوهُ وَهُمۡ يَلۡعَبُونَ ٢
No mention [i.e., revelation] comes to them anew from their Lord except that they listen to it while they are at play
21:3
لَاهِيَةٗ قُلُوبُهُمۡۗ وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجۡوَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ هَلۡ هَٰذَآ إِلَّا بَشَرٞ مِّثۡلُكُمۡۖ أَفَتَأۡتُونَ ٱلسِّحۡرَ وَأَنتُمۡ تُبۡصِرُونَ ٣
With their hearts distracted. And those who do wrong conceal their private conversation, [saying], "Is this [Prophet] except a human being like you? So would you approach magic while you are aware [of it]?"
21:4
قَالَ رَبِّي يَعۡلَمُ ٱلۡقَوۡلَ فِي ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِۖ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ ٤
He [the Prophet (ﷺ)] said, "My Lord knows whatever is said throughout the heaven and earth, and He is the Hearing, the Knowing."
21:5
بَلۡ قَالُوٓاْ أَضۡغَٰثُ أَحۡلَٰمِۭ بَلِ ٱفۡتَرَىٰهُ بَلۡ هُوَ شَاعِرٞ فَلۡيَأۡتِنَا بِـَٔايَةٖ كَمَآ أُرۡسِلَ ٱلۡأَوَّلُونَ ٥
But they say, "[The revelation is but] a mixture of false dreams; rather, he has invented it; rather, he is a poet. So let him bring us a sign just as the previous [messengers] were sent [with miracles]."
21:6
مَآ ءَامَنَتۡ قَبۡلَهُم مِّن قَرۡيَةٍ أَهۡلَكۡنَٰهَآۖ أَفَهُمۡ يُؤۡمِنُونَ ٦
Not a [single] city which We destroyed believed before them,1 so will they believe?
1 translator’s note
- Even though they had witnessed signs and miracles. ↩
21:7
وَمَآ أَرۡسَلۡنَا قَبۡلَكَ إِلَّا رِجَالٗا نُّوحِيٓ إِلَيۡهِمۡۖ فَسۡـَٔلُوٓاْ أَهۡلَ ٱلذِّكۡرِ إِن كُنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ ٧
And We sent not before you, [O Muḥammad], except men to whom We revealed [the message], so ask the people of the message [i.e., former scriptures] if you do not know.
21:8
وَمَا جَعَلۡنَٰهُمۡ جَسَدٗا لَّا يَأۡكُلُونَ ٱلطَّعَامَ وَمَا كَانُواْ خَٰلِدِينَ ٨
And We did not make them [i.e., the prophets] forms not eating food,1 nor were they immortal [on earth].
1 translator’s note
- Like the angels. Rather, they were human beings with human attributes. ↩
21:9
ثُمَّ صَدَقۡنَٰهُمُ ٱلۡوَعۡدَ فَأَنجَيۡنَٰهُمۡ وَمَن نَّشَآءُ وَأَهۡلَكۡنَا ٱلۡمُسۡرِفِينَ ٩
Then1 We fulfilled for them the promise, and We saved them and whom We willed and destroyed the transgressors.
1 translator’s note
- Once they had conveyed the message. ↩
21:10
لَقَدۡ أَنزَلۡنَآ إِلَيۡكُمۡ كِتَٰبٗا فِيهِ ذِكۡرُكُمۡۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ ١٠
We have certainly sent down to you a Book [i.e., the Qur’ān] in which is your mention.1 Then will you not reason?
1 translator’s note
- This implies the honor of having been mentioned or addressed. Another meaning is "your reminder." ↩