Ibn 'AshurAl‑Anbya · 21:1–9

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

الأنبياء

Al-Anbya

The Prophets · Meccan · 112 ayahs

21:1Page 322

ٱقۡتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمۡ وَهُمۡ فِي غَفۡلَةٖ مُّعۡرِضُونَ ١

[The time of] their account has approached for the people, while they are in heedlessness turning away.

﴿اقْتَرَبَ لِلنّاسِ حِسابُهم وهم في غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾

افْتِتاحُ الكَلامِ بِهَذِهِ الجُمْلَةِ أُسْلُوبٌ بَدِيعٌ في الِافْتِتاحِ لِما فِيهِ مِن غَرابَةِ الأُسْلُوبِ وإدْخالِ الرَّوْعِ عَلى المُنْذَرِينَ، فَإنَّ المُرادَ بِالنّاسِ مُشْرِكُو مَكَّةَ، والِاقْتِرابُ مُبالَغَةٌ في القُرْبِ، فَصِيغَةُ الِافْتِعالِ المَوْضُوعَةِ لِلْمُطاوَعَةِ مُسْتَعْمَلَةٌ في تَحْقِيقِ الفِعْلِ أيِ اشْتَدَّ قُرْبُ وُقُوعِهِ بِهِمْ. وفي إسْنادِ الِاقْتِرابِ إلى الحِسابِ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ، شَبَّهَ حالَ إظْلالِ الحِسابِ لَهم بِحالَةِ شَخْصٍ يَسْعى لِيَقْرُبَ مِن دِيارِ ناسٍ، فَفِيهِ تَشْبِيهُ هَيْئَةِ الحِسابِ المَعْقُولَةِ بِهَيْئَةٍ مَحْسُوسَةٍ، وهي هَيْئَةُ المُغِيرِ والمُعَجِّلِ في الإغارَةِ عَلى القَوْمِ، فَهو يُلِحُّ في السَّيْرِ تَكَلُّفًا لِلْقُرْبِ مِن دِيارِهِمْ وهم

صفحة ٩

غافِلُونَ عَنْ تَطَلُّبِ الحِسابِ إيّاهم، كَما يَكُونُ قَوْمٌ غارِّينَ مُعْرِضِينَ عَنِ اقْتِرابِ العَدُوِّ مِنهم، فالكَلامُ تَمْثِيلٌ.

والمُرادُ مِنَ الحِسابِ إمّا يَوْمُ الحِسابِ، ومَعْنى اقْتِرابِهِ أنَّهُ قَرِيبٌ عِنْدَ اللَّهِ؛ لِأنَّهُ مُحَقَّقُ الوُقُوعِ. أوْ قَرِيبٌ بِالنِّسْبَةِ إلى ما مَضى مِن مُدَّةِ بَقاءِ الدُّنْيا كَقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ: «بُعِثْتُ أنا والسّاعَةَ كَهاتَيْنِ»، أوِ اقْتَرَبَ الحِسابُ كِنايَةً عَنِ اقْتِرابِ مَوْتِهِمْ؛ لِأنَّهم إذا ماتُوا رَأوْا جَزاءَ أعْمالِهِمْ، وذَلِكَ مِنَ الحِسابِ. وفي هَذا تَعْرِيضٌ بِالتَّهْدِيدِ لِقُرْبِ هَلاكِهِمْ وذَلِكَ بِفَنائِهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ.

أوِ المُرادُ بِالحِسابِ المُؤاخَذَةُ بِالذَّنْبِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ حِسابُهم إلّا عَلى رَبِّي﴾ [الشعراء: ١١٣] وعَلَيْهِ فالِاقْتِرابُ مُسْتَعْمَلٌ في حَقِيقَتِهِ أيْضًا فَهو مِنِ اسْتِعْمالِ اللَّفْظِ في حَقِيقَتِهِ ومَجازِهِ.

واللّامُ في قَوْلِهِ: ”لِلنّاسِ“ إنْ أُبْقِيَتْ عَلى مَعْناها الأصْلِيِّ مِنَ الِاخْتِصاصِ فَذِكْرُها تَأْكِيدٌ لِمَعْنى اللّامِ المُقَدَّرَةِ في الإضافَةِ في قَوْلِهِ: ”حِسابُهم“؛ لِأنَّ تَقْدِيرَهُ: حِسابٌ لَهم، والضَّمِيرُ عائِدٌ إلى ”النّاسِ“، فَصارَ قَوْلُهُ: ”لِلنّاسِ“ مُساوِيًا لِلضَّمِيرِ الَّذِي أُضِيفَ إلَيْهِ ”حِسابُ“، فَكَأنَّهُ قِيلَ: اقْتَرَبَ حِسابٌ لِلنّاسِ لَهم، فَكانَ تَأْكِيدًا لَفْظِيًّا. وكَما تَقُولُ: أزِفَ لِلْحَيِّ رَحِيلُهم، أصْلُهُ: أزِفَ الرَّحِيلُ لِلْحَيِّ، ثُمَّ صارَ أزِفَ لِلْحَيِّ رَحِيلُهم، ومِنهُ قَوْلُ العَرَبِ: لا أبا لَكَ، أصْلُهُ لا أباكَ، فَكانَتْ لامُ ”لَكَ“ مُؤَكِّدَةً لِمَعْنى الإضافَةِ؛ لِإمْكانِ إغْناءِ الإضافَةِ عَنْ ذِكْرِ اللّامِ. قالَ الشّاعِرُ:

أبِالمَوْتِ الَّذِي لا بُدَّ أنِّي مُلاقٍ لا أباكِ تُخَوِّفِينِي

وأصْلُ النَّظْمِ: اقْتَرَبَ لِلنّاسِ الحِسابُ. وإنَّما نُظِمَ التَّرْكِيبُ عَلى هَذا النَّظْمِ بِأنْ قُدِّمَ ما يَدُلُّ عَلى المُضافِ إلَيْهِ وعُرِّفَ ”النّاسُ“ تَعْرِيفَ الجِنْسِ؛ لِيَحْصُلَ ضَرْبٌ مِنَ الإبْهامِ ثُمَّ يَقَعُ بَعْدَهُ التَّبْيِينُ؛ ولِما في تَقْدِيمِ الجارِ

صفحة ١٠

والمَجْرُورِ مِنَ الِاهْتِمامِ بِأنَّ الِاقْتِرابَ لِلنّاسِ لِيَعْلَمَ السّامِعُ أنَّ المُرادَ تَهْدِيدُ المُشْرِكِينَ؛ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ يُكَنّى عَنْهم بِالنّاسِ كَثِيرًا في القُرْآنِ، وعِنْدَ التَّقْدِيمِ احْتِيجَ إلى تَقْدِيرِ مُضافٍ فَصارَ مِثْلَ: اقْتَرَبَ حِسابٌ لِلنّاسِ الحِسابِ، وحُذِفَ المُضافُ لِدَلالَةِ مُفَسِّرِهِ عَلَيْهِ. ولَمّا كانَ الحِسابُ حِسابَ النّاسِ المَذْكُورِينَ جِيءَ بِضَمِيرِ النّاسِ لِيَعُودَ إلى لَفْظِ النّاسِ فَيَحْصُلَ تَأْكِيدٌ آخَرُ، وهَذا نَمَطٌ بَدِيعٌ مِن نَسْجِ الكَلامِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ اللّامُ بِمَعْنى ”مِن“ أوْ بِمَعْنى ”إلى“ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ ”اقْتَرَبَ“ فَيَكُونُ المَجْرُورُ ظَرْفًا لَغْوًا، وعَنِ ابْنِ مالِكٍ أنَّهُ مَثَّلَ لِانْتِهاءِ الغايَةِ بِقَوْلِهِمْ: تَقَرَّبْتُ مِنكَ. وجُمْلَةُ ﴿وهم في غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ حالٌ مِنَ ”النّاسِ“، أيِ اقْتَرَبَ مِنهُمُ الحِسابُ في حالِ غَفْلَتِهِمْ وإعْراضِهِمْ. والمُرادُ بِالنّاسِ المُشْرِكُونَ؛ لِأنَّهُمُ المَقْصُودُ بِهَذا الكَلامِ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ ما بَعْدَهُ.

والغَفْلَةُ: الذُّهُولُ عَنِ الشَّيْءِ وعَنْ طُرُقِ عِلْمِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَتْ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ كُنّا عَنْ دِراسَتِهِمْ لَغافِلِينَ﴾ [الأنعام: ١٥٦] في سُورَةِ الأنْعامِ، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم كَذَّبُوا بِآياتِنا وكانُوا عَنْها غافِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٦] في سُورَةِ الأعْرافِ.

والإعْراضُ: صَرْفُ العَقْلِ عَنِ الِاشْتِغالِ بِالشَّيْءِ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿فَأعْرِضْ عَنْهم وعِظْهُمْ﴾ [النساء: ٦٣] في سُورَةِ النِّساءِ، وقَوْلِهِ: ﴿فَأعْرِضْ عَنْهم حَتّى يَخُوضُوا في حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ [الأنعام: ٦٨] في سُورَةِ الأنْعامِ. ودَلَّتْ ”في“ عَلى الظَّرْفِيَّةِ المَجازِيَّةِ الَّتِي هي شِدَّةُ تَمَكُّنِ الوَصْفِ مِنهم، أيْ وهم غافِلُونَ أشَدَّ الغَفْلَةِ حَتّى كَأنَّهم مُنْغَمِسُونَ فِيها أوْ مَظْرُوفُونَ في مُحِيطِها، ذَلِكَ أنَّ غَفْلَتَهم عَنْ يَوْمِ الحِسابِ مُتَأصِّلَةٌ فِيهِمْ بِسَبَبِ سابِقِ كُفْرِهِمْ. والمَعْنى: أنَّهم غافِلُونَ عَنِ الحِسابِ وعَنِ اقْتِرابِهِ. وإعْراضُهم هو إبايَتُهُمُ التَّأمُّلَ في آياتِ القُرْآنِ الَّتِي تُذَكِّرُهم بِالبَعْثِ وتَسْتَدِلُّ لَهم عَلَيْهِ، فَمُتَعَلِّقُ الإعْراضِ غَيْرُ مُتَعَلِّقِ الغَفْلَةِ؛ لِأنَّ المُعْرِضَ عَنِ الشَّيْءِ

صفحة ١١

لا يُعَدُّ غافِلًا عَنْهُ، أيْ أنَّهم لَمّا جاءَتْهم دَعْوَةُ الرَّسُولِ ﷺ إلى الإيمانِ وإنْذارِهِمْ بِيَوْمِ القِيامَةِ اسْتَمَرُّوا عَلى غَفْلَتِهِمْ عَنِ الحِسابِ بِسَبَبِ إعْراضِهِمْ عَنْ دَلائِلِ التَّذْكِيرِ بِهِ. فَكانَتِ الغَفْلَةُ عَنِ الحِسابِ مِنهم غَيْرَ مَقْلُوعَةٍ مِن نُفُوسِهِمْ؛ بِسَبَبِ تَعْطِيلِهِمْ ما شَأْنُهُ أنْ يَقْلَعَ الغَفْلَةَ عَنْهم بِإعْراضِهِمْ عَنِ الدَّلائِلِ المُثْبِتَةِ لِلْبَعْثِ.

21:2Page 322

مَا يَأۡتِيهِم مِّن ذِكۡرٖ مِّن رَّبِّهِم مُّحۡدَثٍ إِلَّا ٱسۡتَمَعُوهُ وَهُمۡ يَلۡعَبُونَ ٢

No mention [i.e., revelation] comes to them anew from their Lord except that they listen to it while they are at play

﴿ما يَأْتِيهِمْ مِن ذِكْرٍ مِن رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إلّا اسْتَمَعُوهُ وهم يَلْعَبُونَ﴾ ﴿لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنبياء: ٣]

جُمْلَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِجُمْلَةِ ﴿وهم في غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء: ١] لِبَيانِ تَمَكُّنِ الغَفْلَةِ مِنهم وإعْراضِهِمْ، بِأنَّهم إذا سَمِعُوا في القُرْآنِ تَذْكِيرًا لَهم بِالنَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ اشْتَغَلُوا عَنْهُ بِاللَّعِبِ واللَّهْوِ فَلَمْ يَفْقَهُوا مَعانِيَهُ وكانَ حَظُّهم مِنهُ سَماعَ ألْفاظِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إلّا دُعاءً ونِداءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهم لا يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٧١] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

والذِّكْرُ: القُرْآنُ، أُطْلِقَ عَلَيْهِ اسْمُ الذِّكْرِ الَّذِي هو مَصْدَرٌ لِإفادَةِ قُوَّةِ وصْفِهِ بِالتَّذْكِيرِ.

والمُحْدَثُ: الجَدِيدُ، أيِ الجَدِيدُ نُزُولُهُ مُتَكَرِّرًا، وهو كِنايَةٌ عَنْ عَدَمِ انْتِفاعِهِمْ بِالذِّكْرِ كُلَّما جاءَهم، بِحَيْثُ لا يَزالُونَ بِحاجَةٍ إلى إعادَةِ التَّذْكِيرِ وإحْداثِهِ مَعَ قَطْعِ مَعْذِرَتِهِمْ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانُوا سَمِعُوا ذِكْرًا واحِدًا فَلَمْ يَعْبَئُوا بِهِ لانْتَحَلُوا لِأنْفُسِهِمْ عُذْرًا كانُوا ساعَتَئِذٍ في غَفْلَةٍ. فَلَمّا تَكَرَّرَ حَدَثانُ إتْيانِهِ تَبَيَّنَ لِكُلِّ مُنْصِفٍ أنَّهم مُعْرِضُونَ عَنْهُ صَدًّا. ونَظِيرُ هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما يَأْتِيهِمْ مِن ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إلّا كانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ﴾ [الشعراء: ٥] في سُورَةِ الشُّعَراءِ، ولَيْسَ المُرادُ بِـ ”مُحَدَثٍ“ ما قابَلَ القَدِيمَ في اصْطِلاحِ عِلْمِ الكَلامِ؛ لِعَدَمِ مُناسَبَتِهِ لِسِياقِ النَّظْمِ.

صفحة ١٢

ومَسْألَةُ صِفَةِ كَلامِ اللَّهِ تَعالى تَقَدَّمَ الخَوْضُ فِيها عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤] في سُورَةِ النِّساءِ. وجُمْلَةُ ”اسْتَمَعُوهُ“ حالٌ مِن ضَمِيرِ النَّصْبِ في ”يَأْتِيهِمْ“، وهَذا الحالُ مُسْتَثْنى مِن عُمُومِ أحْوالٍ أيْ ما يَأْتِيهِمْ ذِكْرٌ في حالٍ إلّا في حالِ اسْتِماعِهِمْ. وجُمْلَةُ ”وهم يَلْعَبُونَ“ حالٌ لازِمَةٌ مِن ضَمِيرِ الرَّفْعِ في ”اسْتَمَعُوهُ“ مُقَيِّدَةٌ لِجُمْلَةِ ”اسْتَمَعُوهُ“؛ لِأنَّ جُمْلَةَ ”اسْتَمَعُوهُ“ حالٌ بِاعْتِبارِ أنَّها مُقَيَّدَةٌ بِحالٍ أُخْرى هي المَقْصُودَةُ مِنَ التَّقْيِيدِ، وإلّا لَصارَ الكَلامُ ثَناءً عَلَيْهِمْ. وفائِدَةُ هَذا التَّرْتِيبِ بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ الحالِيَّتَيْنِ الزِّيادَةُ لِقَطْعِ مَعْذِرَتِهِمُ المُسْتَفادِ مِن قَوْلِهِ: ”مُحْدَثٍ“ كَما عَلِمْتَ.

و﴿لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنبياء: ٣] حالٌ مِنَ المُبْتَدَأِ في جُمْلَةِ ﴿وهم يَلْعَبُونَ﴾ وهي احْتِراسٌ لِجُمْلَةِ ”اسْتَمَعُوهُ“ أيِ اسْتِماعًا لا وعْيَ مَعَهُ.

21:3Page 322

لَاهِيَةٗ قُلُوبُهُمۡۗ وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجۡوَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ هَلۡ هَٰذَآ إِلَّا بَشَرٞ مِّثۡلُكُمۡۖ أَفَتَأۡتُونَ ٱلسِّحۡرَ وَأَنتُمۡ تُبۡصِرُونَ ٣

With their hearts distracted. And those who do wrong conceal their private conversation, [saying], "Is this [Prophet] except a human being like you? So would you approach magic while you are aware [of it]?"

﴿وأسَرُّوا النَّجْوى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم أفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وأنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾

جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ عَطْفًا عَلى جُمْلَةِ ﴿اقْتَرَبَ لِلنّاسِ حِسابُهُمْ﴾ [الأنبياء: ١] إلى آخِرِها؛ لِأنَّ كِلْتا الجُمْلَتَيْنِ مَسُوقَةٌ لِذِكْرِ أحْوالِ تَلَقِّي المُشْرِكِينَ لِدَعْوَةِ النَّبِيءِ ﷺ بِالتَّكْذِيبِ والبُهْتانِ والتَّآمُرِ عَلى رَفْضِها. فالَّذِينَ ظَلَمُوا هُمُ المُرادُ بِالنّاسِ كَما تَقَدَّمَ، وواوُ الجَماعَةِ عائِدٌ إلى ما عادَ إلَيْهِ ضَمائِرُ الغَيْبَةِ الرّاجِعَةُ إلى ”لِلنّاسِ“ ولَيْسَتْ جُمْلَةُ ﴿وأسَرُّوا النَّجْوى﴾ عَطْفًا عَلى جُمْلَةِ ﴿اسْتَمَعُوهُ وهم يَلْعَبُونَ﴾ [الأنبياء: ٢]؛ لِأنَّ مَضْمُونَها لَيْسَ في مَعْنى التَّقْيِيدِ لِما يَأْتِيهِمْ مِن ذِكْرٍ.

صفحة ١٣

و”الَّذِينَ ظَلَمُوا“ بَدَلٌ مِن واوِ الجَماعَةِ؛ لِزِيادَةِ تَقْرِيرِ أنَّهُمُ المَقْصُودُ مِنَ النَّجْوى؛ ولِما في المَوْصُولِ مِنَ الإيماءِ إلى سَبَبِ تَناجِيهِمْ بِما ذُكِرَ وأنَّ سَبَبَ ذَلِكَ كُفْرُهم وظُلْمُهم أنْفُسَهم، ولِلنِّداءِ عَلى قُبْحِ ما هم مُتَّصِفُونَ بِهِ. وجُمْلَةُ ﴿هَلْ هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ بَدَلٌ مِنَ ”النَّجْوى“؛ لِأنَّ ذَلِكَ هو ما تَناجَوْا بِهِ. فَهو بَدَلٌ مُطابِقٌ. ولَيْسَتْ هي كَجُمْلَةِ ﴿قالُوا إنَّ هَذانِ لَساحِرانِ﴾ [طه: ٦٣] مِن جُمْلَةِ ﴿فَتَنازَعُوا أمْرَهم بَيْنَهم وأسَرُّوا النَّجْوى﴾ [طه: ٦٢] في سُورَةِ طَهَ، فَإنَّ تِلْكَ بَدَلُ بَعْضٍ مِن كُلٍّ؛ لِأنَّ ذَلِكَ القَوْلَ هو آخِرُ ما أسْفَرَتْ عَلَيْهِ النَّجْوى.

ووَجْهُ إسْرارِهِمْ بِذَلِكَ الكَلامِ قَصْدُهم أنْ لا يَطَّلِعَ المُسْلِمُونَ عَلى ما تَآمَرُوا بِهِ؛ لِئَلّا يَتَصَدّى الرَّسُولُ ﷺ لِلرَّدِّ عَلَيْهِمْ؛ لِأنَّهم عَلِمُوا أنَّ حُجَّتَهم في ذَلِكَ واهِيَةٌ، يَرُومُونَ بِها أنْ يُضَلِّلُوا الدَّهْماءَ، أوْ أنَّهم أسَرُّوا بِذَلِكَ لِفَرِيقٍ رَأوْا مِنهم مَخائِلَ التَّصْدِيقِ لِما جاءَ بِهِ النَّبِيءُ ﷺ لَمّا تَكاثَرَ بِمَكَّةَ الَّذِينَ أسْلَمُوا، فَخَشَوْا أنْ يَتَتابَعَ دُخُولُ النّاسِ في الإسْلامِ، فاخْتَلُوا بِقَوْمٍ ما زالُوا عَلى الشِّرْكِ وناجَوْهم بِذَلِكَ لِيُدْخِلُوا الشَّكَّ في قُلُوبِهِمْ.

والنَّجْوى: المُحادَثَةُ الخَفِيَّةُ. والإسْرارُ: هو الكِتْمانُ والكَلامُ الخَفِيُّ جِدًّا. وقَدْ تَقَدَّمَ الجَمْعُ بَيْنَهُما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهم ونَجْواهُمْ﴾ [التوبة: ٧٨] في سُورَةِ بَراءَةَ، وتَقَدَّمَ وجْهُ جَعْلِ النَّجْوى مَفْعُولًا لِـ ”أسَرُّوا“ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأسَرُّوا النَّجْوى﴾ في ”سُورَةِ طَهَ“، أيْ جَعَلُوا نَجْواهم مَقْصُودَةً بِالكِتْمانِ، وبالَغُوا في إخْفائِها؛ لِأنَّ شَأْنَ التَّشاوُرِ في المُهِمِّ كِتْمانُهُ؛ كَيْلا يَطَّلِعَ عَلَيْهِ المُخالِفُ فَيُفْسِدَهُ.

والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: ﴿هَلْ هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ إنْكارِيٌّ يَقْتَضِي أنَّهم خاطَبُوا مَن قارَبَ أنْ يُصَدِّقَ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ أيْ فَكَيْفَ تُؤْمِنُونَ بِنُبُوءَتِهِ وهو أحَدٌ مِنكم.

صفحة ١٤

وكَذَلِكَ الِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: ﴿أفَتَأْتُونَ السِّحْرَ﴾ إنْكارِيٌّ، وأرادَ بِالسِّحْرِ الكَلامَ الَّذِي يَتْلُوهُ عَلَيْكم. والمَعْنى: أنَّهُ لَمّا كانَ بَشَرًا مِثْلَكم فَما تَصْدِيقُكم لِنُبُوءَتِهِ إلّا مِن أثَرِ سِحْرٍ سَحَرَكم بِهِ، فَتَأْتُونَ السِّحْرَ بِتَصْدِيقِكم بِما يَدْعُوكم إلَيْهِ.

وأُطْلِقَ الإتْيانُ عَلى القَبُولِ والمُتابَعَةِ عَلى طَرِيقِ المَجازِ أوِ الِاسْتِعارَةِ؛ لِأنَّ الإتْيانَ لِشَيْءٍ يَقْتَضِي الرَّغْبَةَ فِيهِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالإتْيانِ هُنا حُضُورُ النَّبِيءِ ﷺ لِسَماعِ دَعْوَتِهِ، فَجَعَلُوهُ إتْيانًا؛ لِأنَّ غالِبَ حُضُورِ المَجالِسِ أنْ يَكُونَ بِإتْيانٍ إلَيْها، وجَعَلُوا كَلامَهُ سِحْرًا؛ فَنَهَوْا مَن ناجَوْهم عَنِ الِاسْتِماعِ إلَيْهِ. وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرْآنِ والغَوْا فِيهِ لَعَلَّكم تَغْلِبُونَ﴾ [فصلت: ٢٦] في سُورَةِ فُصِّلَتْ.

وقَوْلُهُ: ﴿وأنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ تَأْتُونَ السِّحْرَ وبَصَرُكم سَلِيمٌ، وأرادُوا بِهِ العِلْمَ البَدِيهِيَّ، فَعَبَّرُوا عَنْهُ بِالبَصَرِ؛ لِأنَّ المُبْصَراتِ لا يَحْتاجُ إدْراكُها إلى تَفْكِيرٍ.

21:4Page 322

قَالَ رَبِّي يَعۡلَمُ ٱلۡقَوۡلَ فِي ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِۖ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ ٤

He [the Prophet (ﷺ)] said, "My Lord knows whatever is said throughout the heaven and earth, and He is the Hearing, the Knowing."

﴿قُلْ رَبِّي يَعْلَمُ القَوْلَ في السَّماءِ والأرْضِ وهْوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ .

أطْلَعَ اللَّهُ رَسُولَهُ عَلى نَجْواهم، فَلَمْ يَتِمَّ لَهم ما أرادُوا مِنَ الإسْرارِ بِها، فَبَعْدَ أنْ حَكى ما تَناجَوْا بِهِ أمَرَهُ أنْ يُخْبِرَهم بِأنَّ اللَّهَ الَّذِي عَلِمَ نَجْواهم يَعْلَمُ كُلَّ قَوْلٍ في السَّماءِ والأرْضِ مِن جَهْرٍ أوْ سِرٍّ، فالتَّعْرِيفُ في ”القَوْلَ“ لِلِاسْتِغْراقِ، وبِذَلِكَ كانَ هَذا تَذْيِيلًا، وأعْلَمَهم بِأنَّهُ المُتَّصِفُ بِتَمامِ العِلْمِ لِلْمَسْمُوعاتِ وغَيْرِها بِقَوْلِهِ: ﴿وهُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ .

صفحة ١٥

وقَرَأ الجُمْهُورُ ”قُلْ“ بِصِيغَةِ الأمْرِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ، وخَلَفٌ ”قالَ“ بِصِيغَةِ الماضِي، وكَذَلِكَ هي مَرْسُومَةٌ في المُصْحَفِ الكُوفِيِّ، قالَهُ أبُو شامَةَ، أيْ: قالَ الرَّسُولُ لَهم، حَكى اللَّهُ ما قالَهُ الرَّسُولُ لَهم، وإنَّما قالَهُ عَنْ وحْيٍ، فَكانَ في مَعْنى قِراءَةِ الجُمْهُورِ (قُلْ رَبِّي يَعْلَمُ القَوْلَ)؛ لِأنَّهُ إذا أمَرَ بِأنْ يَقَوْلَهُ: فَقَدْ قالَهُ.

وإنَّما لَمْ يَقُلْ يَعْلَمُ السِّرَّ لِمُراعاةِ العِلْمِ بِأنَّ الَّذِي قالُوهُ مِن قَبِيلِ السِّرِّ وأنَّ إثْباتَ عِلْمِهِ بِكُلِّ قَوْلٍ يَقْتَضِي إثْباتَ عِلْمِهِ بِالسِّرِّ وغَيْرِهِ؛ بِناءً عَلى مُتَعارَفِ النّاسِ. وأمّا قَوْلُهُ: في سُورَةِ الفُرْقانِ: ﴿قُلْ أنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الفرقان: ٦] فَلَمْ يَتَقَدَّمْ قَبْلَهُ ذِكْرٌ لِلْإسْرارِ، وكانَ قَوْلُ الَّذِينَ كَفَرُوا: ﴿إنْ هَذا إلّا إفْكٌ افْتَراهُ﴾ [الفرقان: ٤] صادِرًا مِنهم تارَةً جَهْرًا وتارَةً سِرًّا، فَأعْلَمَهُمُ اللَّهُ بِاطِّلاعِهِ عَلى سِرِّهِمْ. ويُعْلَمُ مِنهُ أنَّهُ مُطَّلِعٌ عَلى جَهْرِهِمْ بِطَرِيقَةِ الفَحْوى.

21:5Page 322

بَلۡ قَالُوٓاْ أَضۡغَٰثُ أَحۡلَٰمِۭ بَلِ ٱفۡتَرَىٰهُ بَلۡ هُوَ شَاعِرٞ فَلۡيَأۡتِنَا بِـَٔايَةٖ كَمَآ أُرۡسِلَ ٱلۡأَوَّلُونَ ٥

But they say, "[The revelation is but] a mixture of false dreams; rather, he has invented it; rather, he is a poet. So let him bring us a sign just as the previous [messengers] were sent [with miracles]."

﴿بَلْ قالُوا أضْغاثُ أحْلامٍ بَلِ افْتَراهُ بَلْ هو شاعِرٌ فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الأوَّلُونَ﴾

”بَلْ“ الأُولى مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى إضْرابُ انْتِقالٍ مِن حِكايَةِ قَوْلِ فَرِيقٍ مِنهم ﴿أفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وأنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ [الأنبياء: ٣] إلى حِكايَةِ قَوْلٍ آخَرَ مِن أقْوالِ المُشْرِكِينَ، وهو زَعْمُهم أنَّ ما يُخْبِرُ عَنْهُ ويَحْكِيهِ هو أحْلامٌ يَراها فَيَحْكِيها، فَضَمِيرُ ”قالُوا“ لِجَماعَةِ المُشْرِكِينَ لا لِخُصُوصِ القائِلِينَ الأوَّلِينَ.

و”بَلْ“ الثّانِيَةُ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مِنَ الكَلامِ المَحْكِيِّ عَنْهم، وهي إضْرابُ انْتِقالٍ فِيما يَصِفُونَ بِهِ القُرْآنَ. والمَعْنى: بَلِ افْتَراهُ واخْتَلَقَهُ مِن غَيْرِ أحْلامٍ، أيْ هو كَلامٌ مَكْذُوبٌ.

صفحة ١٦

ثُمَّ انْتَقَلُوا فَقالُوا ”هو شاعِرٌ“ أيْ كَلامُهُ شِعْرٌ، فَحَرْفُ ”بَلْ“ الثّالِثَةِ إضْرابٌ مِنهم عَنْ كَلامِهِمْ، وذَلِكَ مُؤْذِنٌ بِاضْطِرابِهِمْ، وهَذا الِاضْطِرابُ ناشِئٌ عَنْ تَرَدُّدِهِمْ مِمّا يَنْتَحِلُونَهُ مِنَ الِاعْتِلالِ عَنِ القُرْآنِ. وذَلِكَ شَأْنُ المُبْطِلِ المُباهِتِ أنْ يَتَرَدَّدَ في حُجَّتِهِ كَما قِيلَ: الباطِلُ لَجْلَجٌ، أيْ مُلْتَبِسٌ مُتَرَدَّدٌ فِيهِ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ”بَلْ“ الثّانِيَةُ والثّالِثَةُ مِثْلَ ”بَلْ“ الأُولى لِلِانْتِقالِ في حِكايَةِ أقْوالِهِمْ. والتَّقْدِيرُ: بَلْ قالُوا: افْتَراهُ، بَلْ قالُوا: هو شاعِرٌ، وحُذِفَ فِعْلُ القَوْلِ لِدَلالَةِ القَوْلِ الأوَّلِ عَلَيْهِما، وعَلى هَذا الوَجْهِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَحْكِيُّ كَلامَ جَماعاتٍ مِنَ المُشْرِكِينَ انْتَحَلَتْ كُلُّ جَماعَةٍ اعْتِلالًا.

والأضْغاثُ: جَمْعُ ضِغْثٍ بِكَسْرِ الضّادِ، وهو الحِزْمَةُ مِن أعْوادٍ أوْ عُشْبٍ أوْ حَشِيشٍ مُخْتَلِطٍ، ثُمَّ أُطْلِقَ عَلى الأخْلاطِ مُطْلَقًا كَما في سُورَةِ يُوسُفَ ﴿قالُوا أضْغاثُ أحْلامٍ﴾ أرادُوا أنَّ ما يُخْبِرُكم بِهِ مِن أنَّهُ أُوحِيَ إلَيْهِ ومِن أخْبارِ البَعْثِ والحِسابِ ويَوْمِ القِيامَةِ هو أحْلامٌ يَراها.

وفَرَّعُوا عَلى تَرَدُّدِهِمْ أوْ فَرَّعَ كُلُّ فَرِيقٍ عَلى مَقالَتِهِ نَتِيجَةً واحِدَةً، وهي المُطالَبَةُ أنْ يَأْتِيَهم بِمُعْجِزَةٍ تَدُلُّ عَلى صِدْقِهِ غَيْرِ هَذا القُرْآنِ مِن نَوْعِ ما يُحْكى عَنِ الرُّسُلِ السّابِقِينَ أنَّهم أتَوْا بِهِ مِثْلَ انْقِلابِ العَصا حَيَّةً. ومِنَ البُهْتانِ أنْ يَسْألُوا الإتْيانَ بِآيَةٍ يَكُونُ الِادِّعاءُ بِأنَّها سَحْرٌ أرْوَجَ في مِثْلِها، فَإنَّ مِن أشْهَرِ أعْمالِ السَّحَرَةِ إظْهارَ ما يَبْدُو أنَّهُ خارِقٌ عادَةً، وقَدِيمًا قالَ آلُ فِرْعَوْنَ في مُعْجِزاتِ مُوسى: إنَّها سِحْرٌ، بِخِلافِ آيَةِ إعْجازِ القُرْآنِ.

ودَخَلَتْ لامُ الأمْرِ عَلى فِعْلِ الغائِبِ لِمَعْنى إبْلاغِ الأمْرِ إلَيْهِ، أيْ فَقُولُوا لَهُ: ائْتِنا بِآيَةٍ. والتَّشْبِيهُ في قَوْلِهِ: ﴿كَما أُرْسِلَ الأوَّلُونَ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ ”يَأْتِنا“ أيْ: حالَةُ كَوْنِ هَذا البَشَرِ حِينَ يَأْتِي بِالآيَةِ يُشْبِهُ

صفحة ١٧

رِسالَتَهُ رِسالَةَ الأوَّلِينَ، والمُشَبَّهُ ذاتٌ والمُشَبَّهُ بِهِ مَعْنى الرِّسالَةِ، وذَلِكَ واسِعٌ في كَلامِ العَرَبِ. قالَ النّابِغَةُ:

وقَدْ خِفْتُ حَتّى ما تَزِيدُ مَخافَتِي عَلى وعِلٍ مِن ذِي المَطارَةِ عاقِلِ

أيْ عَلى مَخافَةِ وعِلٍ، أوْ حالَةِ كَوْنِ الآيَةِ كَما أُرْسِلَ الأوَّلُونَ، أيْ بِهِ.

21:6Page 322

مَآ ءَامَنَتۡ قَبۡلَهُم مِّن قَرۡيَةٍ أَهۡلَكۡنَٰهَآۖ أَفَهُمۡ يُؤۡمِنُونَ ٦

Not a [single] city which We destroyed believed before them,1 so will they believe?

﴿ما آمَنَتْ قَبْلَهم مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها أفَهم يُؤْمِنُونَ﴾

اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ جَوابًا عَلى قَوْلِهِمْ: ﴿كَما أُرْسِلَ الأوَّلُونَ﴾ [الأنبياء: ٥]، والمَعْنى: أنَّ الأُمَمَ الَّتِي أُرْسِلَ إلَيْها الأوَّلُونَ ما أغْنَتْ فِيهِمُ الآياتُ الَّتِي جاءَتْهم كَما ودِدْتُمْ أنْ تَكُونَ لَكم مِثْلُها فَما آمَنُوا، ولِذَلِكَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الإهْلاكُ، فَشَأْنُكم أيُّها المُشْرِكُونَ كَشَأْنِهِمْ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما مَنَعَنا أنْ نُرْسِلَ بِالآياتِ إلّا أنْ كَذَّبَ بِها الأوَّلُونَ﴾ [الإسراء: ٥٩] في سُورَةِ الإسْراءِ.

وإنَّما أمْسَكَ اللَّهُ الآياتِ الخَوارِقَ عَنْ مُشْرِكِي مَكَّةَ؛ لِأنَّهُ أرادَ اسْتِبْقاءَهم لِيَكُونَ مِنهم مُؤْمِنُونَ وتَكُونَ ذُرِّيّاتُهم حَمَلَةَ هَذا الدِّينِ في العالَمِ، ولَوْ أُرْسِلَتْ عَلَيْهِمُ الآياتُ البَيِّنَةُ لَكانَتْ سُنَّةُ اللَّهِ أنْ يَعْقُبَها عَذابُ الِاسْتِئْصالِ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها.

و”ما“ نافِيةٌ. و”مِن“ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن قَرْيَةٍ﴾ [الأعراف: ٤] مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ المُسْتَفادِ مِن حَرْفِ ”ما“ . ومُتَعَلِّقُ ”آمَنَتْ“ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ السِّياقُ، أيْ ما آمَنَتْ بِالآياتِ قَرْيَةٌ. وجُمْلَةُ ”أهْلَكْناها“ صِفَةٌ لِـ ”قَرْيَةٍ“ ورَدَتْ مُسْتَطْرَدَةً لِلتَّعْرِيضِ بِالوَعِيدِ بِأنَّ المُشْرِكِينَ أيْضًا يَتَرَقَّبُونَ الإهْلاكَ.

صفحة ١٨

وذُكِرَتِ القَرْيَةُ هُنا مُرادًا بِها أهْلُها لِيُبْنى عَلَيْها الوَصْفُ بِإهْلاكِها؛ لِأنَّ الإهْلاكَ أصابَ أهْلَ القُرى وقُراهم، فَلِذَلِكَ قِيلَ: ”أهْلَكْناها“ دُونَ ”أهْلَكْناهم“ كَما في سُورَةِ الكَهْفِ: ﴿وتِلْكَ القُرى أهْلَكْناهُمْ﴾ [الكهف: ٥٩] . وفُرِّعَتْ جُمْلَةُ ”أفَهم يُؤْمِنُونَ“ عَلى جُمْلَةِ ﴿ما آمَنَتْ قَبْلَهم مِن قَرْيَةٍ﴾ مُقْتَرِنَةً بِاسْتِفْهامِ الإنْكارِ، أيْ فَهم لا يُؤْمِنُونَ لَوْ أتَيْناهم بِآيَةٍ كَما اقْتَرَحُوا كَما لَمْ يُؤَمِنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمُ الَّذِينَ جَعَلُوهم مِثالًا في قَوْلِهِمْ: ﴿كَما أُرْسِلَ الأوَّلُونَ﴾ [الأنبياء: ٥] وهَذا أخْذٌ لَهم بِلازِمِ قَوْلِهِمْ.

21:7Page 322

وَمَآ أَرۡسَلۡنَا قَبۡلَكَ إِلَّا رِجَالٗا نُّوحِيٓ إِلَيۡهِمۡۖ فَسۡـَٔلُوٓاْ أَهۡلَ ٱلذِّكۡرِ إِن كُنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ ٧

And We sent not before you, [O Muḥammad], except men to whom We revealed [the message], so ask the people of the message [i.e., former scriptures] if you do not know.

﴿وما أرْسَلْنا قَبْلَكَ إلّا رِجالًا يُوحى إلَيْهِمْ فاسْألُوا أهْلَ الذِّكْرِ إنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾

عَطْفُ جَوابٍ عَلى جَوابٍ. والمَقْصُودُ مِن هَذا إبْطالُ مَقْصُودِهِمْ مِن قَوْلِهِمْ: ﴿هَلْ هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ [الأنبياء: ٣] إذْ أرادُوا أنَّهُ لَيْسَ بِأهْلٍ لِلِامْتِيازِ عَنْهم بِالرِّسالَةِ عَنِ اللَّهِ تَعالى، فَبَيَّنَ خَطَأهم في اسْتِدْلالِهِمْ بِأنَّ الرُّسُلَ الأوَّلِينَ الَّذِينَ اعْتَرَفُوا بِرِسالَتِهِمْ ما كانُوا إلّا بَشَرًا، وأنَّ الرِّسالَةَ لَيْسَتْ إلّا وحْيًا مِنَ اللَّهِ لِمَنِ اخْتارَهُ مِنَ البَشَرِ.

وقَوْلُهُ: ”إلّا رِجالًا“ يَقْتَضِي أنْ لَيْسَ في النِّساءِ رُسُلًا وهَذا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ. وإنَّما الخِلافُ في نُبُوءَةِ النِّساءِ مِثْلِ مَرْيَمَ أُخْتِ مُوسى ومَرْيَمَ أُمِّ عِيسى. ثُمَّ عَرَّضَ بِجَهْلِهِمْ وفَضَحَ خَطَأهم، فَأمَرَهم أنْ يَسْألُوا أهْلَ الذِّكْرِ، أيِ العِلْمِ بِالكُتُبِ والشَّرائِعِ السّالِفَةِ مِنَ الأحْبارِ والرُّهْبانِ، وجُمْلَةُ ﴿فاسْألُوا أهْلَ الذِّكْرِ﴾ إلَخْ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ الجُمَلِ المُتَعاطِفَةِ. وتَوْجِيهُ الخِطابِ لَهم بَعْدَ كَوْنِ الكَلامِ جَرى عَلى أُسْلُوبِ الغَيْبَةِ التِفاتٌ، ونُكْتَتُهُ أنَّ الكَلامَ لَمّا كانَ في بَيانِ الحَقائِقِ الواقِعَةِ أعْرَضَ

صفحة ١٩

عَنْهم في تَقْرِيرِهِ، وجُعِلَ مِنَ الكَلامِ المُوَجَّهِ إلى كُلِّ سامِعٍ، وجُعِلُوا فِيهِ مُعَبَّرًا عَنْهم بِضَمائِرِ الغَيْبَةِ، ولَمّا أُرِيدَ تَجْهِيلُهم وإلْجاؤُهم إلى الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ غُيِّرَ الكَلامُ إلى الخِطابِ؛ تَسْجِيلًا عَلَيْهِمْ وتَقْرِيعًا لَهم بِتَجْهِيلِهِمْ.

21:8Page 322

وَمَا جَعَلۡنَٰهُمۡ جَسَدٗا لَّا يَأۡكُلُونَ ٱلطَّعَامَ وَمَا كَانُواْ خَٰلِدِينَ ٨

And We did not make them [i.e., the prophets] forms not eating food,1 nor were they immortal [on earth].

﴿وما جَعَلْناهم جَسَدًا لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ وما كانُوا خالِدِينَ﴾

الجَسَدُ: الجِسْمُ الَّذِي لا حَياةَ فِيهِ، وهو يُرادِفُ الجُثَّةَ. هَذا قَوْلُ المُحَقِّقِينَ مِن أئِمَّةِ اللُّغَةِ مِثْلِ أبِي إسْحاقَ الزَّجّاجِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأخْرَجَ لَهم عِجْلًا جَسَدًا﴾ [طه: ٨٨] . وقَدْ تَقَدَّمَ هُناكَ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ فَتَنّا سُلَيْمانَ وألْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾ [ص: ٣٤] . قِيلَ هو شِقُّ غُلامٍ لا رُوحَ فِيهِ، ولَدَتْهُ إحْدى نِسائِهِ، أيْ ما جَعَلْناهم أجْرامًا غَيْرَ مُنْبَثَّةٍ فِيها الأرْواحُ بِحَيْثُ تَنْتَفِي عَنْهم صِفاتُ البَشَرِ الَّتِي خاصَّتُها أكْلُ الطَّعامِ، وهَذا رَدٌّ لِما يَقُولُونَهُ: ﴿ما لِهَذا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ﴾ [الفرقان: ٧] مَعَ قَوْلِهِمْ هُنا: ﴿هَلْ هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ [الأنبياء: ٣] .

وذِكْرُ الجَسَدِ يُفِيدُ التَّهَكُّمَ بِالمُشْرِكِينَ؛ لِأنَّهم لَمّا قالُوا: ﴿ما لِهَذا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ﴾ [الفرقان: ٧]، وسَألُوا أنْ يَأْتِيَ بِما أُرْسِلَ بِهِ الأوَّلُونَ - كانَ مُقْتَضى أقْوالِهِمْ أنَّ الرُّسُلَ الأوَّلِينَ كانُوا في صُوَرِ الآدَمِيِّينَ لَكِنَّهم لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ، وأكْلُ الطَّعامِ مِن لَوازِمِ الحَياةِ، فَلَزِمَهم لَمّا قالُوا: ما لِهَذا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ أنْ يَكُونُوا قائِلِينَ بِأنَّ شَأْنَ الرُّسُلِ أنْ يَكُونُوا أجْسادًا بِلا أرْواحٍ، وهَذا مِنَ السَّخافَةِ بِمَكانَةٍ. وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وما كانُوا خالِدِينَ﴾ فَهو زِيادَةُ اسْتِدْلالٍ لِتَحْقِيقِ بَشَرِيَّتِهِمُ اسْتِدْلالًا بِما هو واقِعٌ مِن عَدَمِ كَفاءَةِ أُولَئِكَ الرُّسُلِ كَما هو مَعْلُومٌ بِالمُشاهَدَةِ، لِقَطْعِ مَعاذِيرِ الضّالِّينَ، فَإنْ زَعَمُوا أنْ قَدْ كانَ الرُّسُلُ

صفحة ٢٠

الأوَّلُونَ مُخالِفِينَ لِلْبَشَرِ فَماذا يَصْنَعُونَ في لَحاقِ الفَناءِ إيّاهم، فَهَذا وجْهُ زِيادَةِ ﴿وما كانُوا خالِدِينَ﴾ . وأُتِيَ في نَفْيِ الخُلُودِ عَنْهم بِصِيغَةِ ”ما كانُوا“ تَحْقِيقًا لِتَمَكُّنِ عَدَمِ الخُلُودِ مِنهم.

21:9Page 322

ثُمَّ صَدَقۡنَٰهُمُ ٱلۡوَعۡدَ فَأَنجَيۡنَٰهُمۡ وَمَن نَّشَآءُ وَأَهۡلَكۡنَا ٱلۡمُسۡرِفِينَ ٩

Then1 We fulfilled for them the promise, and We saved them and whom We willed and destroyed the transgressors.

﴿ثُمَّ صَدَقْناهُمُ الوَعْدَ فَأنْجَيْناهم ومَن نَشاءُ وأهْلَكْنا المُسْرِفِينَ﴾

”ثُمَّ“ عاطِفَةُ الجُمْلَةِ عَلى الجُمَلِ السّابِقَةِ، فَهي لِلتَّرْتِيبِ الرُّتْبِيِّ. والمَعْنى: وأهَمُّ مِمّا ذُكِرَ أنّا صَدَقْناهُمُ الوَعْدَ فَأنْجَيْناهم وأهْلَكْنا الَّذِينَ كَذَّبُوهم. ومَضْمُونُ هَذا أهَمُّ في الغَرَضَيْنِ: التَّبْشِيرِ والإنْذارِ. فالتَّبْشِيرُ لِلرَّسُولِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ بِأنَّ اللَّهَ صادِقُهُ وعْدَهُ مِنَ النَّصْرِ، والإنْذارُ لِمَن ماثَلَ أقْوامَ الرُّسُلِ الأوَّلِينَ.

والمُرادُ بِالوَعْدِ وعْدُهُمُ النَّصْرَ عَلى المُكَذِّبِينَ، بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ”فَأنْجَيْناهم“ المُؤْذِنِ بِأنَّهُ وعْدُ عَذابٍ لِأقْوامِهِمْ، فالكَلامُ مَسُوقٌ مَساقَ التَّنْوِيهِ بِالرُّسُلِ الأوَّلِينَ، وهو تَعْرِيضٌ بِوَعِيدِ الَّذِينَ قالُوا: ﴿فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الأوَّلُونَ﴾ [الأنبياء: ٥] . وفي هَذا تَقْرِيعٌ لِلْمُشْرِكِينَ، أيْ إنْ كانَ أعْجَبَكم ما أتى بِهِ الأوَّلُونَ فَسَألْتُمْ مِن رَسُولِكم مِثْلَهُ، فَإنَّ حالَكم كَحالِ الَّذِينَ أُرْسِلُوا إلَيْهِمْ، فَتَرَقَّبُوا مِثْلَ ما نَزَلَ بِهِمْ ويَتَرَقَّبُ رَسُولُكم مِثْلَ ما لَقِيَ سَلَفُهُ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ فانْتَظِرُوا إنِّي مَعَكم مِنَ المُنْتَظِرِينَ﴾ [يونس: ١٠٢] في سُورَةِ يُونُسَ.

وانْتُصِبَ الوَعْدُ بِـ ”صَدَقْناهم“ عَلى التَّوَسُّعِ بِنَزْعِ حَرْفِ الجَرِّ. وأصْلُ الِاسْتِعْمالِ أنْ يُقالَ: صَدَقْناهم في الوَعْدِ؛ لِأنَّ ”صَدَقَ“ لا يَتَعَدّى

صفحة ٢١

إلّا إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ. وهَذا الحَذْفُ شائِعٌ في الكَلامِ، ومِنهُ في مِثْلِ هَذا ما في المَثَلِ: صَدَقَنِي سِنَّ بَكْرِهِ.

والإتْيانُ بِصِيغَةِ المُسْتَقْبَلِ في قَوْلِهِ تَعالى: ”مَن نَشاءُ“ احْتِباكٌ، والتَّقْدِيرُ: فَأنْجَيْناهم ومَن شِئْنا ونُنْجِي رَسُولَنا ومَن نَشاءُ مِنكم، وهو تَأْمِيلٌ لَهم أنْ يُؤْمِنُوا؛ لِأنَّ مِنَ المُكَذِّبِينَ يَوْمَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ مَن آمَنُوا فِيما بَعْدُ إلى يَوْمِ فَتْحِ مَكَّةَ، وهَذا مِن لُطْفِ اللَّهِ بِعِبادِهِ في تَرْغِيبِهِمْ في الإيمانِ؛ ولِذَلِكَ لَمْ يَقُلْ: ونُهْلِكُ المُسْرِفِينَ، بَلْ عادَ إلى صِيغَةِ المُضِيِّ الَّذِي هو حِكايَةٌ لِما حَلَّ بِالأُمَمِ السّالِفَةِ، وبَقِيَ المَقْصُودُ مِن ذِكْرِ الَّذِينَ أُهْلِكُوا وهو التَّعْرِيضُ بِالتَّهْدِيدِ والتَّحْذِيرِ أنْ يُصِيبَهم مِثْلُ ما أصابَ أُولَئِكَ مَعَ عَدَمِ التَّصْرِيحِ بِالوَعِيدِ.

والمُسْرِفُونَ: المُفْرِطُونَ في التَّكْذِيبِ بِالإصْرارِ والِاسْتِمْرارِ عَلَيْهِ حَتّى حَلَّ بِهِمُ العَذابُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском