Al-Furqan 25:1
The Criterion · Juz 18 · Page 359
تَبَارَكَ ٱلَّذِي نَزَّلَ ٱلۡفُرۡقَانَ عَلَىٰ عَبۡدِهِۦ لِيَكُونَ لِلۡعَٰلَمِينَ نَذِيرًا ١
Blessed is He who sent down the Criterion upon His Servant that he may be to the worlds a warner -
Tafsir · in Arabic
Ibn 'Ashur
Detailed
Change
Commentary on 25:1
﴿تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيرًا﴾ .
افْتِتاحٌ بَدِيعٌ لِنُدْرَةِ أمْثالِهِ في كَلامِ بُلَغاءِ العَرَبِ؛ لِأنَّ غالِبَ فَواتِحِهِمْ أنْ تَكُونَ بِالأسْماءِ مُجَرَّدَةً أوْ مُقْتَرِنَةً بِحَرْفٍ غَيْرِ مُنْفَصِلٍ، مِثْلَ قَوْلِ طَرَفَةَ:
لِخَوْلَةَ أطْلالٌ بِبُرْقَةِ ثَهْمَدِ
أوْ بِأفْعالِ المُضارَعَةِ ونَحْوِها كَقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ: (قِفا نَبْكِ) البَيْتَ، أوْ بِحُرُوفِ التَّأْكِيدِ أوْ الِاسْتِفْهامِ أوِ التَّنْبِيهِ مِثْلَ (إنَّ) و(قَدْ) والهَمْزَةُ و(هَلْ) . ومِن قَبِيلِ هَذا الِافْتِتاحِ قَوْلُ الحارِثِ بْنِ حِلِّزَةَ.
آذَنَتْنا بِبَيْنِها أسْماءُ
وقَوْلُ النّابِغَةِ:
كَتَمْتُكَ لَيْلًا بِالجَمُومَيْنِ ساهِرًا ∗∗∗ وهَمَّيْنِ هَمًّا مُسْتَكِنًّا وظاهِرا
.
وبِهَذِهِ النُّدْرَةِ يَكُونُ في طالِعِ هَذِهِ السُّورَةِ بَراعَةُ المَطْلَعِ؛ لِأنَّ النُّدْرَةَ مِنَ
صفحة ٣١٦
العِزَّةِ، والعِزَّةُ مِن مَحاسِنِ الألْفاظِ وضِدُّها الِابْتِذالُ.
وتَبارَكَ: تَعاظَمَ خَيْرُهُ وتَوَفَّرَ، والمُرادُ بِخَيْرِهِ كَمالاتُهُ وتَنَزُّهاتُهُ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ العالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤] في سُورَةِ الأعْرافِ.
والبَرَكَةُ: الخَيْرُ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنّا وبَرَكاتٍ عَلَيْكَ﴾ [هود: ٤٨] في سُورَةِ هُودٍ وعِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿تَحِيَّةً مِن عِنْدِ اللَّهِ مُبارَكَةً طَيِّبَةً﴾ [النور: ٦١] في سُورَةِ النُّورِ.
وظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقانَ﴾ أنَّهُ إخْبارٌ عَنْ عَظَمَةِ اللَّهِ وتَوَفُّرِ كَمالاتِهِ فَيَكُونُ المَقْصُودُ بِهِ التَّعْلِيمُ والإيقاظُ، ويَجُوزُ مَعَ ذَلِكَ أنْ يَكُونَ كِنايَةً عَنْ إنْشاءِ ثَناءٍ عَلى اللَّهِ تَعالى أنْشَأ اللَّهُ بِهِ ثَناءً عَلى نَفْسِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء: ١] عَلى طَرِيقَةِ الكَلامِ العَرَبِيِّ في إنْشاءِ التَّعَجُّبِ مِن صِفاتِ المُتَكَلِّمِ في مَقامِ الفَخْرِ والعَظَمَةِ، أوْ إظْهارِ غَرائِبَ صَدَرَتْ، كَقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:
ويَوْمَ عَقَرْتُ لِلْعَذارى مَطِيَّتِي ∗∗∗ فِيا عَجَبًا مِن كَوْرِها المُتَحَمِّلِ
وإنَّما يَتَعَجَّبُ مِن إقْدامِهِ عَلى أنْ جَعَلَ كَوْرَ المَطِيَّةِ يَحْمِلُهُ هو بَعْدَ عَقْرِها. ومِنهُ قَوْلُ الفِنْدِ الزِّمّانِيِّ:
أيا طَعْنَةَ ما شَيْخٍ ∗∗∗ كَبِيرٍ يَفَنٍ بالِي
يُرِيدُ طَعْنَةً طَعَنَها قِرْنَهُ.
والَّذِي نَزَّلَ الفُرْقانَ هو اللَّهُ تَعالى. وإذْ قَدْ كانَتِ الصِّلَةُ مِن خَصائِصِ اللَّهِ تَعالى كانَ الفِعْلُ كالمُسْنَدِ إلى ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: تَبارَكَتْ.
والمَوْصُولُ يُومِئُ إلى عِلَّةِ ما قَبْلَهُ، فَهو كِنايَةٌ عَنْ تَعْظِيمِ شَأْنِ الفُرْقانِ وبَرَكَتِهِ عَلى النّاسِ مِن قَوْلِهِ: ﴿لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيرًا﴾ . فَتِلْكَ مِنَّةٌ عَظِيمَةٌ تُوجِبُ الثَّناءَ عَلى اللَّهِ. وهو أيْضًا كِنايَةٌ عَنْ تَعْظِيمِ شَأْنِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
والتَّعْرِيفُ بِالمَوْصُولِ هُنا لِكَوْنِ الصِّلَةِ مِن صِفاتِ اللَّهِ في نَفْسِ الأمْرِ وعِنْدَ المُؤْمِنِينَ وإنْ كانَ الكُفّارُ يُنْكِرُونَها لَكِنَّهم يَعْرِفُونَ أنَّ الرَّسُولَ أعْلَنَها فاللَّهُ مَعْرُوفٌ بِذَلِكَ عِنْدَهم مَعْرِفَةً بِالوَجْهِ لا بِالكُنْهِ الَّذِي يُنْكِرُونَهُ.
صفحة ٣١٧
والفُرْقانُ: القُرْآنُ وهو في الأصْلِ مَصْدَرُ فَرَّقَ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿وما أنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الفُرْقانِ﴾ [الأنفال: ٤١] وقَوْلِهِ: ﴿يَجْعَلْ لَكم فُرْقانًا﴾ [الأنفال: ٢٩] . وجُعِلَ عَلَمًا بِالغَلَبَةِ عَلى القُرْآنِ؛ لِأنَّهُ فَرْقٌ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ لِما بَيَّنَ مَن دَلائِلِ الحَقِّ ودَحْضِ الباطِلِ. وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى (وأنْزَلَنا الفُرْقانَ) في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.
وإيثارُ اسْمِ الفُرْقانِ بِالذِّكْرِ هُنا لِلْإيماءِ إلى أنَّ ما سَيُذْكَرُ مِنَ الدَّلائِلِ عَلى الوَحْدانِيَّةِ وإنْزالِ القُرْآنِ دَلائِلُ قَيِّمَةٌ تُفَرِّقُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ.
ووَصْفُ النَّبِيءِ بِـ (عَبْدِهِ) تَقْرِيبٌ لَهُ وتَمْهِيدٌ لِإبْطالِ طَلَبِهِمْ مِنهُ في قَوْلِهِ: ﴿وقالُوا ما لِهَذا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ﴾ [الفرقان: ٧] الآيَةَ.
والمُرادُ بِـ (العالَمِينَ) جَمِيعُ الأُمَمِ مِنَ البَشَرِ؛ لِأنَّ العالَمَ يُطْلَقُ عَلى الجِنْسِ وعَلى النَّوْعِ وعَلى الصِّنْفِ بِحَسَبِ ما يَسْمَحُ بِهِ المَقامُ، والنِّذارَةُ لا تَكُونُ إلّا لِلْعُقَلاءِ مِمَّنْ قُصِدُوا بِالتَّكْلِيفِ. وقَدْ مَضى الكَلامُ عَلى لَفْظِ (العالَمِينَ) في سُورَةِ الفاتِحَةِ.
والنَّذِيرُ: المُخْبِرُ بِسُوءٍ يَقَعُ، وهو فَعِيلٌ بِمَعْنى مُفْعِلٌ بِصِيغَةِ اسْمِ الفاعِلِ مِثْلَ الحَكِيمِ. والِاقْتِصارُ في وصْفِ الرَّسُولِ هُنا عَلى النَّذِيرِ دُونَ البَشِيرِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وما أرْسَلْناكَ إلّا كافَّةً لِلنّاسِ بَشِيرًا ونَذِيرًا﴾ [سبإ: ٢٨]؛ لِأنَّ المَقامَ هُنا لِتَهْدِيدِ المُشْرِكِينَ؛ إذْ كَذَّبُوا بِالقُرْآنِ وبِالرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. فَكانَ مُقْتَضِيًا لِذِكْرِ النِّذارَةِ دُونَ البِشارَةِ، وفي ذَلِكَ اكْتِفاءٌ؛ لِأنَّ البِشارَةَ تَخْطُرُ بِبالِ السّامِعِ عِنْدَ ذِكْرِ النِّذارَةِ. وسَيَجِيءُ ﴿وما أرْسَلْناكَ إلّا مُبَشِّرًا ونَذِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٦] في هَذِهِ السُّورَةِ.
وفِي هَذِهِ الآيَةِ جَمَعَ بَيْنَ التَّنْوِيهِ بِشَأْنِ القُرْآنِ وأنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنَ اللَّهِ وتَنْوِيهٌ بِشَأْنِ النَّبِيءِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ورِفْعَةِ مَنزِلَتِهِ عِنْدَ اللَّهِ وعُمُومِ رِسالَتِهِ.
Page 359
24:62
إِنَّمَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَإِذَا كَانُواْ مَعَهُۥ عَلَىٰٓ أَمۡرٖ جَامِعٖ لَّمۡ يَذۡهَبُواْ حَتَّىٰ يَسۡتَـٔۡذِنُوهُۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسۡتَـٔۡذِنُونَكَ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦۚ فَإِذَا ٱسۡتَـٔۡذَنُوكَ لِبَعۡضِ شَأۡنِهِمۡ فَأۡذَن لِّمَن شِئۡتَ مِنۡهُمۡ وَٱسۡتَغۡفِرۡ لَهُمُ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٦٢
The believers are only those who believe in Allāh and His Messenger and, when they are [meeting] with him for a matter of common interest, do not depart until they have asked his permission. Indeed, those who ask your permission, [O Muḥammad] - those are the ones who believe in Allāh and His Messenger. So when they ask your permission due to something of their affairs, then give permission to whom you will among them and ask forgiveness for them of Allāh. Indeed, Allāh is Forgiving and Merciful.
24:63
لَّا تَجۡعَلُواْ دُعَآءَ ٱلرَّسُولِ بَيۡنَكُمۡ كَدُعَآءِ بَعۡضِكُم بَعۡضٗاۚ قَدۡ يَعۡلَمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمۡ لِوَاذٗاۚ فَلۡيَحۡذَرِ ٱلَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنۡ أَمۡرِهِۦٓ أَن تُصِيبَهُمۡ فِتۡنَةٌ أَوۡ يُصِيبَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٌ ٦٣
Do not make [your] calling of the Messenger among yourselves as the call of one of you to another. Already Allāh knows those of you who slip away, concealed by others. So let those beware who dissent from his [i.e., the Prophet's] order,1 lest fitnah2 strike them or a painful punishment.
24:64
أَلَآ إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ قَدۡ يَعۡلَمُ مَآ أَنتُمۡ عَلَيۡهِ وَيَوۡمَ يُرۡجَعُونَ إِلَيۡهِ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُواْۗ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمُۢ ٦٤
Unquestionably, to Allāh belongs whatever is in the heavens and earth. Already He knows that upon which you [stand]1 and [knows] the Day2 when they will be returned to Him and He will inform them of what they have done. And Allāh is Knowing of all things.
سورة الفرقان
Al-Furqan
The Criterion · Meccan · 77 ayahs
بِسۡمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ
25:1
تَبَارَكَ ٱلَّذِي نَزَّلَ ٱلۡفُرۡقَانَ عَلَىٰ عَبۡدِهِۦ لِيَكُونَ لِلۡعَٰلَمِينَ نَذِيرًا ١
Blessed is He who sent down the Criterion upon His Servant that he may be to the worlds a warner -
25:2
ٱلَّذِي لَهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَلَمۡ يَتَّخِذۡ وَلَدٗا وَلَمۡ يَكُن لَّهُۥ شَرِيكٞ فِي ٱلۡمُلۡكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيۡءٖ فَقَدَّرَهُۥ تَقۡدِيرٗا ٢
He to whom belongs the dominion of the heavens and the earth and who has not taken a son and has not had a partner in dominion and has created each thing and determined it with [precise] determination.