Al-'Ankabut 29:15
The Spider · Juz 20 · Page 398
فَأَنجَيۡنَٰهُ وَأَصۡحَٰبَ ٱلسَّفِينَةِ وَجَعَلۡنَٰهَآ ءَايَةٗ لِّلۡعَٰلَمِينَ ١٥
But We saved him and the companions of the ship, and We made it1 a sign for the worlds.
1 translator’s note
- i.e., the ship, the event or the story. ↩
Tafsir · in Arabic
Ar-Razi
Detailed
Change
Commentary on 29:14–15
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ ألْفَ سَنَةٍ إلّا خَمْسِينَ عامًا﴾ .
وجْهُ تَعَلُّقِ الآيَةِ بِما قَبْلَها هو أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا بَيَّنَ التَّكْلِيفَ، وذَكَرَ أقْسامَ المُكَلَّفِينَ، ووَعَدَ المُؤْمِنَ الصّادِقَ بِالثَّوابِ العَظِيمِ، وأوْعَدَ الكافِرَ والمُنافِقَ بِالعَذابِ الألِيمِ، وكانَ قَدْ ذَكَرَ أنَّ هَذا التَّكْلِيفَ لَيْسَ مُخْتَصًّا بِالنَّبِيِّ وأصْحابِهِ وأُمَّتِهِ حَتّى صَعُبَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ، بَلْ قَبْلَهُ كانَ كَذَلِكَ كَما قالَ تَعالى: ﴿ولَقَدْ فَتَنّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ (العَنْكَبُوتِ: ٣ ) ذَكَرَ مِن جُمْلَةِ مَن كَلَّفَ جَماعَةً، مِنهم: نُوحٌ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلامُ وقَوْمُهُ، ومِنهم إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ وغَيْرُهُما، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ ألْفَ سَنَةٍ إلّا خَمْسِينَ عامًا﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: ما الفائِدَةُ في ذِكْرِ مُدَّةٍ لُبْثِهِ ؟ نَقُولُ: كانَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلامُ يَضِيقُ صَدْرُهُ بِسَبَبِ عَدَمِ دُخُولِ الكُفّارِ في الإسْلامِ، وإصْرارِهِمْ عَلى الكُفْرِ، فَقالَ: إنَّ نُوحًا لَبِثَ ألْفَ سَنَةٍ تَقْرِيبًا في الدُّعاءِ، ولَمْ يُؤْمِن مِن قَوْمِهِ إلّا قَلِيلٌ، وصَبَرَ وما ضَجِرَ، فَأنْتَ أوْلى بِالصَّبْرِ لِقِلَّةِ مُدَّةِ لُبْثِكَ، وكَثْرَةِ عَدَدِ أُمَّتِكَ، وأيْضًا كانَ الكُفّارُ يَغْتَرُّونَ بِتَأْخِيرِ العَذابِ عَنْهم أكْثَرَ، ومَعَ ذَلِكَ ما نَجَوْا فَبِهَذا المِقْدارِ مِنَ التَّأْخِيرِ لا يَنْبَغِي أنْ يَغْتَرُّوا فَإنَّ العَذابَ يَلْحَقُهم.
صفحة ٣٨
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: الِاسْتِثْناءُ في العَدَدِ تَكَلُّمٌ بِالباقِي، فَإذا قالَ القائِلُ: لِفُلانٍ عَلَيَّ عَشَرَةٌ إلّا ثَلاثَةً، فَكَأنَّهُ قالَ عَلَيَّ سَبْعَةٌ، إذا عُلِمَ هَذا فَقَوْلُهُ: ﴿ألْفَ سَنَةٍ إلّا خَمْسِينَ عامًا﴾ كَقَوْلِهِ: تِسْعَمِائَةٍ وخَمْسِينَ سَنَةً، فَما الفائِدَةُ في العُدُولِ عَنْ هَذِهِ العِبارَةِ إلى غَيْرِها ؟ فَنَقُولُ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ فِيهِ فائِدَتانِ:
إحْداهُما: أنَّ الِاسْتِثْناءَ يَدُلُّ عَلى التَّحْقِيقِ وتَرْكَهُ قَدْ يُظَنُّ بِهِ التَّقْرِيبُ، فَإنَّ مَن قالَ: عاشَ فُلانٌ ألْفَ سَنَةٍ أيْ يُمْكِنُ أنْ يُتَوَهَّمَ أنْ يَقُولَ: ألْفُ سَنَةٍ تَقْرِيبًا لا تَحْقِيقًا، فَإذا قالَ إلّا شَهْرًا أوْ إلّا سَنَةً يَزُولُ ذَلِكَ التَّوَهُّمُ ويُفْهَمُ مِنهُ التَّحْقِيقُ.
الثّانِيَةُ: هي أنَّ ذِكْرَ لُبْثِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ في قَوْمِهِ كانَ لِبَيانِ أنَّهُ صَبَرَ كَثِيرًا، فالنَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلامُ أوْلى بِالصَّبْرِ مَعَ قِصَرِ مُدَّةِ دُعائِهِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَذِكْرُ العَدَدِ الَّذِي في أعْلى مَراتِبِ الأعْدادِ الَّتِي لَها اسْمٌ مُفْرَدٌ مَوْضُوعٌ، فَإنَّ مَراتِبَ الأعْدادَ هي الآحادُ إلى العَشَرَةِ، والعَشَراتُ إلى المِائَةِ، والمِئاتُ إلى الألْفِ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يَكُونُ التَّكْثِيرُ بِالتَّكْرِيرِ فَيُقالُ عَشَرَةُ آلافٍ، ومِائَةُ ألْفٍ، وألْفُ ألْفٍ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ بَعْضُ الأطِبّاءِ العُمُرُ الإنْسانِيُّ لا يَزِيدُ عَلى مِائَةٍ وعِشْرِينَ سَنَةً والآيَةُ تَدُلُّ عَلى خِلافِ قَوْلِهِمْ، والعَقْلُ يُوافِقُها فَإنَّ البَقاءَ عَلى التَّرْكِيبِ الَّذِي في الإنْسانِ مُمْكِنٌ لِذاتِهِ، وإلّا لَما بَقِيَ، ودَوامُ تَأْثِيرِ المُؤَثِّرِ فِيهِ مُمْكِنٌ؛ لِأنَّ المُؤَثِّرَ فِيهِ إنْ كانَ واجِبَ الوُجُودِ فَظاهِرُ الدَّوامِ، وإنْ كانَ غَيْرَهُ فَلَهُ مُؤَثِّرٌ، ويَنْتَهِي إلى الواجِبِ وهو دائِمٌ، فَتَأْثِيرُهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ دائِمًا فَإذَنْ البَقاءُ مُمْكِنٌ في ذاتِهِ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ فَلِعارِضٍ لَكِنَّ العارِضَ مُمْكِنُ العَدَمِ، وإلّا لَما بَقِيَ هَذا المِقْدارُ لِوُجُوبِ وُجُودِ العارِضِ المانِعِ، فَظَهَرَ أنَّ كَلامَهم عَلى خِلافِ العَقْلِ والنَّقْلِ. (ثُمَّ نَقُولُ) لا نِزاعَ بَيْنَنا وبَيْنَهم لِأنَّهم يَقُولُونَ: العُمُرُ الطَّبِيعِيُّ لا يَكُونُ أكْثَرَ مِن مِائَةٍ وعِشْرِينَ سَنَةً، ونَحْنُ نَقُولُ: هَذا العُمُرُ لَيْسَ طَبِيعِيًّا بَلْ هو عَطاءٌ إلَهِيٌّ، وأمّا العُمُرُ الطَّبِيعِيُّ فَلا يَدُومُ عِنْدَنا ولا لَحْظَةً، فَضْلًا عَنْ مِائَةٍ أوْ أكْثَرَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأخَذَهُمُ الطُّوفانُ وهم ظالِمُونَ﴾ .
فِيهِ إشارَةٌ إلى لَطِيفَةٍ، وهي أنَّ اللَّهَ لا يُعَذِّبُ عَلى مُجَرَّدِ وُجُودِ الظُّلْمِ وإلّا لَعَذَّبَ مَن ظَلَمَ وتابَ، فَإنَّ الظُّلْمَ وُجِدَ مِنهُ، وإنَّما يُعَذِّبُ عَلى الإصْرارِ عَلى الظُّلْمِ، فَقَوْلُهُ: ﴿وهم ظالِمُونَ﴾ يَعْنِي: أهْلَكَهم وهم عَلى ظُلْمِهِمْ، ولَوْ كانُوا تَرَكُوهُ لَما أهْلَكَهم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأنْجَيْناهُ وأصْحابَ السَّفِينَةِ وجَعَلْناها آيَةً لِلْعالَمِينَ﴾
فِي الرّاجِعِ إلَيْهِ الهاءُ في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْناها﴾ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّها راجِعَةٌ إلى السَّفِينَةِ المَذْكُورَةِ، وعَلى هَذا فَفي كَوْنِها آيَةً وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّها اتُّخِذَتْ قَبْلَ ظُهُورِ الماءِ ولَوْلا إعْلامُ اللَّهِ نُوحًا وإنْباؤُهُ إيّاهُ بِهِ لَما اشْتَغَلَ بِها فَلا تَحْصُلُ لَهُمُ النَّجاةُ.
وثانِيها: أنَّ نُوحًا أُمِرَ بِأخْذِ قَوْمٍ مَعَهُ، ورَفْعِ قَدْرٍ مِنَ القُوتِ، والبَحْرُ العَظِيمُ لا يَتَوَقَّعُ أحَدٌ نُضُوبَهُ، ثُمَّ إنَّ الماءَ غِيضَ قَبْلَ نَفادِ الزّادِ ولَوْلا ذَلِكَ لَما حَصَلَ النَّجاةُ فَهو بِفَضْلِ اللَّهِ لا بِمُجَرَّدِ السَّفِينَةِ.
وثالِثُها: أنَّ اللَّهَ تَعالى كَتَبَ سَلامَةَ السَّفِينَةِ عَنِ الرِّياحِ المُرْجِفَةِ والحَيَواناتِ المُؤْذِيَةِ، ولَوْلا ذَلِكَ لَما حَصَلَتِ النَّجاةُ.
والثّانِي: أنَّها راجِعَةٌ إلى الواقِعَةِ أوْ إلى النَّجاةِ أيْ جَعَلْنا الواقِعَةَ أوِ النَّجاةَ آيَةً لِلْعالَمِينَ.
Page 398
29:15
فَأَنجَيۡنَٰهُ وَأَصۡحَٰبَ ٱلسَّفِينَةِ وَجَعَلۡنَٰهَآ ءَايَةٗ لِّلۡعَٰلَمِينَ ١٥
But We saved him and the companions of the ship, and We made it1 a sign for the worlds.
1 translator’s note
- i.e., the ship, the event or the story. ↩
29:16
وَإِبۡرَٰهِيمَ إِذۡ قَالَ لِقَوۡمِهِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱتَّقُوهُۖ ذَٰلِكُمۡ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ١٦
And [We sent] Abraham, when he said to his people, "Worship Allāh and fear Him. That is best for you, if you should know.
29:17
إِنَّمَا تَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوۡثَٰنٗا وَتَخۡلُقُونَ إِفۡكًاۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ تَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَا يَمۡلِكُونَ لَكُمۡ رِزۡقٗا فَٱبۡتَغُواْ عِندَ ٱللَّهِ ٱلرِّزۡقَ وَٱعۡبُدُوهُ وَٱشۡكُرُواْ لَهُۥٓۖ إِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ ١٧
You only worship, besides Allāh, idols, and you produce a falsehood. Indeed, those you worship besides Allāh do not possess for you [the power of] provision. So seek from Allāh provision and worship Him and be grateful to Him. To Him you will be returned."
29:18
وَإِن تُكَذِّبُواْ فَقَدۡ كَذَّبَ أُمَمٞ مِّن قَبۡلِكُمۡۖ وَمَا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلَّا ٱلۡبَلَٰغُ ٱلۡمُبِينُ ١٨
And if you [people] deny [the message] - already nations before you have denied. And there is not upon the Messenger except [the duty of] clear notification.1
1 translator’s note
- Commentators have differed over this verse - whether it is a continuation of the words of Prophet Abraham or words of comfort given by Allāh to Prophet Muḥammad (ﷺ), which according to context seems more likely. ↩
29:19
أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ كَيۡفَ يُبۡدِئُ ٱللَّهُ ٱلۡخَلۡقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥٓۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٞ ١٩
Have they not considered how Allāh begins creation and then repeats it? Indeed that, for Allāh, is easy.
29:20
قُلۡ سِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَٱنظُرُواْ كَيۡفَ بَدَأَ ٱلۡخَلۡقَۚ ثُمَّ ٱللَّهُ يُنشِئُ ٱلنَّشۡأَةَ ٱلۡأٓخِرَةَۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ٢٠
Say, [O Muḥammad], "Travel through the land and observe how He began creation. Then Allāh will produce the final creation [i.e., development]. Indeed Allāh, over all things, is competent."
29:21
يُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَيَرۡحَمُ مَن يَشَآءُۖ وَإِلَيۡهِ تُقۡلَبُونَ ٢١
He punishes whom He wills and has mercy upon whom He wills, and to Him you will be returned.
29:22
وَمَآ أَنتُم بِمُعۡجِزِينَ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا فِي ٱلسَّمَآءِۖ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِن وَلِيّٖ وَلَا نَصِيرٖ ٢٢
And you will not cause failure [to Allāh] upon the earth or in the heaven. And you have not other than Allāh any protector or any helper.
29:23
وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَلِقَآئِهِۦٓ أُوْلَٰٓئِكَ يَئِسُواْ مِن رَّحۡمَتِي وَأُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ٢٣
And the ones who disbelieve in the signs of Allāh and the meeting with Him - those have despaired of My mercy, and they will have a painful punishment.