Ar-RaziAl-'Ankabut · 29:10–17

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

Al-'Ankabut 29:10–17

29:10–11Page 397

وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ فَإِذَآ أُوذِيَ فِي ٱللَّهِ جَعَلَ فِتۡنَةَ ٱلنَّاسِ كَعَذَابِ ٱللَّهِۖ وَلَئِن جَآءَ نَصۡرٞ مِّن رَّبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمۡۚ أَوَلَيۡسَ ٱللَّهُ بِأَعۡلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ ٱلۡعَٰلَمِينَ ١٠

And of the people are some who say, "We believe in Allāh," but when one [of them] is harmed for [the cause of] Allāh, he considers the trial [i.e., harm] of the people as [if it were] the punishment of Allāh. But if victory comes from your Lord, they say, "Indeed, We were with you." Is not Allāh most knowing of what is within the breasts of the worlds [i.e., all creatures]?

وَلَيَعۡلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَيَعۡلَمَنَّ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ ١١

And Allāh will surely make evident those who believe, and He will surely make evident the hypocrites.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللَّهِ فَإذا أُوذِيَ في اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النّاسِ كَعَذابِ اللَّهِ ولَئِنْ جاءَ نَصْرٌ مِن رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إنّا كُنّا مَعَكم أوَلَيْسَ اللَّهُ بِأعْلَمَ بِما في صُدُورِ العالَمِينَ﴾ ﴿ولَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا ولَيَعْلَمَنَّ المُنافِقِينَ﴾

نَقُولُ أقْسامُ المُكَلَّفِينَ ثَلاثَةٌ: مُؤْمِنٌ ظاهِرٌ بِحُسْنٍ اعْتِقادِهِ، وكافِرٌ مُجاهِرٌ بِكُفْرِهِ وعِنادِهِ، ومُذَبْذَبٌ بَيْنَهُما يُظْهِرُ الإيمانَ بِلِسانِهِ ويُضْمِرُ الكُفْرَ في فُؤادِهِ، واللَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ القِسْمَيْنِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا ولَيَعْلَمَنَّ الكاذِبِينَ﴾ (العَنْكَبُوتِ: ٣ ) وبَيَّنَ أحْوالَهُما بِقَوْلِهِ: ﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ بَيَّنَ القِسْمَ الثّالِثَ وقالَ: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللَّهِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ آمَنّا﴾ ولَمْ يَقُلْ آمَنتُ مَعَ أنَّهُ وحَّدَ الأفْعالَ الَّتِي بَعْدَهُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإذا أُوذِيَ في اللَّهِ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿جَعَلَ فِتْنَةَ النّاسِ﴾؛ وذَلِكَ لِأنَّ المُنافِقَ كانَ يُشَبِّهُ نَفْسَهُ بِالمُؤْمِنِ، ويَقُولُ إيمانِي كَإيمانِكَ فَقالَ: ﴿آمَنّا﴾ يَعْنِي أنا والمُؤْمِنُ حَقًّا آمَنّا، إشْعارًا بِأنَّ إيمانَهُ كَإيمانِهِ، وهَذا كَما أنَّ الجَبانَ الضَّعِيفَ إذا خَرَجَ مَعَ الأبْطالِ في القِتالِ وهَزَمُوا خُصُومَهم، يَقُولُ الجَبانُ: خَرَجْنا وقاتَلْناهم وهَزَمْناهم، فَيَصِحُّ مِنَ السّامِعِ لِكَلامِهِ أنْ يَقُولَ: وماذا كُنْتَ أنْتَ فِيهِمْ حَتّى تَقُولَ خَرَجْنا وقاتَلْنا ؟ وهَذا الرَّدُّ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ يَفْهَمُ مِن كَلامِهِ أنَّ خُرُوجَهُ وقِتالَهُ كَخُرُوجِهِمْ وقِتالِهِمْ؛ لِأنَّهُ لا يَصِحُّ الإنْكارُ عَلَيْهِ في دَعْوى نَفْسِ الخُرُوجِ والقِتالِ، وكَذا قَوْلُ القائِلِ أنا والمَلِكُ ألْفَيْنا فُلانًا واسْتَقْبَلْناهُ يُنْكَرُ؛ لِأنَّ المَفْهُومَ مِنهُ المُساواةُ فَهم لَمّا أرادُوا إظْهارَ كَوْنِ إيمانِهِمْ كَإيمانِ المُحِقِّينَ كانَ الواحِدُ يَقُولُ: ﴿آمَنّا﴾ أيْ أنا والمُحِقُّ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿فَإذا أُوذِيَ في اللَّهِ﴾ هو في مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وأُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وأُوذُوا في سَبِيلِي﴾ (آلِ عِمْرانَ: ١٩٥) غَيْرَ أنَّ المُرادَ بِتِلْكَ الآيَةِ الصّابِرُونَ عَلى أذِيَّةِ الكافِرِينَ، والمُرادُ هَهُنا الَّذِينَ لَمْ يَصْبِرُوا عَلَيْها فَقالَ هُناكَ: ﴿وأُوذُوا في سَبِيلِي﴾ (آلِ عِمْرانَ: ١٩٥ ) وقالَ هَهُنا: ﴿أُوذِيَ في اللَّهِ﴾ ولَمْ يَقُلْ في سَبِيلِ اللَّهِ، واللَّطِيفَةُ فِيهِ أنَّ اللَّهَ أرادَ بَيانَ شَرَفِ المُؤْمِنِ الصّابِرِ، وخِسَّةَ المُنافِقِ الكافِرِ فَقالَ هُناكَ أُوذِيَ المُؤْمِنُ في سَبِيلِ اللَّهِ؛ لِيَتْرُكَ سَبِيلَهُ ولَمْ يَتْرُكْهُ، وأُوذِيَ المُنافِقُ الكافِرُ فَتَرَكَ اللَّهَ بِنَفْسِهِ، وكانَ يُمْكِنُهُ أنْ يُظْهِرَ مُوافَقَتَهم إنْ بَلَغَ الإيذاءُ إلى حَدِّ الإكْراهِ، ويَكُونُ قَلْبُهُ مُطْمَئِنًا بِالإيمانِ فَلا يَتْرُكُ اللَّهَ، ومَعَ هَذا لَمْ يَفْعَلْهُ بَلْ تَرَكَ اللَّهَ بِالكُلِّيَّةِ، والمُؤْمِنُ أُوذِيَ ولَمْ يَتْرُكْ

صفحة ٣٥

سَبِيلَ اللَّهِ بَلْ أظْهَرَ كَلِمَتَيِ الشَّهادَةِ وصَبَرَ عَلى الطّاعَةِ والعِبادَةِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿جَعَلَ فِتْنَةَ النّاسِ كَعَذابِ اللَّهِ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: جَعَلَ فِتْنَةَ النّاسِ صارِفَةً عَنِ الإيمانِ كَما أنَّ عَذابَ اللَّهِ صارِفٌ عَنِ الكُفْرِ، وقِيلَ جَزِعُوا مِن عَذابِ النّاسِ كَما جَزِعُوا مِن عَذابِ اللَّهِ، وبِالجُمْلَةِ مَعْناهُ أنَّهم جَعَلُوا فِتْنَةَ النّاسِ مَعَ ضَعْفِها وانْقِطاعِها كَعَذابِ اللَّهِ الألِيمِ الدّائِمِ، حَتّى تَرَدَّدُوا في الأمْرِ، وقالُوا: إنْ آمَنّا نَتَعَرَّضُ لِلتَّأذِّي مِنَ النّاسِ، وإنْ تَرَكْنا الإيمانَ نَتَعَرَّضُ لِما تَوَعَّدَنا بِهِ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، واخْتارُوا الِاحْتِرازَ عَنِ التَّأذِّي العاجِلِ، ولا يَكُونُ التَّرَدُّدُ إلّا عِنْدَ التَّساوِي، ومِن أيْنَ إلى أيْنَ تَعْذِيبُ النّاسِ لا يَكُونُ شَدِيدًا ولا يَكُونُ مَدِيدًا؛ لِأنَّ العَذابَ إنْ كانَ شَدِيدًا كَعَذابِ النّارِ وغَيْرِهِ يَمُوتُ الإنْسانُ في الحالِ فَلا يَدُومُ التَّعْذِيبُ، وإنْ كانَ مَدِيدًا كالحَبْسِ والحَصْرِ لا يَكُونُ شَدِيدًا، وعَذابُ اللَّهِ شَدِيدٌ وزَمانُهُ مَدِيدٌ، وأيْضًا عَذابُ النّاسِ لَهُ دافِعٌ وعَذابُ اللَّهِ ما لَهُ مِن دافِعٍ، وأيْضًا عَذابُ النّاسِ عَلَيْهِ ثَوابٌ عَظِيمٌ، وعَذابُ اللَّهِ بَعْدَهُ عَذابٌ ألِيمٌ، والمَشَقَّةُ إذا كانَتْ مُسْتَعْقِبَةً لِلرّاحَةِ العَظِيمَةِ تَطِيبُ ولا تُعَدُّ عَذابًا كَما تُقْطَعُ السِّلْعَةُ المُؤْذِيَةُ ولا تُعَدُّ عَذابًا.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ: ﴿فِتْنَةَ النّاسِ﴾ ولَمْ يَقُلْ: عَذابَ النّاسِ؛ لِأنَّ فِعْلَ العَبْدِ ابْتِلاءٌ وامْتِحانٌ مِنَ اللَّهِ، وفِتْنَتُهُ تَسْلِيطُ بَعْضِ النّاسِ عَلى مَن أظْهَرَ كَلِمَةَ الإيمانِ لِيُؤْذِيَهُ فَتَبِينُ مُنْزِلَتُهُ كَما جَعَلَ التَّكالِيفَ ابْتِلاءً وامْتِحانًا، وهَذا إشارَةٌ إلى أنَّ الصَّبْرَ عَلى البَلِيَّةِ الصّادِرَةِ ابْتِلاءٌ وامْتِحانٌ مِنَ الإنْسانِ كالصَّبْرِ عَلى العِباداتِ.

المَسْألَةُ الخامِسَةُ: لَوْ قالَ قائِلٌ: هَذا يَقْتَضِي مَنعَ المُؤْمِنِ مِن إظْهارِ كَلِمَةِ الكُفْرِ بِالإكْراهِ؛ لَأنَّ مَن أظْهَرَ كَلِمَةَ الكُفْرِ بِالإكْراهِ احْتِرازًا عَنِ التَّعْذِيبِ العاجِلِ يَكُونُ قَدْ جَعَلَ فِتْنَةَ النّاسِ كَعَذابِ اللَّهِ، فَنَقُولُ لَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ مَن أُكْرِهَ عَلى الكُفْرِ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ، لَمْ يَجْعَلْ فِتْنَةَ النّاسِ كَعَذابِ اللَّهِ؛ لِأنَّ عَذابَ اللَّهِ يُوجِبُ تَرْكَ ما يُعَذِّبُ عَلَيْهِ ظاهِرًا وباطِنًا، وهَذا المُؤْمِنَ المُكْرَهَ لَمْ يَجْعَلْ فِتْنَةَ النّاسِ كَعَذابِ اللَّهِ، بِحَيْثُ يَتْرُكُ ما يُعَذِّبُ عَلَيْهِ ظاهِرًا وباطِنًا، بَلْ في باطِنِهِ الإيمانُ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَئِنْ جاءَ نَصْرٌ مِن رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إنّا كُنّا مَعَكُمْ﴾ يَعْنِي: دَأْبُ المُنافِقِ أنَّهُ إنْ رَأى اليَدَ لِلْكافِرِ أظْهَرَ ما أضْمَرَ، وأظْهَرَ المَعِيَّةَ وادَّعى التَّبَعِيَّةَ، وفِيهِ فَوائِدُ نَذْكُرُها في مَسائِلَ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ: ﴿ولَئِنْ جاءَ نَصْرٌ مِن رَبِّكَ﴾ ولَمْ يَقُلْ مِنَ اللَّهِ، مَعَ أنَّ ما تَقَدَّمَ كانَ كُلُّهُ بِذِكْرِ اللَّهِ كَقَوْلِهِ: ﴿أُوذِيَ في اللَّهِ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿كَعَذابِ اللَّهِ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ الرَّبَّ اسْمٌ مَدْلُولُهُ الخاصُّ بِهِ الشَّفَقَةُ والرَّحْمَةُ، واللَّهُ اسْمٌ مَدْلُولُهُ الهَيْبَةُ والعَظَمَةُ، فَعِنْدَ النَّصْرِ ذَكَرَ اللَّفْظَ الدّالَّ عَلى الرَّحْمَةِ والعاطِفَةِ، وعِنْدَ العَذابِ ذَكَرَ اللَّفْظَ الدّالَّ عَلى العَظَمَةِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لَمْ يَقُلْ ولَئِنْ جاءَكم أوْ جاءَكَ بَلْ قالَ: ﴿ولَئِنْ جاءَ نَصْرٌ مِن رَبِّكَ﴾ والنَّصْرُ لَوْ جاءَهم ما كانُوا يَقُولُونَ: ﴿إنّا كُنّا مَعَكُمْ﴾ وهَذا يَقْتَضِي أنْ يَكُونُوا قائِلِينَ: إنّا مَعَكم إذا جاءَ نَصْرٌ سَواءٌ جاءَهم أوْ جاءَ المُؤْمِنِينَ، فَنَقُولُ هَذا الكَلامَ يَقْتَضِي أنْ يَكُونُوا قائِلِينَ إنّا مَعَكم إذا جاءَ النَّصْرُ، لَكِنَّ النَّصْرَ لا يَجِيءُ إلّا لِلْمُؤْمِنِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ﴾ (الرُّومِ: ٤٧ ) ولِأنَّ غَلَبَةَ الكافِرِ عَلى المُسْلِمِ لَيْسَ بِنَصْرٍ؛ لِأنَّ النَّصْرَ ما يَكُونُ عاقِبَتُهُ سَلِيمَةً، بِدَلِيلِ أنَّ أحَدَ الجَيْشَيْنِ إنِ انْهَزَمَ في الحالِ ثُمَّ كَرَّ المُنْهَزِمُ كَرَّةً أُخْرى وهَزَمُوا الغالِبِينَ، لا يُطْلَقُ اسْمُ المَنصُورِ إلّا عَلى مَن كانَ لَهُ العاقِبَةُ، فَكَذَلِكَ المُسْلِمُ وإنْ كُسِرَ في

صفحة ٣٦

الحالِ فالعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ، فالنَّصْرُ لَهم في الحَقِيقَةِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في (لَيَقُولُنَّ) قِراءَتانِ:

إحْداهُما: الفَتْحُ حَمْلًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿مَن يَقُولُ آمَنّا﴾ يَعْنِي مَن يَقُولُ آمَنّا إذا أُوذِيَ يَتْرُكُ ذَلِكَ القَوْلَ، وإذا جاءَ النَّصْرُ يَقُولُ: إنّا كُنّا مَعَكم.

وثانِيَتُهُما: الضَّمُّ عَلى الجَمْعِ إسْنادًا لِلْقَوْلِ إلى الجَمِيعِ الَّذِينَ دَلَّ عَلَيْهِمُ المَفْهُومُ، فَإنَّ المُنافِقِينَ كانُوا جَماعَةً، ثُمَّ بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّهم أرادُوا التَّلْبِيسَ، ولا يَصِحُّ ذَلِكَ لَهم؛ لِأنَّ التَّلْبِيسَ إنَّما يَكُونُ عِنْدَما يُخالِفُ القَوْلُ القَلْبَ، فالسّامِعُ يَبْنِي الأمْرَ عَلى قَوْلِهِ ولا يَدْرِي ما في قَلْبِهِ، فَيَلْتَبِسُ الأمْرُ عَلَيْهِ، وأمّا اللَّهُ تَعالى فَهو عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ، وهو أعْلَمُ بِما في صَدْرِ الإنْسانِ مِنَ الإنْسانِ، فَلا يَلْتَبِسُ عَلَيْهِ الأمْرُ، وهَذا إشارَةٌ إلى أنَّ الِاعْتِبارَ بِما في القَلْبِ، فالمُنافِقُ الَّذِي يُظْهِرُ الإيمانَ ويُضْمِرُ الكُفْرَ كافِرٌ، والمُؤْمِنُ المُكْرَهُ الَّذِي يُظْهِرُ الكُفْرَ ويُضْمِرُ الإيمانَ مُؤْمِنٌ واللَّهُ أعْلَمُ بِما في صُدُورِ العالَمِينَ، ولَمّا بَيَّنَ أنَّهُ أعْلَمَ بِما في قُلُوبِ العالَمِينَ، بَيَّنَ أنَّهُ يَعْلَمُ المُؤْمِنَ المُحِقَّ وإنْ لَمْ يَتَكَلَّمْ، والمُنافِقَ وإنْ تَكَلَّمَ فَقالَ: ﴿ولَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا ولَيَعْلَمَنَّ المُنافِقِينَ﴾ وقَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ، لَكِنْ فِيهِ مَسْألَةٌ واحِدَةٌ وهي أنَّ اللَّهَ قالَ هُناكَ: ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ وقالَ هَهُنا: ﴿ولَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فَنَقُولُ لَمّا كانَ الذِّكْرُ هُناكَ لِلْمُؤْمِنِ والكافِرِ، والكافِرُ في قَوْلِهِ كاذِبٌ، فَإنَّهُ يَقُولُ: اللَّهُ أكْثَرُ مِن واحِدٍ، والمُؤْمِنُ في قَوْلِهِ صادِقٌ، فَإنَّهُ كانَ يَقُولُ اللَّهُ واحِدٌ، ولَمْ يَكُنْ هُناكَ ذِكْرُ مَن يُضْمِرُ خِلافَ ما يُظْهِرُ، فَكانَ الحاصِلُ هُناكَ قِسْمَيْنِ صادِقًا وكاذِبًا، وكانَ هَهُنا المُنافِقُ صادِقًا في قَوْلِهِ فَإنَّهُ كانَ يَقُولُ اللَّهُ واحِدٌ، فاعْتَبَرَ أمْرَ القَلْبِ في المُنافِقِ فَقالَ: ﴿ولَيَعْلَمَنَّ المُنافِقِينَ﴾ واعْتَبَرَ أمْرَ القَلْبِ في المُؤْمِنِ وهو التَّصْدِيقُ فَقالَ: ﴿ولَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ .

29:12Page 397

وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّبِعُواْ سَبِيلَنَا وَلۡنَحۡمِلۡ خَطَٰيَٰكُمۡ وَمَا هُم بِحَٰمِلِينَ مِنۡ خَطَٰيَٰهُم مِّن شَيۡءٍۖ إِنَّهُمۡ لَكَٰذِبُونَ ١٢

And those who disbelieve say to those who believe, "Follow our way, and we will carry your sins."1 But they will not carry anything of their sins. Indeed, they are liars.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنا ولْنَحْمِلْ خَطاياكم وما هم بِحامِلِينَ مِن خَطاياهم مِن شَيْءٍ إنَّهم لَكاذِبُونَ﴾

لَمّا بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى الفِرَقَ الثَّلاثَةَ وأحْوالَهم، وذَكَرَ أنَّ الكافِرَ يَدْعُو مَن يَقُولُ آمَنتُ إلى الكُفْرِ بِالفِتْنَةِ، وبَيَّنَ أنَّ عَذابَ اللَّهِ فَوْقَها، وكانَ الكافِرُ يَقُولُ لِلْمُؤْمِنِ تَصْبِرُ في الذُّلِّ وعَلى الإيذاءِ لِأيِّ شَيْءٍ ولِمَ لا تَدْفَعُ عَنْ نَفْسِكَ الذُّلَّ والعَذابَ بِمُوافَقَتِنا ؟ فَكانَ جَوابُ المُؤْمِنِ أنْ يَقُولَ: خَوْفًا مِن عَذابِ اللَّهِ عَلى خَطِيئَةِ مَذْهَبِكم، فَقالُوا لا خَطِيئَةَ فِيهِ، وإنْ كانَ فِيهِ خَطِيئَةٌ فَعَلَيْنا، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: (ولْنَحْمِلْ) صِيغَةُ أمْرٍ، والمَأْمُورُ غَيْرُ الأمْرِ، فَكَيْفَ يَصِحُّ أمْرُ النَّفْسِ مِنَ الشَّخْصِ ؟ فَنَقُولُ الصِّيغَةُ أمْرٌ، والمَعْنى شَرْطٌ وجَزاءٌ، أيْ إنِ اتَّبَعْتُمُونا حَمَلْنا خَطاياكم، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: هو في مَعْنى قَوْلِ مَن يُرِيدُ اجْتِماعَ أمْرَيْنِ في الوُجُودِ، فَيَقُولُ لِيَكُنْ مِنكَ العَطاءُ ولْيَكُنْ مِنِّي الدُّعاءُ، فَقَوْلُهُ: (ولْنَحْمِلْ)، أيْ لِيَكُنْ مِنّا الحَمْلُ، ولَيْسَ هو في الحَقِيقَةِ أمْرُ طَلَبٍ وإيجابٍ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ: ﴿وما هم بِحامِلِينَ مِن خَطاياهُمْ﴾ وقالَ بَعْدَ هَذا: ﴿ولَيَحْمِلُنَّ أثْقالَهم وأثْقالًا مَعَ أثْقالِهِمْ﴾

صفحة ٣٧

فَهُناكَ نَفى الحَمْلَ، وهَهُنا أثْبَتَ الحَمْلَ، فَكَيْفَ الجَمْعُ بَيْنَهُما ؟ فَنَقُولُ: قَوْلُ القائِلِ: فُلانٌ حَمَلَ عَنْ فُلانٍ يُفِيدُ أنَّ حِمْلَ فُلانٍ خَفَّ، وإذا لَمْ يَخِفَّ حِمْلُهُ فَلا يَكُونُ قَدْ حَمَلَ مِنهُ شَيْئًا، فَكَذَلِكَ هَهُنا ما هم بِحامِلِينَ مِن خَطاياهم يَعْنِي لا يَرْفَعُونَ عَنْهم خَطِيئَةً، وهم يَحْمِلُونَ أوْزارًا بِسَبَبِ إضْلالِهِمْ ويَحْمِلُونَ أوْزارًا بِسَبَبِ ضَلالَتِهِمْ، كَما قالَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«مَن سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعَلَيْهِ وِزْرُها ووِزْرُ مَن عَمِلَ بِها مِن غَيْرِ أنْ يَنْقُصَ مِن وِزْرِهِ شَيْءٌ» “ .

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الصِّيغَةُ أمْرٌ، والأمْرُ لا يَدْخُلُهُ التَّصْدِيقُ والتَّكْذِيبُ، فَكَيْفَ يُفْهَمُ قَوْلُهُ: ﴿إنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ نَقُولُ: قَدْ تَبَيَّنَ أنَّ مَعْناهُ شَرْطٌ وجَزاءٌ، فَكَأنَّهم قالُوا: إنْ تَتَّبِعُونا نَحْمِلْ خَطاياكم، وهم كَذَبُوا في هَذا فَإنَّهم لا يَحْمِلُونَ شَيْئًا.

29:13Page 397

وَلَيَحۡمِلُنَّ أَثۡقَالَهُمۡ وَأَثۡقَالٗا مَّعَ أَثۡقَالِهِمۡۖ وَلَيُسۡـَٔلُنَّ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ عَمَّا كَانُواْ يَفۡتَرُونَ ١٣

But they will surely carry their [own] burdens and [other] burdens along with their burdens,1 and they will surely be questioned on the Day of Resurrection about what they used to invent.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَيَحْمِلُنَّ أثْقالَهم وأثْقالًا مَعَ أثْقالِهِمْ ولَيُسْألُنَّ يَوْمَ القِيامَةِ عَمّا كانُوا يَفْتَرُونَ﴾

فِي الَّذِي كانُوا يَفْتَرُونَهُ يَحْتَمِلُ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ:

أحَدُها: كانَ قَوْلُهم: ﴿ولْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ﴾ صادِرًا لِاعْتِقادِهِمْ أنْ لا خَطِيئَةَ في الكُفْرِ، ثُمَّ يَوْمَ القِيامَةِ يَظْهَرُ لَهم خِلافُ ذَلِكَ، فَيُسْألُونَ عَنْ ذَلِكَ الِافْتِراءِ.

وثانِيها: أنَّ قَوْلَهم: ﴿ولْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ﴾ كانَ عَنِ اعْتِقادِ أنْ لا حَشْرَ، فَإذا جاءَ يَوْمُ القِيامَةِ ظَهَرَ لَهم خِلافُ ذَلِكَ فَيُسْألُونَ ويُقالُ لَهم: أما قُلْتُمْ أنْ لا حَشْرَ.

وثالِثُها: أنَّهم لَمّا قالُوا: إنْ تَتَّبِعُونا نَحْمِلْ يَوْمَ القِيامَةِ خَطاياكم، يُقالُ لَهم فاحْمِلُوا خَطاياهم فَلا يَحْمِلُونَ فَيُسْألُونَ، ويُقالُ لَهم: لِمَ افْتَرَيْتُمْ ؟

29:14–15Page 397

وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوۡمِهِۦ فَلَبِثَ فِيهِمۡ أَلۡفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمۡسِينَ عَامٗا فَأَخَذَهُمُ ٱلطُّوفَانُ وَهُمۡ ظَٰلِمُونَ ١٤

And We certainly sent Noah to his people, and he remained among them a thousand years minus fifty years, and the flood seized them while they were wrongdoers.

فَأَنجَيۡنَٰهُ وَأَصۡحَٰبَ ٱلسَّفِينَةِ وَجَعَلۡنَٰهَآ ءَايَةٗ لِّلۡعَٰلَمِينَ ١٥

But We saved him and the companions of the ship, and We made it1 a sign for the worlds.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ ألْفَ سَنَةٍ إلّا خَمْسِينَ عامًا﴾ .

وجْهُ تَعَلُّقِ الآيَةِ بِما قَبْلَها هو أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا بَيَّنَ التَّكْلِيفَ، وذَكَرَ أقْسامَ المُكَلَّفِينَ، ووَعَدَ المُؤْمِنَ الصّادِقَ بِالثَّوابِ العَظِيمِ، وأوْعَدَ الكافِرَ والمُنافِقَ بِالعَذابِ الألِيمِ، وكانَ قَدْ ذَكَرَ أنَّ هَذا التَّكْلِيفَ لَيْسَ مُخْتَصًّا بِالنَّبِيِّ وأصْحابِهِ وأُمَّتِهِ حَتّى صَعُبَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ، بَلْ قَبْلَهُ كانَ كَذَلِكَ كَما قالَ تَعالى: ﴿ولَقَدْ فَتَنّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ (العَنْكَبُوتِ: ٣ ) ذَكَرَ مِن جُمْلَةِ مَن كَلَّفَ جَماعَةً، مِنهم: نُوحٌ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلامُ وقَوْمُهُ، ومِنهم إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ وغَيْرُهُما، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ ألْفَ سَنَةٍ إلّا خَمْسِينَ عامًا﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: ما الفائِدَةُ في ذِكْرِ مُدَّةٍ لُبْثِهِ ؟ نَقُولُ: كانَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلامُ يَضِيقُ صَدْرُهُ بِسَبَبِ عَدَمِ دُخُولِ الكُفّارِ في الإسْلامِ، وإصْرارِهِمْ عَلى الكُفْرِ، فَقالَ: إنَّ نُوحًا لَبِثَ ألْفَ سَنَةٍ تَقْرِيبًا في الدُّعاءِ، ولَمْ يُؤْمِن مِن قَوْمِهِ إلّا قَلِيلٌ، وصَبَرَ وما ضَجِرَ، فَأنْتَ أوْلى بِالصَّبْرِ لِقِلَّةِ مُدَّةِ لُبْثِكَ، وكَثْرَةِ عَدَدِ أُمَّتِكَ، وأيْضًا كانَ الكُفّارُ يَغْتَرُّونَ بِتَأْخِيرِ العَذابِ عَنْهم أكْثَرَ، ومَعَ ذَلِكَ ما نَجَوْا فَبِهَذا المِقْدارِ مِنَ التَّأْخِيرِ لا يَنْبَغِي أنْ يَغْتَرُّوا فَإنَّ العَذابَ يَلْحَقُهم.

صفحة ٣٨

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: الِاسْتِثْناءُ في العَدَدِ تَكَلُّمٌ بِالباقِي، فَإذا قالَ القائِلُ: لِفُلانٍ عَلَيَّ عَشَرَةٌ إلّا ثَلاثَةً، فَكَأنَّهُ قالَ عَلَيَّ سَبْعَةٌ، إذا عُلِمَ هَذا فَقَوْلُهُ: ﴿ألْفَ سَنَةٍ إلّا خَمْسِينَ عامًا﴾ كَقَوْلِهِ: تِسْعَمِائَةٍ وخَمْسِينَ سَنَةً، فَما الفائِدَةُ في العُدُولِ عَنْ هَذِهِ العِبارَةِ إلى غَيْرِها ؟ فَنَقُولُ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ فِيهِ فائِدَتانِ:

إحْداهُما: أنَّ الِاسْتِثْناءَ يَدُلُّ عَلى التَّحْقِيقِ وتَرْكَهُ قَدْ يُظَنُّ بِهِ التَّقْرِيبُ، فَإنَّ مَن قالَ: عاشَ فُلانٌ ألْفَ سَنَةٍ أيْ يُمْكِنُ أنْ يُتَوَهَّمَ أنْ يَقُولَ: ألْفُ سَنَةٍ تَقْرِيبًا لا تَحْقِيقًا، فَإذا قالَ إلّا شَهْرًا أوْ إلّا سَنَةً يَزُولُ ذَلِكَ التَّوَهُّمُ ويُفْهَمُ مِنهُ التَّحْقِيقُ.

الثّانِيَةُ: هي أنَّ ذِكْرَ لُبْثِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ في قَوْمِهِ كانَ لِبَيانِ أنَّهُ صَبَرَ كَثِيرًا، فالنَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلامُ أوْلى بِالصَّبْرِ مَعَ قِصَرِ مُدَّةِ دُعائِهِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَذِكْرُ العَدَدِ الَّذِي في أعْلى مَراتِبِ الأعْدادِ الَّتِي لَها اسْمٌ مُفْرَدٌ مَوْضُوعٌ، فَإنَّ مَراتِبَ الأعْدادَ هي الآحادُ إلى العَشَرَةِ، والعَشَراتُ إلى المِائَةِ، والمِئاتُ إلى الألْفِ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يَكُونُ التَّكْثِيرُ بِالتَّكْرِيرِ فَيُقالُ عَشَرَةُ آلافٍ، ومِائَةُ ألْفٍ، وألْفُ ألْفٍ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ بَعْضُ الأطِبّاءِ العُمُرُ الإنْسانِيُّ لا يَزِيدُ عَلى مِائَةٍ وعِشْرِينَ سَنَةً والآيَةُ تَدُلُّ عَلى خِلافِ قَوْلِهِمْ، والعَقْلُ يُوافِقُها فَإنَّ البَقاءَ عَلى التَّرْكِيبِ الَّذِي في الإنْسانِ مُمْكِنٌ لِذاتِهِ، وإلّا لَما بَقِيَ، ودَوامُ تَأْثِيرِ المُؤَثِّرِ فِيهِ مُمْكِنٌ؛ لِأنَّ المُؤَثِّرَ فِيهِ إنْ كانَ واجِبَ الوُجُودِ فَظاهِرُ الدَّوامِ، وإنْ كانَ غَيْرَهُ فَلَهُ مُؤَثِّرٌ، ويَنْتَهِي إلى الواجِبِ وهو دائِمٌ، فَتَأْثِيرُهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ دائِمًا فَإذَنْ البَقاءُ مُمْكِنٌ في ذاتِهِ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ فَلِعارِضٍ لَكِنَّ العارِضَ مُمْكِنُ العَدَمِ، وإلّا لَما بَقِيَ هَذا المِقْدارُ لِوُجُوبِ وُجُودِ العارِضِ المانِعِ، فَظَهَرَ أنَّ كَلامَهم عَلى خِلافِ العَقْلِ والنَّقْلِ. (ثُمَّ نَقُولُ) لا نِزاعَ بَيْنَنا وبَيْنَهم لِأنَّهم يَقُولُونَ: العُمُرُ الطَّبِيعِيُّ لا يَكُونُ أكْثَرَ مِن مِائَةٍ وعِشْرِينَ سَنَةً، ونَحْنُ نَقُولُ: هَذا العُمُرُ لَيْسَ طَبِيعِيًّا بَلْ هو عَطاءٌ إلَهِيٌّ، وأمّا العُمُرُ الطَّبِيعِيُّ فَلا يَدُومُ عِنْدَنا ولا لَحْظَةً، فَضْلًا عَنْ مِائَةٍ أوْ أكْثَرَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأخَذَهُمُ الطُّوفانُ وهم ظالِمُونَ﴾ .

فِيهِ إشارَةٌ إلى لَطِيفَةٍ، وهي أنَّ اللَّهَ لا يُعَذِّبُ عَلى مُجَرَّدِ وُجُودِ الظُّلْمِ وإلّا لَعَذَّبَ مَن ظَلَمَ وتابَ، فَإنَّ الظُّلْمَ وُجِدَ مِنهُ، وإنَّما يُعَذِّبُ عَلى الإصْرارِ عَلى الظُّلْمِ، فَقَوْلُهُ: ﴿وهم ظالِمُونَ﴾ يَعْنِي: أهْلَكَهم وهم عَلى ظُلْمِهِمْ، ولَوْ كانُوا تَرَكُوهُ لَما أهْلَكَهم.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأنْجَيْناهُ وأصْحابَ السَّفِينَةِ وجَعَلْناها آيَةً لِلْعالَمِينَ﴾

فِي الرّاجِعِ إلَيْهِ الهاءُ في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْناها﴾ وجْهانِ:

أحَدُهُما: أنَّها راجِعَةٌ إلى السَّفِينَةِ المَذْكُورَةِ، وعَلى هَذا فَفي كَوْنِها آيَةً وُجُوهٌ:

أحَدُها: أنَّها اتُّخِذَتْ قَبْلَ ظُهُورِ الماءِ ولَوْلا إعْلامُ اللَّهِ نُوحًا وإنْباؤُهُ إيّاهُ بِهِ لَما اشْتَغَلَ بِها فَلا تَحْصُلُ لَهُمُ النَّجاةُ.

وثانِيها: أنَّ نُوحًا أُمِرَ بِأخْذِ قَوْمٍ مَعَهُ، ورَفْعِ قَدْرٍ مِنَ القُوتِ، والبَحْرُ العَظِيمُ لا يَتَوَقَّعُ أحَدٌ نُضُوبَهُ، ثُمَّ إنَّ الماءَ غِيضَ قَبْلَ نَفادِ الزّادِ ولَوْلا ذَلِكَ لَما حَصَلَ النَّجاةُ فَهو بِفَضْلِ اللَّهِ لا بِمُجَرَّدِ السَّفِينَةِ.

وثالِثُها: أنَّ اللَّهَ تَعالى كَتَبَ سَلامَةَ السَّفِينَةِ عَنِ الرِّياحِ المُرْجِفَةِ والحَيَواناتِ المُؤْذِيَةِ، ولَوْلا ذَلِكَ لَما حَصَلَتِ النَّجاةُ.

والثّانِي: أنَّها راجِعَةٌ إلى الواقِعَةِ أوْ إلى النَّجاةِ أيْ جَعَلْنا الواقِعَةَ أوِ النَّجاةَ آيَةً لِلْعالَمِينَ.

29:16Page 398

وَإِبۡرَٰهِيمَ إِذۡ قَالَ لِقَوۡمِهِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱتَّقُوهُۖ ذَٰلِكُمۡ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ١٦

And [We sent] Abraham, when he said to his people, "Worship Allāh and fear Him. That is best for you, if you should know.

صفحة ٣٩

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإبْراهِيمَ إذْ قالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ واتَّقُوهُ ذَلِكم خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ .

لَمّا فَرَغَ مِنَ الإشارَةِ إلى حِكايَةِ نُوحٍ ذَكَرَ حِكايَةَ إبْراهِيمَ وفي إبْراهِيمَ وجْهانِ مِنَ القِراءَةِ:

أحَدُهُما: النَّصْبُ وهو المَشْهُورُ.

والثّانِي: الرَّفْعُ عَلى مَعْنى: ومِنَ المُرْسَلِينَ إبْراهِيمُ.

والأوَّلُ: فِيهِ وجْهانِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ غَيْرِ مَذْكُورٍ، وهو مَعْنى: ذَكَرَ إبْراهِيمَ.

والثّانِي: أنَّهُ مَنصُوبٌ بِمَذْكُورٍ وهو قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا﴾ فَيَكُونُ كَأنَّهُ قالَ وأرْسَلْنا إبْراهِيمَ، وعَلى هَذا فَفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿إذْ قالَ لِقَوْمِهِ﴾ ظَرْفُ أرْسَلْنا أيْ أرْسَلْنا إبْراهِيمَ إذْ قالَ لِقَوْمِهِ، لَكِنَّ قَوْلَهُ: ﴿لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ دَعْوَةٌ، والإرْسالُ يَكُونُ قَبْلَ الدَّعْوَةِ فَكَيْفَ يُفْهَمُ قَوْلُهُ وأرْسَلْنا إبْراهِيمَ حِينَ قالَ لِقَوْمِهِ مَعَ أنَّهُ يَكُونُ مُرْسَلًا قَبْلَهُ ؟ نَقُولُ: الجَوابَ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: أنَّ الإرْسالَ أمْرٌ يَمْتَدُّ، فَهو حالَ قَوْلِهِ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ كانَ مُرْسَلًا، وهَذا كَما يَقُولُ القائِلُ: وقَفْنا لِلْأمِيرِ إذْ خَرَجَ مِنَ الدّارِ، وقَدْ يَكُونُ الوُقُوفُ قَبْلَ الخُرُوجِ، لَكِنْ لَمّا كانَ الوُقُوفُ مُمْتَدًّا إلى ذَلِكَ الوَقْتِ صَحَّ ذَلِكَ.

الوَجْهُ الثّانِي: هو أنَّ إبْراهِيمَ بِمُجَرَّدِ هِدايَةِ اللَّهِ إيّاهُ كانَ يَعْلَمُ فَسادَ قَوْلُ المُشْرِكِينَ، وكانَ يَهْدِيهِمْ إلى الرَّشادِ قَبْلَ الإرْسالِ، ولَمّا كانَ هو مُشْتَغِلًا بِالدُّعاءِ إلى الإسْلامِ أرْسَلَهُ اللَّهُ تَعالى، وقَوْلُهُ: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ واتَّقُوهُ﴾ إشارَةٌ إلى التَّوْحِيدِ؛ لِأنَّ التَّوْحِيدَ إثْباتُ الإلَهِ، ونَفْيُ غَيْرِهِ فَقَوْلُهُ: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ إشارَةٌ إلى الإثْباتِ، وقَوْلُهُ: ﴿واتَّقُوهُ﴾ إشارَةٌ إلى نَفْيِ الغَيْرِ؛ لِأنَّ مَن يُشْرِكُ مَعَ المَلِكِ غَيْرَهُ في مُلْكِهِ يَكُونُ قَدْ أتى بِأعْظَمِ الجَرائِمِ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ إشارَةٌ إلى الإتْيانِ بِالواجِباتِ، وقَوْلُهُ: ﴿واتَّقُوهُ﴾ إشارَةٌ إلى الِامْتِناعِ عَنِ المُحَرَّماتِ ويَدْخُلُ في الأوَّلِ الِاعْتِرافُ بِاللَّهِ، وفي الثّانِي الِامْتِناعُ مِنَ الشِّرْكِ، ثُمَّ قَوْلُهُ: ﴿ذَلِكم خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ يَعْنِي: عِبادَةُ اللَّهِ وتَقْواهُ خَيْرٌ، والأمْرُ كَذَلِكَ لِأنَّ خِلافَ عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى تَعْطِيلٌ، وخِلافَ تَقْواهُ تَشْرِيكٌ، وكِلاهُما شَرٌّ عَقْلًا واعْتِبارًا، أمّا عَقْلًا فَلِأنَّ المُمْكِنَ لا بُدَّ لَهُ مِن مُؤَثِّرٍ لا يَكُونُ مُمْكِنًا قَطْعًا لِلتَّسَلْسُلِ، وهو واجِبُ الوُجُودِ فَلا تَعْطِيلَ إذْ لَنا إلَهٌ، وأمّا التَّشْرِيكُ فَبُطْلانُهُ عَقْلًا وكَوْنُ خِلافِهِ خَيْرًا وهو أنَّ شَرِيكَ الواجِبِ إنْ لَمْ يَكُنْ واجِبًا فَكَيْفَ يَكُونُ شَرِيكًا، وإنْ كانَ واجِبًا لَزِمَ وُجُودُ واجِبَيْنِ فَيَشْتَرِكانِ في الوُجُوبِ ويَتَبايَنانِ في الإلَهِيَّةِ، وما بِهِ الِاشْتِراكُ غَيْرُ ما بِهِ الِامْتِيازُ فَيَلْزَمُ التَّرْكِيبُ فِيهِما فَلا يَكُونانِ واجِبَيْنِ لِكَوْنِهِما مُرَكَّبَيْنِ فَيَلْزَمُ التَّعْطِيلُ، وإمّا اعْتِبارًا فَلِأنَّ الشَّرَفَ لَنْ يَكُونَ مَلَكًا أوْ قَرِيبَ مَلَكٍ، لَكِنَّ الإنْسانَ لا يَكُونُ مَلَكًا لِلسَّمَواتِ والأرْضِينَ فَأعْلى دَرَجاتِهِ أنْ يَكُونَ قَرِيبَ المَلَكِ لَكِنَّ القُرْبَةَ بِالعِبادَةِ كَما قالَ تَعالى: ﴿واسْجُدْ واقْتَرِبْ﴾ (العَلَقِ: ١٩ ) وقالَ: ”«لَنْ يَتَقَرَّبَ المُتَقَرِّبُونَ إلَيَّ بِمِثْلِ أداءِ ما افْتَرَضْتُ عَلَيْهِمْ» “ وقالَ: ”«لا يَزالُ العَبْدُ يَتَقَرَّبُ بِالعِبادَةِ إلَيَّ» “ فالمُعَطِّلُ لا مَلَكٌ ولا قَرِيبُ مَلَكٍ لِعَدَمِ اعْتِقادِهِ بِمِلْكٍ فَلا مَرْتَبَةَ لَهُ أصْلًا، وأمّا التَّشْرِيكُ فَلِأنَّ مَن يَكُونُ سَيِّدُهُ لا نَظِيرَ لَهُ يَكُونُ أعْلى رُتْبَةً مِمَّنْ يَكُونُ سَيِّدُهُ لَهُ شُرَكاءُ خَسِيسَةُ، فَإذَنْ مَن يَقُولُ إنَّ رَبِّي لا يُماثِلُهُ شَيْءٌ أعْلى مَرْتَبَةً مِمَّنْ يَقُولُ سَيِّدِي صَنَمٌ مَنحُوتٌ عاجِزٌ مِثْلُهُ، فَثَبَتَ أنَّ عِبادَةَ اللَّهِ وتَقْواهُ خَيْرٌ وهو خَيْرٌ لَكم أيْ خَيْرٌ لِلنّاسِ إنْ كانُوا يَعْلَمُونَ ما ذَكَرْناهُ مِنَ الدَّلائِلِ والِاعْتِباراتِ.

29:17Page 398

إِنَّمَا تَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوۡثَٰنٗا وَتَخۡلُقُونَ إِفۡكًاۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ تَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَا يَمۡلِكُونَ لَكُمۡ رِزۡقٗا فَٱبۡتَغُواْ عِندَ ٱللَّهِ ٱلرِّزۡقَ وَٱعۡبُدُوهُ وَٱشۡكُرُواْ لَهُۥٓۖ إِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ ١٧

You only worship, besides Allāh, idols, and you produce a falsehood. Indeed, those you worship besides Allāh do not possess for you [the power of] provision. So seek from Allāh provision and worship Him and be grateful to Him. To Him you will be returned."

صفحة ٤٠

ثُمَّ قالَ تَعالى ﴿إنَّما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أوْثانًا وتَخْلُقُونَ إفْكًا﴾ .

ذَكَرَ بُطْلانَ مَذْهَبِهِمْ بِأبْلَغِ الوُجُوهِ، وذَلِكَ لِأنَّ المَعْبُودَ إنَّما يُعْبَدُ لِأحَدِ أُمُورٍ، إمّا لِكَوْنِهِ مُسْتَحِقًّا لِلْعِبادَةِ بِذاتِهِ كالعَبْدِ يَخْدُمُ سَيِّدَهُ الَّذِي اشْتَراهُ سَواءٌ أطْعَمَهُ مِنَ الجُوعِ أوْ مَنَعَهُ مِنَ الهُجُوعِ، وإمّا لِكَوْنِهِ نافِعًا في الحالِ كَمَن يَخْدُمُ غَيْرَهُ لِخَيْرٍ يُوَصِّلُهُ إلَيْهِ كالمُسْتَخْدِمِ بِأُجْرَةٍ، وإمّا لِكَوْنِهِ نافِعًا في المُسْتَقْبَلِ كَمَن يَخْدُمُ غَيْرَهُ مُتَوَقِّعًا مِنهُ أمْرًا في المُسْتَقْبَلِ، وإمّا لِكَوْنِهِ خائِفًا مِنهُ، فَقالَ إبْراهِيمُ: ﴿إنَّما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أوْثانًا﴾ إشارَةً إلى أنَّها لا تَسْتَحِقُّ العِبادَةَ لِذاتِها لِكَوْنِها أوْثانًا لا شَرَفَ لَها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكم رِزْقًا فابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ واعْبُدُوهُ واشْكُرُوا لَهُ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ .

إشارَةٌ إلى عَدَمِ المَنفَعَةِ في الحالِ وفي المَآلِ، وهَذا لِأنَّ النَّفْعَ، إمّا في الوُجُودِ وإمّا في البَقاءِ، لَكِنْ لَيْسَ مِنهم نَفْعٌ في الوُجُودِ، لِأنَّ وجُودَهم مِنكم حَيْثُ تَخْلُقُونَها وتَنْحِتُونَها، ولا نَفْعَ في البَقاءِ لِأنَّ ذَلِكَ بِالرِّزْقِ، ولَيْسَ مِنهم ذَلِكَ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ حاصِلٌ مِنَ اللَّهِ فَقالَ: ﴿فابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ﴾ فَقَوْلُهُ: ﴿اللَّهِ﴾ إشارَةٌ إلى اسْتِحْقاقِ عُبُودِيَّتِهِ لِذاتِهِ وقَوْلُهُ: ﴿الرِّزْقَ﴾ إشارَةٌ إلى حُصُولِ النَّفْعِ مِنهُ عاجِلًا وآجِلًا وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ: ﴿لا يَمْلِكُونَ لَكم رِزْقًا﴾ نَكِرَةً، وقالَ: ﴿فابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ﴾ مُعَرَّفًا فَما الفائِدَةُ ؟ فَنَقُولُ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ قالَ: ﴿لا يَمْلِكُونَ لَكم رِزْقًا﴾ نَكِرَةٌ في مَعْرِضِ النَّفْيِ أيْ لا رِزْقَ عِنْدَهم أصْلًا، وقالَ: مَعْرِفَةٌ عِنْدَ الإثْباتِ عِنْدَ اللَّهِ أيْ كُلُّ الرِّزْقِ عِنْدَهُ فاطْلُبُوهُ مِنهُ، وفِيهِ وجْهٌ آخَرُ وهو أنَّ الرِّزْقَ مِنَ اللَّهِ مَعْرُوفٌ بِقَوْلِهِ: ﴿وما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ إلّا عَلى اللَّهِ رِزْقُها﴾ (هُودٍ: ٦ ) والرِّزْقُ مِنَ الأوْثانِ غَيْرُ مَعْلُومٍ فَقالَ: ﴿لا يَمْلِكُونَ لَكم رِزْقًا﴾ لِعَدَمِ حُصُولِ العِلْمِ بِهِ وقالَ: ﴿فابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ﴾ المَوْعُودَ بِهِ، ثُمَّ قالَ: ﴿واعْبُدُوهُ﴾ أيِ اعْبُدُوهُ لِكَوْنِهِ مُسْتَحِقًّا لِلْعِبادَةِ لِذاتِهِ واشْكُرُوا لَهُ أيْ لِكَوْنِهِ سابِقَ النِّعَمِ بِالخَلْقِ وواصِلَها بِالرِّزْقِ ﴿إلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ أيِ اعْبُدُوهُ لِكَوْنِهِ مَرْجِعًا مِنهُ يُتَوَقَّعُ الخَيْرُ لا غَيْرُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском