Ar-RaziAl-'Ankabut · 29:18–23

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

Al-'Ankabut 29:18–23

29:18Page 398

وَإِن تُكَذِّبُواْ فَقَدۡ كَذَّبَ أُمَمٞ مِّن قَبۡلِكُمۡۖ وَمَا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلَّا ٱلۡبَلَٰغُ ٱلۡمُبِينُ ١٨

And if you [people] deny [the message] - already nations before you have denied. And there is not upon the Messenger except [the duty of] clear notification.1

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِن قَبْلِكم وما عَلى الرَّسُولِ إلّا البَلاغُ المُبِينُ﴾

لَمّا فَرَغَ مِن بَيانِ التَّوْحِيدِ أتى بَعْدَهُ بِالتَّهْدِيدِ فَقالَ: ﴿وإنْ تُكَذِّبُوا﴾ وفي المُخاطَبِ في هَذِهِ الآيَةِ وجْهانِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ قَوْمُ إبْراهِيمَ، والآيَةُ حِكايَةٌ عَنْ قَوْمِ إبْراهِيمَ كَأنَّ إبْراهِيمَ قالَ لِقَوْمِهِ: ﴿وإنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِن قَبْلِكُمْ﴾ وأنا أتَيْتُ بِما عَلَيَّ مِنَ التَّبْلِيغِ فَإنَّ الرَّسُولَ لَيْسَ عَلَيْهِ إلّا البَلاغُ والبَيانُ.

والثّانِي: أنَّهُ خِطابٌ مَعَ قَوْمِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، ووَجْهُهُ أنَّ الحِكاياتِ أكْثَرُها إنَّما تَكُونُ لِمَقاصِدَ لَكِنَّها تُنْسى لِطِيبِ الحِكايَةَ ولِهَذا كَثِيرًا ما يَقُولُ الحاكِي لِأيِّ شَيْءٍ حَكَيْتُ هَذِهِ الحِكايَةَ فالنَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مَقْصُودُهُ تَذْكِيرَ قَوْمِهِ بِحالِ مَن مَضى حَتّى يَمْتَنِعُوا مِنَ التَّكْذِيبِ ويَرْتَدِعُوا خَوْفًا مِنَ التَّعْذِيبِ، فَقالَ في أثْناءِ حِكايَتِهِمْ: يا قَوْمِ إنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ قَبْلَكم أقْوامٌ وأُهْلِكُوا، فَإنْ كَذَّبْتُمْ أخافُ عَلَيْكم ما جاءَ عَلى غَيْرِكم، وعَلى الوَجْهِ الأوَّلِ في الآيَةِ مَسائِلُ:

صفحة ٤١

المَسْألَةُ الأُولى: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ﴾ كَيْفَ يُفْهَمُ، مَعَ أنَّ إبْراهِيمَ لَمْ يَسْبِقْهُ إلّا قَوْمُ نُوحٍ وهم أُمَّةٌ واحِدَةٌ ؟ والجَوابُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: أنَّ قَبْلَ نُوحٍ كانَ أقْوامٌ كَقَوْمِ إدْرِيسَ، وقَوْمِ شِيثَ وآدَمَ.

والثّانِي: أنَّ نُوحًا عاشَ ألْفًا وأكْثَرَ وكانَ القَرْنُ يَمُوتُ، ويَجِيءُ أوْلادُهُ والآباءُ يُوصُونَ الأبْناءَ بِالِامْتِناعِ عَنِ الِاتِّباعِ فَكَفى بِقَوْمِ نُوحٍ أُمَمًا.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ما ﴿البَلاغُ﴾ وما ﴿المُبِينُ﴾ ؟ فَنَقُولُ: البَلاغُ هو ذِكْرُ المَسائِلِ، والإبانَةُ هي: إقامَةُ البُرْهانِ عَلَيْهِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ تَأْخِيرَ البَيانِ عَنْ وقْتِ الحاجَةِ لا يَجُوزُ لِأنَّ الرَّسُولَ إذا بَلَّغَ شَيْئًا ولَمْ يُبَيِّنْهُ فَإنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِالبَلاغِ المُبِينِ، فَلا يَكُونُ آتِيًا بِما عَلَيْهِ.

29:19Page 398

أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ كَيۡفَ يُبۡدِئُ ٱللَّهُ ٱلۡخَلۡقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥٓۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٞ ١٩

Have they not considered how Allāh begins creation and then repeats it? Indeed that, for Allāh, is easy.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إنَّ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ لَمّا بَيَّنَ الأصْلَ الأوَّلَ وهو التَّوْحِيدُ، وأشارَ إلى الأصْلِ الثّانِي وهو الرِّسالَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿وما عَلى الرَّسُولِ إلّا البَلاغُ المُبِينُ﴾ شَرَعَ في بَيانِ الأصْلِ الثّالِثِ وهو الحَشْرُ، وقَدْ ذَكَرْنا مِرارًا أنَّ الأُصُولَ الثَّلاثَةَ لا يَكادُ يَنْفَصِلُ بَعْضُها عَنْ بَعْضٍ في الذِّكْرِ الإلَهِيِّ، فَأيْنَما يَذْكُرُ اللَّهُ تَعالى مِنها اثْنَيْنِ يَذْكُرُ الثّالِثَ.

وفِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: الإنْسانُ مَتى رَأى بَدْءَ الخَلْقِ حَتّى يُقالَ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الخَلْقَ﴾ ؟ فَنَقُولُ المُرادُ: العِلْمُ الواضِحُ الَّذِي كالرُّؤْيَةِ والعاقِلُ يَعْلَمُ أنَّ البَدْءَ مِنَ اللَّهِ لِأنَّ الخَلْقَ الأوَّلَ لا يَكُونُ مِن مَخْلُوقٍ وإلّا لَمّا كانَ الخَلْقُ الأوَّلُ خَلْقًا أوَّلَ فَهو مِنَ اللَّهِ، هَذا إنْ قُلْنا: أنَّ المُرادَ إثْباتُ نَفْسِ الخَلْقِ، وإنْ قُلْنا إنَّ المُرادَ بِالبَدْءِ خَلْقُ الآدَمِيِّ أوَّلًا، وبِالإعادَةِ خَلْقُهُ ثانِيًا، فَنَقُولُ: العاقِلُ لا يَخْفى عَلَيْهِ أنَّ خالِقَ نَفْسِهِ لَيْسَ إلّا قادِرٌ حَكِيمٌ يُصَوِّرُ الأوْلادَ في الأرْحامِ، ويَخْلُقُهُ مِن نُطْفَةٍ في غايَةِ الإتْقانِ والإحْكامِ، فَذَلِكَ الَّذِي خُلِقَ أوَّلًا مَعْلُومٌ ظاهِرٌ فَأُطْلِقَ عَلى ذَلِكَ العِلْمِ لَفْظُ الرُّؤْيَةِ، وقالَ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا﴾ أيْ ألَمْ يَعْلَمُوا عِلْمًا ظاهِرًا واضِحًا ﴿كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الخَلْقَ﴾ يَخْلُقُهُ مِن تُرابٍ يَجْمَعُهُ فَكَذَلِكَ يَجْمَعُ أجْزاءَهُ مِنَ التُّرابِ يَنْفُخُ فِيهِ رُوحَهُ، بَلْ هو أسْهَلُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْكم، فَإنَّ مَن نَحَتَ حِجاراتٍ ووَضَعَ شَيْئًا بِجَنْبِ شَيْءٍ فَفَرَّقَهُ أمْرٌ ما فَإنَّهُ يَقُولُ: وضْعُهُ شَيْئًا بِجَنْبِ شَيْءٍ في هَذِهِ النَّوْبَةِ أسْهَلُ عَلَيَّ لِأنَّ الحِجاراتِ مَنحُوتَةٌ، ومَعْلُومٌ أنَّ آيَةً واحِدَةً مِنها تَصْلُحُ لِأنْ تَكُونَ بِجَنْبِ الأُخْرى، وعَلى هَذا المَخْرَجِ خَرَجَ كَلامُ اللَّهِ في قَوْلِهِ ﴿وهُوَ أهْوَنُ﴾ (الرُّومِ: ٢٧ ) وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ .

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الخَلْقَ﴾ عَلَّقَ الرُّؤْيَةَ بِالكَيْفِيَّةِ لا بِالخَلْقِ وما قالَ: أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللَّهَ خَلَقَ، أوْ بَدَأ الخَلْقَ، والكَيْفِيَّةُ غَيْرُ مَعْلُومَةٍ ؟ فَنَقُولُ هَذا القَدْرُ مِنَ الكَيْفِيَّةِ مَعْلُومٌ، وهو أنَّهُ خَلَقَهُ ولَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا، وأنَّهُ خَلَقَهُ مِن نُطْفَةٍ هي مِن غِذاءٍ هو مِن ماءٍ وتُرابٍ، وهَذا القَدْرُ كافٍ في حُصُولِ العِلْمِ بِإمْكانِ الإعادَةِ فَإنَّ الإعادَةَ مِثْلُهُ.

صفحة ٤٢

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: لِمَ قالَ: ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ إنَّ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ فَأبْرَزَ اسْمَهُ مَرَّةً أُخْرى، ولَمْ يَقُلْ إنَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ يَسِيرٌ كَما قالَ: ثُمَّ يُعِيدُهُ مِن غَيْرِ إبْرازٍ ؟ نَقُولُ مَعَ إقامَةِ البُرْهانِ عَلى أنَّهُ يَسِيرٌ فَأكَّدَهُ بِإظْهارِ اسْمِهِ فَإنَّهُ يُوجِبُ المَعْرِفَةَ أيْضًا بِكَوْنِ ذَلِكَ يَسِيرًا، فَإنَّ الإنْسانَ إذا سَمِعَ لَفْظَ اللَّهِ وفَهِمَ مَعْناهُ أنَّهُ الحَيُّ القادِرُ بِقُدْرَةٍ كامِلَةٍ، لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ، العالِمُ بِعِلْمٍ مُحِيطٍ بِذَرّاتِ كُلِّ جِسْمٍ، نافِذُ الإرادَةِ لا رادَّ لِما أرادَهُ، يَقْطَعُ بِجَوازِ الإعادَةِ.

29:20Page 398

قُلۡ سِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَٱنظُرُواْ كَيۡفَ بَدَأَ ٱلۡخَلۡقَۚ ثُمَّ ٱللَّهُ يُنشِئُ ٱلنَّشۡأَةَ ٱلۡأٓخِرَةَۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ٢٠

Say, [O Muḥammad], "Travel through the land and observe how He began creation. Then Allāh will produce the final creation [i.e., development]. Indeed Allāh, over all things, is competent."

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأ الخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأةَ الآخِرَةَ إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ .

الآيَةُ المُتَقَدِّمَةُ كانَتْ إشارَةً إلى العِلْمِ الحَدْسِيِّ وهو الحاصِلُ مِن غَيْرِ طَلَبٍ فَقالَ ﴿أوَلَمْ يَرَوْا﴾ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِفْهامِ بِمَعْنى اسْتِبْعادِ عَدَمِهِ، وقالَ في هَذِهِ الآيَةِ إنْ لَمْ يَحْصُلْ لَكم هَذا العِلْمُ فَتَفَكَّرُوا في أقْطارِ الأرْضِ لِتَعْلَمُوا بِالعِلْمِ الفِكْرِيِّ، وهَذا لِأنَّ الإنْسانَ لَهُ مَراتِبُ في الإدْراكِ بَعْضُهم يُدْرِكُ شَيْئًا مِن غَيْرِ تَعْلِيمٍ، وإقامَةِ بُرْهانٍ لَهُ، وبَعْضُهم لا يَفْهَمُ إلّا بِإبانَةٍ وبَعْضُهم لا يَفْهَمُهُ أصْلًا فَقالَ: إنْ كُنْتُمْ لَسْتُمْ مِنَ القَبِيلِ الأوَّلِ فَسِيرُوا في الأرْضِ، أيْ: سَيِّرُوا فِكْرَكم في الأرْضِ وأجِيلُوا ذِهْنَكم في الحَوادِثِ الخارِجَةِ عَنْ أنْفُسِكم لِتَعْلَمُوا بَدْءَ الخَلْقِ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ في الآيَةِ الأُولى بِلَفْظِ الرُّؤْيَةِ وفي هَذِهِ بِلَفْظِ النَّظَرِ ما الحِكْمَةُ فِيهِ ؟ نَقُولُ: العِلْمُ الحَدْسِيُّ أتَمُّ مِنَ العِلْمِ الفِكْرِيِّ كَما تَبَيَّنَ، والرُّؤْيَةُ أتَمُّ مِنَ النَّظَرِ لِأنَّ النَّظَرَ يُفْضِي إلى الرُّؤْيَةِ، يُقالُ: نَظَرْتُ فَرَأيْتُ والمُفْضِي إلى الشَّيْءِ دُونَ ذَلِكَ الشَّيْءِ، فَقالَ في الأوَّلِ أما حَصَلَتْ لَكُمُ الرُّؤْيَةُ فانْظُرُوا في الأرْضِ لِتَحْصُلَ لَكُمُ الرُّؤْيَةُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَكَرَ هَذِهِ الآيَةَ بِصِيغَةِ الأمْرِ وفي الآيَةِ الأوْلى بِصِيغَةِ الِاسْتِفْهامِ لِأنَّ العِلْمَ الحَدْسِيَّ إنْ حَصَلَ فالأمْرُ بِهِ تَحْصِيلُ الحاصِلِ، وإنْ لَمْ يَحْصُلْ فَلا يَحْصُلُ إلّا بِالطَّلَبِ لِأنَّ بِالطَّلَبِ يَصِيرُ الحاصِلُ فِكْرِيًّا فَيَكُونُ الأمْرُ بِهِ تَكْلِيفَ ما لا يُطاقُ، وأمّا العِلْمُ الفِكْرِيُّ فَهو مَقْدُورٌ فَوَرَدَ الأمْرُ بِهِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أبْرَزَ اسْمَ اللَّهِ في الآيَةِ الأُولى عِنْدَ البَدْءِ حَيْثُ قالَ: ﴿كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ﴾ وأضْمَرَهُ عِنْدَ الإعادَةِ وفي هَذِهِ الآيَةِ أضْمَرَهُ عِنْدَ البَدْءِ وأبْرَزَهُ عِنْدَ الإعادَةِ حَيْثُ قالَ: ﴿ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ﴾ لِأنَّ في الآيَةِ الأُولى لَمْ يَسْبِقْ ذِكْرُ اللَّهِ بِفِعْلٍ حَتّى يُسْنَدَ إلَيْهِ البَدْءُ فَقالَ: ﴿كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ كَما يَقُولُ القائِلُ ضَرَبَ زَيْدٌ عَمْرًا، ثُمَّ ضَرَبَ بَكْرًا، ولا يَحْتاجُ إلى إظْهارِ اسْمِ زَيْدٍ اكْتِفاءً بِالأوَّلِ، وفي الآيَةِ الثّانِيَةِ كانَ ذِكْرُ البَدْءِ مُسْنَدًا إلى اللَّهِ فاكْتَفى بِهِ ولَمْ يُبْرِزْهُ، كَقَوْلِ القائِلِ: أما عَلِمْتَ كَيْفَ خَرَجَ زَيْدٌ، اسْمَعْ مِنِّي كَيْفَ خَرَجَ، ولا يُظْهِرُ اسْمَ زَيْدٍ، وأمّا إظْهارُهُ عِنْدَ الإنْشاءِ ثانِيًا حَيْثُ قالَ: ﴿ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ﴾ مَعَ أنَّهُ كانَ يَكْفِي أنْ يَقُولَ: ثُمَّ يُنْشِئُ النَّشْأةَ الآخِرَةَ، فَلِحِكْمَةٍ بالِغَةٍ وهي ما ذَكَرْنا أنَّ مَعَ إقامَةِ البُرْهانِ عَلى إمْكانِ الإعادَةِ أظْهَرَ اسْمًا، مَن يَفْهَمُ المُسَمّى بِهِ بِصِفاتِ كَمالِهِ ونُعُوتِ جَلالِهِ يَقْطَعُ بِجَوازِ الإعادَةِ فَقالَ اللَّهُ مُظْهِرًا مُبْرِزًا لِيَقَعَ في ذِهْنِ الإنْسانِ مِنِ اسْمِهِ كَمالُ

صفحة ٤٣

قُدْرَتِهِ وشُمُولُ عِلْمِهِ ونُفُوذُ إرادَتِهِ، ويَعْتَرِفُ بِوُقُوعِ بَدْئِهِ وجَوازِ إعادَتِهِ، فَإنْ قِيلَ فَلِمَ لَمْ يَقُلْ: ثُمَّ اللَّهُ يُعِيدُهُ لِعَيْنِ ما ذَكَرْتَ مِنَ الحِكْمَةِ والفائِدَةِ ؟ نَقُولُ لِوَجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: أنَّ اللَّهَ كانَ مُظْهِرًا مُبْرِزًا بِقُرْبٍ مِنهُ وهو في قَوْلِهِ: ﴿كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الخَلْقَ﴾ ولَمْ يَكُنْ بَيْنَهُما إلّا لَفْظُ الخَلْقِ وأمّا هَهُنا فَلَمْ يَكُنْ مَذْكُورًا عِنْدَ البَدْءِ فَأظْهَرَهُ.

وثانِيهِما: أنَّ الدَّلِيلَ هَهُنا تَمَّ عَلى جَوازِ الإعادَةِ لِأنَّ الدَّلائِلَ مُنْحَصِرَةٌ في الآفاقِ وفي الأنْفُسِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الآفاقِ وفي أنْفُسِهِمْ﴾ (فُصِّلَتْ: ٥٣ ) وفي الآيَةِ الأُولى أشارَ إلى الدَّلِيلِ النَّفْسِيِّ الحاصِلِ لِهَذا الإنْسانِ مِن نَفْسِهِ، وفي الآيَةِ الثّانِيَةِ أشارَ إلى الدَّلِيلِ الحاصِلِ مِنَ الآفاقِ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ﴾ وعِنْدَهُما تَمَّ الدَّلِيلانِ، فَأكَّدَهُ بِإظْهارِ اسْمِهِ، وأمّا الدَّلِيلُ الأوَّلُ فَأكَّدَهُ بِالدَّلِيلِ الثّانِي، فَلَمْ يَقُلْ ثُمَّ اللَّهُ يُعِيدُهُ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: في الآيَةِ الأُولى ذَكَرَ بِلَفْظِ المُسْتَقْبَلِ فَقالَ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ﴾ وهَهُنا قالَ بِلَفْظِ الماضِي فَقالَ: ﴿فانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأ﴾ ولَمْ يَقُلْ كَيْفَ يَبْدَأُ، فَنَقُولُ: الدَّلِيلُ الأوَّلُ هو الدَّلِيلُ النَّفْسِيُّ المُوجِبُ لِلْعِلْمِ الحَدْسِيِّ وهو في كُلِّ حالٍ يُوجِبُ العِلْمَ بِبَدْءِ الخَلْقِ، فَقالَ: إنْ كانَ لَيْسَ لَكم عِلْمٌ بِأنَّ اللَّهَ في كُلِّ حالٍ يَبْدَأُ خَلْقًا فانْظُرُوا إلى الأشْياءِ المَخْلُوقَةِ لِيَحْصُلَ لَكم عِلْمٌ بِأنَّ اللَّهَ بَدَأ خَلْقًا، ويَحْصُلُ المَطْلُوبُ مِن هَذا القَدْرِ فَإنَّهُ يُنْشِيءُ كَما بَدَأ ذَلِكَ.

المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قالَ في هَذِهِ الآيَةِ ﴿إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ وقالَ في الآيَةِ الأُولى ﴿إنَّ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ وفِيهِ فائِدَتانِ:

إحْداهُما: أنَّ الدَّلِيلَ الأوَّلَ هو الدَّلِيلُ النَّفْسِيُّ، وهو وإنْ كانَ مُوجِبُهُ العِلْمَ الحَدْسِيَّ التّامَّ ولَكِنْ عِنْدَ انْضِمامِ دَلِيلِ الآفاقِ إلَيْهِ يَحْصُلُ العِلْمُ العامُّ، لِأنَّهُ بِالنَّظَرِ في نَفْسِهِ عَلِمَ نَفْسَهُ وحاجَتُهُ إلى اللَّهِ ووُجُودَهُ مِنهُ، وبِالنَّظَرِ إلى الآفاقِ عَلِمَ حاجَةَ غَيْرِهِ إلَيْهِ ووُجُودَهُ مِنهُ، فَتَمَّ عِلْمُهُ بِأنَّ كُلَّ شَيْءٍ مِنَ اللَّهِ فَقالَ عِنْدَ تَمامِ ذِكْرِ الدَّلِيلَيْنِ ﴿إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ وقالَ عِنْدَ الدَّلِيلِ الواحِدِ ﴿إنَّ ذَلِكَ﴾ وهو إعادَتُهُ ﴿عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ .

الثّانِيَةُ: هي أنّا بَيَّنّا أنَّ العِلْمَ الأوَّلَ أتَمُّ وإنْ كانَ الثّانِي أعَمَّ، وكَوْنُ الأمْرِ يَسِيرًا عَلى الفاعِلِ أتَمُّ مِن كَوْنِهِ مَقْدُورًا لَهُ بِدَلِيلِ أنَّ القائِلَ يَقُولُ في حَقِّ مَن يَحْمِلُ مِائَةً مِن أنَّهُ قادِرٌ عَلَيْهِ ولا يَقُولُ إنَّهُ سَهْلٌ عَلَيْهِ، فَإذا سُئِلَ عَنْ حَمْلِهِ عَشْرَةَ أمْنانٍ يَقُولُ إنَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ يَسِيرٌ، فَنَقُولُ قالَ اللَّهُ تَعالى إنْ لَمْ يَحْصُلْ لَكُمُ العِلْمُ التّامُّ بِأنَّ هَذِهِ الأُمُورَ عِنْدَ اللَّهِ سَهْلٌ يَسِيرٌ فَسِيرُوا في الأرْضِ لِتَعْلَمُوا أنَّهُ مَقْدُورٌ، ونَفْسُ كَوْنِهِ مَقْدُورًا كافٍ في إمْكانِ الإعادَةِ.

29:21–22Page 398

يُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَيَرۡحَمُ مَن يَشَآءُۖ وَإِلَيۡهِ تُقۡلَبُونَ ٢١

He punishes whom He wills and has mercy upon whom He wills, and to Him you will be returned.

وَمَآ أَنتُم بِمُعۡجِزِينَ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا فِي ٱلسَّمَآءِۖ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِن وَلِيّٖ وَلَا نَصِيرٖ ٢٢

And you will not cause failure [to Allāh] upon the earth or in the heaven. And you have not other than Allāh any protector or any helper.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿يُعَذِّبُ مَن يَشاءُ ويَرْحَمُ مَن يَشاءُ وإلَيْهِ تُقْلَبُونَ﴾ ﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ وما لَكم مِن دُونِ اللَّهِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾

لَمّا ذَكَرَ النَّشْأةَ الآخِرَةَ ذَكَرَ ما يَكُونُ فِيهِ وهو تَعْذِيبُ أهْلِ التَّكْذِيبِ عَدْلًا وحِكْمَةً، وإثابَةُ أهْلِ الإنابَةِ فَضْلًا ورَحْمَةً، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَدَّمَ التَّعْذِيبَ في الذِّكْرِ عَلى الرَّحْمَةِ مَعَ أنَّ رَحْمَتَهُ سابِقَةٌ كَما قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ

صفحة ٤٤

حاكِيًا عَنْهُ ”«سَبَقَتْ رَحْمَتِي غَضَبِي» “ فَنَقُولُ ذَلِكَ لِوَجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: أنَّ السّابِقَ ذِكْرُ الكُفّارِ، فَذَكَرَ العَذابَ لِسَبْقِ ذِكْرِ مُسْتَحِقِّيهِ بِحُكْمِ الإيعادِ وعَقَّبَهُ بِالرَّحْمَةِ، وكَما ذَكَرَ بَعْدَ إثْباتِ الأصْلِ الأوَّلِ وهو التَّوْحِيدُ، التَّهْدِيدَ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ﴾ وأُهْلِكُوا بِالتَّكْذِيبِ، كَذَلِكَ ذَكَرَ بَعْدَ إثْباتِ الأصْلِ الآخَرِ التَّهْدِيدَ بِذِكْرِ التَّعْذِيبِ، وذِكْرُ الرَّحْمَةِ وقَعَ تَبَعًا لِئَلّا يَكُونَ العَذابُ مَذْكُورًا وحْدَهُ وهَذا يُحَقِّقُ قَوْلَهُ: («سَبَقَتْ رَحْمَتِي غَضَبِي» ) وذَلِكَ لِأنَّ اللَّهَ حَيْثُ كانَ المَقْصُودُ ذِكْرَ العَذابِ لَمْ يُمَحِّضْهُ في الذِّكْرِ بَلْ ذَكَرَ الرَّحْمَةَ مَعَهُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ:إذا كانَ ذَكَرَ هَذا لِتَخْوِيفِ العاصِي وتَفْرِيحِ المُؤْمِنِ فَلَوْ قالَ: يُعَذِّبُ الكافِرَ ويَرْحَمُ المُؤْمِنَ لَكانَ أدْخَلَ في تَحْصِيلِ المَقْصُودِ، وقَوْلُهُ: ﴿يُعَذِّبُ مَن يَشاءُ﴾ لا يَزْجُرُ الكافِرَ لِجَوازِ أنْ يَقُولَ لَعَلِّي لا أكُونُ مِمَّنْ يَشاءُ اللَّهُ عَذابَهُ، فَنَقُولُ: هَذا أبْلَغُ في التَّخْوِيفِ، وذَلِكَ لِأنَّ اللَّهَ أثْبَتَ بِهَذا إنْفاذَ مَشِيئَتِهِ إذا أرادَ تَعْذِيبَ شَخْصٍ فَلا يَمْنَعُهُ مِنهُ مانِعٌ، ثُمَّ كانَ مِنَ المَعْلُومِ لِلْعِبادِ بِحُكْمِ الوَعْدِ والإيعادِ أنَّهُ شاءَ تَعْذِيبَ أهْلِ العِنادِ، فَلَزِمَ مِنهُ الخَوْفُ التّامُّ بِخِلافِ ما لَوْ قالَ يُعَذِّبُ العاصِيَ، فَإنَّهُ لا يَدُلُّ عَلى كَمالِ مَشِيئَتِهِ، لِأنَّهُ لا يُفِيدُ أنَّهُ لَوْ شاءَ عَذابَ المُؤْمِنِ لَعَذَّبَهُ، فَإذا لَمْ يُفِدْ هَذا فَيَقُولُ الكافِرُ إذا لَمْ يَحْصُلْ مُرادُهُ في تِلْكَ الصُّورَةِ يُمْكِنُ أنْ يَحْصُلَ في صُورَةٍ أُخْرى، ولْنَضْرِبْ لَهُ مَثَلًا فَنَقُولُ: إذا قِيلَ: إنَّ المَلِكَ يَقْدِرُ عَلى ضَرْبِ كُلِّ مَن في بِلادِهِ وقالَ: مَن خالَفَنِي أضْرِبُهُ، يَحْصُلُ الخَوْفُ التّامُّ لِمَن يُخالِفُهُ، وإذا قِيلَ أنَّهُ قادِرٌ عَلى ضَرْبِ المُخالِفِينَ ولا يَقْدِرُ عَلى ضَرْبِ المُطِيعِينَ، فَإذا قالَ: مَن خالَفَنِي أضْرِبُهُ يَقَعُ في وهْمِ المُخالِفِ أنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى ضَرْبِ فُلانٍ المُطِيعِ، فَلا يَقْدِرُ عَلَيَّ أيْضًا لِكَوْنِي مِثْلَهُ، وفي هَذا فائِدَةٌ أُخْرى وهو الخَوْفُ العامُّ والرَّجاءُ العامُّ، لِأنَّ الأمْنَ الكُلِّيَّ مِنَ اللَّهِ يُوجِبُ الجَراءَةَ فَيُفْضِي إلى صَيْرُورَةِ المُطِيعِ عاصِيًا.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ: ﴿وإلَيْهِ تُقْلَبُونَ﴾ مَعَ أنَّ هَذِهِ المَسْألَةَ قَدْ سَبَقَ إثْباتُها وتَقْرِيرُها فَلِمَ أعادَها ؟ فَنَقُولُ لَمّا ذَكَرَ اللَّهُ التَّعْذِيبَ والرَّحْمَةَ وهُما قَدْ يَكُونانِ عاجِلَيْنِ، فَقالَ تَعالى: فَإنْ تَأخَّرَ عَنْكم ذَلِكَ فَلا تَظُنُّوا أنَّهُ فاتَ، فَإنَّ إلَيْهِ إيابَكم، وعَلَيْهِ حِسابَكم وعِنْدَهُ يُدَّخَرُ ثَوابُكم وعِقابُكم، ولِهَذا قالَ بَعْدَها ﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ يَعْنِي لا تَفُوتُونَ اللَّهَ بَلِ الِانْقِلابُ إلَيْهِ ولا يُمْكِنُ الِانْفِلاتُ مِنهُ، وفي تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ لَطائِفُ.

إحْداها: هي إعْجازُ المُعَذَّبِ عَنِ التَّعْذِيبِ، إمّا بِالهَرَبِ مِنهُ، أوِ الثَّباتِ لَهُ والمُقاوَمَةِ مَعَهُ لِلدَّفْعِ، وذَكَرَ اللَّهُ القِسْمَيْنِ فَقالَ: ﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾ يَعْنِي بِالهَرَبِ لَوْ صَعِدْتُمْ إلى مَحَلِّ السِّماكِ في السَّماءِ أوْ هَبَطْتُمْ إلى مَوْضِعِ السُّمُوكِ في الماءِ لا تَخْرُجُونَ مِن قَبْضَةِ قُدْرَةِ اللَّهِ فَلا مَطْمَعَ في الإعْجازِ بِالهَرَبِ، وأمّا بِالثَّباتِ فَكَذَلِكَ لِأنَّ الإعْجازَ إمّا أنْ يَكُونَ بِالِاسْتِنادِ إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ يَشْفَعُ ولا يُمْكِنُ لِلْمُعَذِّبِ مُخالَفَتُهُ، فَيَفُوتُهُ المُعَذَّبُ ويَعْجِزُ عَنْهُ، أوْ بِالِانْتِصارِ بِقَوْمٍ يَقُومُ مَعَهُ بِالدَّفْعِ وكِلاهُما مُحالٌ، فَإنَّكم ما لَكم مِن دُونِ اللَّهِ ولِيٌّ يَشْفَعُ ولا نَصِيرٌ يَدْفَعُ، فَلا إعْجازَ لا بِالهُرُوبِ ولا بِالثَّباتِ.

الثّانِيَةُ: قالَ: ﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ ولَمْ يَقُلْ لا تُعْجِزُونَ بِصِيغَةِ الفِعْلِ، وذَلِكَ لِأنَّ نَفْيَ الفِعْلِ لا يَدُلُّ عَلى نَفْيِ الصَّلاحِيَةِ، فَإنَّ مَن قالَ إنَّ فُلانًا لا يَخِيطُ لا يَدُلُّ عَلى ما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ إنَّهُ لَيْسَ بِخَيّاطٍ.

الثّالِثَةُ: قَدَّمَ الأرْضَ عَلى السَّماءِ، والوَلِيَّ عَلى النَّصِيرِ، لِأنَّ هَرَبَهُمُ المُمْكِنُ في الأرْضِ، فَإنْ كانَ يَقَعُ مِنهم هَرَبٌ يَكُونُ في الأرْضِ، ثُمَّ إنْ فَرَضْنا لَهم قُدْرَةً غَيْرَ ذَلِكَ فَيَكُونُ لَهم صُعُودٌ في السَّماءِ، وأمّا الدَّفْعُ فَإنَّ العاقِلَ ما أمْكَنَهُ الدَّفْعُ بِأجْمَلِ الطُّرُقِ فَلا يَرْتَقِي إلى غَيْرِهِ، والشَّفاعَةُ أجْمَلُ. ولِأنَّ ما مِن أحَدٍ في الشّاهِدِ إلّا ويَكُونُ لَهُ شَفِيعٌ يَتَكَلَّمُ في حَقِّهِ عِنْدَ مَلِكٍ، ولا يَكُونُ كُلُّ أحَدٍ لَهُ ناصِرٌ يُعادِي المَلِكَ لِأجْلِهِ.

29:23Page 398

وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَلِقَآئِهِۦٓ أُوْلَٰٓئِكَ يَئِسُواْ مِن رَّحۡمَتِي وَأُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ٢٣

And the ones who disbelieve in the signs of Allāh and the meeting with Him - those have despaired of My mercy, and they will have a painful punishment.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ ولِقائِهِ أُولَئِكَ يَئِسُوا مِن رَحْمَتِي وأُولَئِكَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾

لَمّا بَيَّنَ الأصْلَيْنِ التَّوْحِيدَ والإعادَةَ وقَرَّرَهُما بِالبُرْهانِ وهَدَّدَ مَن خالَفَهُ عَلى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ فَقالَ: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ ولِقائِهِ﴾ إشارَةً إلى الكُفّارِ بِاللَّهِ، فَإنَّ لِلَّهِ في كُلِّ شَيْءٍ آيَةً دالَّةً عَلى وحْدانِيَّتِهِ، فَإذا أشْرَكَ كَفَرَ بِآياتِ اللَّهِ، وإشارَةً إلى المُنْكِرِ لِلْحَشْرِ فَإنَّ مَن أنْكَرَهُ كَفَرَ بِلِقاءِ اللَّهِ فَقالَ: ﴿أُولَئِكَ يَئِسُوا مِن رَحْمَتِي﴾ لَمّا أشْرَكُوا أخْرَجُوا أنْفُسَهم عَنْ مَحَلِّ الرَّحْمَةِ لِأنَّ مَن يَكُونُ لَهُ جِهَةٌ واحِدَةٌ تَدْفَعُ حاجَتَهُ لا غَيْرُ يُرْحَمُ، وإذا كانَ لَهُ جِهاتٌ مُتَعَدِّدَةٌ لا يُبْقِي مَحَلًّا لِلرَّحْمَةِ، فَإذا جَعَلُوا لَهم آلِهَةً لَمْ يَعْتَرِفُوا بِالحاجَةِ إلى طَرِيقٍ مُتَعَيَّنٍ فَيَيْأسُوا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ، ولَمّا أنْكَرُوا الحَشْرَ وقالُوا: لا عَذابَ فَناسَبَ تَعْذِيبَهم تَحْقِيقًا لِلْأمْرِ عَلَيْهِمْ، وهَذا كَما أنَّ المَلِكَ إذا قالَ أُعَذِّبُ مَن يُخالِفُنِي فَأنْكَرَهُ بَعِيدٌ عَنْهُ وقالَ هو لا يَصِلُ إلَيَّ، فَإذا أُحْضِرَ بَيْنَ يَدَيْهِ يَحْسُنُ مِنهُ أنْ يُعَذِّبَهُ، ويَقُولَ هَلْ قَدَرْتُ وهَلْ عَذَّبْتُ أمْ لا ؟ فَإذَنْ تَبَيَّنَ أنَّ عَدَمَ الرَّحْمَةِ يُناسِبُ الإشْراكَ، والعَذابَ الألِيمَ يُناسِبُ إنْكارَ الحَشْرِ. ثُمَّ إنَّ في الآيَةِ فَوائِدَ:

إحْداها: قَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ يَئِسُوا﴾ حَتّى يَكُونَ مُنْبِئًا عَنْ حَصْرِ النّاسِ فِيهِمْ وقالَ أيْضًا ﴿وأُولَئِكَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ لِذَلِكَ، ولَوْ قالَ: أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ ولِقائِهِ يَئِسُوا مِن رَحْمَتِي ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ، ما كانَ يَحْصُلُ هَذِهِ الفائِدَةُ، فَإنْ قالَ قائِلٌ: لَوِ اكْتَفى بِقَوْلِهِ ﴿أُولَئِكَ﴾ مَرَّةً واحِدَةً كانَ يَكْفِي في إفادَةِ ما ذَكَرَ، ثُمَّ قُلْنا لا وذَلِكَ لِأنَّهُ لَوْ قالَ أُولَئِكَ يَئِسُوا ولَهم عَذابٌ، كانَ يَذْهَبُ وهْمُ أحَدٍ إلى أنَّ هَذا المَجْمُوعَ مُنْحَصِرٌ فِيهِمْ، فَلا يُوجَدُ المَجْمُوعُ إلّا فِيهِمْ ولَكِنَّ واحِدًا مِنهُما وحْدَهُ يُمْكِنُ أنْ يُوجَدَ في غَيْرِهِمْ، فَإذا قالَ أُولَئِكَ يَئِسُوا وأُولَئِكَ لَهم عَذابٌ أفادَ أنَّ كُلَّ واحِدٍ لا يُوجَدُ إلّا فِيهِمْ.

الثّانِيَةُ: عِنْدَ ذِكْرِ الرَّحْمَةِ أضافَها إلى نَفْسِهِ فَقالَ رَحْمَتِي وعِنْدَ العَذابِ لَمْ يُضِفْهُ لِسَبْقِ رَحْمَتِهِ، وإعْلامًا لِعِبادِهِ بِعُمُومِها لَهم ولُزُومِها لَهُ.

الثّالِثَةُ: أضافَ اليَأْسَ إلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ يَئِسُوا﴾ فَحَرَّمَها عَلَيْهِمْ ولَوْ طَمِعُوا لَأباحَها لَهم، فَلَوْ قالَ قائِلٌ: ما ذَكَرْتَ مِن مُقابَلَةِ الأمْرَيْنِ وهُما: اليَأْسُ والعَذابُ، بِأمْرَيْنِ وهُما: الكُفْرُ بِالآياتِ، والكُفْرُ بِاللِّقاءِ، يَقْتَضِي أنْ لا يَكُونَ العَذابُ الألِيمُ لِمَن كَفَرَ بِاللَّهِ واعْتَرَفَ بِالحَشْرِ، أوْ لا يَكُونَ اليَأْسُ لِمَن كَفَرَ بِالحَشْرِ وآمَنَ بِاللَّهِ، فَنَقُولُ: مَعْنى الآيَةِ أنَّهم يَئِسُوا ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ زائِدٌ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ بِالحَشْرِ، ولا شَكَّ أنَّ التَّعْذِيبَ بِسَبَبِ الكُفْرِ بِالحَشْرِ لا يَكُونُ إلّا لِلْكافِرِ بِالحَشْرِ، وأمّا الآخَرُ فالكافِرُ بِالحَشْرِ لا يَكُونُ مُؤْمِنًا بِاللَّهِ؛ لِأنَّ الإيمانَ بِهِ لا يَصِحُّ إلّا إذا صَدَّقَهُ فِيما قالَهُ، والحَشْرُ مِن جُمْلَةِ ذَلِكَ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском