Ghafir 40:13
The Forgiver · Juz 24 · Page 468
هُوَ ٱلَّذِي يُرِيكُمۡ ءَايَٰتِهِۦ وَيُنَزِّلُ لَكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ رِزۡقٗاۚ وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَن يُنِيبُ ١٣
It is He who shows you His signs and sends down to you from the sky, provision. But none will remember except he who turns back [in repentance].
Tafsir · in Arabic
Ibn 'Ashur
Detailed
Change
Commentary on 40:13
﴿هو الَّذِي يُرِيكم آياتِهِ ويُنَزِّلُ لَكم مِنَ السَّماءِ رِزْقًا وما يَتَذَكَّرُ إلّا مَن يُنِيبُ﴾ .
هَذا اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ إقْبالٌ عَلى خِطابِ الرَّسُولِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ بَعْدَ أنِ انْقَضى وصْفُ ما يُلاقِي المُشْرِكُونَ مِنَ العَذابِ، وما يَدْعُونَ مِن دُعاءٍ لا يُسْتَجابُ، وقَرِينَةُ ذَلِكَ قَوْلُهُ ولَوْ كَرِهَ الكافِرُونَ.
ومُناسَبَةُ الِانْتِقالِ هي وصْفا العَلِيِّ الكَبِيرِ لِأنَّ جُمْلَةَ (يُرِيكم آياتِهِ) تُناسِبُ وصْفَ العُلُوِّ، وجُمْلَةَ ﴿ويُنَزِّلُ لَكم مِنَ السَّماءِ رِزْقًا﴾ تُناسِبُ وصْفَ الكَبِيرِ بِمَعْنى الغَنِيِّ المُطْلَقِ.
والآياتُ: دَلائِلُ وُجُودِهِ ووَحْدانِيَّتِهِ. وهي المَظاهِرُ العَظِيمَةُ الَّتِي تَبْدُو لِلنّاسِ في هَذا العالَمِ كَقَوْلِهِ ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ البَرْقَ خَوْفًا وطَمَعًا﴾ [الرعد: ١٢] وقَوْلِهُ ﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الألْبابِ﴾ [آل عمران: ١٩٠] .
وتَنْزِيلُ الرِّزْقِ مِنَ السَّماءِ هو نُزُولُ المَطَرِ لِأنَّ المَطَرَ سَبَبُ الرِّزْقِ وهو في نَفْسِهِ آيَةٌ
صفحة ١٠٣
أُدْمِجَ مَعَها امْتِنانٌ، ولِذَلِكَ عُقِّبَ الأمْرانِ بِقَوْلِهِ ﴿وما يَتَذَكَّرُ إلّا مَن يُنِيبُ﴾ .
وصِيغَةُ المُضارِعِ في (يُرِيكم) و(يُنَزِّلُ) تَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ إراءَةٌ مُتَجَدِّدَةٌ وتَنْزِيلٌ مُتَجَدِّدٌ وإنَّما يَكُونُ ذَلِكَ في الدُّنْيا، فَتَعَيَّنَ أنَّ الخِطابَ مُسْتَأْنَفٌ مُرادٌ بِهِ المُؤْمِنُونَ ولَيْسَ مِن بَقِيَّةِ خِطابِ المُشْرِكِينَ في جَهَنَّمَ، ويَزِيدُ ذَلِكَ تَأْيِيدًا قَوْلُهُ ﴿فادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ولَوْ كَرِهَ الكافِرُونَ﴾ [غافر: ١٤] .
وعُدِّيَ فِعْلا (يُرِي) و(يُنَزِّلُ) إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ وهُمُ المُؤْمِنُونَ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ انْتَفَعُوا بِالآياتِ فَآمَنُوا وانْتَفَعُوا بِالرِّزْقِ فَشَكَرُوا بِالعَمَلِ بِالطّاعاتِ فَجُعِلَ غَيْرُهم بِمَنزِلَةِ غَيْرِ المَقْصُودِينَ بِالآياتِ لِأنَّهم لَمْ يَنْتَفِعُوا بِها كَما قالَ تَعالى ﴿وتِلْكَ الأمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ وما يَعْقِلُها إلّا العالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣] فَجَعَلَ غَيْرَ العالِمِينَ كَمَن لا يَعْقِلُ ولا يَفْقَهُ.
ولِذَلِكَ ذُيِّلَتْ إراءَةُ الآياتِ وإنْزالُ الرِّزْقِ لَهم بِقَوْلِهِ ﴿وما يَتَذَكَّرُ إلّا مَن يُنِيبُ﴾ أيْ مَن آمَنَ ونَبَذَ الشِّرْكَ لِأنَّ الشِّرْكَ يَصُدُّ أهْلَهُ عَنِ الإنْصافِ وإعْمالِ النَّظَرِ في الأدِلَّةِ.
والإنابَةُ: التَّوْبَةُ، وفي صِيغَةِ المُضارِعِ إشارَةٌ إلى أنَّ الإنابَةَ المُحَصِّلَةَ لِلْمَطْلُوبِ هي الإنابَةُ المُتَجَدِّدَةُ المُتَكَرِّرَةُ، وإذْ قَدْ كانَ المُخاطَبُونَ مُنِيبِينَ إلى اللَّهِ كانَ قَوْلُهُ ﴿وما يَتَذَكَّرُ إلّا مَن يُنِيبُ﴾ دالًّا بِدَلالَةِ الِاقْتِضاءِ عَلى أنَّهم رَأوُا الآياتِ وطَمْأنُوا بِها وأنَّهم عَرَفُوا قَدْرَ النِّعْمَةِ وشَكَرُوها فَكانَ بَيْنَ الإنابَةِ وبَيْنَ التَّذَكُّرِ تَلازُمٌ عادِيٌّ، ولِذَلِكَ فَجُمْلَةُ ﴿وما يَتَذَكَّرُ إلّا مَن يُنِيبُ﴾ تَذْيِيلٌ.
وتَقْدِيمُ (لَكم) عَلى مَفْعُولِ (يُنَزِّلُ) وهو (رِزْقًا) لِكَمالِ الِامْتِنانِ بِأنْ جُعِلَ تَنْزِيلُ الرِّزْقِ لِأجْلِ النّاسِ ولَوْ أُخِّرَ المَجْرُورُ لَصارَ صِفَةً لِ (رِزْقًا) فَلا يُفِيدُ أنَّ التَّنْزِيلَ لِأجْلِ المُخاطَبِينَ بَلْ يُفِيدُ أنَّ الرِّزْقَ صالِحٌ لِلْمُخاطَبِينَ وبَيْنَ المَعْنَيَيْنِ بَوْنٌ بَعِيدٌ، فَكانَ تَقْدِيمُ المَجْرُورِ في التَّرْتِيبِ عَلى مَفْعُولِ الفِعْلِ عَلى خِلافِ مُقْتَضى الظّاهِرِ لِأنَّ حَقَّ المَفْعُولِ أنْ يَتَقَدَّمَ عَلى غَيْرِهِ مِن مُتَعَلَّقاتِ الفِعْلِ وإنَّما خُولِفَ الظّاهِرُ لِهَذِهِ النُّكْتَةِ.
صفحة ١٠٤
وجُعِلَ تَنْزِيلُ الرِّزْقِ لِأجْلِ المُخاطَبِينَ وهُمُ المُؤْمِنُونَ إشارَةً إلى أنَّ اللَّهَ أرادَ كَرامَتَهُمُ ابْتِداءً وأنَّ انْتِفاعَ غَيْرِهِمْ بِالرِّزْقِ انْتِفاعٌ بِالتَّبَعِ لَهم لِأنَّهُمُ الَّذِينَ بِمَحَلِّ الرِّضى مِنَ اللَّهِ تَعالى.
وتُثارُ مِن هَذِهِ الآيَةِ مَسْألَةُ الِاخْتِلافِ بَيْنَ الأشْعَرِيَّةِ مَعَ الماتُرِيدِيِّ ومَعَ المُعْتَزِلَةِ في أنَّ الكافِرَ مُنْعَمٌ عَلَيْهِ أوْ لا، فَعَنِ الأشْعَرِيِّ أنَّ الكافِرَ غَيْرُ مُنْعَمٍ عَلَيْهِ في الدُّنْيا ولا في الدِّينِ ولا في الآخِرَةِ، وقالَ القاضِي أبُو بَكْرٍ الباقِلّانِيُّ والماتُرِيدِيُّ: هو مُنْعَمٌ عَلَيْهِ نِعْمَةً دُنْيَوِيَّةً، لا دِينِيَّةً ولا أُخْرَوِيَّةً، وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: هو مُنْعَمٌ عَلَيْهِ نِعْمَةً دُنْيَوِيَّةً ودِينِيَّةً لا أُخْرَوِيَّةً، فَأمّا الأشْعَرِيُّ فَلَمْ يَعْتَبِرْ بِظاهِرِ المَلاذِّ الَّتِي تَحْصُلُ لِلْكافِرِ في الحَياةِ فَإنَّما ذَلِكَ إمْلاءٌ واسْتِدْراجٌ لِأنَّ مَآلَها العَذابُ المُؤْلِمُ فَلا تَسْتَحِقُّ اسْمَ النِّعْمَةِ، وأنا أقُولُ: لَوِ اسْتَدَلَّ لَهُ بِأنَّها حاصِلَةٌ لَهم تَبَعًا فَهي لَذائِذُ ولَيْسَتْ نِعَمًا لِأنَّ النِّعْمَةَ لَذَّةٌ أُرِيدَ مِنها نَفْعُ مَن وصَلَتْ إلَيْهِ كَما أشَرْتُ إلَيْهِ آنِفًا.
وأمّا الباقِلّانِيُّ فَراعى ظاهِرَ المَلاذِّ فَلَمْ يَمْنَعْ أنْ تَكُونَ نِعَمًا وإنْ كانَتْ عَواقِبُها آلامًا، وآياتُ القُرْآنِ شاهِدَةٌ لِقَوْلِهِ.
وأمّا المُعْتَزِلَةُ فَزادُوا فَزَعَمُوا أنَّ الكافِرَ مُنْعَمٌ عَلَيْهِ دِينًا، وأرادُوا بِذَلِكَ أنَّ اللَّهَ مَكَّنَ الكافِرَ مِن نِعْمَةِ القُدْرَةِ عَلى النَّظَرِ المُؤَدِّي إلى مَعْرِفَةِ اللَّهِ وواجِبِ صِفاتِهِ.
والَّذِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ رَأْيُ المُحَقِّقِينَ مِنَ المُتَكَلِّمِينَ أنَّ هَذا الخِلافَ لَفْظِيٌّ لِأنَّهُ غَيْرُ ناظِرٍ إلى حَقِيقَةِ حالَةِ الكافِرِ في الدُّنْيا والدِّينِ، وإنَّما نَظَرَ كُلُّ شِقٍّ مِن أهْلِ الخِلافِ إلى ما حَفَّ بِأحْوالِ الكافِرِ في تِلْكَ النِّعْمَةِ فَرَجَعَ إلى الخِلافِ في الألْفاظِ المُصْطَلَحِ عَلَيْها ومَدْلُولاتِها في حَقائِقِ المَقْصُودِ مِنها.
Page 468
40:8
رَبَّنَا وَأَدۡخِلۡهُمۡ جَنَّٰتِ عَدۡنٍ ٱلَّتِي وَعَدتَّهُمۡ وَمَن صَلَحَ مِنۡ ءَابَآئِهِمۡ وَأَزۡوَٰجِهِمۡ وَذُرِّيَّٰتِهِمۡۚ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ٨
Our Lord, and admit them to gardens of perpetual residence which You have promised them and whoever was righteous among their forefathers, their spouses and their offspring. Indeed, it is You who is the Exalted in Might, the Wise.
40:9
وَقِهِمُ ٱلسَّيِّـَٔاتِۚ وَمَن تَقِ ٱلسَّيِّـَٔاتِ يَوۡمَئِذٖ فَقَدۡ رَحِمۡتَهُۥۚ وَذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ ٩
And protect them from the evil consequences [of their deeds]. And he whom You protect from evil consequences that Day - You will have given him mercy. And that is the great attainment."
40:10
إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُنَادَوۡنَ لَمَقۡتُ ٱللَّهِ أَكۡبَرُ مِن مَّقۡتِكُمۡ أَنفُسَكُمۡ إِذۡ تُدۡعَوۡنَ إِلَى ٱلۡإِيمَٰنِ فَتَكۡفُرُونَ ١٠
Indeed, those who disbelieve will be addressed, "The hatred of Allāh for you was [even] greater than your hatred of yourselves [this Day in Hell] when you were invited to faith, but you disbelieved [i.e., refused]."
40:11
قَالُواْ رَبَّنَآ أَمَتَّنَا ٱثۡنَتَيۡنِ وَأَحۡيَيۡتَنَا ٱثۡنَتَيۡنِ فَٱعۡتَرَفۡنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلۡ إِلَىٰ خُرُوجٖ مِّن سَبِيلٖ ١١
They will say, "Our Lord, You made us lifeless twice and gave us life twice, and we have confessed our sins. So is there to an exit any way?"
40:12
ذَٰلِكُم بِأَنَّهُۥٓ إِذَا دُعِيَ ٱللَّهُ وَحۡدَهُۥ كَفَرۡتُمۡ وَإِن يُشۡرَكۡ بِهِۦ تُؤۡمِنُواْۚ فَٱلۡحُكۡمُ لِلَّهِ ٱلۡعَلِيِّ ٱلۡكَبِيرِ ١٢
[They will be told], "That is because, when Allāh was called upon alone, you disbelieved; but if others were associated with Him, you believed. So the judgement is with Allāh, the Most High, the Grand."
40:13
هُوَ ٱلَّذِي يُرِيكُمۡ ءَايَٰتِهِۦ وَيُنَزِّلُ لَكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ رِزۡقٗاۚ وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَن يُنِيبُ ١٣
It is He who shows you His signs and sends down to you from the sky, provision. But none will remember except he who turns back [in repentance].
40:14
فَٱدۡعُواْ ٱللَّهَ مُخۡلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ وَلَوۡ كَرِهَ ٱلۡكَٰفِرُونَ ١٤
So invoke Allāh, [being] sincere to Him in religion, although the disbelievers dislike it.
40:15
رَفِيعُ ٱلدَّرَجَٰتِ ذُو ٱلۡعَرۡشِ يُلۡقِي ٱلرُّوحَ مِنۡ أَمۡرِهِۦ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦ لِيُنذِرَ يَوۡمَ ٱلتَّلَاقِ ١٥
[He is] the Exalted above [all] degrees, Owner of the Throne; He places the inspiration of His command [i.e., revelation] upon whom He wills of His servants to warn of the Day of Meeting.
40:16
يَوۡمَ هُم بَٰرِزُونَۖ لَا يَخۡفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِنۡهُمۡ شَيۡءٞۚ لِّمَنِ ٱلۡمُلۡكُ ٱلۡيَوۡمَۖ لِلَّهِ ٱلۡوَٰحِدِ ٱلۡقَهَّارِ ١٦
The Day they come forth nothing concerning them will be concealed from Allāh. To whom belongs [all] sovereignty this Day? To Allāh, the One, the Prevailing.1
1 translator’s note
- Refer to footnotes in 12:39. ↩