Ibn 'AshurGhafir · 40:12–16

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Ghafir 40:12–16

40:12Page 468

ذَٰلِكُم بِأَنَّهُۥٓ إِذَا دُعِيَ ٱللَّهُ وَحۡدَهُۥ كَفَرۡتُمۡ وَإِن يُشۡرَكۡ بِهِۦ تُؤۡمِنُواْۚ فَٱلۡحُكۡمُ لِلَّهِ ٱلۡعَلِيِّ ٱلۡكَبِيرِ ١٢

[They will be told], "That is because, when Allāh was called upon alone, you disbelieved; but if others were associated with Him, you believed. So the judgement is with Allāh, the Most High, the Grand."

﴿ذَلِكم بِأنَّهُ إذا دُعِيَ اللَّهُ وحْدَهُ كَفَرْتُمْ وإنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فالحُكْمُ لِلَّهِ العَلِيِّ الكَبِيرِ﴾ .

عَدَلَ عَنْ جَوابِهِمْ بِالحِرْمانِ مِنَ الخُرُوجِ إلى ذِكْرِ سَبَبِ وُقُوعِهِمْ في العَذابِ، وإذْ قَدْ كانُوا عالِمِينَ بِهِ قالُوا ﴿فاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا﴾ [غافر: ١١]، كانَتْ إعادَةُ التَّوْقِيفِ عَلَيْهِ

صفحة ١٠٠

بَعْدَ سُؤالِ الصَّفْحِ عَنْهُ كِنايَةً عَنِ اسْتِدامَتِهِ وعَدَمِ اسْتِجابَةِ سُؤالِهِمُ الخُرُوجَ مِنهُ عَلى وجْهٍ يُشْعِرُ بِتَحْقِيرِهِمْ.

وزِيدَ ذَلِكَ تَحْقِيقًا بِقَوْلِهِ ﴿فالحُكْمُ لِلَّهِ العَلِيِّ الكَبِيرِ﴾ .

فالإشارَةُ بِ (ذَلِكم) إلى ما هم فِيهِ مِنَ العَذابِ الَّذِي أنْبَأ بِهِ قَوْلُهُ ﴿يُنادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أكْبَرُ مِن مَقْتِكم أنْفُسَكُمْ﴾ [غافر: ١٠] وما عَقَّبَ بِهِ مِن قَوْلِهِمْ ﴿فَهَلْ إلى خُرُوجٍ مِن سَبِيلٍ﴾ [غافر: ١١] .

والباءُ في (بِأنَّهُ) لِلسَّبَبِيَّةِ، أيْ بِسَبَبِ كُفْرِكم إذا دُعِيَ اللَّهُ وحْدَهُ.

وضَمِيرُ (بِأنَّهُ) ضَمِيرُ الشَّأْنِ، وهو مُفَسَّرٌ بِما بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ ﴿إذا دُعِيَ اللَّهُ وحْدَهُ كَفَرْتُمْ وإنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا﴾، فالسَّبَبُ هو مَضْمُونُ القِصَّةِ الَّذِي حاصِلُ سَبْكِهِ: بِكُفْرِكم بِالوَحْدانِيَّةِ وإيمانِكم بِالشِّرْكِ.

و(إذا) مُسْتَعْمَلَةٌ هُنا في الزَّمَنِ الماضِي لِأنَّ دُعاءَ اللَّهِ واقِعٌ في الحَياةِ الدُّنْيا وكَذَلِكَ كُفْرُهم بِوَحْدانِيَّةِ اللَّهِ، فالدُّعاءُ الَّذِي مَضى مَعَ كُفْرِهِمْ بِهِ كانَ سَبَبَ وُقُوعِهِمْ في العَذابِ.

ومَجِيءُ ﴿وإنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا﴾ بِصِيغَةِ المُضارِعِ في الفِعْلَيْنِ مُؤَوَّلٌ بِالماضِي بِقَرِينَةِ ما قَبْلَهُ، وإيثارُ صِيغَةِ المُضارِعِ في الفِعْلَيْنِ لِدَلالَتِهِما عَلى تَكَرُّرِ ذَلِكَ مِنهم في الحَياةِ الدُّنْيا فَإنَّ لِتَكَرُّرِهِ أثَرًا في مُضاعَفَةِ العَذابِ لَهم.

والدُّعاءُ: النِّداءُ، والتَّوَجُّهُ بِالخِطابِ. وكِلا المَعْنَيَيْنِ يُسْتَعْمَلُ فِيهِ الدُّعاءُ ويُطْلَقُ الدُّعاءُ عَلى العِبادَةِ، كَما سَيَأْتِي عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠] في هَذِهِ السُّورَةِ، فالمَعْنى إذا نُودِيَ اللَّهُ بِمَسْمَعِكم نِداءً دالًّا عَلى أنَّهُ إلَهٌ واحِدٌ مِثْلُ آياتِ القُرْآنِ الدّالَّةِ عَلى نِداءِ اللَّهِ بِالوَحْدانِيَّةِ، فالدُّعاءُ هُنا الإعْلانُ والذِّكْرُ، ولِذَلِكَ قُوبِلَ بِقَوْلِهِ ﴿كَفَرْتُمْ وإنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا﴾، والدُّعاءُ بِهَذا المَعْنى أعَمُّ مِنَ الدُّعاءِ بِمَعْنى سُؤالِ الحاجاتِ ولَكِنَّهُ يَشْمَلُهُ، أوْ إذا عُبِدَ اللَّهُ وحْدَهُ.

صفحة ١٠١

ومَعْنى كَفَرْتُمْ جَدَّدْتُمُ الكُفْرَ، وذَلِكَ إمّا بِصُدُورِ أقْوالٍ مِنهم يُنْكِرُونَ فِيها انْفِرادَ اللَّهِ بِالإلَهِيَّةِ، وإمّا بِمُلاحَظَةٍ جَدِيدَةٍ وتَذَكُّرِ آلِهَتِهِمْ. ومَعْنى ﴿وإنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا﴾ إنْ يَصْدُرْ ما يَدُلُّ عَلى الإشْراكِ بِاللَّهِ مِن أقْوالِ زُعَمائِهِمْ ورِفاقِهِمُ الدّالَّةِ عَلى تَعَدُّدِ الآلِهَةِ أوْ إذا أُشْرِكَ بِهِ في العِبادَةِ تُؤْمِنُوا، أيْ تُجَدِّدُوا الإيمانَ بِتَعَدُّدِ الآلِهَةِ في قُلُوبِكم أوْ تُؤَيِّدُوا ذَلِكَ بِأقْوالِ التَّأْيِيدِ والزِّيادَةِ. ومُتَعَلِّقُ (كَفَرْتُمْ) و(تُؤْمِنُوا) مَحْذُوفانِ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُما. والتَّقْدِيرُ: كَفَرْتُمْ بِتَوْحِيدِهِ وتُؤْمِنُوا بِالشُّرَكاءِ.

وجِيءَ في الشَّرْطِ الأوَّلِ بِ (إذا) الَّتِي الغالِبُ في شَرْطِها تَحَقُّقُ وُقُوعِهِ، إشارَةً إلى أنَّ دُعاءَ اللَّهِ وحْدَهُ أمْرٌ مُحَقَّقٌ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ لا تَخْلُو عَنْهُ أيّامُهم ولا مَجامِعُهم، مَعَ ما تُفِيدُ إذا مِنَ الرَّغْبَةِ في حُصُولِ مَضْمُونِ شَرْطِها.

وجِيءَ في الشَّرْطِ الثّانِي بِحَرْفِ (إنْ) الَّتِي أصْلُها عَدَمُ الجَزْمِ بِوُقُوعِ شَرْطِها، أوْ أنَّ شَرْطَها أمْرٌ مَفْرُوضٌ، مَعَ أنَّ الإشْراكَ مُحَقَّقٌ تَنْزِيلًا لِلْمُحَقَّقِ مُنْزِلَةَ المَشْكُوكِ المَفْرُوضِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ دَلائِلَ بُطْلانِ الشِّرْكِ واضِحَةٌ بِأدْنى تَأمُّلٍ وتَدَبُّرٍ، فَنَزَّلَ إشْراكَهُمُ المُحَقَّقَ مَنزِلَةَ المَفْرُوضِ؛ لِأنَّ المَقامَ مُشْتَمِلٌ عَلى ما يَقْلَعُ مَضْمُونَ الشَّرْطِ مِن أصْلِهِ فَلا يَصْلُحُ إلّا لِفَرْضِهِ عَلى نَحْوِ ما يُفْرَضُ المَعْلُومُ مَوْجُودًا أوِ المُحالُ مُمْكِنًا.

والألِفُ واللّامُ في الحُكْمِ لِلْجِنْسِ.

واللّامُ في (لِلَّهِ) لِلْمِلْكِ أيْ جِنْسُ الحُكْمِ مِلْكٌ لِلَّهِ، وهَذا يُفِيدُ قَصْرَ هَذا الجِنْسِ عَلى الكَوْنِ لِلَّهِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ (الحَمْدُ لِلَّهِ) في سُورَةِ الفاتِحَةِ وهو قَصْرٌ حَقِيقِيٌّ إذْ لا حُكْمَ يَوْمَ القِيامَةِ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى.

وبِهَذِهِ الآيَةِ تَمَسَّكَ الحَرُورِيَّةُ يَوْمَ حَرُوراءَ حِينَ تَداعى جَيْشُ الكُوفَةِ وجَيْشُ الشّامِ إلى التَّحْكِيمِ، فَثارَتِ الحَرُورِيَّةُ عَلى عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ وقالُوا: لا حُكْمَ إلّا لِلَّهِ، جَعَلُوا التَّعْرِيفَ لِلْجِنْسِ والصِّيغَةَ لِلْقَصْرِ وحَدَّقُوا إلى هَذِهِ الآيَةِ وغَضُّوا عَنْ آياتٍ جَمَّةٍ، فَقالَ عَلِيٌّ لَمّا سَمِعَها: (كَلِمَةُ حَقٍّ أُرِيدَ بِها باطِلٌ) اضْطَرَبَ النّاسُ ولَمْ يَتِمَّ التَّحْكِيمُ.

صفحة ١٠٢

وإيثارُ صِفَتَيِ العَلِيِّ الكَبِيرِ بِالذِّكْرِ هُنا لِأنَّ مَعْناهُما مُناسِبٌ لِحِرْمانِهِمْ مِنَ الخُرُوجِ مِنَ النّارِ، أيْ لِعَدَمِ نَقْضِ حُكْمِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ بِالخُلُودِ في النّارِ، لِأنَّ العُلُوَّ في وصْفِهِ تَعالى عُلُوٌّ مَجازِيٌّ اعْتِبارِيٌّ بِمَعْنى شَرَفِ القَدْرِ وكَمالِهِ، فَهو العَلِيُّ في مَراتِبِ الكَمالاتِ كُلِّها بِالذّاتِ، ومِن جُمْلَةِ ما يَقْتَضِيهِ ذَلِكَ تَمامُ العُلُوِّ وتَمامُ العَدْلِ، فَلِذَلِكَ لا يَحْكُمُ إلّا بِما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ والعَدْلُ.

ووَصْفُ الكَبِيرِ كَذَلِكَ هو كِبَرٌ مَجازِيٌّ، وهو قُوَّةُ صِفاتِ كَمالِهِ، فَإنَّ الكَبِيرَ قَوِيٌّ وهو الغَنِيُّ المُطْلَقُ، وكِلا الوَصْفَيْنِ صِيغَ عَلى مِثالِ الصِّفَةِ المُشَبَّهَةِ لِلدَّلالَةِ عَلى الِاتِّصافِ الذّاتِيِّ المَكِينِ، وإنَّما يُقْبَلُ حُكْمُ النَّقْضِ لِأحَدِ أمْرَيْنِ: إمّا لِعَدَمِ جَرْيِهِ عَلى ما يَقْتَضِيهِ مِن سَبَبِ الحُكْمِ وهو النَّقْضُ لِأجْلِ مُخالَفَةِ الحَقِّ وهَذا يُنافِيهِ وصْفُ العَلِيِّ، وإمّا لِأنَّهُ جَوْرٌ ومُجاوِزٌ لِلْحَدِّ، وهَذا يُنافِيهِ وصْفُ الكَبِيرِ لِأنَّهُ يَقْتَضِي الغِنى عَنِ الجَوْرِ.

40:13Page 468

هُوَ ٱلَّذِي يُرِيكُمۡ ءَايَٰتِهِۦ وَيُنَزِّلُ لَكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ رِزۡقٗاۚ وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَن يُنِيبُ ١٣

It is He who shows you His signs and sends down to you from the sky, provision. But none will remember except he who turns back [in repentance].

﴿هو الَّذِي يُرِيكم آياتِهِ ويُنَزِّلُ لَكم مِنَ السَّماءِ رِزْقًا وما يَتَذَكَّرُ إلّا مَن يُنِيبُ﴾ .

هَذا اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ إقْبالٌ عَلى خِطابِ الرَّسُولِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ بَعْدَ أنِ انْقَضى وصْفُ ما يُلاقِي المُشْرِكُونَ مِنَ العَذابِ، وما يَدْعُونَ مِن دُعاءٍ لا يُسْتَجابُ، وقَرِينَةُ ذَلِكَ قَوْلُهُ ولَوْ كَرِهَ الكافِرُونَ.

ومُناسَبَةُ الِانْتِقالِ هي وصْفا العَلِيِّ الكَبِيرِ لِأنَّ جُمْلَةَ (يُرِيكم آياتِهِ) تُناسِبُ وصْفَ العُلُوِّ، وجُمْلَةَ ﴿ويُنَزِّلُ لَكم مِنَ السَّماءِ رِزْقًا﴾ تُناسِبُ وصْفَ الكَبِيرِ بِمَعْنى الغَنِيِّ المُطْلَقِ.

والآياتُ: دَلائِلُ وُجُودِهِ ووَحْدانِيَّتِهِ. وهي المَظاهِرُ العَظِيمَةُ الَّتِي تَبْدُو لِلنّاسِ في هَذا العالَمِ كَقَوْلِهِ ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ البَرْقَ خَوْفًا وطَمَعًا﴾ [الرعد: ١٢] وقَوْلِهُ ﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الألْبابِ﴾ [آل عمران: ١٩٠] .

وتَنْزِيلُ الرِّزْقِ مِنَ السَّماءِ هو نُزُولُ المَطَرِ لِأنَّ المَطَرَ سَبَبُ الرِّزْقِ وهو في نَفْسِهِ آيَةٌ

صفحة ١٠٣

أُدْمِجَ مَعَها امْتِنانٌ، ولِذَلِكَ عُقِّبَ الأمْرانِ بِقَوْلِهِ ﴿وما يَتَذَكَّرُ إلّا مَن يُنِيبُ﴾ .

وصِيغَةُ المُضارِعِ في (يُرِيكم) و(يُنَزِّلُ) تَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ إراءَةٌ مُتَجَدِّدَةٌ وتَنْزِيلٌ مُتَجَدِّدٌ وإنَّما يَكُونُ ذَلِكَ في الدُّنْيا، فَتَعَيَّنَ أنَّ الخِطابَ مُسْتَأْنَفٌ مُرادٌ بِهِ المُؤْمِنُونَ ولَيْسَ مِن بَقِيَّةِ خِطابِ المُشْرِكِينَ في جَهَنَّمَ، ويَزِيدُ ذَلِكَ تَأْيِيدًا قَوْلُهُ ﴿فادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ولَوْ كَرِهَ الكافِرُونَ﴾ [غافر: ١٤] .

وعُدِّيَ فِعْلا (يُرِي) و(يُنَزِّلُ) إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ وهُمُ المُؤْمِنُونَ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ انْتَفَعُوا بِالآياتِ فَآمَنُوا وانْتَفَعُوا بِالرِّزْقِ فَشَكَرُوا بِالعَمَلِ بِالطّاعاتِ فَجُعِلَ غَيْرُهم بِمَنزِلَةِ غَيْرِ المَقْصُودِينَ بِالآياتِ لِأنَّهم لَمْ يَنْتَفِعُوا بِها كَما قالَ تَعالى ﴿وتِلْكَ الأمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ وما يَعْقِلُها إلّا العالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣] فَجَعَلَ غَيْرَ العالِمِينَ كَمَن لا يَعْقِلُ ولا يَفْقَهُ.

ولِذَلِكَ ذُيِّلَتْ إراءَةُ الآياتِ وإنْزالُ الرِّزْقِ لَهم بِقَوْلِهِ ﴿وما يَتَذَكَّرُ إلّا مَن يُنِيبُ﴾ أيْ مَن آمَنَ ونَبَذَ الشِّرْكَ لِأنَّ الشِّرْكَ يَصُدُّ أهْلَهُ عَنِ الإنْصافِ وإعْمالِ النَّظَرِ في الأدِلَّةِ.

والإنابَةُ: التَّوْبَةُ، وفي صِيغَةِ المُضارِعِ إشارَةٌ إلى أنَّ الإنابَةَ المُحَصِّلَةَ لِلْمَطْلُوبِ هي الإنابَةُ المُتَجَدِّدَةُ المُتَكَرِّرَةُ، وإذْ قَدْ كانَ المُخاطَبُونَ مُنِيبِينَ إلى اللَّهِ كانَ قَوْلُهُ ﴿وما يَتَذَكَّرُ إلّا مَن يُنِيبُ﴾ دالًّا بِدَلالَةِ الِاقْتِضاءِ عَلى أنَّهم رَأوُا الآياتِ وطَمْأنُوا بِها وأنَّهم عَرَفُوا قَدْرَ النِّعْمَةِ وشَكَرُوها فَكانَ بَيْنَ الإنابَةِ وبَيْنَ التَّذَكُّرِ تَلازُمٌ عادِيٌّ، ولِذَلِكَ فَجُمْلَةُ ﴿وما يَتَذَكَّرُ إلّا مَن يُنِيبُ﴾ تَذْيِيلٌ.

وتَقْدِيمُ (لَكم) عَلى مَفْعُولِ (يُنَزِّلُ) وهو (رِزْقًا) لِكَمالِ الِامْتِنانِ بِأنْ جُعِلَ تَنْزِيلُ الرِّزْقِ لِأجْلِ النّاسِ ولَوْ أُخِّرَ المَجْرُورُ لَصارَ صِفَةً لِ (رِزْقًا) فَلا يُفِيدُ أنَّ التَّنْزِيلَ لِأجْلِ المُخاطَبِينَ بَلْ يُفِيدُ أنَّ الرِّزْقَ صالِحٌ لِلْمُخاطَبِينَ وبَيْنَ المَعْنَيَيْنِ بَوْنٌ بَعِيدٌ، فَكانَ تَقْدِيمُ المَجْرُورِ في التَّرْتِيبِ عَلى مَفْعُولِ الفِعْلِ عَلى خِلافِ مُقْتَضى الظّاهِرِ لِأنَّ حَقَّ المَفْعُولِ أنْ يَتَقَدَّمَ عَلى غَيْرِهِ مِن مُتَعَلَّقاتِ الفِعْلِ وإنَّما خُولِفَ الظّاهِرُ لِهَذِهِ النُّكْتَةِ.

صفحة ١٠٤

وجُعِلَ تَنْزِيلُ الرِّزْقِ لِأجْلِ المُخاطَبِينَ وهُمُ المُؤْمِنُونَ إشارَةً إلى أنَّ اللَّهَ أرادَ كَرامَتَهُمُ ابْتِداءً وأنَّ انْتِفاعَ غَيْرِهِمْ بِالرِّزْقِ انْتِفاعٌ بِالتَّبَعِ لَهم لِأنَّهُمُ الَّذِينَ بِمَحَلِّ الرِّضى مِنَ اللَّهِ تَعالى.

وتُثارُ مِن هَذِهِ الآيَةِ مَسْألَةُ الِاخْتِلافِ بَيْنَ الأشْعَرِيَّةِ مَعَ الماتُرِيدِيِّ ومَعَ المُعْتَزِلَةِ في أنَّ الكافِرَ مُنْعَمٌ عَلَيْهِ أوْ لا، فَعَنِ الأشْعَرِيِّ أنَّ الكافِرَ غَيْرُ مُنْعَمٍ عَلَيْهِ في الدُّنْيا ولا في الدِّينِ ولا في الآخِرَةِ، وقالَ القاضِي أبُو بَكْرٍ الباقِلّانِيُّ والماتُرِيدِيُّ: هو مُنْعَمٌ عَلَيْهِ نِعْمَةً دُنْيَوِيَّةً، لا دِينِيَّةً ولا أُخْرَوِيَّةً، وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: هو مُنْعَمٌ عَلَيْهِ نِعْمَةً دُنْيَوِيَّةً ودِينِيَّةً لا أُخْرَوِيَّةً، فَأمّا الأشْعَرِيُّ فَلَمْ يَعْتَبِرْ بِظاهِرِ المَلاذِّ الَّتِي تَحْصُلُ لِلْكافِرِ في الحَياةِ فَإنَّما ذَلِكَ إمْلاءٌ واسْتِدْراجٌ لِأنَّ مَآلَها العَذابُ المُؤْلِمُ فَلا تَسْتَحِقُّ اسْمَ النِّعْمَةِ، وأنا أقُولُ: لَوِ اسْتَدَلَّ لَهُ بِأنَّها حاصِلَةٌ لَهم تَبَعًا فَهي لَذائِذُ ولَيْسَتْ نِعَمًا لِأنَّ النِّعْمَةَ لَذَّةٌ أُرِيدَ مِنها نَفْعُ مَن وصَلَتْ إلَيْهِ كَما أشَرْتُ إلَيْهِ آنِفًا.

وأمّا الباقِلّانِيُّ فَراعى ظاهِرَ المَلاذِّ فَلَمْ يَمْنَعْ أنْ تَكُونَ نِعَمًا وإنْ كانَتْ عَواقِبُها آلامًا، وآياتُ القُرْآنِ شاهِدَةٌ لِقَوْلِهِ.

وأمّا المُعْتَزِلَةُ فَزادُوا فَزَعَمُوا أنَّ الكافِرَ مُنْعَمٌ عَلَيْهِ دِينًا، وأرادُوا بِذَلِكَ أنَّ اللَّهَ مَكَّنَ الكافِرَ مِن نِعْمَةِ القُدْرَةِ عَلى النَّظَرِ المُؤَدِّي إلى مَعْرِفَةِ اللَّهِ وواجِبِ صِفاتِهِ.

والَّذِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ رَأْيُ المُحَقِّقِينَ مِنَ المُتَكَلِّمِينَ أنَّ هَذا الخِلافَ لَفْظِيٌّ لِأنَّهُ غَيْرُ ناظِرٍ إلى حَقِيقَةِ حالَةِ الكافِرِ في الدُّنْيا والدِّينِ، وإنَّما نَظَرَ كُلُّ شِقٍّ مِن أهْلِ الخِلافِ إلى ما حَفَّ بِأحْوالِ الكافِرِ في تِلْكَ النِّعْمَةِ فَرَجَعَ إلى الخِلافِ في الألْفاظِ المُصْطَلَحِ عَلَيْها ومَدْلُولاتِها في حَقائِقِ المَقْصُودِ مِنها.

40:14Page 468

فَٱدۡعُواْ ٱللَّهَ مُخۡلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ وَلَوۡ كَرِهَ ٱلۡكَٰفِرُونَ ١٤

So invoke Allāh, [being] sincere to Him in religion, although the disbelievers dislike it.

﴿فادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ولَوْ كَرِهَ الكافِرُونَ﴾ .

تَفْرِيعٌ عَلى ما شاهَدُوا مِنَ الآياتِ وما أُفِيضَ عَلَيْهِمْ مِنَ الرِّزْقِ، وعَلى أنَّهُمُ المَرْجُوُّونَ لِلتَّذْكِيرِ، أيْ إذْ كُنْتُمْ بِهَذِهِ الدَّرَجَةِ فادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ، فَفي الفاءِ مَعْنى الفَصِيحَةِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ (﴿وما يَتَذَكَّرُ إلّا مَن يُنِيبُ﴾ [غافر: ١٣]) .

صفحة ١٠٥

والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ أراكم آياتِهِ وأنْزَلَ لَكُمُ الرِّزْقَ وما يَتَذَكَّرُ إلّا المُنِيبُونَ وأنْتُمْ مِنهم فادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لِتَوْفِيرِ دَواعِي تِلْكَ العِبادَةِ.

والدُّعاءُ هُنا: الإعْلانُ وذِكْرُ اللَّهِ ونِداؤُهُ ويَشْمَلُ الدُّعاءَ بِمَعْنى سُؤالِ الحاجَةِ شُمُولَ الأعَمِّ لِلْأخَصِّ، وتَقَدَّمَ آنِفًا أنَّ الدُّعاءَ يُطْلَقُ عَلى العِبادَةِ.

والأمْرُ مُسْتَعْمَلٌ في طَلَبِ الدَّوامِ لِأنَّ المُؤْمِنِينَ قَدْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ، فالمَقْصُودُ: دُومُوا عَلى ذَلِكَ ولَوْ كَرِهَ الكافِرُونَ، لِأنَّ كَراهِيَةَ الكافِرِينَ ذَلِكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ تَكُونُ سَبَبًا لِمُحاوَلَتِهِمْ صَرْفَهم عَنْ ذَلِكَ بِكُلِّ وسِيلَةٍ يَجِدُونَ إلَيْها سَبِيلًا فَيُخْشى ذَلِكَ أنْ يَفْتِنَ فَرِيقًا مِنَ المُؤْمِنِينَ، فالكَراهِيَةُ كِنايَةٌ عَنِ المُقاوَمَةِ والصَّدِّ لِأنَّهُما لازِمانِ لِلْكَراهِيَةِ لِأنَّ شَأْنَ الكارِهِ أنْ لا يَصْبِرَ عَلى دَوامِ ما يَكْرَهُهُ، فالأمْرُ بِقَوْلِهِ (﴿فادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ﴾) إلى نَحْوِ الأمْرِ في قَوْلِهِ (﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ [النساء: ١٣٦]) .

وإظْهارُ اسْمِ الجَلالَةِ في قَوْلِهِ (﴿فادْعُوا اللَّهَ﴾) لِأنَّ الكَلامَ تَفْرِيعٌ لِاسْتِجْدادِ غَرَضٍ آخَرَ فَجُعِلَ مُسْتَقِلًّا عَمّا قَبْلَهُ.

وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ (مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ ﴿فاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر: ٢] أوَّلَ سُورَةِ الزُّمَرِ.

وجُمْلَةُ (ولَوْ كَرِهَ الكافِرُونَ) في مَوْضِعِ الحالِ مِن فاعِلِ (ادْعُوا) .

و(لَوْ) وصْلِيَّةٌ تُفِيدُ أنَّ شَرْطَها أقْصى ما يَكُونُ مِنَ الأحْوالِ الَّتِي يُرادُ تَقْيِيدُ عامِلِ الحالِ بِها، أيِ اعْبُدُوهُ في كُلِّ حالٍ حَتّى في حالِ كَراهِيَةِ الكافِرِينَ ذَلِكَ لِأنَّ كَراهِيَةَ الكافِرِينَ ذَلِكَ والمُؤْمِنُونَ بَيْنَ ظَهْرانَيْهِمْ وفي بِلادِ سُلْطانِ الكافِرِينَ مَظِنَّةٌ لِأنْ يَصُدَّهم ذَلِكَ عَنْ دُعاءِ اللَّهِ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ. وهَذا في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى ﴿فاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ﴾ [الحجر: ٩٤] وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْصِيلُ (لَوْ) هَذِهِ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿فَلَنْ يُقْبَلَ مِن أحَدِهِمْ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا ولَوِ افْتَدى بِهِ﴾ [آل عمران: ٩١] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.

40:15Page 468

رَفِيعُ ٱلدَّرَجَٰتِ ذُو ٱلۡعَرۡشِ يُلۡقِي ٱلرُّوحَ مِنۡ أَمۡرِهِۦ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦ لِيُنذِرَ يَوۡمَ ٱلتَّلَاقِ ١٥

[He is] the Exalted above [all] degrees, Owner of the Throne; He places the inspiration of His command [i.e., revelation] upon whom He wills of His servants to warn of the Day of Meeting.

صفحة ١٠٦

﴿رَفِيعُ الدَّرَجاتِ ذُو العَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِن أمْرِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ﴾ ﴿يَوْمَ هم بارِزُونَ لا يَخْفى عَلى اللَّهِ مِنهم شَيْءٌ﴾ [غافر: ١٦] .

رَفِيعُ الدَّرَجاتِ خَبَرٌ عَنْ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ هو ضَمِيرُ اسْمِ الجَلالَةِ في قَوْلِهِ (فادْعُوا اللَّهَ) ولَيْسَ خَبَرًا ثانِيًا بَعْدَ قَوْلِهِ ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكم آياتِهِ﴾ [غافر: ١٣] لِأنَّ الكَلامَ هُنا في غَرَضٍ مُسْتَجَدٍّ، وحَذْفُ المُسْنَدِ إلَيْهِ في مِثْلِهِ حَذْفُ اتِّباعٍ لِلِاسْتِعْمالِ في حَذْفِ مِثْلِهِ، كَذا سَمّاهُ السَّكّاكِيُّ بَعْدَ أنْ يَجْرِيَ مِن قِبَلِ الجُمْلَةِ حَدِيثٌ عَنِ المَحْذُوفِ كَقَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ أوْ إبْراهِيمَ بْنِ العَبّاسِ الصُّولِيِّ أوْ مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدٍ الكاتِبِ:

سَأشْكُرُ عَمْرًا إنْ تَراخَتْ مَنِيَّتِي أيادِيَ لَمْ تُمْنَنْ وإنْ هي جَلَّتِ

فَتًى غَيْرُ مَحْجُوبِ الغِنى عَنْ صَدِيقِهِ ∗∗∗ ولا مُظْهِرُ الشَّكْوى إذا النَّعْلُ زَلَّتِ

و(رَفِيعُ) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ صِفَةً مُشَبَّهَةً. والتَّعْرِيفُ في الدَّرَجاتِ عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ. والتَّقْدِيرُ: رَفِيعَةٌ دَرَجاتُهُ، فَلَمّا حُوِّلَ وصْفُ ما هو مِن شُئُونِهِ إلى أنْ يَكُونَ وصْفًا لِذاتِهِ سُلِكَ طَرِيقُ الإضافَةِ وجُعِلَتِ الصِّفَةُ المُشَبَّهَةُ خَبَرًا عَنْ ضَمِيرِ الجَلالَةِ وجُعِلَ فاعِلُ الصِّفَةِ مُضافًا إلَيْهِ، وذَلِكَ مِن حالاتِ الصِّفَةِ المُشَبَّهَةِ يُقالُ: فُلانٌ حَسَنٌ فِعْلُهُ، ويُقالُ: حَسَنُ الفِعْلِ، فَيُؤَوَّلُ قَوْلُهُ (﴿رَفِيعُ الدَّرَجاتِ﴾) إلى صِفَةِ ذاتِهِ.

و(الدَّرَجاتُ) مُسْتَعارَةٌ لِلْمَجْدِ والعَظَمَةِ، وجَمْعُها إيذانٌ بِكَثْرَةِ العَظَماتِ بِاعْتِبارِ صِفاتِ مَجْدِ اللَّهِ الَّتِي لا تُحْصَرُ، والمَعْنى: أنَّهُ حَقِيقٌ بِإخْلاصِ الدُّعاءِ إلَيْهِ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (رَفِيعُ) مِن أمْثِلَةِ المُبالَغَةِ، أيْ كَثِيرُ رَفْعِ الدَّرَجاتِ لِمَن يَشاءُ وهو مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى ﴿نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَن نَشاءُ﴾ [الأنعام: ٨٣]، وإضافَتُهُ إلى الدَّرَجاتِ مِنَ الإضافَةِ إلى المَفْعُولِ فَيَكُونُ راجِعًا إلى صِفاتِ أفْعالِ اللَّهِ تَعالى.

والمَقْصُودُ: تَثْبِيتُهم عَلى عِبادَةِ اللَّهِ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ بِالتَّرْغِيبِ بِالتَّعَرُّضِ إلى

صفحة ١٠٧

رَفْعِ اللَّهِ دَرَجاتِهِمْ كَقَوْلِهِ ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكم والَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ دَرَجاتٍ﴾ [المجادلة: ١١] في سُورَةِ المُجادَلَةِ.

و(ذُو العَرْشِ) خَبَرٌ ثانٍ وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ رَفْعَ الدَّرَجاتِ مِنهُ مُتَفاوِتٌ.

كَما أنَّ مَخْلُوقاتِهِ العُلْيا مُتَفاوِتَةٌ في العِظَمِ والشَّرَفِ إلى أنْ تَنْتَهِيَ إلى العَرْشِ وهو أعْلى المَخْلُوقاتِ كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ ورَفَعَ العَرْشَ ماذا تُقَدِّرُونَ رَفْعَهُ دَرَجاتِ عابِدِيهِ عَلى مَراتِبِ عِبادَتِهِمْ وإخْلاصِهِمْ.

وجُمْلَةُ (﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِن أمْرِهِ﴾) خَبَرٌ ثالِثٌ، أوْ بَدَلُ بَعْضٍ مِن جُمْلَةِ (رَفِيعُ الدَّرَجاتِ) فَإنَّ مِن رَفْعِ الدَّرَجاتِ أنْ يَرْفَعَ بَعْضَ عِبادِهِ إلى دَرَجَةِ النُّبُوءَةِ وذَلِكَ أعْظَمُ رَفْعِ الدَّرَجاتِ بِالنِّسْبَةِ إلى عِبادِهِ، فَبَدَلُ البَعْضِ هو هُنا أهَمُّ أفْرادِ المُبَدَلِ مِنهُ.

والإلْقاءُ: حَقِيقَتُهُ رَمْيُ الشَّيْءِ مِنَ اليَدِ إلى الأرْضِ، ويُسْتَعارُ لِلْإعْطاءِ إذا كانَ غَيْرَ مُتَرَقَّبٍ، وكَثُرَ هَذا في القُرْآنِ، قالَ (﴿فَألْقَوْا إلَيْهِمُ القَوْلَ إنَّكم لَكاذِبُونَ﴾ [النحل: ٨٦] ﴿وألْقَوْا إلى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ﴾ [النحل: ٨٧])، واسْتُعِيرَ هُنا لِلْوَحْيِ لِأنَّهُ يَجِيءُ فَجْأةً عَلى غَيْرِ تَرَقُّبٍ كَإلْقاءِ الشَّيْءِ إلى الأرْضِ.

والرُّوحُ: الشَّرِيعَةُ، وحَقِيقَةُ الرُّوحِ: ما بِهِ حَياةُ الحَيِّ مِنَ المَخْلُوقاتِ، ويُسْتَعارُ لِلنَّفِيسِ مِنَ الأُمُورِ ولِلْوَحْيِ لِأنَّهُ بِهِ حَياةُ النّاسِ المَعْنَوِيَّةُ وهي كَمالُهم وانْتِظامُ أُمُورِهِمْ، فَكَما تُسْتَعارُ الحَياةُ لِلْإيمانِ والعِلْمِ، كَذَلِكَ يُسْتَعارُ الرُّوحُ الَّذِي هو سَبَبُ الحَياةِ لِكَمالِ النُّفُوسِ وسَلامَتِها مِنَ الطَّوايا السَّيِّئَةِ، ويُطْلَقُ الرُّوحُ عَلى المَلَكِ قالَ﴿فَأرْسَلْنا إلَيْها رُوحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَرًا سَوِيًّا﴾ [مريم: ١٧] .

و(مِن) ابْتِدائِيَّةٌ في (مِن أمْرِهِ)، أيْ بِأمْرِهِ، فالأمْرُ عَلى ظاهِرِهِ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ (مِن) تَبْعِيضِيَّةً ظَرْفًا مُسْتَقِرًّا صِفَةَ الرُّوحِ أيْ بَعْضُ شُئُونِهِ الَّتِي لا يَطَّلِعُ عَلَيْها غَيْرُهُ إلّا مَنِ ارْتَضى فَيَكُونُ الأمْرُ بِمَعْنى الشَّأْنِ، أيِ الشُّئُونِ العَجِيبَةِ، وقِيلَ (مِن) بَيانِيَّةٌ وأنَّ الأمْرَ هو الرُّوحُ وهَذا بِعِيدٌ.

وهَذَهِ الآيَةُ تُشِيرُ إلى أنَّ النُّبُوءَةَ غَيْرُ مُكْتَسَبَةٍ لِأنَّها ابْتُدِئَتْ بِقَوْلِهِ

صفحة ١٠٨

﴿فادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [غافر: ١٤] ثُمَّ أعْقَبَ بِقَوْلِهِ (رَفِيعُ الدَّرَجاتِ) فَأشارَ إلى أنَّ عِبادَةَ اللَّهِ بِإخْلاصٍ سَبَبٌ لِرَفْعِ الدَّرَجاتِ، ثُمَّ أعْقَبَ بِقَوْلِهِ ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِن أمْرِهِ﴾ فَجِيءَ بِفِعْلِ الإلْقاءِ وبِكَوْنِ الرُّوحِ مِن أمْرِهِ وبِصِلَةِ مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ، فَآذَنَ بِأنَّ ذَلِكَ بِمَحْضِ اخْتِيارِهِ وعِلْمِهِ كَما قالَ تَعالى ”(﴿اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤])“ .

وهَذا يَرْتَبِطُ بِقَوْلِهِ في أوَّلِ السُّورَةِ ﴿إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ فاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر: ٢] فَأمَرَ رَسُولَهُ ﷺ بِالإخْلاصِ في العِبادَةِ مُفَرِّعًا عَلى إنْزالِ الكِتابِ إلَيْهِ، وجاءَ في شَأْنِ النّاسِ بِقَوْلِهِ ﴿فادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ﴾ [غافر: ١٤] ثُمَّ أعْقَبَهُ بِقَوْلِهِ (رَفِيعُ الدَّرَجاتِ) .

وقَدْ ضَرَبَ لَهُمُ العَرْشَ والأنْبِياءَ مَثَلَيْنِ لِرَفْعِ الدَّرَجاتِ في العَوالِمِ والعُقَلاءِ. وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِتَسْفِيهِ المُشْرِكِينَ إذْ قالُوا ﴿أبَشَرًا مِنّا واحِدًا نَتَّبِعُهُ﴾ [القمر: ٢٤]، ﴿وقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١] وقالُوا ﴿لَنْ نُؤْمِنَ حَتّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١٢٤] .

وتَخْلُصُ مِن ذِكْرِ النُّبُوءَةِ إلى النِّذارَةِ بِيَوْمِ الجَزاءِ. لِيَعُودَ وصْفُ يَوْمِ الجَزاءِ الَّذِي انْقَطَعَ الكَلامُ عَلَيْهِ مِن قَوْلِهِ تَعالى (﴿ذَلِكم بِأنَّهُ إذا دُعِيَ اللَّهُ وحْدَهُ كَفَرْتُمْ﴾ [غافر: ١٢]) إلَخْ.

والإنْذارُ: إخْبارٌ فِيهِ تَحْذِيرٌ مِمّا يَسُوءُ وهو بِضِدِّ التَّبْشِيرِ إذْ هو إخْبارٌ بِما فِيهِ مَسَرَّةٌ. وفِعْلُهُ المُجَرَّدُ: نَذِرَ كَعَلِمَ، يُقالُ: نَذِرَ بِالعَدُوِّ فَحَذِرَهُ.

والهَمْزَةُ في أنْذَرَ لِلتَّعْدِيَةِ فَحَقُّهُ أنْ لا يَتَعَدّى بِالهَمْزَةِ إلّا إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ وهو الَّذِي كانَ فاعِلَ الفِعْلِ المُجَرَّدِ، وأنْ يَتَعَدّى إلى الأمْرِ المُخْبَرِ بِهِ بِالباءِ، يُقالُ: أنْذَرْتُهم بِالعَدُوِّ، غَيْرَ أنَّهُ غَلَبَ في الِاسْتِعْمالِ تَضْمِينُهُ مَعْنى التَّحْذِيرِ فَعَدُّوهُ إلى مَفْعُولٍ ثانٍ وهو اسْتِعْمالُ القُرْآنِ، وأمّا قَوْلُهُ في أوَّلِ الأعْرافِ (لِتُنْذِرَ بِهِ) فالباءُ فِيهِ لِلسَّبَبِيَّةِ أوِ الآلَةِ المَجازِيَّةِ ولَيْسَتْ لِلتَّعْدِيَةِ. وضَمِيرُ (بِهِ) عائِدٌ إلى الكِتابِ.

والضَّمِيرُ المُسْتَتِرُ في (لِيُنْذِرَ) عائِدٌ إلى اسْمِ الجَلالَةِ مِن قَوْلِهِ (﴿فادْعُوا اللَّهَ﴾ [غافر: ١٤])، والأحْسَنُ أنْ يَعُودَ عَلى (مَن) المَوْصُولَةِ لِيُنْذِرَ مَن ألْقى عَلَيْهِ الرُّوحَ قَوْمَهُ، ولِأنَّ

صفحة ١٠٩

فِيهِ تَخَلُّصًا إلى ذِكْرِ الرَّسُولِ الأعْظَمِ ﷺ الَّذِي هو بِصَدَدِ الإنْذارِ دُونَ الرُّسُلِ الَّذِينَ سَبَقُوا إذْ لا تُلائِمُهم صِيغَةُ المُضارِعِ ولِأنَّهُ مُرَجِّحٌ لِإظْهارِ اسْمِ الجَلالَةِ في قَوْلِهِ (﴿لا يَخْفى عَلى اللَّهِ مِنهم شَيْءٌ﴾ [غافر: ١٦]) كَما سَيَأْتِي.

و(يَوْمَ التَّلاقِي) هو يَوْمُ الحَشْرِ، وسُمِّيَ يَوْمَ التَّلاقِي لِأنَّ النّاسَ كُلَّهم يَلْتَقُونَ فِيهِ، أوْ لِأنَّهم يَلْقَوْنَ رَبَّهم لِقاءً مَجازِيًّا، أيْ يَقِفُونَ في حَضْرَتِهِ وأمامَ أمْرِهِ مُباشَرَةً كَما قالَ تَعالى ﴿الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا﴾ [يونس: ٧] أيْ لا يَرْجُونَ يَوْمَ الحَشْرِ. وانْتَصَبَ (يَوْمَ التَّلاقِي) عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لِ (يُنْذِرَ)، وحُذِفَ المَفْعُولُ الأوَّلُ لِظُهُورِهِ، أيْ لِيُنْذِرَ النّاسَ.

وبَيْنَ (التَّلاقِي) و(يُلْقِي) جِناسٌ.

وكُتِبَ ”التَّلاقِي“ في المُصْحَفِ بِدُونِ ياءٍ. وقَرَأهُ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ عَنْهُ بِكَسْرَةٍ بِدُونِ ياءٍ. وقَرَأهُ الباقُونَ بِالياءِ لِأنَّهُ وقَعَ في الوَصْلِ لا في الوَقْفِ فَلا مُوجِبَ لِطَرْحِ الياءِ إلّا مُعامَلَةُ الوَصْلِ مُعامَلَةَ الوَقْفِ وهو قَلِيلٌ في النَّثْرِ فَيَقْتَصِرُ فِيهِ عَلى السَّماعِ. وكَفى بِرِوايَةِ نافِعٍ وأبِي عَمْرٍو سَماعًا.

و﴿يَوْمَ هم بارِزُونَ﴾ [غافر: ١٦] بَدَلٌ مِن (يَوْمَ التَّلاقِي) . (وهم بارِزُونَ) جُمْلَةٌ اسْمِيَّةٌ، والمُضافُ ظَرْفٌ مُسْتَقْبَلٌ وذَلِكَ جائِزٌ عَلى الأرْجَحِ بِدُونِ تَقْدِيرٍ.

وضَمِيرُ الغَيْبَةِ عائِدٌ إلى ”الكافِرُونَ“ مِن قَوْلِهِ ﴿ولَوْ كَرِهَ الكافِرُونَ﴾ [غافر: ١٤] .

وجُمْلَةُ (﴿لا يَخْفى عَلى اللَّهِ مِنهم شَيْءٌ﴾ [غافر: ١٦]) بَيانٌ لِجُمْلَةِ (هم بارِزُونَ) والمَعْنى: أنَّهم واضِحَةٌ ظَواهِرُهم وبَواطِنُهم فَإنَّ ذَلِكَ مُقْتَضى قَوْلِهِ (مِنهم شَيْءٌ) .

وإظْهارُ اسْمِ الجَلالَةِ لِأنَّ إظْهارَهُ أصْرَحُ لِبُعْدِ مَعادِهِ بِما عَقِبَهُ مِن قَوْلِهِ (﴿عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾)، ولِأنَّ الأظْهَرَ أنَّ ضَمِيرَ (لِيُنْذِرَ) عائِدٌ إلى (مَن يَشاءُ) .

ومَعْنى (مِنهم) مِن مَجْمُوعِهِمْ، أيْ مِن مَجْمُوعِ أحْوالِهِمْ وشُئُونِهِمْ، ولِهَذا أُوثِرَ ضَمِيرُ الجَمْعِ لِما فِيهِ مِنَ الإجْمالِ الصّالِحِ لِتَقْدِيرِ مُضافٍ مُناسِبٍ لِلْمَقامِ، وأُوثِرَ أيْضًا لَفْظُ (شَيْءٌ) لِتَوَغُّلِهِ في العُمُومِ، ولَمْ يَقُلْ لا يَخْفى عَلى اللَّهِ مِنهم

صفحة ١١٠

أحَدٌ أوْ لا يَخْفى عَلى اللَّهِ مِن أحَدٍ شَيْءٌ، أيْ مِن أجْزاءِ جِسْمِهِ، فالمَعْنى: لا يَخْفى عَلى اللَّهِ شَيْءٌ مِن أحْوالِهِمْ ظاهِرِها وباطِنِها.

40:16Page 468

يَوۡمَ هُم بَٰرِزُونَۖ لَا يَخۡفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِنۡهُمۡ شَيۡءٞۚ لِّمَنِ ٱلۡمُلۡكُ ٱلۡيَوۡمَۖ لِلَّهِ ٱلۡوَٰحِدِ ٱلۡقَهَّارِ ١٦

The Day they come forth nothing concerning them will be concealed from Allāh. To whom belongs [all] sovereignty this Day? To Allāh, the One, the Prevailing.1

﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ .

مَقُولٌ لِقَوْلٍ مَحْذُوفٍ، وحُذِفَ القَوْلُ مِن حَدِيثِ البَحْرِ. والتَّقْدِيرُ: يَقُولُ اللَّهُ لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ، فَفِعْلُ القَوْلِ المَحْذُوفِ جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ الحالِ، أوِ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ جَوابًا عَنْ سُؤالِ سائِلٍ عَمّاذا يَقَعُ بَعْدَ بُرُوزِهِمْ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ.

والِاسْتِفْهامُ إمّا تَقْرِيرِيٌّ لِيَشْهَدَ الطُّغاةُ مِن أهْلِ المَحْشَرِ عَلى أنْفُسِهِمْ أنَّهم كانُوا في الدُّنْيا مُخْطِئِينَ فِيما يَزْعُمُونَهُ لِأنْفُسِهِمْ مِن مُلْكٍ لِأصْنامِهِمْ حِينَ يُضِيفُونَ إلَيْها التَّصَرُّفَ في مَمالِكَ مِنَ الأرْضِ والسَّماءِ، مِثْلَ قَوْلِ اليُونانِ بِإلَهِ البَحْرِ وإلَهِ الحَرْبِ وإلَهِ الحِكْمَةِ، وقَوْلِ أقْباطِ مِصْرَ بِإلَهِ الشَّمْسِ وإلَهِ المَوْتِ وإلَهِ الحِكْمَةِ، وقَوْلِ العَرَبِ بِاخْتِصاصِ بَعْضِ الأصْنامِ بِبَعْضِ القَبائِلِ مِثْلِ اللّاتِ لِثَقِيفٍ، وذِي الخَلَصَةِ لِدَوْسٍ، ومَناةَ لِلْأوْسِ والخَزْرَجِ. وكَذَلِكَ ما يَزْعُمُونَهُ لِأنْفُسِهِمْ مِن سُلْطانٍ عَلى النّاسِ لا يُشارِكُهم فِيهِ غَيْرُهم كَقَوْلِ فِرْعَوْنَ ﴿ما عَلِمْتُ لَكم مِن إلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: ٣٨] وقَوْلِهِ ﴿ألَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وهَذِهِ الأنْهارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي﴾ [الزخرف: ٥١]، وتَلْقِيبِ أكاسِرَةِ الفُرْسِ أنْفُسَهم بِلَقَبِ: مَلِكِ المُلُوكِ شاهِنْشاهْ، وتَلْقِيبِ مُلُوكِ الهِنْدِ أنْفُسَهم بِلَقَبِ مَلِكِ الدُّنْيا شاهٍ جَهانِ، ويُفَسِّرُ هَذا المَعْنى ما في الحَدِيثِ في صِفَةِ يَوْمِ الحَشْرِ «ثُمَّ يَقُولُ اللَّهُ أنا المَلِكُ أيْنَ مُلُوكُ الأرْضِ» اسْتِفْهامًا مُرادًا مِنهُ تَخْوِيفُهم مِنَ الظُّهُورِ يَوْمَئِذٍ، أيْ أيْنَ هُمُ اليَوْمَ ؟ لِماذا لَمْ يَظْهَرُوا بِعَظَمَتِهِمْ وخُيَلائِهِمْ ؟ !

ويَجُوزُ أيْضًا أنْ يَكُونَ الِاسْتِفْهامُ كِنايَةً عَنِ التَّشْوِيقِ إلى ما يَرِدُ بَعْدَهُ مِنَ الجَوابِ لِأنَّ الشَّأْنَ أنَّ الَّذِي يَسْمَعُ اسْتِفْهامًا يَتَرَقَّبُ جَوابَهُ فَيَتَمَكَّنُ مِن نَفْسِهِ الجَوابُ عِنْدَ سَماعِهِ فَضْلَ تَمَكُّنٍ، عَلى أنَّ حُصُولَ التَّشْوِيقِ لا يَفُوتُ عَلى اعْتِبارِ الِاسْتِفْهامِ لِلتَّقْرِيرِ، وقَرِيبٌ مِنهُ ﴿وإذا سَألَكَ عِبادِي عَنِّي فَإنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدّاعِ إذا دَعانِ﴾ [البقرة: ١٨٦] .

صفحة ١١١

و(اليَوْمَ) المُعَرَّفُ بِاللّامِ هو اليَوْمُ الحاضِرُ، وحُضُورُهُ بِالنِّسْبَةِ إلى القَوْلِ المَحْكِيِّ أنَّهُ يُقالُ فِيهِ، أيِ اليَوْمُ الَّذِي وقَعَ فِيهِ هَذا القَوْلُ كَما هو شَأْنُ أسْماءِ الزَّمانِ الظُّرُوفِ إذا عُرِّفَتْ بِاللّامِ.

وجُمْلَةُ (﴿لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾) يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مِن بَقِيَّةِ القَوْلِ المُقَدَّرِ الصّادِرِ مِن جانِبِ اللَّهِ تَعالى بِأنْ يَصْدُرَ مِن ذَلِكَ الجانِبِ اسْتِفْهامٌ ويَصْدُرَ مِنهُ جَوابُهُ لِأنَّهُ لَمّا كانَ الِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلًا في التَّقْرِيرِ أوِ التَّشْوِيقِ كانَ مِنَ الشَّأْنِ أنْ يَتَوَلّى النّاطِقُ بِهِ الجَوابَ عَنْهُ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿عَمَّ يَتَساءَلُونَ عَنِ النَّبَأِ العَظِيمِ﴾ [النبإ: ١] .

ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَقُولَ قَوْلٍ آخَرَ مَحْذُوفٍ، أيْ فَيَقُولُ المَسْئُولُونَ لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ إقْرارًا مِنهم بِذَلِكَ، والتَّقْدِيرُ: فَيَقُولُ البارِزُونَ لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ، فَتَكُونُ مُعْتَرِضَةً.

وذِكْرُ الصِّفَتَيْنِ (﴿الواحِدِ القَهّارِ﴾) دُونَ غَيْرِهِما مِنَ الصِّفاتِ العُلى لِأنَّ لِمَعْنَيَيْهِما مَزِيدَ مُناسَبَةٍ بِقَوْلِهِ ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ﴾ حَيْثُ شُوهِدَتْ دَلائِلُ الوَحْدانِيَّةِ لِلَّهِ وقَهْرِهِ لِجَمِيعِ الطُّغاةِ والجَبّارِينَ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском